بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
الميزان في تفسير القرآن /
 للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
الشمس الساطعة
 رسالة في ذكري ألعالم الرباني العلامة
السيد محمدحسين الطباطبائي التبريزي‏
 

صورة المؤلف لكتاب الشمس الطالعة العلامة الطهراني  والسيد العلامة الطباطبائي

الشمس الساطعة
 رسالة في ذكري ألعالم الرباني العلامة
السيد محمدحسين الطباطبائي التبريزي‏

القِسْمُ الثَّاني
محاورات التلميذ والعلّامة

الأَبحاثُ الفَلْسَفيَّة


بسم الله الرّحمن الرّحيم‏

مسألة التثليث عند المسيحيين :
التلميذ:
إنّ إحدى الأمور التي تميّز دين الإسلام المقدّس عن دين المسيحيّين هي مسألة التثليث. بل إنّ هذا الوجه الخلافي أمر أصولي، و هو من أهمّ وجوه الاختلاف الأصولية.
إن دين الإسلام يدعو الناس إلى التوحيد، يعتبر الأصل القديم واحداً و يرجع كافّة جهات الكثرة من أيّ قسم أو نوع كانت إلى ذلك الوجود الواحد. أما دين النصارى فرغم تصريح الإنجيل بأنّ الله واحد، و لكنّه يقول بالأصول الثلاثة للعالم، و يجعل هذا الأمر أحد الأصول الاعتيادية بحيث إنّ دين المسيح و الاعتقاد بالتثليث (كون أصل نش‏ء العوالم ثلاثاً) أصبح عندهم من الأمور المتلازمة.
و لقد نهض القرآن الكريم لمواجهة التثليث بشكل صريح، و اعتبره باطلًا بناءً على الأصول العقليّة و ليس بناءً على التعبّد. و هاجم كلّ مَن يقول بالتثليث إلى درجة أن جعله مرادفاً للشرك. و قد كان نهج النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم و احتجاجاته على المسيحيّين، و نهج الأئمّة الأطهار عليهم السلام و أصحابهم و التابعين لهم و علماء الإسلام منذ صدر الإسلام و حتّى يومنا هذا على هذا المنوال و قد ملأوا الكتب و الرسائل في الردّ على التثليث و عدّوه مذهباً باطلًا بالأدلّة العقليّة المتقنة. و أظهروا بطلانه هذا بالبراهين العقليّة.
و من جانب آخر نعلم أنّ نفس التثليث لا موضوعيّة له في البطلان،
الشمس الساطعة، ص: 182
بل إنّ تعدد الآلهة و القدماء الذين يعتبرون أصول نشوء العالم لا يمكن أن يكون أكثر من واحد، و بناءً على هذا، فإنّ مذهب التثليث و التربيع و التخميس و أمثالها كلّ هذه لا تفاوت بينها. و كل من يقول بتعدّد أصول العالم بأيّ شكل أو نحو سواء كانت مركّبةً من مائة جزء أو ألف جزء فهو باطل.
الشمس الساطعة 187 لا تجتمع الوحدة الحقيقية و الكثرة الحقيقية في موضوع واحد ..... ص : 185

و الأدلة التي تستخدم في دحض التثليث في القرآن الكريم و غيره تبطلها جميعاً، و تجعلها مساوية للشرك.
و من جانب آخر، فإنّ القول بعينيّة صفات و أسماء الحقّ سبحانه و تعالى سوف يؤدي إلى التجزئة و التركيب و التعدّد في ذات واجب الوجود.

 لأنّ مفهوم العلم و القدرة و الحياة، أو مفهوم العالِم و القادر و الحيّ لا تحمل فقط و فقط على ذات الحقّ سبحانه، بل إنّ ما تنطبق عليه هذه المفاهيم التي هي المصاديق الحقيقيّة للعلم و القدرة و الحياة، و ينبغي أن يكون له وجود خارجيّ و تحقّق واقعيّ في ذات الحقّ. و هذا ما يستلزم تجزئة الذات المقدّسة للحضرة الأحديّة على هذه المصاديق العينيّة. و لازمه تركّب الذات الأحديّة من هذه الصفات و الأسماء العينيّة الخارجيّة.
و هنا يصبح مذهب تثليث النصارى بعينه لازماً، غاية الأمر أنّه لا يسمّى تثليثاً، بل تجزئةً لذات الحقّ بعدد الصفات و الموضوعة لها.
و يكون كلّ واحد منها منفصلًا عن الآخر و متميّزاً عنه و يتحقّق في ذات الحق. و هذا أشنع من التثليث و أقبح. ففي التثليث تكون ذات الحقّ مركّبة من ثلاثة أجزاء مما يلزم تلك التوالي الفاسدة، أمّا هنا فإنّ ذات الحقّ متركّبة من ألف اسم أو صفة.


العلّامة: إنّ آيات القرآن الكريم توبّخ المسيحيين بطرق و لهجات عديدة مختلفة:
الشمس الساطعة، ص: 183
الأولى: يَأهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينكُمْ وَ لَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إلَّا الْحَقَّ إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ ألقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِّنْهُ فَامِنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إنَّمَا اللهُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أن يَكُونَ لَهُوَ وَلَدٌ لَّهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَ مَا في الأرْضِ وَ كَفي بِاللهِ وَكِيلًا. [1]
و كما يلاحظ من هذه الآية المباركة: فقد نَفَت التثليث، في قوله تعالى: وَ لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ و نُزّهت الخالق سبحانه تعالى من أن يكون له ولد.
الثانية: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إسرائيل اعْبُدُوا اللَهَ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أنصَارٍ* لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ مَا مِنْ إلَهٍ إلَّا إلهٌ وَاحِدٌ وَ إن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ. [2]
و في هاتين الآيتين تمّ دحض هذين المطلبين: ألأول أنّ الله هو المسيح ابن مريم.
 

 و الثاني: أنّ الله ثالث ثلاثة. لأنّ النصارى يقولون بأن الله ثالث ثلاثة: الأب، الابن و الروح القدس.
فالأب عندهم هو عالم ذات الله سبحانه و تعالى.
و الابن عبارة عن عالم عِلم الحضرة الأحديّة سبحانه و تعالى.
و الروح القُدُس يعني عندهم جبرائيل، و الروح و هو عبارة عن عالَم حياة الله عزّ و جل.
و هذه هي الأصول الثلاثة : التي يتفق عليها النّصارى ، و يقولون: إنّ‏
__________________________________________________
1 الآية 171، من السورة 4: النساء.
2 الآيتان 72 و 73، من السورة 5: المائدة.
الشمس الساطعة، ص: 184
كلّ واحد منها هو الربّ .
 أي أنّ هذه الأصول الثلاثة كيف عددناها، فإنّ الله هو ثالثها.
 فإذا قلنا: الأب الابن روح القدس. فإنّ روح القدس هو الربّ.
و إذا قُلنا: روح القدس، الأب الابن؛ فالابن هو الربّ.
و إذا قلنا: الابن روح القدس الأب. فالأب هو الربّ.
و في هاتين الآيتين اعتبر الاعتقاد بأن الله هو المسيح ابن مريم أو أنَّ الله ثالث ثلاثة في حدّ الكفر.


الثالثة: وَ قَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ. [1]
وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ. [2]
و يُستفاد من هذه الآيات أنّ النصارى كافّة تقول بأنّ المسيح هو ابن الله: سُبْحَانَهَ عَمَّا يَقُولُونَ.


الرابعة: وَ إذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أمِّيَ إلَهَيْنَ مِن دُونِ اللهِ. [3]
و يستفاد من هذه الآية أيضاً أنّ النصارى كانوا يقولون بالوهيّة مريم إضافة إلى الوهيّة المسيح.
و هناك كنيسة باسم مريم المعبودة، و لها طقوس خاصّة في عبادتها.
فمن مجموع ما ذكر، يستفاد أنّ المسيحيين يقولون بالوهيّة النبيّ عيسى عليه السلام، و يعتبرون هذا الاعتقاد من أصولهم.

 و جميع النصارى متّفقون على التثليث رغم وجود الاختلاف الشديدة بينهم في كيفيّة الوهيّة المسيح؛ يقال إنّهم انقسموا إلى سبعين فرقة، كلّ واحدة اتّخذت طريقاً خاصّاً إلّا انّهم يتفقون بالتثليت، سواء اعتبروا أنّ الأركان الأساسيّة
__________________________________________________
1 قسم من الآية 30، من السورة 9: التوبة.
2 صدر الآيه 26، من السورة 21: الأنبياء.
3- صدر الآية 116، من السورة 5: المائدة.
الشمس الساطعة، ص: 185
هي الأب و الإبن و الامّ، أو الأب و الابن و روح القدس.
و على كلّ حال فإنّهم يعتبرون أنّ الأب هو عنوان للذات، و المسيح عنوان النبوة و الولادة الذي أنشعب عن ذلك الأصل تحت عنوان العلم، و الأصل الثالث هو الحياة. و من المعلوم أنّ تركب الذات من هذه الأمور الثلاثة، سواء اعتبروا أنّ هذه الأصول الثلاثة لها مدخليّة في التحقّق، أم قالوا بأنّ الذات تدور بينها و هي ثالث ثلاثة، فإنّ هذا اعتقاد خاطئ فاسدو تبطله البراهين الفلسفيّة.


القول بوحدة و بالتثليث يُعدُّ تناقضاً
التلميذ: إنّ سبب بُطلان التثليث على أساس قواعد البرهان رغم أنّ النصارى يقولون بوحدة ذات الحقّ، و الإنجيل يصرّح بالتوحيد و اتفاق الجميع على أنّ المسيح دعا إلى التوحيد ،هو التناقض بين الوحدة و الكثرة .
 أي أنّ المسيحيّين يقولون: بأنّ ذات حضرة الحقّ جلّ و عزّ واحدة و هو في نفس الوقت ثلاثة ! فإذا كانت وحدة حقيقيّة و كثرة اعتباريّة فلا يلزم الإشكال. و لو كانت كثرة حقيقيّة و وحدة اعتباريّة، فبمعزل عن إشكال تعدّد الآلهة فإنّها لن تستلزم تناقضاً. و لكن فرضنا أنّها كثرة حقيقيةو وحدة حقيقيّة . فانّ هذا الأمر يستلزم التناقض‏
لَا تجتمع الوحدة الحقيقيّة و الكثرة الحقيقيّة في موضوع واحد
و هو محال، بلحاظ التناقض هذا.

و أفضل الأدلة في الردّ على القائلين بالتثليث هو أن نقول إنّ معنى الوحدة مغاير لمعنى الكثرة و مباين له. و الجمع بين هذين المفهومين في مصداقٍ واحد بالنظر إلى شروط التناقض يستلزم التناقض.
و يلزم في صورة فرض عينيّة الصفات و الأسماء لذات الحقّ جلّ و علا نفس هذا الإشكال.
 لأنّ الصفة إن لم تكن غير الموصوف، فإنّه في افتراض العينيّة و الوحدة بين الصفة و الموصوف ينبغي أن تكون ذات الحقّ واحدة باعتبار الذات، و كثيرة باعتبار الأسماء و الصفات التي هي عين الذات؛ و هذا ما يستلزم التناقض.
الشمس الساطعة، ص: 186
و لهذا، لا يوجد مناص من اعتبار الأسماء و الصفات مرتبة نازلة و متعينة للذات. ففي هذه الصورة (التنزّل و التعين) فإنّ الكثرة في المراتب لا تنافي وحدة الذات. و إلّا فإنّ جميع الإشكالات التي ترد على التثليث في جمعه للوحدة و الكثرة تعود لترد هنا أيضاً.


و اختلاف الآيتين: سيّد العارفين المرحوم السيد أحمد الكربلائي الطهراني و شيخ السالكين المرحوم الحاج الشيخ محمّد حسين الكمباني الاصفهاني رضوان الله عليهما يدور حول هذا الموضوع.

فالشيخ كان يريد أن يثبت أنّ الجمع بعينيّة الأسماء و الصفات مع ذات الحقّ عزّ و جل لا يستلزم الإشكال.
امّا المرحوم السيد فقد كان مخالفاً جدّاً و مُنكراً لهذا المعنى، و اعتبر أنّ الجمع بين الوحدة و الكثرة الحقيقيّة محال، و لهذا فهو يقول بتنزّل و تعين مراتب الأسماء و الصفات.


العلّامة : إنّ الإشكال في دين المسيحيّين هو أنّهم يقولون في نفس الوقت إنّ الله واحد و إنّ الأصل القديم ثلاثة.
و الجمع بين الوحدة الحقيقيّة و الكثرة الحقيقيّة من المحالات ، إذا كان جنس كلّ منهما واحداً.
كأن يكون : كلّ قسم من الوحدة شخصيّاً أو نوعيّاً أو جنسياً. و نحن هنا نقدّم مثلًا على كلّ قسم.
فبالنسبة للوحدة الشخصيّة: كأن نقول مثلًا إنّ زيداً واحد و هو في نفس الوقت ثلاثة. أو إنّ زيداً و عمراً و بكراً في الوقت الذي هم فيه ثلاثة من أفراد الإنسان لكن حقيقةً لهم وجود و تشخّص واحد.
و بالنسبة للوحدة النوعية: كأن نقول إنّ ماهيّة الإنسان في عين كونها نوع واحد فإنّها ثلاثة أنواع، فهي مثلًا إنسان و فَرَس و شاة، أو أن نقول بأنّ ماهيّة الإنسان و الفَرَس و الشاة في الوقت التي هي ثلاث حقيقيّة، هي‏واحدة حقيقةً.
الشمس الساطعة، ص: 187

الشمس الساطعة 189 اشتراك كل المذاهب المسيحية في أصل التثليث ..... ص : 189

و أمّا بالنسبة الوحدة الجنسيّة: كأن نقول إنّ ماهية الحيوان في‏الوقت الذي هي جنس واحد هي ثلاثة أجناس، فهي مثلًا حيوان و شجرة و حجر. أو إن ماهيّة الحيوان و الشجرة و الحجر هي واحدة في عين التعدّد. و هذه الامور كلّها من المستحيلات.
أمّا الجمع بين الوحدة الجنسيّة أو النوعيّة و بين الكثرة الشخصيّة، كالجمع بين وحدة الحيوان أو الإنسان و بين أفرادهما من زيد و عمرو و بكر فليس فيه إشكال. و كذلك الجمع بين الوحدة الجنسيّة و الكثرة النوعيّة مثل الجمع بين وحدة الحيوان و كثرة أنواعه من الطيور و الخيل و الأبقار فليس فيه أدنى إشكال أيضاً.
و بمعزل عن هذا، لو كان في الجمع بين الوحدة الشخصيّة و الكثرة الشخصيّة إحداهما واحدة بالوحدة الحقيقيّة، و الأُخرى متكثرة بالكثرة اعتباريّة، فلا إشكال فيه أيضاً.
كأن نقول مثلًا: إنّ زيداً شخص واحد حقيقةً و مركّب من عدّة أجزاء و نقسّم جسمه إلى عدّة أقسام باعتبارات مختلفه. ففي هذه الحال يكون هذا التقسيم و حصول الكثرة على أساس الإعتبار دون الواقعيّة و لن يؤدي إلى أيّ محذور. أو أن نقول مثلًا: إنّ زيداً و عمراً و بكراً مع انّهم في الحقيقةً ثلاثة فهم واحد، باعتبار أنّهم إخوة أو شركاء أو اهل مدينة واحدة. و هذه الوحدة بدورها اعتباريّة.
أمّا بالنسبة لمقولة المسيحيّين، فهم يعتقدون بالكثرة الحقيقيّة. و التثليث و الأقانيم الثلاثة من أصولهم الإعتقاديّة. و في هذه الحالة إذا قالوا إنّ الله واحد و وحدته اعتباريّة، فقد نفوا حقيقة الوحدة و أسقطوا أصل التوحيد بالكامل. و إذا قالوا بأنّ وحدته حقيقيّة سيكون لازماً من ذلك‏
الشمس الساطعة، ص: 188
القول الجمع بين الوحدة و الكثرة الحقيقيّتين، و هذا محال.
و الظاهر أنّ النصارى يسيرون على هذا الاعتقاد، و يعتبرون أنّ الأقانيم الثلاثة صفات و تجليّات الله، [1] و هي ليست غير الموصوف و ذات الله و يقولون: لدينا ثلاثة أقانيم: اقنوم الوجود، اقنوم العلم و اقنوم الحياة.
و اقنوم العلم هو كلمة المسيح، أمّا اقنوم الحياة فهو الروح؛ و هنا فرضيّة التثليث تستتبع إشكاليّة الاستحالة. و هذا بالطبع في حال كانت للأقانيم و هي تعني تجلّيات و ظهورات الله عينيّة، هو ذاته.
و ببيانٍ آخر: لو قلنا «الأب و الإبن» لثبت لدينا العَدَد ضرورةً
__________________________________________________
1 و في «الميزان» ج 3، ص 314 و 315: و محصّل ما قالوا به كلام المسيحيين: (و إن كان لا يرجع إلى محصّل معقول): إنّ الذات جوهر واحد له أقانيم ثلاث، و المراد بالاقنوم هو الصفة التي هي نحو ظهور الشي‏ء و بروزه و تجليّه لغيره و ليست الصفة غير الموصوف، و الأقانيم الثلاث هي اقنوم الوجود و اقنوم العلم و هو الكلمة، و اقنوم الحياة و هو الروح.
وهذه الأقانيم الثلاث هي: الأب و الابن و روح القدس: و الأوّل اقنوم الوجود، و الثاني اقنوم العلم و الكلمة، و الثالث اقنوم الحياة، فالابن و هو الكلمة و اقنوم العلم نزل من عند أبيه و هو اقنوم الوجود بمصاحبة روح القدس و هو اقنوم الحياة التي بها تستنير الأشياء.
ثم اختلفوا في تفسير هذا الإجمال اختلافاً عظيماً أوجب تشتّتهم و انشعابهم شعباً و مذاهب كثيرة تجاوز السبعين، و سيأتيك نبأها على قدر ما يلائم حال هذا الكتاب.
إذا تأمّلت ما قدّمناه عرفت: أنّ ما يحكيه القرآن عنهم، أو ينسبه إليهم بقوله: وَ قَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الآية. و قوله: لَقَدْ كَفرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لَقَدْ كَفرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَة الآية، و قوله: وَ لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا الآية. كلّ ذلك يرجع إلى معنى واحد (و هو تثليث الوحدة) هو المشترك بين جميع المذاهب المستحدثة في النصرانيّة، و هو الذي قدّمناه في معنى تثليث الوحدة. و انّما اقتصر فيه على هذا المعنى المشترك، لأنّ الذي يرد على أقوالهم في خصوص المسيح عليه السلام على كثرتها و تشتّتها ممّا يحتجّ به القرآن، أمر واحد يرد على وتيرة واحدة كما سيتضّح.
الشمس الساطعة، ص: 189
و ليس هذا التعدّد شيئاً غير الكثرة الحقيقيّة. فإذا افترضنا وحدةً نوعيّة بين الأب و الإبن، كالأب و الابن من أفراد الإنسان حيث إنّهما في حقيقة الإنسانيّة واحد، من جهة أفراد الإنسان هما كثير، فهنا لا يمكن أن نقول إنّ الله واحد، لأنّ هذه الكثرة العدديّة مانعة من وحدة الله.
فبناءً على فرض وحدة الله فإنّ كلّ ما سوى الله و منهم الابن المفترض سيكون مملوكاً و محتاجاً إلى الله، و هكذا لن يكون الابن المفترض إلهاً أبدآً.
و هذا الإستدلال هو نفس البيان القرآني: وَ لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إنَّمَا اللهُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُو أن يَكُونَ لَهُو وَلَدٌ لَّهُو مَا في السَّمَوَاتِ وَ مَا في الأرْضِ وَ كَفي بِاللهِ وَكِيلًا. [1]
اشتراك كلّ المذاهب المسيحيّة في أصل التثليث‏
و الخلاصة، فانّ الإشكال الذي يرد على النصارى و لا مفرّ لهم منه هو قولهم بالاصول الثلاثة مستقلّة و هو ما لا ينسجم مع الوحدة.
فالمسيحيّون مع وجود الاختلاف الكبير في دينهم قد انقسموا في قضية البنوة (بنوّة المسيح) إلى ثلاثة أقسام:
الأول: مذهب المَلْكانيّة، الذين يقولون بأنّ عيسى ابن حقيقيّ للّه.
الثاني: مذهب النَّسْطوريّة، الذين يقولون إنّ بنوّة عيسى للّه كإشراق النور على الجسم الشفاف (مثل البلور)، و هذا في الواقع القول بالحلول.
الثالث: مذهب اليعقوبيّة، و هم يقولون بالانقلاب، أي أنّ الله المعبود المجرّد قد انقلب إلى عيسى ذي اللحم و الدم.
و هذه المذاهب تختلف فيما بينها في كيفيّة اشتمال المسيح ابن مريم على جوهرة الألوهيّة الذي يعود إلى الاختلاف في اقنوم المسيح و هو أقنوم‏
__________________________________________________
1 ذيل الآية 171، من السورة 4: النساء.
الشمس الساطعة 195 تشكيك في الوجود و وحدة العرفاء ..... ص : 193

الشمس الساطعة، ص: 190
العلم الذي انفصل عن اقنوم الربّ، فهل هذا الانفصال مثل الاشتقاق أم مثل الانقلاب أم الحلول؟ فكلّ النصارى متّفقون على أصل الانفصال و الغيريّة و البينونة العدديّة، و مشتركون في هذا القول:
إنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.
و لا يختص هذا القول بمذهب الانقلاب فقط، بل يشترك فيه الجميع. [1]
__________________________________________________
1 ذيل الآية 171، من السورة 4: النساء. و قد بحث العلّامة الطباطبائيّ هذه الأمور في تفسير «الميزان» ج 3، ص 312 و في ج 6، فقال: إنّ قول مسيحيّين كأ نّ يقال إنّ زيداً بن عمرو و إنسان، فهناك أمور ثلاثة هي:
زيد و ابن عمرو و الإنسان، و هناك أمرٌ واحد و هو المنعوت بهذه النعوت. و قد غفلوا عن أنّ هذه الكثرة إن كانت حقيقيّة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتباريّة غير حقيقيّة فالجمع بين هذه الكثرة العدديّة و الوحدة العدديّة في زيد المنعوت بحسب الحقيقة ممّا يستنكف العقل عن تعقّله.
ولذا ربّما ذكر بعض الدعاة من النصارى أنّ مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الأسلاف التي لا تقبل الحلّ بحسب الموازين العلميّة، و لم يتنبّه أنّ عليه أن يطالب الدليل على كلّ دعوى يقرع سمعه، سواء كان من دعاوى الأسلاف أو من دعاوى الأخلاف.
نعم، يجب أن نعلم أنّ قول المسيحيّة في التثليث جعليّ و وضعيّ، و مع تحريف الإنجيل و التثليث هي جزء اصول عقائد المسيحيّة.
والسيّد المسيح عليه السلام بري‏ء من هذه التهمة، و كان يدعو الناس دائماً إلى الحقّ و الآيات القرآنيّة شاهدة على هذا المعنى.
بيان القرآن الكريم عن أدب حضرة عيسى عليه السلام‏
ومن ثم تفضّل العلّامة قائلًا إنّ الآيات الأخيرة في سورة المائدة تبيّن أدب عيسى عليه الصلاة و السلام بطريقة عجيبة حين تُظهر عبداً مطيعاً.
وَ إذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ءَأنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ امِّيَ إلَهَينِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَ لَا أعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إنَّكَ أنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إلَّا مَآ أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أنتَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ، إن تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَ إن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنتَ الْعَزِيَزُ الْحَكِيمُ، قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِلَهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَ الأرْضِ وَ مَا فِيهِنَّ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.
لا حظ كيف النبيّ عيسى ابن مريم عليه السلام يجيب ببيان راقٍ و منطق بليغ على كلّ كلمة من الكلمات.
تجد عالم من المنطق و الحكمة و مراعات حقّ ربوبيّة حضرة الباري تعالى.
وكذلك الرعاية العالية لأعلى درجة مقام أدبه و عبوديّة:
أوّلًا يقول: إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، على أساس الإحاطة العلميّة التي لك بالموجودات.
ثانياً: مَا قُلْتُ لَهُمْ إلَّا مَا أمَرْتَنِي. و فقط دعوت بتوحيدك و لم أتخطّها و لم أتجاوزهذا الحدّ.
ثالثاً: وَ كُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَادُمْتُ فِيهِمْ.
رابعاً: إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَ إن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ.
من الإنصاف أن نقول انّه لا يمكننا فرض كلام أعلى و أرقى من هذا.
الشمس الساطعة، ص: 191
و يستفاد ممّا قيل أنّ الجمع بين الكثرة الحقيقيّة و الوحدة الحقيقيّة محال. و بالتالي فإن دين النصارى لا يمكن أن ينطبق مع الموازين العقليّة و الفلسفيّة إطلاقاً.
و لهذا نجد أنّ بولس و غيره من زعماء المسيحيّة قد قبّحوا الفلسفة، لأنّ فكرة ولادة عيسى و بنوّته الإلهيّة لا يمكن أن توافق الأحكام العقليّة الضروريّة. [1]
التلميذ: بناء على ذلك، فإنّ يرد من إشكال على المسيحيّة يرد أيضاً على اولئك الذين يقولون بعينيّة الصفات و الأسماء مع ذات الحقّ، لأنّ فرض وحدة الحقّ سبحانه و تعالى مع تكثّر الصفات و الأسماء باعتبارها قديمة أيضاً يعدّ جمعاً بين الوحدة الشخصيّة و الكثرة الشخصيّة، و كلا العنوانين‏
__________________________________________________
1 تفسير «الميزان» ج 3، ص 326.
الشمس الساطعة، ص: 192
حقيقيّان أيضاً.
و بطلان هذا الأمر من الوضوح بالدرجة التي ينبغي عدّه من الامور الضروريّة للدين و مساوياً لبطلان التثليث، و يجب القول إنّ العرفاء بالله الذين تابعوا مفسّر القرآن الكريم الإمام عليّ بن أبي طالب أميرالمؤمنين عليه السلام هم الذين جعلوا وحدة الحقّ في مقامها العظيم و السامي، و عرفوا أنّ الصفات غير الموصوف، و أنّها مرتبة نازلة و متعيّنة من الذات، و أدركوا بدقة معنى قوله عليه السلام.
شَهَادَةُ كُلِّ صِفَةٍ أنَّهَا غير المَوْصُوفِ. فساروا على أساس التوحيد الخالص. و كان الباقون في توحيدهم مشوبين بشوائب الكثرة في ذات الله، ينحون منحى النصارى القائلين بالتثليث. و لعلّ السبب الذي جعل الكثيرين من المتكلّمين يستقبحون الفلسفة أيضاً و يحرّمون الدخول في المسائل العقليّة، على أساس مناط حديث بولس، هو خوفهم من أن تظهر لهم الفلسفة ما أخفوه في باطن أيديهم، و تقوم بإلغاء التوحيد المتلازم مع الكثرة الذي فيه الشي‏ء الكافي و الوافي من الشرك.
و على هذا الأساس كان المرحوم السيّد أحمد الكربلائي الطهراني هذا العارف الجليل ذو الضمير البصير يصرّ على الوحدة و يحذّر و يمنع و يردع من القول بعينيّة الأسماء و الصفات مع الذات. و كما جاء في الرواية الصحيحة من تقييد الأسماء و تحديدها بكونها مخلوقة و بكونها مظهراً لذات الحيّ القيّوم في حدود تعينها و مفهومها، في حين أنّ وجود ذات الحقّ بسيط و عارٍ من كلّ من شوائب الكثرات.
و لم أكن هنا بصدد إبطال دين النصارى، لأنّ بطلانه واضح و مبرهن من وجود عديدة، كما أنّ أصل التثليث يحمل وجوهاً من الإشكالات.
و لكنّ فقط أردت أن أقول بالنظر إلى امتناع الجمع بين وحدة الحقّ‏
الشمس الساطعة، ص: 193
مع تثليث صفاته و تجليّاته التي يسمّونها بالأقانيم، فإنّ عين هذا الامتناع وارد أيضاً في القول بوحدة ذات الحق و عينيّة الأسماء و الصفات مع الذات بحمل هو هو، و لا مفرّ و لا منجى إلَّا في مسلك توحيد العرفاء في مدرسةالتوحيد.
 

 

 

 

في حقيقة توحيد ذات الحقّ تبارك و تعالى‏
مسألة توحيد الذات الأبديّة هي تنزيهٌ عن جميع شوائب الكثرات، سواء كانت خارجيّة أم داخليّة، عينيّة أم ذهنيّة أم نفسيّة. وَ هَذَا هُوَ قَوْلُ الحَقِّ وَ حَقُّ القَوْلِ.
تشكيك في الوجود و وحدة العرفاء
العلّامة: كان المرحوم الشيخ محمّد حسين الإصفهاني الكمباني يقول في تلك المراسلات بالتشكيك في الوجود، و يسير على منهج الفلاسفة كصدر المتألهين و الحكيم السبزواري و غيرهما.
و هذا التوحيد لا يستلزم إشكالًا، لأن التشكيك في الوجود الذي يقول به الفهلويّون:
الفَهْلَوِيُّونَ الوُجُودُ عِنْدَهُمْ حَقِيقَةٌ ذَاتُ تَشَكُّكٍ تَعُمْ‏
مَرَ اتِبًا غِنى وَ فَقْراً تَخْتَلِفْ كَالنُّورِ حَيْثُمَا تَقَوَّى وَ ضَعِفْ [1]
و يجعل وصل الوجود درجات و مراتب، تختلف كلّ درجة و مرتبة أعلى عن المرتبة الأدنى في الشدّةً و الضعف و الكثرةً و القلّة و القوّةً و الضعف و أمثالها.
أي أنّ الوجود في عين كونه واحداً و بسيطاً له مراتب، تتدرّج من أعلى المراتب من جهة، و من جهة أخرى تتنزل متدرجّة حتى تصل إلى أدناها، و ما بينهما تتوزّع باقي المراتب، الأعلى و الأدنى على حسب اختلاف درجاتها بحيث كلّما ارتفعنا أصبح الوجود أقوى و أشدّ و أوسع، و بالعكس كلّما نزلنا
__________________________________________________
1 «منظومة السبزواريّ» في الفلسفة. (م)
الشمس الساطعة، ص: 194
أصبح الوجود أضعف و أضيق بحيث إنّ كلّ مرتبة من المراتب العليا تكون واجدة لكمال الدرجات التي هي أسفل منها و لا عكس. كالنور الذي في عين مفهومه الوحدة و حقيقته البسيطة ذو سلسلة ممتدّة و متطاولة بحيث إنّ أعلى درجاته هي الشمس و أدناها ظلمات الأرض، و بين هاتين الدرجتين مراتب مختلفة من النور في هذا العمود النورانيّ، كما هو الحال في الشمس حيث النور الأعلى و في الدرجة الأدنى منها نور أضعف و أبعد و أقلّ سطوعاً و أبهت إشراقاً، و هكذا في الدرجة الأدنى أضعف و أضعف حتّى يصل إلى المرحلة الأضعف و الأنقص.
و بشكل عامّ يمكن وصف هذا الاختلاف بين هذه المراتب بالكمال و النقص. فكلّ مرتبة أعلى واجدة لكمال الدرجة الأدنى، إلى أن نصل إلى معدن النور حيث يكون النور موجوداً على النحو الأكمل، و لا عكس. فإنّ كلّ مرتبة أدنى لا تحتوي مراتب الأعلى منها و ليست واجدة لكمال تلك الدرجة. حتّى نصل إلى أدنى درجات النور الذي هو ظلّ ضعيف باهت و الحدّ الأخير من مراتب النور.
و مع أنّ مفهوم النور الحسّي أيضاً واحد، و النور الحسّي أيضاً بسيط، ولكن بما أنّ ما به التفاوت هو عين ما به الإشتراك، و كلّ درجة في هذه السلسلة الطويلة في عمود النور هذا تتمايز عن سائر الدرجات بحقيقة نفس النور لا بشي‏ءٍ آخر، لهذا يجب القول إنّ للنور حقيقة مشكّكة، أي انّه في عين الوحدة في الذات، ذو مراتب مختلفة بالنورانيّة في نفس الذات.
و في النور المعنوي و الوجود، فإنّ أعلى المراتب هي وجود حضرة الباري تعالى شأنه، الواجب و اللامتناهي في الشدّة و القدرة و القوة و السعة و التقدّم و الكمال.
و إذا تجاوزنا هذا، فانّنا كلّما تنزّلنا في المراتب المختلفة للموجودات‏
الشمس الساطعة، ص: 195
العقلانيّة النورانيّة و النفوس القويّة حتّى نصل إلى عالم الأمثال و الصور و عالم المادّة و الطبيعة الذي هو أضعف العوالم و المراتب الوجودية، خصوصاً الهيولى و المادّة الأوّلية التي هي نفس القابليّة المحضة و التي هي في أدنى مراتب الكمالات.
و بما أنّ صفات حضرة الواجب تعالى و أسماءه لا نهاية لها، فإنّه يمكن عدّها في الدرجة العليا من هذه السلسلة و افتراض أنّ لها العينيّة مع ذات الواجب القدسيّة، و هي موجودة في أعلى درجة من القوّة و السعة و الشدّة و الكمال بنحو العينيّة و البساطة و الوحدة.
و هذا هو مضمون كلام المرحوم الشيخ محمّد حسين و صدر المتألهين و شيخ الإشراق شهاب الدين السهروردي و نظائرهم من أجلّة الأعلام.
التلميذ: إنّ الوقوف عند مسألة التشكيك في الوجود لا يحل المشكلة، أوّلًا: لأنّ القول بالدرجة العليا على أنّها ذات الواجب يستلزم التركيب في الذات، و ذلك بسبب خصوصيّة تلك الدرجة، إن كانت لها عينيّة مع الأسماء و الصفات الإلهيّة و من المعلوم أنّ كلّا من الأسماء و الصفات ليس صِرف المفهوم بما هو مفهوم، بل له ما ينطبق عليه في الخارج و في هذه الحالة فإنّ جميع هذه الأسماء و الصفات بحدودها ينبغي أن يتحقّق في الذات، و هذا ما يستلزم التركيب، و هو نفس إشكال التثليث أيضاً.
ثانياً: إنّ أصل فرضيّة التشكيك في الوجود يحتاج إلى تأمّل و موضع إشكال. ففي هذه الفرضيّة إن جعلت ذات الواجب تعالى شأنه في المرتبة العليا و اعتبرت بقيّة المراتب مراتب و درجات الممكنات حسب اختلاف درجتها في القُرب و البعد أصبحت في هذه الحالة ذات الواجب محدودة بحدود الممكنات، و بالطبع متعيّنة و متقيّدة في الوجود إلى حدود
الشمس الساطعة، ص: 196
الممكنات. لأنّه بناء على الفرض المذكور، فإنّ ذات الواجب و جميع الممكنات مشتركون في أصل حقيقة الوجود. أمّا ما يميّزها عن بعضها البعض فهو الإنّيّة و الماهيّة. و هنا تصبح ذات واجب الوجود التي تكون ماهيّتها عين إنيّتها محدودة بالحدّ الأعلى لدرجة الممكنات، و يمكن أن تجعل إلى جانب تلك الممكنات أيضاً، إنّما غاية الأمر يتميّز و يتشخّص هذا الوجود الواجب بالشدّة و الضعف و الوجوب و الإمكان، و هذا لا يرفع معنى التحديد، بل ينتهي بنا إلى أنّ وجود الواجب محدود بوجود الممكن و يقف معه على حدود معيّنة.
و نحن نعلم أنّ لذات الواجب، أي وجود واجب الوجود، صرافة و محضيّة محضة. فوحدته وحدة بالصَّرافة، و ليست وحدة عدديّة. و هنا فإنّ كُلَّ مَا فَرَضْتَهُ في الوُجُودِ كَانَ دَ اخِلًا فِيهِ، و إلّا خرج عن الصّرافة الصرفة و المحضيّة المحضة، و في هذه الصورة، يعني مع فرض صرافة وجود الحقّ، كيف يمكن اعتبار نفس وجود الحقّ ذا مرتبة و درجة مع القول بصرافة وجوده؟ أو عدة في درجة العليا؟ في حين أنّ تصور محضيّة تلك الدرجة يستوعب كلّ المراتب و الدرجات، و يجعل الجميع مندكّاً فيه؟
فكيف يمكن تصوّر وجود آخر بفرض صرافة وجود الحقّ؟ و هذا هو أساس مفاد برهان الصدّيقين.
العلّامة: إنّ سلسلة الموجودات في مراتب الوجود، بناءً على افتراض مسألة التشكيك في الوجود، ليست عرضيّة حتّى تكون كلّ مرتبة منها في عرض و حدّ المرتبة الاخرى، أو في جوارها، و تكون بالتالي كلّ مرتبة عُليا بالنسبة للمرتبة الأدنى محدودة و متعيّنة؛ بل إنّ سلسلة المراتب طوليّة، و كلّ واحدة بالنسبة لغيرها قائمة في سلسلة العلل و المعلولات.
الشمس الساطعة، ص: 197
فكل مرتبة ما فوق علّة للمرتبة ما دونها، و كلّ مرتبة ما دون معلولة لمرتبة ما فوقها. و بناءً عليه، بما أنّ العلّة واجدة لجميع كمالات معلولها و لا عكس، فإنّ جميع مراتب السلسلة التشكيكيّة للوجود لها جميع كمالات المراتب ما دونها، و لا عكس.
و لهذا، فإنّ أخذنا كلّ حلقة من حلقات هذه السلسلة الطوليّة نجدها واجدة لكمالات الدرجة ما دونها. و تلك الحلقة الدنيا تكون أيضاً واجدة لكمالات الحلقة الأدنى حتّى نصل إلى آخر حلقة وجوديّة في مراتب النزول.
فلو افترضنا أنّ السلسلة التشكيكيّة عشر درجات، فإنّ الدرجة الاولى، التي هي أدنى الدرجات لها درجة واحدة من الكمال، و الدرجة الثانية الأعلى منها لها درجتان، و في هذه الصورة يعلم أنّ العدد اثنان يحتوي على كمال العدد واحد، و لا عكس؛ و الدرجة الثالثة تحتوي على كمال العدد اثنان، أي أنّ كلّ ما يحتوي العدد اثنان من الشدّة و الكثرة و القرب و القوّة و غيرها، كلّ هذه موجودة بتمام المعنى في العدد ثلاثة.
و بناء عليه، مع فرض أيّة حلقة من حلقات هذه السلسلة، فان جميع المراتب الأدنى منها موجودة فيها بالفعل. و عندها في هذه الصورة لا معنى لمحدوديّتها بحدود ما دونها.
و لأنّ ذات الواجب جلّ و عزّ في أعلى درجة من سلسلة المراتب، فإنّ جميع كمالات الدرجات ما دون موجودة فيه بالفعل. فلا كمال إذاً في أيّة مرتبة من المراتب إلّا و هو موجود في ذات الواجب.
أمّا الوحدة التي يقول بها العرفاء فإنّها لا تتنافي مع التشكيك في الوجود، بل إنّها نظرة أعمق و أد قّ إلى الوجود.
ففي التشكيك الذي يقول به الفلاسفة تكون الموجودات الإمكانيّة
الشمس الساطعة، ص: 198
ذات وجود حقيقيّ، غاية الأمر أنّه وجود إمكاني افتقاريّ بحيث يكون كلّ واحد فيه معلولًا لوجود أعلى منه إلى أن يصل الأمر إلى ذات الواجب جلّ و عزّ.
و بناء عليه، فإنّ جميع الموجودات معلولات ذات الحقّ، و متدلّيات بعظمته و كبريائه.
امّا العرفاء فإنّهم يقولون إنّ الوجود مختصّ بذات الحقّ، و جميع الوجودات الإمكانيّة ظلّ و فَيْ‏ء لوجود الحقّ، و هي نفس الظهور فقط لا غير. أمّا نسبة الوجود إليها فهي نسبة مجازيّة، و يقال لها موجودة بالاعتبار.
و لكن هذا الرأي لا يتنافي مع كلام الفلاسفة. بل إنّة ينظر إلى الموجودات بمنظار أدقّ و أعمق. و يمكن القول في الواقع إنّ رأي العرفاء يهيمن على رأي الفلاسفة.
التلميذ: صحيح أنّ للموجود صرافة، و أنّ جميع مراتب الوجود في المراتب التشكيكيّة في هذه السلسلة داخلة و مندكّة في مصداق الوجود الصرف. و لكنّ وجود ذات الحقّ جلّ و عزّ له صّرافة، و لا يمكن تعريته من الصرافة و المحضيّة. و بناءً عليه، فإنّ الصرافة في ذات الواجب تتباين مع التشكيك.
لأنّ نفس تصوّر صرافة الوجود في ذات الواجب ينفي كلَّ شكل من الوجود عن الغير، حتّى و إن كان بنحو المعلوليّة. و بالأصل فإنّ الصرافة لا تنسجم مع الغيريّة. إمّا امتلاك ذات الحق لجميع كمالات المعلولات لا يتنافي مع التغاير في الجملة و لو بنحو الشدّة و الضعف. و التغير يتباين مع الصرافة في وجود الحقّ.
امّا الرأي الدقيق للعرفاء فإنّه يتنافي مع صحّة رأي الفلاسفة. لأنّ‏
الشمس الساطعة، ص: 199
رأي الفيلسوف في مرحلة خاصّة من الدقّة، و رأي العارف يتخطّى هذه المرحلة ليبطله فيما بعد.
فالعارف برؤيته لوحدة الحقّ و ملاحظة الصرافة في وجوده لا يمكنه أن يرى غيره، ففرض الغير بالنسبتة له غير صحيح، و هو يشاهد جميع الموجودات أنواراً و ظلالًا و نسَباً و اعتبارات لذات الحقّ.
و بالطبع، ففي هذا الرأي العرفاني حيث التوحيد المحض، فإنّ حقيقة الوجود تختصّ بذات الحقّ. و لا تستلزم مشكلة تعدّد القدماء، و لا إشكال منافاة صرافة الوجود مع وجود الغير، أي وجود الممكنات.
و الآية المباركة: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لَا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادسُهُمْ وَ لَا أدْنَى مِن ذَلِكَ وَ لَا أكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ أيْنَ مَا كَانُوا. [1]
و الآية المباركة: وَ هُوَ مَعَكُمْ أيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. [2]
توضّحان هذا المعنى. ففي صورة فرض وحدة العرفاء فإنّ معيّة الحقّ مع جميع الموجودات هي معيّة حقيقيّة كمعيّة الشاخص و الظلّ، و معيّة القائم و ما يقوم به، و لا تستلزم إطلاقاً الوحدة العدديّة لذات الحقّ، لأنّ ذات الحقّ، الذي وحدته بالصرافة و ليست وحدة عدديّة، تكون معيّة لجميع الموجودات، فمع الثلاثة و الأربعة و الخسمة أكثر من ذلك بدون أن يزاد إلى عددهم رقم واحد. أمّا في صورة التثليث فإنّ الحقّ سوف يؤخذ حتماً كعدد واحد. و بناءً على التغاير الوجودي للأسماء و الصفات مع ذات الحقّ‏
__________________________________________________
1 قسم من الآية 7، من السورة 58: المجادلة.
2 ذيل الآية 4، من السورة 57: الحديد.
توجد آيات أخرى في القرآن الكريم لها دلالة على معيّة ذات الحقّ سبحانه تعالى مثل الآية 12 من سورة المائدة: وَ قَالَ اللهُ إنِّي مَعَكُمْ، وَ الآية 35 من السورة 47 محمّد: فَلَا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَ أنْتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ؛ الّا انّه قد يُقال بعدم صراحتها في المعيّة.
الشمس الساطعة، ص: 200
الشمس الساطعة 205 معنى الآية الكريمة: الهيكم التكاثر * حتى زرتم المقابر ..... ص : 203

على نحو التغاير العلّيّ و المعلولي، فإنّ التغير العدديّ لابد أن يرد أيضاً.
فإن أردنا أن ننفي أيّة وحدة عدديّة عن ذات الحقّ لابدّ أن نعتبر أن وحدته وحدة صرفة، و عندها لن يُتصوّر أيّ غير، و لو بنحو الوجود المعلوليّ، بل إنّ جميع الموجودات هي مظاهره و أسماؤه طرّاً، و هي تجلّيات ذاته المقدسة. أمّا نسبة وجودها فهي نسبة مجازيّة و اعتباريّة محضة.
العلّامة: إنّ استدلالكم هذا سيكون تامّاً و يعطي نتيجة مثمرة إذا اضيفت إلى مقدّماته مقدّمة اخرى، و هي إذا اعتبرنا أنّ الوجود واحدٌ بالشَّخص.
فهنا يصبح ذلك الوجود بالصرافة الذي هو الواحد بالتشخّص مختصاً بذات الحقّ، أمّا جميع الموجودات من الأرض و السماء و عالم الملك و الملكوت فهي مظاهره و تجليّاته، ليس لها من ثمّ وجود من نفسها، و نسبة الوجود إليها بالعرض و المجاز.
فما لم يثبت تشخّص الوجود، لن يكفي نفس كونه واحداً بالصرافة لأجل إثبات هذا الأمر المهمّ. و ذلك لأنّ الوجود الواحد بالصرافة إذا كان ممكناً لكان له في التحقيق تعدّد التحقّقات، مثل التحقّق الواجب و التحقّق الممكن، فهنا يصبح اثبات الوحدة له مشكلًا، إلَّا إذا اضيف له أمر خارجي و هو أنّ كلّ وجود واحد بالصرافة ينبغي أن يكون حتماً في التشخصّ واحداً.
فعندها يمكن اثبات الوحدة و آثارها للوجود على أساس التشخّص الواحد.
و كنت قد ألفت في سابق الأيّام رسالة باللغة العربيّة حول الولاية أثبتُّ فيها تشخّص الوجود، و أنّ الوجود مساوق للتشخّص، ففي الخارج‏
الشمس الساطعة، ص: 201
لا يوجد شي‏ء إلَّا شخص واحد فقط للوجود. و يستحيل أن يتحقّق اكثر من تشخّص واحد.
لأنّنا إذا قلنا بالتشكيك، فلن يكون لدينا في الحقيقة إلَّا وجود مشكّك واحد. و في هذه الصورة يحصل الوجود على مراتب مختلفة، تتناسب كلّ مرتبة فيه مع المراتب الاخرى، و لكن بأيّ كيفيّة ستكون مع المراحل الاخرى؟
علينا القول في النهاية إنّ وجود واجب الوجود هو ذلك الوجود الشديد العلوي الغنيّ الذي يتمايّز عن بقيّة الموجودات بالغَنى و الشدّة و القوّة، لكنّ مجرّد قولنا انّه متمايّز فقد أخرجناه عن الصرّافة و التشخّص.
و عندما قلنا إنّ وجود الله وجود بالصرافة، فإنّه لا يترك حدّاً لموجود آخر و لا وجوداً لموجود آخر، و هذا المعنى هو الذي يستلزم التشخّص. أي أنّه لا يوجد في عالم الوجود إلّا شخص واحد من الوجود، لا أكثر.
و الوحدة الشخصيّة بمعنى الشخص لا تنسجم مع الكثرة بأي نحو افترضناها (الوحدة الشخصيّة بحساب خصوصيّة الشخص).
امّا الكثرة، فإنّها تنسجم مع أنواع الوحدة الاخرى كالوحدات النوعيّة أو لعلّ مع الوحدة التشكيكيّة و نظائرها، لكنّها لا تنسجم مع الوحدة بمعنى الشخص الواحد.
فإذا كانت حقيقة الحقّ تبارك و تعالى شخصاً واحداً، و موجوداً واحداً شخصيّ و قائم بالشخص، فلا تصوّر بعد لوجود الكثرة.
و مع هذا القول يتمّ الكلام. لأنّ الوجود و هو عين التشخّص، و الله تعالى ليس واحده بالوحدة الجنسيّة أو النوعية أو الصنفيّة و أمثالها، بل هو شخص لَيْسَ في الدَّارِ غيرهُ دَيَّارُ.
و قد قام القرآن على أساس هذا البرهان للردّ على التثليث، فَلماذا
الشمس الساطعة، ص: 202
يا ترى يقول:
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. و لماذا يقول: لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ.
فالقرآن يهدّد جميع النصارى و يعتبرهم كفّاراً على أساس المنطق الذي يقول إنّ ذات الواحد الشخصيّ للباري تعالى لا تتمايّز و لا تتعيّن مع أيّة مراتبة من الكثرة.

وجود ذات الحقّ تعالى واحد بالشخص‏
أجل، فالوجود واحد شخصيّ، و على أساس قول العرفاء بالله: تشخّص واحد. و هنا فإنّ الوجود الذي يشاهَد في الموجودات ليس إلّا مشاهدة وجود الحقّ، و لا وجود هذه الأرض، و هذه السماء و الإنسان و الحيوان، و جميع الكثرات التي تلاحظ في حقيقة وجودها هي الحقّ الذي هو واحد. و ليس وجود الأشياء الذي يظهر الكثرات. لا يوجد إلّا وجود واحد شخصيّ في الواقع و لا كثرات في البين. أمّا نسبة الوجود للكثرات فهي نسبة مجازيّة و واسطة في مقام العروض.
التلميذ: ما أجلى بيان آيات القران الكريم مسألة التوحيد، و كأنّ كلّ القرآن قد نزل لمعرفة الله تعالى و شؤونه، و هو بالحقّ كتاب في دروس‏التوحيد.
السبب في اشمئزاز و نفور قلوب الكافرين من ذكر توحيد الله‏
و ما يُثير العجب كثيراً اولئك الذين انحرفوا عن جادّة توحيد الحقّ تعالى و محاولتهم قدر المستطاع جعل الله عرضة لعالم الكثرات و تدنيس ساحته بغبار الكثرة، سبحانه و تعالى.
فبعدوا عن وحدة الحقّ تعالى و هجروه، و كلّما جاءهم ذكر في هذا المعنى شمّروا عن سواعدهم للمواجهة، فعشقوا عالم الكثرة، و أرادو أن يجعلوا لله نصيباً ممّا هم فيه و إضفاء تلك الصبغة عليه.
هل لأنّهم من سنخ واحد مع عالم الكثرة الذي هو موطنهم‏
الشمس الساطعة، ص: 203
المألوف؟
وَ إذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في الْقُرْءَانِ وَحْدَهُو وَلَّوا عَلَى أدبَارِهِمْ نُفُورًا. [1]
وَ إذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ أشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالأخِرَةِ. [2]
ذَلِكُمْ بِأنَّهُو إذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُو كَفَرْتُمْ. [3]
معنى الآية الكريمة: الهيكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ المقَابِرَ
العلّامة: و الأعجب من هذه الآيات ما ورد في سورة التكاثر:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ألْهَكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتمُ الْمَقَابِرَ* كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُّمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِنِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ* ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ. [4]
في بعض المراحلِ يتجاوز القرآن الصراحةَ، أمّا في نفس الوقت فإنّ حالاتنا القلبيّة لا ترضخ و لا تقرّ و تؤوّل ذلك المطلب على نحوٍ آخر.
إن تكاثركم (طلب الكثرة و رؤيتها) قد جعلكم في غفلة عن رؤية جمال الحقّ و الوحدة المطلقة، و صرفكم عنها حتّى هويتم في المقابر. كلّا ستعلمون قريباً، ثمّ كلّا ستعلمون بأن الأمر ليس كذلك بأنّ للكثرات حقيقة و حكاية عن الأصالة.
فلو علمتم علم اليقين (و وقفتم على حقيقة الأمر) لرأيتم كلّ كثرة جحيماً و ناراً. ثمّ ستعرفون النار بحقيقة اليقين. ثمّ لتُسألنَّ عن النعيم الذي هو الولاية و طريق القرب بين العبد و المولى و لتسألنّ إلى أيّ حدّ خرجتم من حجاب الكثرة، و كم خطوتم في وادي التوحيد.
و قد فُسّرت هذه الآيات على نحوِين: الأوّل: أنّ الأعراب و العشائر
__________________________________________________
1 ذيل الآية 46، من السورة 17: الإسراء.
2 صدر الآية 45، من السورة 39: الزمر.
3 صدر الآية 12، من السورة 40: غافر.
4 السورة 102: التكاثر.
الشمس الساطعة، ص: 204
كانوا في أيّام الجاهليّة و ما تبعها في الإسلام يتفاخرون على بعضهم. فكلّ قبيلة يكثر عدد شجعانها و تغلب الأخرى في التفاخر، حتّى وصلوا إلى درجة بدأوا يعدون الأموات (أي أنّهم كانوا يذهبون إلى القبور و يعدّون الأموات بأسمائهم و يضيفون عددهم إلى الأحياء، فيقولون مثلًا إنّ عدد أبطالنا أربعون، ثلاثون من الأحياء و عشرة من الأموات).
الثاني: أنّ هذه الكثرات، و طلبها و النظر إليها قد شغلتكم بأنفسكم و منعتكم من لقاء الحقّ و رؤيته إلى أن جاء أجلكم بما معناه أنّكم ما دمتم أحياء فمشغولون بطلب الكثرات، و دائماً الكثرة تطلبون حتّى يأتي أجلكم.

 


التلميذ: إنّ هذا التكاثر ورد على نحو الإطلاق، و لا يقتصر على الأموال و الأولاد، بل يشمل التكاثر في الخيرات و العلم، في علم الفقه و الاصول و الحديث و سائر الفنون و العلوم، و بشكل عامّ، كلّ تكاثر يحجب الإنسان عن لقاء الحقّ و عن وحدة حضرة عزّه و جلاله، و صرفه عن الله سيعدّ تكاثراً بأجمعه، و باعثاً على انشغال الإنسان به، فهذه الكثرات هي التي تمنع الإنسان من السعي للوصول إلى وحدة الحقّ.
الإنسان يسعى دائماً لطلب العلم، و قبل أن يعرف نفسه يريد أن يعرف الغير، يريد أن يعرف العالم و الجماعات و الأرض و السماء و النجوم و الكواكب و القارّات فيقرأ هذا الكتاب و ذاك و لا يشبع: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ. و يغفل عن النعيم، و ما ادراك ما في لقاء الله! و يضيّع رأسماله في حجاب الكثرات و أي رأسمال يضيع ...؟! و يضلّ عن الحقيقة، سائراً وراء جمع المجاز بعيداً عن الوحدة و ميلًا إلى الكثرة. إلى أن يشرف على الموت و يودع القبر و يطوي بساط الحياة. فهذا الحسّ لطلب الكثرة و المعرفة و الاستطلاع موجود في الإنسان.
الشمس الساطعة، ص: 205
الشمس الساطعة 211 الإشكال الوارد في التشكيك في الوجود ..... ص : 205

العلّامة: نعم، لهذه الآية إطلاق، و هي تشير إلى أنّ كلّ طلب للكثرة يحجب و يمنع الإنسان من الوصول إلى مقام طلب الوحدة و البحث عن الله. هذا التفسير أفضل من التفسير الأوّل الذي لا يقبل كثيراً.
امّا ما جاء في المراسلات التي جرت بين الِمَين الكبيرين السيّد احمد الكربلائي و الشيخ محمّد حسين الاصفهاني رضوان الله عليهما حول التشكيك في الوجود و الوحدة في الوجود، و التي لم يقتنع فيها الشيخ بالمطالب العرفانيّة التوحيديّة التي طرحها السيّد المرحوم فتصدّى أحد تلامذة المرحوم القاضي، و يدعى السيد حسن الكشميريّ (و هو من زملاء الحاج الشيخ على محمّد البروجرديّ و السيد حسن المقسطيّ، و هما من تلامذة القاضي) و أعاد فتح موضوع المباحثة مع الشيخ الأصفهانيّ، و استمرّ بطرح استدلالات و البراهين التي بدأها المرحوم السيد أحمد حتّى ألزمه بالقبول.
و في الفترة التي كنّا نتزوّد و نكتسب الفيوضات من علم المرحوم القاضي رضوان الله عليه في النجف الأشرف، تشرّفت يوماً و أنا في حالة الخلسة بزيارة عليّ بن جعفر رضوان الله عليه، و اقترب مني إلى الدرجة التي أحسستُ فيها بالهواء الملاصق لبدنه، و كنت أسمع صوت أنفاسه، فقال لي: إنّ قضيّة الوحدة من الاصول المسلّمة و الأوّليّة عندنا أهل البيت.
الإشكال الوارد في التشكيك في الوجود
التلميذ: في نهاية الأمر، ينبغي أن تتّضح هذه المسألة، هل قضيّة التشكيك في الوجود و قضيّة الوحدة في الوجود متضادّتان، أم لكلّ واحدة حقيقة، لكنّ الثانية أعلى و أكمل؟
فأهل التوحيد يقولون: إنّ الذات القدسيّة لواجب الوجود لا اسم لها و لا رسم، و ليس فيها أيّ تعين. و أمّا وجودها وجود بالصِّرافة، لا طريق فيها للوحدة العدديّة. و بناء عليه، لو جعلناه متعيناً بأي نحو من التعين لأدّى ذلك‏
الشمس الساطعة، ص: 206
إلى التمييز، و اخرجه عن الصرافة.
أمّا أهل التشكيك فإنّهم يقولون: إنّ ذات الواجب هي الدرجة العليا من الوجود، و ما يميّزها عن بقيّة الموجودات علوّها و شرفتها و قوّتها و شدّتها، و ذلك لأنّه بعد أن قلنا إنّ وجود الواجب و وجود الممكن كلاهما من سنخ الوجود البسيط البحت، و ما يميّزهما هو عين الوجود، لا يوجد فيهما شي‏ء من خارج الوجود، و هكذا، فإنّ انفعال و اثنينيّة كلّ مرتبة من مراتب سلسلة الوجود سواء أخذنا الواجب مع الممكنات أم الممكن الأقوى مع الأضعف انّما هو على كلّ حال بواسطة نفس الوجود، و هو من خواص الحقائق المشكّكة، و في نفس الوقت الذي يتفاوت فيه بعض الأفرادها مع بعضه الآخر، فإنّ هذا التفاوت إنّما وجد بواسطة تلك الحقيقة المشكّكة، و ليس من ضمّ أمر عدميّ أو ماهوِّيّ أو خارجيّ.
و على هذا الأساس تنفصل حقيقة الواجب عن بقيّة المراتب، و يصبح لها حدّ و تميّز و انفصال. فعندما نقول كبير و صغير و غنيّ و ضعيف و مرتبة عليا و دنيا و... فكلّ هذه حدود تفصّل و تميّز وجود الواجب بهذه العناوين التي هي مفاهيم لا شكّ أنّ لها مصاديقاً خارجيّة و تنطبق عليها عن كافّة سلسلة الممكنات. و لأنّ هذا التمايز و الفصل يرجع إلى جهة الوجود، فانّ وجود الواجب يصبح متعيّناً و محدوداً.
و يعلم أنّ المراتب العليا لكما ارتفعنا فيها كانت واجدة على نحو أفضل لكمالات الدرجات و المراتب التي ما دونها من الوجود، و لكنّ هذا الحصول الكمالي لا يؤدّي إلى العينيّة مع سائر المراتب، و بالتالي لا يمنع من التشخّص في الوجود. و نفس هذا المقدار من التمييز و الفصل يؤدّي إلى التحديد و التعيّن، و بالتالي يخرج المرتبة العليا من الصّرافة.
بل يلبس حضرة الحقّ جلّ و علا لباس العدد، بينما قد ثبت أنّ‏
الشمس الساطعة، ص: 207
وجوده بالصرافة، و أنّ سعته و إحاطته الوجوديّة تجعل كلّ الوجودات مضمحلّة و مندكّة و فانية. و كما ورد في الدعاء و ما تدلّ عليه الروايات أيضاً: وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ؛ قَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ.
العلّامة: في قضية التشكيك في الوجود، فإن الدرجة العليا من الوجود تفوق جميع المراتب من جميع الجهات في القوّة و الشدّةً و الكثرة، و هي العلّة و ما عداها معلولاتها، و هذا لا يتنافي مع الصرافة في الوجود، بل جائز على نفس معنى الصرافة.
لجهة أنّ هذه السلسلة المشكّكة من الوجود، بناء على الفرض المذكور، تفسير من الضعف إلى الكمال. و كلّ درجة سفلى معلولة لما فوقها، و كلّ درجة عليا علّة لما دونها. و بما أنّه قد ثبت أنّ المعلول حاضر بكلّ وجوده في العلة بدون جهات نقصانه من الحدود العدميّة و الماهويّة و العلّة لها علم حضوريّ بمعلولها. و لهذا فإنّ واجب الوجود الذي هو غاية الغايات و مبدأ المبادئ يكون علّة فاعلة و علّة غائية لجميع المراتب من سلسلة الوجود. و في هذه الحالة يكون واجداً لجميع الكمالات و الإنّيّات و التحقّقات للمراتب الأدنى منه. و بناء عليه، لا يوجد من الكمال في أيّ مرتبة من المراتب إلّا و هو موجود في ذات واجب الوجود بالفعل، و هذا هو معنى الصرافة في الوجود.
فالدرجة العليا من الوجود على النحو الذي قيل لا تتنافي مع الصرافة في الوجود و لا ينبغي ذلك.
لأننّا لو نظرنا إلى مراحل الوجود كلّ على حِدَة لوجدنا أنّ كلّ كمال سفليّ موجود في العلويّ. و الكمال العلويّ ليس موجوداً في السفليّ، و هكذا بالنسبة للكمال العالي فإنّه موجود في الأعلى منه و لا عكس.
و الأعلى منه كذلك، حاصل على كمال العلوي الأدنى منه و لا عكس.
الشمس الساطعة، ص: 208
و هكذا ترتفع هذه السلسلة على هذا الترتيب، فكلّ درجة عليا لها كمال ما دونها و لا عكس، وصولًا إلى الدرجة العليا التي لا يوجد فوقها شي‏ء. لأنّ هذه السلسلة لا يمكن أن ترتفع غير متناهيّة، فالتسلسل محال، و لابدّ أن ينتهي إلى الدرجة التي ليس فوقها شي‏ء. و هنا تكون هذه الدرجة واجدة لجميع الكمال و تحقّقات درجات ما دونها، و لكن جميع الدرجات السفلى مع كثرتها و تعدادها ليست واجدة لكمال تلك الدرجة العليا.
و هذا التحقّق لجميع الكمالات في تلك المرتبة هو نفس معنى الصرافة في الوجود.
لأنّ كلّ ما نفرضه من الوجود و الكمال و الشدّة و الغنى و القوّة و سائر أنحاء الكمالات موجود هناك، لأنّه بناء على الفرض علّة، و العلّة تكون واجدة لجميع كمالات المعلوم.
و لا ينبغي القول إنّ تلك الدرجة العليا من الكمال، و إن كانت واجدة لكمال ما دونها، و لكنّها غير واجدة عين ما دونها، و لهذا فهي ستكون محدودة بهذا الحدّ، لأنّه لا يوجد في أدنى إلّا الكمال. لأنّنا نعلم أنّ الحدود العدميّة و و الماهويّة للدرجات السفلى ليست شيئاً و ليست وجوداً. فهي أمور عدميّة، و كلّ ما يضمّه الأدنى في نطاقه من نفس التحقّق و الوجود، و الآثار الوجوديّة كلها، فهو موجود بأجمعه في الأعلى.
اذاً فالأسفل هو مرتبة من الكمال الوجوديّ، الذي نطلق عليه الغنيّ و الشديد و الكثير و القريب و المقدّم و غيرها من التعابير المختلفة. و جميعها موجودة لا بحدودها العدميّة و الماهويّة في المرتبة العليا بالفعل. و المرتبة العليا لديها علم حضوريّ بها. فهي واقعة ضمن إطار قدرتها و سيطرتها و قبضتها.
و مثال النور الذي استعمل في هذا الجمال يوضح المطلب تقريباً،
الشمس الساطعة، ص: 209
لأنّ هذه السلسلة من نور الشمس التي فصل منها إلى الأرض، إذا افترضناها مائة درجة، فسيكون لدينا في هذه الحالة نور على الأرض بدرجة واحدة، و أعلى منها بدرجتين، و أعلى ثلاث درجات، و أعلى أربع درجات، و خمس وستّ و هكذا ... كلّما ارتفعنا أدركنا درجة حتّى نصل إلى نور الشمس التي افترضناها مائة درجة.
فكلّ واحدة من هذه الطبقات النوريّة في الوسط واجدة لنور الدرجات السفلى، و لا عكس.
و في الدرجة المائة التي هي آخر الدرجات و أعلاها، فلن يكون من نورٍ إلّا و كان موجوداً فيها، حيث هناك منبع النور و كماله. فهي سلسلة من المراتب بعضها فوق بعض تشكّل مراتب النور.
و كلّ طبقة عليا تكون علّة لوجود الطبقة السفلى، و الطبقة السفلى الأدنى من الجميع تكون فاقدة لجميع كمالات الدرجات العليا؛ أمّا الطبقة العليا التي تعلو الجميع فإنّها واجدة لجميع كمالات ما دونها.
فالدرجة الواحدة تعني درجة من الكمال. و معنى الاثنين هو الدرجتان من الكمال و هكذا إلى المائة، و معنى المائة: مائة درجة من الكمال، و هي الواجدة لجميع كمالات المراتب المائة المنطوية فيها، و هذا هو معنى الصرافة.
معنى الصرافة هو أن لا يكون للحيثية تقييداً، و لأننا نرى أنّ الدرجة الأخيرة التي هي الدرجة المائة لا يوجد أيّة تقييد للحيثيّة بأيّ وجه من الوجوه، عندها لن تتنافي مع الصرافة. بل هي الصرافة بعينها.
إن هذا المثل حول مراتب النور الحسيّ مثل جيّد جدّاً، و هو يقرب المطلب إلى الذهن، و هذا المثل للنور الحسيّ يعطي صورة واضحة حول النور الواقعيّ الحقيقيّ الذي هو حقيقة الوجود.
الشمس الساطعة، ص: 210
التلميذ: في قضيّة تشكيك الوجود، نجد أنّ المراتب الكثيرة للوجود لها وجود واقعي و أصيل و قد أوجب الوجود الواحد حقيقة مع نفس الوجود الذي ما به الاشتراك بين جميع المراتب اختلاف المراتب. و بناء على هذا، فإنّ حقيقةُ الوجود اكتسبت اختلافاً حقيقيّاً بالشدّة و الضعف و التقدّم و التأخّر و غيرها. و لهذا، يكون الوجود الواحد المشكّك ذا أفرادٍ هم أشخاصٍ مختلفين من الوجود، و يصدق على كلّ واحدٍ منهم مفهوم الوجود و الموجود.
و أصل طبيعة الوجود الخارجي الذي هو واحد و بسيط، و يشكّل هذه السلسلة من الوجود، فهو بدون شكّ يتملك وحدة بالصرافة، لأنّه لا يوجد شي‏ء آخر مقابله حتّى يعنون بعنوان العدد من هذه الجهة. و هذه الطبيعة الخارجيّة هي بحيث كُلُّ مَا فَرَضْتَ لَهُ ثَانِيَاً عَادَ أوّلًا وَ كُلَّمَا فَرَضْتَهُ خَارِجَاً عَنْهُ كَانَ دَ اخِلًا فِيهِ. لأنّه صِرف، و هذا هو معنى الصرفة.
أمّا الدرجة العليا من الوجود التي افترضناها واجبة، فهي و إن كانت بدون شكّ واجدة لجميع كمالات الأسفل منها، و فيها كافّة المراتب مع اسقاط الحدود العدميّة و الماهويّة بالفعل. لكن، بدون شكّ، يوجد أمر في البين، هو الذي أعطى امتيازاً للدرجَة العليا عن سائر الدرجات السفلى، و ليس هو شيئاً غير اسم و عنوان الغيريّة، و قد صار سبباً لتمايز الدرجة العليا عن الدرجات من الوجود بحيث إنّ الوجودات السافلة و إن كانت موجودة فيه بدون الحدود، و لكن مع وجود هذه الحدود و تصبح خارجة عنه، و نفس هذا الخروج يستلزم الحدّ و الفصل بين الأمرين، و هذا ما يتنافي مع الصرافه. لهذا لا يمكن فرض عدد مقابل الصرافة، بينما نحن قد أوردنا عنوان العَدد هنا.
و حتّى لو جعلنا هذا الوجود في المرتبه العليا و أعطيناه صفة العلّيّة،
الشمس الساطعة، ص: 211
و لكن في آخر الأمر فإنّ بين العلّة و المعلول يوجد العدد، و نفس انطواء المعلول في العلّة مع إسقاط الحدود لا يوجب اتحاد المعلول مع العلّة أو وحدتهما.
و حيث لابدّ من اعتبار ذات الواجب واحدة بالصرافة، فلا مفرّ إذن من أن نعتبر موجوداً ينطبق عليه عنوان الوجود، و هو حاصل على الصرافة و هو شخص واحد يتضمن جميع الموجودات و الممكنات.
و بعبارة أوضح: يكون وجوداً شخصيّاً واحداً هو عين الوجوب و جميع الممكنات مَظاهر و مجالي و مرائي له، لا أنّها بأنفسها لها وجود.
الشمس الساطعة 217 في حقيقة معنى«النفس جسمانية الحدوث ر وحانية البقاء» ..... ص : 217

و أمّا بناءً على قضيّة الوحدة، فهذا الأمر محقّق، لأنه أوّلًا: قد ثبت أنّ الوجود مساوق للتشخّص، و لأنّ الوجود واحد فهو شخّص واحد و هو الله تعالى شأنه العزيز.
و لهذا الوجود الشخصيّ صرافة، لأنّه لا يوجد شي‏ء خارج عنه حتى يطلق عليه عنوان العدد، فجميع الموجودات مرائيه و آياته، ليس لها وجود من نفسها، بل نسبة الوجود و الموجود إليها نسبة مجازيّة و اعتباريّة، و قد و سمت ناصيتها بالفقر و العدم و الاحتياج.
و بناء على هذا، لن تكون عقيدة التشكيك الوجوديّ معرّفة للتوحيد الخالص، بل إنّها تستلزم في نهاية الأمر الحدّ و العدد في ذات الواجب، حتّى و إن كان هذا الحدّ أو العدد خفيّاً و دقيقاً.
في توحيد الحقّ سبحانه تعالى و تقدّس‏
و امّا تبعاً لوحدة العرفاء بالله و تلامذة مدرسة أميرالمؤمنين عليه السلام في «نهج البلاغة» و غيره، و دقائق كلام حضرة الصادقين عليهما السلام مفسّري القرآن الكريم في التوحيد، فإنّ مذهب التشكيك في الوجود لا مجال له، بل تهدم اصوله و اسسه و تسيره تبعاً للتوحيد.
قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُن لَّهُو كُفُواً
الشمس الساطعة، ص: 212
أحَدٌ. [1]
هُوَ الأوَّلُ وَ الأخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ البَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ. [2]
فغيرتُه لم تبق غيراً في العالم:
كُلُّ مَا في الكَوْنِ وَ هُمْ أوْ خَيَال أوْ عُكُوسٌ في المَرَايَا أوْ ظِلَال‏
نشانى داده‏اند اهل خرابات كه التوحيدُ إسقاطُ الإضافات‏
وجود اندر كمال خويش سارى است تعين‏ها امور اعتبارى است [3]
العلّامة: ما زلتُ أذكر هذه الأشعار! و لكن للأسف لا يمكن حلّ الموضوع بالشعر.
فبالطبع لا يمكن القول إنّ في الوجود أشخاص متعدّودن، فتعدّد الأشعاص في الوجود، و وجود كلّ شخص من أشخاص الوجود لا يمكن قبوله في الهويّة المطلقة للوجود، و إذا ما كان قبول القول بتشكيك الوجود يستلزم قبول أشخاص المتعدّدين للوجود فهذا الأمر ليس مقبولًا.
و في ذلك التقريب الذي ذكرته في «رسالة الولاية»، كأنّ الصرافة في الوجود لا تتنافي مع فرض الدرجة العليا للوجود.
__________________________________________________
1 السورة 112: الإخلاص.
2 الآية 3، من السورة 57: الحديد.
3 يقول: «لقد أشاروا في الخربات*، بأنّ التوحيد إسقاط الإضافات.
فالوجودفي كماله سارٍ في جميع الأشياء، و ليست التعينات إلّا اموراً اعتباريّة».
، الخربات: في اصطلاح العرفاء مقام و مرتبة انعدام العادات النفسانية و الملكات الحيوانيّة، و محلّ كسب الأخلاق الملكوتيّة. (م)
الشمس الساطعة، ص: 213
و هذا الكلام الذي ذكرناه حول المراتب كان لأجل إثبات تشكيك الوجود، و كأنّ الموضوع هو انّنا إذا ما فرضنا وجوداً، و أردنا أن نفترض وجوداً آخراً فإنّ الوجود الأوّل أدنى من الثاني و مشمول فيه. و كلّ ما لديه منه، و في المرحلة الثانية و غيرها فإنّ الأمر سيدور ما بين الفرض الثاني و ما بين الفرض الثالث و يتكرّر الكلام، مع مرتبة من المراتب التي هي فوق المرتبة الاولى. عندها، كلّما ارتفعت المراتب شيئاً فشيئاً على هذا المنوال إلى أن تصل إلى مرتبة ليس فوقها شي‏ء، فيجب أن تكون تلك المرتبة هي واجب الوجود.
و في النتيجة سوف تفرض مراتب من الوجود حيث إنّ تلك المرتبة العليا أعلى المراتب هي مرتبة الواجب، و إذا فرضنا الصرافة فيجب أن نفترضها هناك.
و هذا هو قول القائلين بالتشكيك في الوجود، و بالتأكيد لا يكفي هذا المعنى وحده لإثبات تشكيك الوجود و اثبات الصرافة، فهذه نظريّة، و لكن أعلى المراتب التي ذكرناها قد جعلت في الصفّ و هو صفّ من الوجود ترتقى درجاته درجة درجة إلى الأعلى حتى تصل آخر الأمر إلى مكان يكون فيه أعلى هذه المراتب حتماً و قهراً، و لا يوجد بعد ذلك أعلى منه.
فهذه طبيعة المسألة. و بالطبع سوف تكون الدرجة الأعلى للصرافة، لأنّها حائزة على جميع الكمالات.
وَ لَا يَشُّذُّ عَنْ حِيطَةِ كَيْنُونَتِهِ وَ تَحَقُّقِهِ وُجُودٌ؛ وَ كُلُّ مَا فَرَضْتَهُ مِمَّا فِيهِ شَائِبَةُ الوُجُودِ وَ الكَمَالِ مَوْجُودٌ تَحْتَ عُنْوَانِ تَشَخُّصِهِ وَ تَحَقُّقِهِ.
و هذا، مسألة دقيقة تحتاج إلى تأمّل وافر، و سأفكّر فيها. إن شاء الله.
التلميذ: هل يمكن انتزاع المفاهيم متكثّرة من ذات الحقّ جلّ و علا؟ و إذا كان ممكناً فبأيّ اعتبارٍ و لحاظ؟ و إذا لم يكن كذلك فكيف نشأت‏
الشمس الساطعة، ص: 214
أسماء و صفات الحقّ جلّ و عزّ؟ و هل للأسماء و الصفات التي هي مفاهيم لها بلا شكّ ما تنطبق عليه في الخارج معيّة و عينيّة مع ذات الحقّ القدسيّة، أم هي مرتبة متأخّرة عن الذات و هي من تعيّناتها؟
و لأنّنا نعلم أنّ انتزاع المفاهيم الكثيرة من الذات الواحدة البسيطة من جميع الجهات محال، لأنّ المصداق هو هويّة، و خارجيّة المفهوم، و بناء على هذا، فإنّ تعدّد المفاهيم يوجب تعدّد المصاديق الملازمة، فكيف يتصوّر إذَن أن ينتزع من مصداق واحد مفاهيم كثيرة، و الحال أنّ المصداق هو الهويّة الخارجيّة للمفهوم؟
و هذه هي الطريقة التي اتّبعها المرحوم صدر المتالهين و المرحوم الحاجّ السبزواري رحمة الله عليهما.
و بناء على هذا، فإنّ أساس انتزاع، العالِم و القادر و سائر الصفات و الأسماء الإلهيّة هو باعتبار تعلّقها بأفعال الحقّ تعالى، إذن فلأنّ في فعل الله يوجد جهة العلم و القدرة، أو لأنّ الفعل معلوم و مقدر، فيجب إذَن القول بالملازمة: إنّ الله عالم و قادر.
و كان المرحوم السيّد أحمد الطهرانيّ الكربلائي يصرّ على عدم عينيّة الأسماء و الصفات مع ذات الحقّ تعالى، في حين أنّ الشيخ محمّد حسين الاصفهاني أصرّ على العينيّة، و لم يعتبر أن انتزاع مفاهيم الكثيرة من الذات الواحد محال بالاعتبارات المختلفة.
العلّامة: لا يوجد أدنى شكّ في أنّ انتزاع المفاهيم الكثيرة من ذات الواحد البسيط من جميع الجهات أمر لا يمكن تصوّره.
و من المسلم أنّ النزاع حول العينيّة و عدم عينيّة الصفات و الأسماء مع ذات الحضرة الأحديّة لا يشمل جميع الأسماء و الصفات، و هو ليس في الصفات و الأسماء الفعليّة كالرازق و الحاكم و الخالق و الغافر و أمثالها.
الشمس الساطعة، ص: 215
بل ينحصر في الأسماء و الصفات الذايتّة، كالعلم و القدرة و الحياة و السمع و البصر.
و من ثمّ فإنّ الصفات الفعليّة ستتنحّى جانباً، و الصفات الذاتية مرجعها جميعاً إلى الصفات الخمس المذكورة. و لأنّنا نعلم أنّ السمع و البصر يرجعان إلى العلم، يبقى عندئذٍ ثلاث صفات ذاتية فقط: الحياة و العلم و القدرة.
و هنا يأتي الحديث عن العلم الذاتي و القدرة الذاتيّة، لأنهما بدون شكّ كالحياة التي هي صفة ذاتيّة، ترجعان إلى الذات.
إن المفاهيم بشكل عامّ مثار للكثرة و كلّ مفهوم ذاتاً، بالضرورة هو غير المفهوم الآخر و منفصل عنه، فانطباق كلّ مفهوم على المصداق لا يخلو من شائبة التحديد. و هذا الأمر ضروريّ للمتأهل. و بناء على هذا، سيكون عكس هذه القضيّة أنّ انطباق المفهوم على المصداق الذي هو ذاته غير محدود لابدّ أن يكون متأخّراً عن مرحلة ذاته، و من جانب آخر نعلم أيضاً أنّ مرتبة المحمول تكون متأخّرة عن مرتبة الموضوع.
الذات أعلى من كلّ إسم و رسم و تعيّن‏
لهذا، باعتبار أنّ رتبة ذات واجب الوجود بلحاظ أنّ وجودها وجود بالصرافة، أي أنّه غير محدود، فإنّ هذا الوجود الصرف سيكون أعلى من كلّ تعين اسميّ و وصفي، و من كلّ تقييد مفهومي و حتّى من نفس هذا الحكم.
لأنّنا عندما نقول أعلى، فهذا سيكون حكماً نجعله على ذلك الموضوع، و تلك الذات البحتة البسيطة أعلى و أرقى من أن تكون موضوعاً لحكمنا هذا و حملنا عليها.
فهذه الحقيقة المقدّسة إذَن مُطلقة من كلّ تعيّن مفترض، حتّى من تعيّن هذا الحكم الذي جعلناه، أو الإطلاق الذي حملنا عليه.
الشمس الساطعة، ص: 216
و من هنا يعلم أنّ تلك العينيّة التي اثبت بالبرهان وجودها بين الذات و الصفات هي عينيّة من جانب واحد فقط. أي أنّ الذات هي عين الصفات و لكنّ الصفات ليست عين الذات.
بهذا المعنى أنّ الذات ثابتة بذاتها، أمّا الصفات فثابتة بالذات.
التلميذ: هل يمكن إثبات أنّ الذات البحتة البسيطة الواحدة لا يمكن الانتزاع منها إلّا مفهوم واحد عن طريق الدليل القائل: الوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ إلَّا الوَاحِدُ الذي هو دليل برهاني بالطبع، و أنّ انتزاع المفاهيم الكثيرة من الذات البسيطة محال.
العلّامة: بالطبع، إنّ هذا الدليل يستعمل في باب العلّة و المعلول، و ليس في باب الانتزاعيّات، و لكن ربما أمكننا أن نجري ملاك ذلك الاستدلال و مقدّماته هنا أيضاً، و إن لم يُستدل به من قبل.

 


*،* التلميذ: هناك موضوع يطرح كثيراً في الكتب العرفانيّة، و قد ورد في كتب الفلاسفة أيضاً و هو أن لَا تِكْرَارَ في التَّجَلِّي، فما المقصود بالتجلّي في هذه العبارة؟
العلّامة: المقصود هو التجليّ الوجوديّ، أي أنّ الوجود في التحقّق الخارجي هو وجود واحد. فلا يمكن أن يتحقّق موجود في مرتبتين. فوجود زيد واحد، و له تحقّق واحد. فلا يصحّ أن يتحقّق زيد مرّتين. فأن يكون زيد واحد و يتحقّق مرّتين فهذا لا معنى له. فليس لدينا زيدان أو أميرا المؤمنين اثنان. و ليس معناه أنّه لا يصح أن يتحقق وجود شخص متعيّن باثنين من الأين أو المتى (مكانين و زمانين)، فلهذا دليل آخر و لا يقال له التكرار في التجلّي.
و إذا كان لجوهر ما عرضين لا يقال: تكرارٌ في التجلّي، كأن يكون‏
الشمس الساطعة، ص: 217
زيد في الوقت الواحد في زمانين أو مكانين.
أي أنّ الجوهر الواحد لا يمكن أن يكون جوهرين، و التحقّق الوجودي لا يمكن أن يكون تحقّقين. فالتحقّق الوجودي واحد ليس أكثر و لا تكرار فيه.
فالعدد واحد لا يكون اثنين. و الوجود و التحقّق واحد. التحقّق الواحد لا يكون اثنين.
و عليه فمجموع عالم الكون تجلٍّ واحد، من أوّل عالم الخلقة حتّى انتهائه. فكلّ تحقّق هو تحقّق واحد، لا تكرار فيه و هو واحد مستقل و هويّة واحدة. فاذا نظرنا إلى كل العالم فانّ له هويّةً واحدة و تحقّقاً واحداً. و اذا نظرنا إلى بعضه فانّ له هويّة واحدة و تحقّقاً واحداً.
اين همه عكس مي و نقش مخالف كه نمود يك فروغ رُخ ساقي است كه در جام افتاد [1]
*،*

 

.
موقع المؤلف لكتاب : الشمس الساطعة :
 

المتقين موقع المتقین الجامع موقع إسلامي شامل
http://www.motaghin.com/


http://www.motaghin.com/ar_default.asp

http://www.motaghin.com/ar_default.asp
 

برنامج إكسير السعادة
http://www.motaghin.com/Ar_default.asp?RP=M_Content.asp&P1N=ContentId&P1V=5752&R%3D8655667%26L%3DAr%26FT%3DFalse

 

موقع المتقين > برنامج إكسير السعادة
صدر بحمد الله أخيراً هذا البرنامج القيّم الذي يحوي على 182 كتاباً في مواضيع مختلفة ( قرآنيّة - تفسيرية - عقائدية - عرفان عملي و نظري - أخلاقيّة - و مواضيع أخرى) و ذلك باللغات العربية و الفارسية و الإنجليزية ، بالإضافة إلى العديد من المحاضرات الصوتية و باقة من الصور النادرة للعلماء الربانيين.

المحتويات :
الآثار العلميّة لسماحة العلامة آية الله الحاج السيّد محمّد حسين الطباطبائي رضوان الله عليه :
(المتن الكامل لـ 9 مؤلّفات علميّة مدوّنة ضمن 48 مجلّد)
 

الآثار العلميّة لسماحة العلامة آية الله الحاج السيّد محمّد الحسين الحسيني الطهراني قدّس الله نفسه الزكيّة:
(المتن الكامل لـ 39 مؤلّف مدوّنة ضمن 112 مجلّد)
(أكثر من 100 ساعة محاضرات صوتيّة)
(المتن الكامل لأكثر من 90 محاضرة ومقالة)

الآثار العلميّة لسماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني مدّ ظلّه العالي
(المتن الكامل لـ 10 مؤلّفات ضمن 11 مجلّد)
(أكثر من 700 ساعة محاضرات صوتيّة)
(المتن الكامل لأكثر من 65 محاضرة ومقالة)

إمكانات البرنامج
تصفح الكتاب مع الفهرس بترتيب موضوعي وتسلسلي
بحث متطوّر في متون الكتب وفهارسها
ربط مباشر بين الكتاب والقرآن والقواميس العربيّة والفارسيّة
مجهّز بأدوات ووسائل التحقيق والبحث العلمي
عرض لبعض الصور والصوتيات في قسم الصوت و الصورة



للحصول على البرنامج يرجى الاتصال على الرقم التالي : 0096171469729

أو تعبئة النموذج الموجود على الموقع التالي : www.ekseer.org

كما يمكنكم تنزيل البرنامج كاملا من خلال الرابط التالي:


 

 

تنظيم وترتيب التفسير الموضوعي للميزان في تفسير القرآن
 وإعداد الصفحة للإنترنيت

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين