بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
الميزان في تفسير القرآن /
 للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
الشمس الساطعة
 رسالة في ذكري ألعالم الرباني العلامة
السيد محمدحسين الطباطبائي التبريزي‏
 

صورة المؤلف لكتاب الشمس الطالعة العلامة الطهراني  والسيد العلامة الطباطبائي

الشمس الساطعة
 رسالة في ذكري ألعالم الرباني العلامة
السيد محمدحسين الطباطبائي التبريزي‏

القِسْمُ الثَّاني
محاورات التلميذ والعلّامة

 

المقدمة : للسيد الطهراني مؤلف كتاب الشمس الطالعة :
بسم الله الرحمن الرحيم‏
أفضل التحيّات الوافرة : و الصلوات الزاكية ، لرسول الله خاتم النبيّين محمّد بن عبدالله صلّى الله عليه و آله و سلّم ناشر لواء الحمد، و الحائز على مقام الشفاعة الكبرى؛ و سيّد الأنبياء الأوّلين و الآخرين في مقام القرب من الحضرة الأحديّة؛ و على وصيّه الأكرم حضرة خاتم الوصيّين و يعسوب الدين أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و أولاده الأحد عشر الأماجد الممَجَّدين؛ و بالأخصّ قطب دائرة الإمكان صاحب العصر و الزمان الحجة بن الحسن العسكريّ عليه السلام واسطة الفيض الإلهيّ و منبع إفاضة أنوار الملكوت على عالم الناسوت عجّل الله تعالى فرجه الشريف؛ حامل أعباء الولاية الكلّيّة الإلهيّة، و جاذب أرواح الصدّيقين و المقرّبين إلى آخر درجات القرب و الكمال.
و أفضل الألطاف الخفيّة الإلهيّة و الرحمات المنزلة القدسيّة، على روح أستاذنا العظيم الطاهر آية الله المكرّم؛ الفقيد السعيد المرتحل حديثاً حضرة الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ رحمة الله عليه رحمةً ، واسعة و أسكنه في دار القدس و الرفيق الأعلى، و أفاض علينا من بركاته بمحمّد و آله.
من هناك حيث كان مجلس المرحوم أستاذنا : مليئاً بالفيوضات، و حاوياً كل أنواع الاستفادات؛ و هذا الحقير كان يغتنم من سابق الأيّام الآثار المترشّحة إعتبرتُ هذا المجلس مغنماً، و كتبة، بالأخص في مدّة الأربعة أشهر من صفر المظفّر حتّى جمادي الأُولى من سنة 1400 ه ق‏
الشمس الساطعة، ص: 136
حيث كان المخدوم المعظّم : يقيم في طهران، و في أكثر الأيّام كنّا نستفيد من آثار مجلسه ساعة أو ساعتين.
و هذه المواضيع : التي هي عبارة عن أسئلة و أجوبة كنت أكتبها؛ و رأيت أن أضعها بين أيدي الجميع للاستفادة منها، و لأنّ هذه الأسئلة كانت من هذه الحقير و الأجوبة من حضرته فإني أقدمها إلى أرباب البصيرة بعنوان محاورات التلميذ و العلّامة. وَ بِيَدِهِ أزِمَّةُ الامُورِ وَ بِهِ أسْتَعِينُ؛ وَ لا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيّ العَظِيمِ.
الشمس الساطعة، ص: 137
 

الأَبحاثُ القُرآنيَة


الشمس الساطعة، ص: 140
بسم الله الرحمن الرحيم‏ :
العلّامة:
كان لحضرة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، انس و تعلّق شديد بالقرآن الكريم؛ بحيث إنّه كلما قري‏ء عليه آية منه، كان يتلو الآية التي تليها؛ و كان من جهة أخرى منبعاً للرحمة و المودّة.
و ذات يوم : قدم أحد الأشخاص الذين حكم رسول الله بإهدار دمه (بسبب جريمة ارتكبها) إلى أميرالمؤمنين عليه السلام و توسّل إليه قائلًا:
 يا عليّ : ما أفعل ليعفو عنّي رسول الله ؟
فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : اذهب إليه! و اقرأ هذه الآية عنده :{  تَاللهِ لَقدْ ءَاثَرَكَ اللهُ عَلَينَا وَ إن كُنَّا لَخَاطِئِينَ }. [1]
ففعل ذلك؛ فما كان من رسول الله إلّا أن أجابة مباشرة:
لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَ هُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. [2]
و كانت هذه الآية بمنزلة حكم العفو عن ذلك الشخص.
*،*
 



 

 

 

تفسير آية : { عَبَسَ وَ تَوَلّى أن جَاءهُ الأعْمَي‏ } .
التلميذ: لقد جاء في بعض تفاسير العامّة أنّ المقصود من فاعل فعل :
عَبَسَ وَ تَوَلَّى، أن جَآءَهُ الأعْمَى هو رسول الله؛ و أن الخطاب: وَ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى، أمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأنتَ‏
__________________________________________________
1 الآية 91، من السورة 12: يوسف.
2 الآية 92، من السورة 12: يوسف.
الشمس الساطعة، ص: 141


لَهُو تَصَدَّى، وَ مَا عَلَيْكَ ألَّا يَزَّكَّى، وَ أمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى، وَ هُوَ يَخْشَى، فَأنتَ عَنْهُ تَلَهَّى، [1]
مُوجّه إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم أيضاً؛ لأنّه يُعلم من عنوان المؤاخذة أنَّ العبس و الإعراض قد صدرا عنه.


العلّامة: ليس كذلك؛ لأنّه:
أ وّلًا
: أنَّ نظير هذا الخطاب موجود بكثرة في القرآن الكريم، حيث يوجّه الكلام أو المؤاخذة إلى رسول الله في حين أنَّه من المسلم لم يكن هو الفاعل.
كما جاء في الآية 68، من السورة 6: الأنعام:
إذَا رَ أيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في ءَايَاتِنَا فَأعْرِضْ عَنهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غيرهِ وَ إمَّا يُنسِينَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
لأنّنا لو قارنّاها و طبّقناها على الآية 140، من السورة 4: النساء و هي:
وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ في الْكِتَابِ أنْ إذَا سَمِعْتُمْ ءَايَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غيرهِ إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ إنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَ الْكَافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا.
يتّضح جيداً أنّ الآية الثانية ناظرة إلى الأولى، و فيها قد تبيّن بشكل صريح أنّ مثل هذا الحكم قد نزل في كتاب الله سابقاً.
و لأنّ الخطاب في الآية الثانية موجّه إلى المؤمنين، يعلم أيضاً أنّ الخطاب في الآية الأولى التي أكّدت الآية الثانية على نزولها، و فيها دلالة على نزول ذلك الحكم، موجّه إلى المؤمنين؛ و إن كان ظاهره موجّهاً إلى الرسول الأكرم و بصيغة المخاطب المفرد.
__________________________________________________
1 الآيات 3 إلي 10، من السورة 80: عبس.
الشمس الساطعة، ص: 142
و يعلم أيضاً لماذا يكون الحكم مختصاً بالمؤمنين و عامّة الناس ، و هو في ظاهره موجّه إلى رسول الله؛ ذلك لأنّه صلّى الله عليه و آله و سلّم مأمور بإبلاغ كلّ الأمة، و من خلال نافذة نفسه يتعرّف الناس على تكليفهم، و لهذا يتحمّل هو هذه الخطابات و التكاليف.

و هذا المعنى، من الأمور الشائعة في عرف أهل اللغة و محاوراتهم، و هو كثير في البلاغة و الفصاحة الأدبيّة ، حيث يقوم السلطان في طريقة خطابه بتوجيه الأمر إلى وزيره ؛ في حين أنّ الأوامر تكون موجّهة إلى الرعيّة.
و لدينا في ذيل الآية 44، من السورة 16: النحل:
وَ أنزَلْنَآ إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
و من الواضح جدّاً في هذه الآية أنّ الأحكام و التكاليف قد نزلت في الواقع للناس؛ أمّا رسول الله فهو الواسطة و النافذة لأجل إلقاء الأحكام و الأوامر على الناس.
امّا ذلك الشخص الذي كان يكفر بآيات الله و يستهزئ بها فهو الوليد بن المغيرة، و الذي ذكر القرآن قصّته في سورة المدَّثِّر:
ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَ جَعَلْتُ لَهُو مَالًا مَمْدُودًا، وَ بَنِينَ شُهُوداً، وَ مَهَّدْتُ لَهُو تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أن أزِيدَ، كَلآ إنَّهُوكَانَ لأيَاتِنَا عَنِيدًا، سَارْهِقُهُ صَعُودًا، إنَّهُو فَكَّرَ وَ قَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ، ثُمَّ أدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤثَرُ، إنْ هَذَآ إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَاصْلِيهِ سَقَرَ، وَ مَآ أدْرَيكَ مَا سَقَرَ، لَا تُبْقِي وَ لَا تَذَرُ* لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ، عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ. [1]
__________________________________________________
1 الآيات 11 إلي 30، من السورة 74: المُدَّثَّر.
الشمس الساطعة، ص: 143
أجل، فإنّ الوليد [1] كان ينطق بمثل كلمات الكفر هذه و يقول: إنَّ القرآن سحر قويّ يؤثر.
و كان الوليد و أبوجهل و رفقاؤهم يجلسون و يستهزئون بالقرآن.
و عندما نزلت الآية التي تذكر عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، قال أبوجهل لقريش مستهزئً:
ثكلتكم أمّهاتكم! لقد سمعت ابن أبي كبشة (و يقصد رسول الله) يقول: إنّ حفظة جهنّم و حرّاسها، هم تسعة عشر؛ و أنتم جماعة! ألا يوجد فيكم عشر رجال ليحملوا على حرّاس جهنم و يقضوا عليهم! و يخلّصوها من الخزنة التي يتحدّث عنها محمّد؟!
فقال أبو الأسود بن أسيد بن كلدة الجمحي: إنّني رجل فارس و شجاع، أكفيكم سبعة عشر منهم و انتم تكفّلوا بالاثنين الباقين!
و في سورة الأنعام و سورة النساء، يأتي الحديث عن كفر و الاستهزاء الوليد و أصحابه و خوضهم في آيات الله، و ينهى الله سبحانه و تعالى المؤمنين عن مجالستهم و الاستماع إليهم.
و في سورة الأنعام، جاء الحكم بصورة الخطاب الموجه إلى رسول الله؛ و معلوم أنّ المقصود هم المسلمون.
أمّا في سورة النساء فإنّه موجّه إلى المسلمين؛ و هو يذكر بالحكم الوارد في سورة الأنعام؛ و من المعروف أنّ سورة النساء قد نزلت بعد سورة الأنعام؛ فالخطاب الواحد قد جاء في سورة الأنعام موجّها إلى المسلمين‏
__________________________________________________
1 و لا يخفي أنّ الوليد بن المغيرة أحد الرجلين العظيمين اللذين كان المشركون يقولون: لماذا لم ينزل القرآن على أحدهما، و هو غير الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي نزلت آية النبأ فيه.
الشمس الساطعة، ص: 144
بصورة الخطاب لرسول الله، أمّا في سورة النساء فقد ورد بصورة الخطاب لجميع المسلمين.


ثانياً: بعد عدّة آيات يقول الله تعالى:
قُتِلَ الإنسَانُ مَا أكْفَرَهُ، مِنْ أيّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ، مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَةُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُو، ثُمَّ أمَاتَهُ فَأقْبَرَهُ، ثُمَّ إذَا شَآءَ أنشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أمَرَهُ. [1]
و قد اتّفق جميع المفسّرين من الشيعة و السنّه: على أنّ ظاهر هذا التوبيخ من الله، لذلك الذي عبس و تولّى؛ أي أنّ ظاهر سياق العبارة، هو لفاعل عَبَسَ وَ تَوَلَّى الذي كفر و لم يُطع أمرَ الله أبداً.
و لا يمكن أن يكون هذا الخطاب ليس موجّها إلى رسول الله؛ فمن مراجعة الخطابات القرآنية للرسول تنكشف هذه الحقيقة؛ و لهذا نجد أنّ نفس مفسرّي العامّة الذين نسبوا فعل العبس و التولّي لرسول الله، أصبحوا هنا مجبورين على رفع اليد عن هذا الظهور، و قد قالوا إنّ هذه الآيات لا تنطبق على الرسول؛ بل نزلت في موضع آخر، ثمّ جمعها بعد ذلك معاً في هذه السورة.
و من المعلوم أنّ مثل هذا الادّعاء ليس إلّا إسقاطاً للقرآن من مرتبة البلاغة؛ و هو ناشئ من إرجاع ضمير عَبَسَ وَ تَوَلَّى إلى الرسول.


ثالثاً: اتّفق الجميع من الشيعة و العامّة على أنّ سورة ن وَ الْقَلَمِ التي هي من السور العتائق، [2] قد نزلت مع باقي العتائق في مكّة المكرّمة، و أنّ‏
__________________________________________________
1 الآيات 17 إلى 23، من السورة 80: عبس.
2 دُعيت السور التي نزلت في بداية البعثة بالعتائق، جمع «العتيقة» و معناها: السور القديمة.
الشمس الساطعة، ص: 145


سورة القلم قد نزلت بعد سور العَلَق و المُدَّثّر و المزَّمّل؛ و كان ذلك في بداية بعثة رسول الله.
و الله سبحانه تعالى يقول في هذه السورة وَ إنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [1] مثنياً على رسوله، و معرّفاً إيّاه لكلّ العالمين.
كانت هذه أخلاق النبيّ في بداية البعثة؛ فكيف يمكن أن نتصوّر صدور مثل ذلك العمل (العبوس) من الرسول بعد البعثة و بعد مرور الزمن حيث إنّ الطبيعة و العادة تقتضيان رفعة الأخلاق و سموّها أكثر؟

و بمجرّد رؤية ذلك المؤمن الضرير و التقيّ هو ابن أمّ مكتوم، و لأجل استمالة زعماء قريش، و جلب قلوب المترفين و المستكبرين من العرب، يعبس الرسول و يعرض بوجهه!
إنّنا لا نجد مثل هذه الأخلاق حتّى في الأنبياء و الأولياء، بل و في مختلف طبقات المؤمنين الأتّقياء و الملتزمين، فكيف برسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.
و حسب علمي أنّ فاعل عَبَسَ وَ تَوَلَّى هو عثمان بن عفّان الذي عبس و تولّى و أشاح بوجهه عند دخول ابن امّ مكْتُوم الأعمى على رسول الله. و تشهد على هذا المعني بعض الروايات التي تقول: إنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِن بَنِي أمَيَّة. انتهى كلام العلّامة.
*،*

 



 

 

 المقصود من السور الطّوال والمثاني في القرآن الكريم‏ :
التلميذ: جاء في كتاب الصلوة في «جواهر الكلام» في ب‏اب استحباب قراءة السورة بعد الحمد في النوافل أنّه قال: رَوَى الكُلَينِيّ بِسَنَدِهِ إلى سَعْدِ الإسْكَافِ أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ:
__________________________________________________
1 الآية 4، من السورة 68: القلم.
الشمس الساطعة، ص: 146
اعْطِيتُ السُّوَرَ الطِّوَالَ مَكَانَ التَّورَاةِ، وَالسُّنَنَ مَكَانَ الإنْجِيلِ، وَالْمَثَانِيَ مَكَانَ الزَّبُورِ؛ وَ فُصِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ ثَمَانٍ وَ سِتِّينَ سُورَةً؛ وَ هُوَ مُهَيْمِنٌ عَلَى سَائِرِ الكُتُبِ.
فما هو المقصود من السور الطّوال، و السُّنَن، و المَثَاني، و المفصّل في هذه الرواية؟
العلّامة: المراد من السور الطوال، السور السبع الطويلة في بداية القرآن التي سمّاها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم بالطوال و هي عبارة عن البقرة، و آل عمران، و النساء، و المائدة، و الأنعام، و الأعراف، و يونس.
بَيدَ أنّ عثمان قدّم سورتي الأنفال و التوبة على سورة يونس، حين جمع القرآن؛ لأنّه لم يعتبر سورة التوبة سورة مستقلّة؛ لأنّها لم تبدأ ب بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بل اعتبرها متمّمة لسورة الأنفال؛ و لهذا، عدّ هاتين السورتين سورة واحدة، و جعلهما من السور الطوال.
و لكن عندما اعترض عليه بأنّ رسول الله قد جعل سورة يونس بعد سورة الأعراف، و هي من السور الطوال، لم يملك جواباً؛ و قال: لم أكن أعلم بما فعله رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.
و أمّا السُّنَن التي ورد ذكرها في هذه الرواية، فلم أجد لها نصّاً؛ إلَّا إنّ ما جاء في بعض الروايات كان بلفظ المئين، أي السور التي يقارب عدد آياتها المائة؛ و لعلّ السنن في هذه الرواية هي المِئين و قد حرّفت حين الكتابة. [1]
__________________________________________________
1 جاءت عبارت سنن في «الجواهر» طبعة الحاج موسى ملفّقة، و لكن في طبعة النجف الحروفيّة وردت بلفظ مئين؛ و بعد مراجعة أصل الرواية في «اصول الكافي» الطبعة الحروفيّة، ج 2، ص 601 فكانت هناك بلفظ «المئين».
الشمس الساطعة، ص: 147
و المشهور أنّ القرآن يقسم إلى ثلاثة أقسام: السور الطوال، السور المئين، السور المفصّلات. غاية الأمر أنّهم يطلقون على السور التي تبدأ من سورة النبأ «عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ» [1] إلى آخر القرآن السور القصار.
المقصود من المتشابه و المثاني في القرآن الكريم‏

المقصود من المتشابه و المثاني في القرآن الكريم‏ :
و أمّا المثاني،
فلا أذكر أنّها تطلق على بعض السور القرآنيّة، لأنّ معنى ثَنَي و يَثْنِي من الأنحناء و الرجوع؛ و بما أنّ العديد من الآيات القرآنيّة ناظر إلى البعضه الآخر، فكأنّ هذه الآيات قد ذكرت مرّتين: مرّة بمعنى نفس الآية، و مرّة بالنظر إلى الآية الأخرى؛ و تلك الآية السابقة قد ذكرت مرّتين: مرّة نفس الآية، و مرّة تلك الآية الأخرى التي ترجع إليها؛ و هي التي تبيِّن بمعناها.
و لأنّ جميع آيات القرآن ناظرة إلى بعضها البعض؛ و كلّ آية، تتضمّن في نفسها معنى الآية الأخرى؛ فإنه يمكن القول بأنّ جميع القرآن هو المثاني. [2]
__________________________________________________
1 الآية 1، من السورة 78: النبأ.
2 ورد في تعليقة هامش «أصول الكافي» ج 2، ص 601 الطبعة الحروفيّة نقلًا عن «الوافي» السور الطُوَل كصُرَد هي السبع الأوّل بعد الفاتحة، على أن تعدّ الأنفال و التوبة واحدة (لنزولها جميعاً في مغازي النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم، و تدعيان قرينتين و لذلك لم يُفصل بينهما بالبسملة) أو السابعة سورة يونس.
والمثاني هي السبع التي بعد هذا السبع سمّيت بها؛ لأنها ثنتها، واحدهما مثنى مثل معاني و معنى.
وقد تُطلق المثاني على سور القرآن كلّها طوالها و قصارها، و امّا المئون فهي من السورة 17: بني اسرائيل إلى سبع سور، سميت بها لأنّ كلّا منها على نحو من مائة آية، كذا في بعض التفاسير انتهى كلام «الوافي».
ولكنّ المعاني التي ذكرها «الوافي» غير تامّة؛ لأنّ مثنى يثني جاءت في اللغة بمعنى التوجّه و العطف كما تفضّل العلّامة، أنّه لعطف شي‏ء على شي‏ء قبل الانحاء أو الالتواء لا مُطلقاً.
أجل، إذا جمعنا بين علوم صاحب «الوافي» و الرواية التي نقلناها عن «الكافي» يمكننا القول بأ نّ السور الطوال أو الطَوال، هي سبع سور بعد فاتحة الكتاب: البقرة، آل عمران، المائدة، الأنعام، الأعراف، يونس.
وسور المثاني هي السبع سورٍ بعدها على اساس أنّ الأنفال و التوبة سورة واحدة: الأنفال التوبة، هود، يوسف، الرعد، إبراهيم، الحجر، النحل.
والسور المائين هي السور السبع التي تليها و هي: الإسراء، الكهف، مريم، طه، الأنبياء، الحجّ، و المؤمنون.
والسور من المفصّلة هي الثمانية و الستّون التي تليها، أي من سورة النور، الرابعة و العشرون من السور إلى سورة الشمس التي هي الحادية و التسعون، و ما بقي من السور فتعتبر من السور القصار، و الله العالم.
الشمس الساطعة، ص: 148


كما ورد في الآية 23، من السورة 39: الزمر.
اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَبَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُو مِنْ هَادٍ. [1]
ففي هذه الآية المباركة أطلق اسم المثاني على جميع الكتاب المُنَزَّل و أحسَنُ الحديث و هما القرآن.
و امّا المتشابه الذي ذكر في هذه الآية، فهو بمعنى يُشبِهُ بَعْضَهُ بَعضاً،
__________________________________________________
1 يمكن أن يكون أحد الأسباب التي عبّر الله سبحانه تعالى فيها عن القرآن ب- «بأحْسَنِ الحديث» السبب الذي بيّنهُ العلّامة قدّس الله نفسه في كتاب «قرآن در إسلام» «القرآن في الإسلام» ص 61، حيث يقول:
أولًا إنّ القرآن هو الكتاب السماويّ الوحيد الذي: يعتبر أنّ سعادة الحياة الإنسانيّة هي التي تكون على نمط حياة الإنسان الفطريّة «الطبيعيّة» السليمة التي لم تدّنس و تتعادل معها.
وثانياً: و خلافاً لأكثر أو جميع المناهج التي تفصل عبادة الإنسان للّه عن برنامج الحياة.
فقد جعل البرنامج الديني هو نفسه برنامجاً للحياة و يتدخّل في جميع الشؤون الفرديّة و الاجتماعيّة للإنسان و يصوّر الأحكام التي تطابق الرؤية الواقعيّة (في الرؤية الكونيّة و في معرفة الله) و في الحقيقة تربط الأفراد بالكون، و الكون بالأزل و تربطهما معاً بالله سبحانه و تعالى.
الشمس الساطعة، ص: 149


أي أنّ كلّ الكتاب من سنخ واحد؛ و يشبه بعضه بعضاً.
و هذا المعنى غير المتشابه الذي جاء مقابل الحكم؛ في الآية 7، من السورة 3: آل عمران.
هُوَ الذي أنزَلَ علَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ امُّ الْكِتَابِ وَ اخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ.
لأنّ المحكم هو الذي يكون معناه واضحاً و بيّناً، أمّا المتشابه فهو الذي يحتاج إلى التأويل و التفسير.
*،*

 

 



 

 


الحروف المقطّعة في أوائل السور :
التلميذ: تلك الحروف المقطّعة التي وردت في أوائل بعض السور مثل: الم و حم و غيرها، هل علم معناها الواقعيّ حتّى الآن؟ بحيث يمكن للإنسان أن يطمئنّ لتفسيرها؟!


العلّامة: يمكن القول إجمالًا إنّه لهذه الحروف نوعاً من الارتباط الخاصّ مع المطالب الواردة في تلك السورة؛ و لهذا، فإنّ السور التي تشترك في نفس الحروف المقطّعة في أوائلها تبحث و تتحدّث عن سنخ واحد من المطالب. فالسور التي تبدأ ب ألف، لام، ميم «الم» في القرآن هي ستّ:
1 السورة 2: البقرة: الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.
2 السورة 3: آل عمران: الم* اللهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيّ الْقَيُّومُ.
3 السورة 29: العنكبوت: الم* أحَسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا أن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَ هُمْ لَا يُفْتَنُونَ.
4 السورة 30: الروم: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ، في أدْنَى الأرْضِ وَ هُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ.
5 السورة 31: لقمان: الم، تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ.
6 السورة 32: السجدة: الم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِ‏ الْعَالَمِينَ.
ففي هذه السور الستّ المباركة يلاحظ أنّ سورتي البقرة و آل عمران متتاليتان؛ و السور الأربع الباقيات العنكبوت و الروم، و لقمان و السجدة كذلك. وردت متتالية.
الشمس الساطعة، ص: 150

أمّا السور التي تبدأ بـ : حا، ميم «حم» و يقال لها الحواميم، فهي سبع سور:
1 السورة 40: المؤمن: حم* تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
2 السورة 41: السجدة: حم، تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
3 السورة 42: الشورى: حم، عسق، كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وَ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللهُ.
4 السورة 43: الزخرف: حم، وَ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إنَّا جَعَلَنْاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
5 السورة 44: الدخان: حم، وَ الْكِتَابِ لْمُبِينِ* إنَّآ أنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ.
6 السورة 45: الجاثية: حم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
7 السورة 46: الأحقاف: حم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
و جميع هذه السور من سنخ واحد، ذات مضمون و مطلب واحد ايضاً. و قد وردت في قرآن متتالية.
كذلك كانت سور الم، جميعها من سنخ واحد، و تشترك في وحدة المضمون و المطلب.
أمّا سور المُسَبّحات التي تبدأ ب يُسَبِّحُ أو سَبَّحَ فهي خمس: الحديد، الحشر، الصفّ، الجمعة و التغابن. أمّا سورة الأعلى التي تبدأ بفعل سَبِّحْ‏
الشمس الساطعة، ص: 151
بصيغة الأمر، فهي لا تعدّ من المسبّحات، و إن كانت قد وردت في بعض الروايات، و لكنّ الروايات المعتبرة قد حدّدت عدد السور المسبّحات بخمس.
و ورد في الرواية أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم كان يقرأ هذه السور الخمس كلّ ليلة قبل النوم.
و لمّا سئل عن سبب قراءة هذه السور، قال صلّى الله عليه و آله و سلّم: في كلّ سورة من هذه السور يوجد آية تساوي ألف آية من القرآن.
و في الرواية، أنّ كلّ من يقرأ المُسَبّحات قبل النوم لا يموت إلّا و يرى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قبل موته؛ فيُريه مقامه و محلّه في الجنّة:


العلّامة: السور التي تبدأ بألف لام راء «الر» في القرآن ستّ سور و هي:
1 السورة 10، يونس: الر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ.
2 السورة 11، هود: الر: كِتَابٌ احْكِمَتْ ءَايَاتُهُو ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.
3 السورة 12، يوسف: الر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ.
4 السورة 13، الرعد: المر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ وَ الذي انزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَ لَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ.
5 السورة 14، ابراهيم: الر كِتَابٌ أنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
6 السورة 15، الحجر: الر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتابِ وَ قُرْءَانٍ مُّبِينٍ.
هذه السور كذلك وردت متتالية، كلّ واحدة بعد الأخرى؛ و لها لحن خاصّ و أُسلوب معيّن.
الشمس الساطعة 159 في تفسير آية: خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن ..... ص : 156

و السورة 7: الأعراف تبدأ ب- ألف لام ميم صاد «المص» و لها لحن و أسلوب تلك السور التي تبدأ بألف لام ميم، و كذلك لها لحن اسلوب سورة صاد «ص»، و عليه فهي تمتلك ميزتهما معاً.
لأنّه كما قلنا، فالحروف المتقطّعة في أوائل سور القرآن، أشارت لكلّ تلك المطالب الواردة في تلك السور بنحو الإجمال و الرمز؛ إذاً من ناحية تضمّنها «الم» لها مع سور «الم» نفس اللحن و الأسلوب؛ و من ناحية أخرى لتضمّنها «ص» فلها، لحن و أسلوب سورة «ص».
و السورة 19: مريم تبدأ ب «كاف ها ياء عين صاد» «كهيعص»، و لها قالب و أسلوب خاصّ.
و السورة 50: ق، لها شكل خاصّ، و هذا الشكل و الأسلوب واضح في كلّ القرآن؛ و كذلك سورة طا. ها «طه» و يا. سين «يس»؛ و على الرغم من أنّ الكثيرين يعتبرون طه حرف واحد، و من أسماء رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، ففي يَس قالوا إنّه كلمة واحدة و من أسماء رسول الله؛ و شاهد على هذا، الآية 120، من سورة 37: الصافّات. حيث ورد فيها سَلَامٌ عَلَى إلْ يَاسِينَ، إذ إلْ تكون مخفّفة آل؛ و في القراءة الشاذّة كذلك قرئت آية آل ياسين.
اذاً يمكننا القول إنّه في سورة «يس»، «يا» حرف نداء و «سين» من أسماء رسول الله، و كذلك يمكننا القول كما في سائر حروف القرآن المقطّعة ي و س حرفان، و هما إشارة ترمز إلى مطالب مطويّة في هذه السور، و هذا لا يتنافي بأن يكون إشارة و رمزاً إلى رسول الله، و هو نوع‏
الشمس الساطعة، ص: 155
لاسم أو علامة؛ و كما أنّ الحرفين في سورة طه «الطاء و الهاء» هما بالإضافة للإشارة لمحتوى السورة، نوع لاسم أو علامة لرسول الله.
و السورة 42: الشورى التي تبدأ ب- حا ميم عين سين قاف «حم* عسق» لها أسلوب و مزايا الحَوَاميم التي تبدأ ب- «حم»؛ و من أسلوب سورة مريم التي بين حروفها المقطّعة حرف عين، و أسلوب سورة يس التي فيها سين، و من أسلوب سورة ق التي تتشابه معها.


و بشكل عامّ، لأنّ الحروف المقطّعة تخبر عن محتوى السورة كلّها بالإجمال، يجب أن نحلّل هذه السور بنظر و حساب دقيق، و من قياس كلّ سورة مع الأخرى، و مع سائر السور، نستنتج المواضيع؛ رغم أنّ هذا التحليل مشكل و دقيق؛ و لكن سنحصل على نتائج مهمّة منه.
و من جملة إعجاز القرآن الأساليب المختلفة الموجودة فيه، و ربط هذه الحروف بالمواضيع التي سيتضمّنها القرآن الكريم. و الحمد للّه ربّ العالمين.

 

 

 

 



 

 


إعجاز رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم‏ :
التلميذ: إنّ هذه القضية عجيبة جدّاً، فرغم أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم كان أميّاً لا يعرف الكتابة، و لم يكتب الآيات بنفسه، فقد كان يقرأ هذه السور و غيرها بعد نزولها، بدون نقصان أو زيادة حرف أو كلمة.
فقد كان معروفاً أنّه بمجرّد نزول الوحي، كان النبيّ يدعو كُتّاب الوحي، ليتلوه عليهم، فيكتبوه. و لم يُرَ النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم طوال حياته يحمل قلماً أو يكتب.
هل يمكن أن نسمّي هذا الأمر بقوّة الحافظة؟
و هل شوهد طوال عمر البشريّة مثل هذا الأمر؟ و هل يمكن لأيّ خطيب، مهما كان ماهراً، حتّى لو كان من أمهر خطباء العالم و أقواهم حفظاً، أن يكرّر ما قاله لمدة دقيقتين فقط كما هو تماماً بدون قراءته عن ورقة أو تسجيله دون أن يزيد أو ينقص حرفاً؟ إنّ هذه معجزة عجيبة جداً
الشمس الساطعة، ص: 152
و غريبة و واضحة.


العلّامة: أجل، فإنّ الأمر كما تقولون، رسول الله يقرأ آيات القرآن بدون أن يزيد أو ينقص حرفاً واحداً؛ حتّى أنّه كان كثيراً ما يصحّح للناس الذين يحفظون القرآن الكريم.
و ناهيك عن القرآن، نجد أنّه صلّى الله عليه و آله و سلّم كان يكرّر عند الحاجة ما قد قاله قبل سنوات كما هو؛ و كأنّه قاله لساعة.
و عند لحظات الموت الأخيرة كانت فاطمة سلام الله عليها. في حالة تأثّر شديدة؛ و هي تبكي و تقول: و واسَوْأتاه، و واسَوْأة أبي.
فقال لها: لا تقولي هكذا!
بل قولي ما قلته عند موت ابني ابراهيم:
القَلْبُ يَحْزَنُ، وَالْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَ لَا نَقُولُ إلَّا حَقّاً؛ وَ إنَّا بِكَ يَا إبرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ! [1]
فانظر: النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم و هو يعاين سكرات الموت، و قد غلب عليه المرض من كلّ جانب، و قد ثقل حاله و انقلب ففي تلك اللحظات، يكرّر نفس العبارات التي قالها قبل سنوات عندما توفي ابنه‏
__________________________________________________
1 أخرجه العلّامة آية الله السيد شرف الدين العاملي رحمة الله عليه في كتاب «النّص و الإجتهاد» الطبعة الثانية، ص 231.
عن «صحيح البخاري» في أبواب الجنائز آخر ص 104 و ص 155 من الجزء الأوّل، باب قول النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: «إنّا بك لمحزونون» عن أنس بن مالك قال فيه: ثمّ دخلنا عليه صلّى الله عليه و آله و إبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: و أنتَ يا رسول الله! فقال: يَابْنَ عَوْفٍ! إنَّهَا رَحْمَةٌ؛ ثُمَّ أتْبَعَهَا بِأُخْرَى.
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ:
إنَّ العَيْنُ تَدْمَعُ، وَ القَلْبَ يَحزَنُ، وَ لا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَ إنَّا بِفَرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونونَ!
الشمس الساطعة، ص: 153
إبراهيم، فما أعجب هذه المعجزة!
أجل، هذه هي الإحاطة بالملكوت و السيطرة على عالم المعنى، و لا علاقة لهذا الأمر بالقوّة الحافظة المادّية؛ التي تتعلّق بالبدن؛ و إن كان أصل القوّة الحافظة مجرّداً.
التلميذ: شتّان بين هذا التحليل الدقيق الذي تبيّن فيه من متن الواقع الجملة العاديّة التي قالها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و هو في حالة المرض الشديد؛ و بين قول عُمَر حين قال: قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ؛ إنَّ الرَّجُلَ لَيَهْجُرُ!

 



 

 


*،*

 التلميذ: ما المقصود من الأحقاف في هذه الآية المباركة في السورة 46: الأحقاف؟
وَ اذْكُرْ أخَا عَادٍ إذْ أنذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ وَ قَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ ألَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللهَ إنِّي أخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. [1]
العلّامة: تقع بين أرض العراق و أرض اليمن، و من هناك دعا النبيّ هود قومه عاد، فلم يستجيبوا له. فأرسل الله سبحانه و تعالى عليهم ريح سموم فأهلكتهم، و قد فنيت تلك الديار و تلاشت بأجمعها و لم يبق منها
__________________________________________________
1 الآية 21، من السورة 46: الأحقاف.
الشمس الساطعة، ص: 156
شي‏ء حالياً.

 

 



 

 

 

 


*،*
في تفسير آية: خَلَقَ سَبْعَ سَمَاواتٍ وَ مِن الأرْضِ مِثْلَهُنَ‏
التلميذ: لقد ورد في الآية الأخيرة من سورة الطلاق قوله تعالى:
اللهُ الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاواتٍ وَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أنَّ اللهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْمًا. [1]
فما هو المراد من قوله وَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ؟ و كيف خلق من الأرض بعدد السماوات السبع؟
العلّامة: في تفسير أنّ الله قد خلق من الأرض سبعا بعدد السماوات رأيان:
الأوّل: أنّ عدد الأراضي التي خلقها الله تعالى هو سبع مثل عدد السماوات، و على هذا فإنّه يوجد سبع سماوات و سبع أراض.
و الثاني: أنّ الله قد خلق من الأرض موجوداً مثل السماوات السبع، و هو الإنسان؛ و ينسب هذا التفسير إلى ابن عبّاس في الظاهر.
و لأنّه قد قيل: أنّ في الإنسان سَبع شِدَاد موجودة مع جميع قواه؛ و هي تحت تسخير الإنسان و سلطة، لهذا يمكن القول بأنّ الإنسان الذي له سبع سماوات، و كلّها منطوية في وجوده؛ قد خلق من الأرض.
و قد يبدو هذا التفسير على الظاهر بعيداً؛ و إن كان التعبير عن الإنسان بأنّه وَ مِنَ الأرْضِ ليس بعيداً؛ لأنّ أصل خلقه الإنسان من الأرض، و هو بعد نباته منها يحصل على الرشد و النمو حتّى يصل إلى مقام التجرّد الروحي و النفسي.
__________________________________________________
1 الآية 12، من السورة 65: الطلاق.
الشمس الساطعة، ص: 157
وَاللهُ أنبَتَكُم مِّنَ الأرْضِ نَبَاتًا. [1]
و على كلّ حال، يبقى التفسير الأوّل هو الأقرب؛ و تدلّ عليه روايات و أدعية عديدة.

 



 

 


*،*
التلميذ: في رسالة «المعاد» «الإنسان بعد الدنيا» قد ذكرتم: في قوله تعالى:
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غير الأرْضِ وَ السَّمَاوَاتُ وَ بَرَزُوا لِلّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. [2]
جاء في «تفسير القميّ» عن الإمام السجّاد عليه السلام أنّه قاله: يَعْنِي: بِأرْضٍ لَمْ تُكْتَسَبْ عَلَيْهَا الذُّنُوبُ، بَارِزَةً لَيْسَ عَلَيْهَا جِبَالٌ وَ لَا نَبَاتٌ كَمَا دَحَاهَا أوّلَ مَرَّةٍ. وَ يُعِيدُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ كَمَا كَانَ أوّلَ مَرَّةٍ مُسْتَقِلًّا بِعَظَمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ.
و بعد بيان هذا المطلب، ذكركم في الحاشية: قَوْلُهُ: مُسْتَقِلًّا بِعَظَمَتِهِ وَ قُدْرَتِهِ، تَفْسيرٌ لِكَوْنِ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ؛ وَ لَهُ شَوَاهِدُ مِنَ الْكِتَابِ تَدُلُّ عَلَى أنَّ الْمَاءَ إشَارَةٌ إلى مَنْبَعِ كُلِّ حَيَاةٍ وَ قُدْرَةٍ وَ عَظَمَةٍ، إنْ تُحْمَل نُقُوشُ الخِلْقَةِ، ظَهَرَتِ الْمَوْجُودَاتُ، وَ إذَا انْمَحَتْ عَادَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ.
فهل المراد من الماء الوجود المنبسط؟
 

العلّامة: جاء ذلك في القرآن و لا يمكن قول شي‏ء على نحو الجزم؛ بحسب ظاهر الآية فانّ ما يمثل القدرة الإلهيّة و العرش الإلهيّ و يحكم اليوم، نفسه الحاكم في ذلك اليوم مكان الموجودات الحالية المقوَّمة
__________________________________________________
1 الآية 17، من السورة 71: نوح.
2- الآية 48، من السورة 14: إبراهيم.
الشمس الساطعة، ص: 158
بالماء الذي هو القدرة و الحياة، و لكنّنا لا نعلم، ما هي صورة حقيقة تلك القدرة و الحياة.
على كلّ حال، فإنّ سياق الآية يعطي هذا المعنى و هو أنّه في الوهلة الأولى قد كانت في الوجود واقعيّة عظيمة الوسع بدل العالم و كانت تحت حكومة عرش الله؛ و بعد ذلك، ظهرت هذه النقوش من صقعها؛ و سوف تعود هذه النقوش للمحو و الزوال، ليرجع العالم مرّة أخرى إلى ما كان عليه بدون صور و نقوش.
فهل تكون هذه الحقيقة الواسعة، هي النفس الرحمانيّة ، أم الفيض المقدّس،  أم الوجود المنبسط،  أم نور نبيّك يا جابر؟ هناك احتمالات متعددة.
 

*،* التلميذ: أهي احتمالات مختلفة، أم عبارات مختلفة ذات واقعيّة واحدة؟
العلّامة: بالنسبة لنا، احتمالات مختلفة؛ و للمتكلّم، عبارات.
قائل العبارات وحده يعلم ما الخبر، ما الذي نعرفه نحن المساكين! و ما الذي نعلمه عن الكتاب؟

 

 



 

 

 

النعمة هي الولاية :
التلميذ: في تفسير الآية الشريفة:
فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُو بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ. [1]
ذكرتم في رسالة «المعاد» أنّ هذا الحجاب و هذا الباب هو أمر واحد، له ظاهر و باطن، غاية الأمر أنّ رحمة الله للذين استقرّوا في باطنه بالفوز
__________________________________________________
1 الآية 13، من السورة 57: الحديد.
الشمس الساطعة، ص: 159
و الفلاح؛ و عذاب الله بالنسبة للذين هلكوا في ظاهره. فلو عبرت أبصارهم من مقام الظاهر إلى الباطن. لوصلوا إلى نعمة الله و نعيمه؛ و لشملتهم الرحمة الإلهيّة تحت ردائها.
و كأنّه لا يوجد بين المؤمنين و الكفّار أكثر من شي‏ء واحد، و الاختلاف فقط من نحو إدراكهم؛ كما أنّ هذا الأمر في الدنيا على هذا النحو.
و هذا الشيء الواحد هو السبيل الذي يطوونه للوصول إلى الله؛ لكنّ المؤمنين يقطعونه في الدنيا، و هذا هو الصراط المستقيم، و غيرهم ينحرفون عنه. و لهذه نجد أنّ الله تعالى قد قال قبل آية الأعراف:

وَ نَادَى أصْحَابُ الْجَنَّةِ النَّارِ أن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُمَّ مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجًا وَ هُم بِالأخِرَةِ هُمْ كَافِرُون. [1]
فالسبيل إلى الله واحد و ليس اثنين و هو للّه و نحو الله. فالسالك إلى الله هو الذي يقطع هذا الطريق بالاستقامة و الصدق؛ و غير السالك بالانحراف و اعوجاج. و قد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم بالتصريح و التلميح مرّات عديده.
يقول الله تعالى:
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الأخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ. [2]
و يقول تعالى:
__________________________________________________
1 الآيتان 44 و 45، من السورة: الأعراف.
2 الآية 7، من السورة 30: الروم.
الشمس الساطعة، ص: 160
أوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَ اتِ وَ الأرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَآ إلَّا بِالْحَقِّ وَ أجَلٍ مُسَمًّى. [1]
إلى أن يقول و من أبلغ الآيات التي وردت في هذا الباب، قوله تعالى:
الَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَ أحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَ ارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَ بِئْسَ الْقَرَارُ. [2]
فقد جاء فيما سبق أنّ المراد من النعمة، هو الولاية؛ و الولاية هي الطريق إلى الله، و في مقابله، يقف الكفر الذي هو دار البوار و الهلاك و نار جهنّم و القرار المشين و الاستقرار في ذلك المكان ...
فغاية سير الكفار، البوار و الهلاك و هو جمودهم في الظاهر و إعراضهم عن الباطن. و من المعلوم أنّ الظاهر، زائل و مضمحل؛ و أنّ الباطن ثابت و دائم.
فلماذا اعتبرتم أنّ هذه الآية من أبلغ الآيات الواردة في هذا الباب؟
في تفسير النِعْمَة التي هي الولاية
العلّامة
: لقد وردت عدّة آيات في القرآن الكريم تدور حول كلمة النعمة؛ و من هذه الآيات يستفاد أنّ المراد من النعمة، هو الولاية: ولاية أهل البيت؛ و هي الطريق الذي سلكه أهل البيت إلى الله تعالى، و هو سبيلهم إليه، الذي هو مقام العبودية المحضة.
إحدى هذه الآيات هي الآية المذكورة التي تبيّن تبديل النعمة إلى الكفر و الورود إلى جهنّم و الاستقرار في النار، فحقيقة النعمة هي الصراط المستقيم، و المسافة الأقصر التي يسلكها العبد إلى ربّه، ليصل إلى مقام‏
__________________________________________________
1 الآية 8، من السورة 30: الروم.
2 الآية 28 و 29، من السورة 14: ابراهيم.
الشمس الساطعة، ص: 161
العبودية المطلقة و المحضة؛ أمّا تبديل هذه النعمة إلى الكفر، فهو تبديل الصراط المستقيم من خلال السير في الطريق المعوجة و المنحرفة التي تبعده عن المقصد و توصله إلى جهنّم.
و لعلّه يوجد آية أخرى أشدّ صراحة و أبلغ معنى في سورة التكاثر حيث يقول تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئذٍ عَنِ النَّعِيمِ. [1] التي تدعو بطريقة مذهلة و عجيبة مع الوضوح التامّ إلى طيّ عالم الكثرة و الوصول إلى عالم الوحدة؛ و هي تسأل عن النعيم الذي هو الولاية و تؤاخذ الإنسان على تركه:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* الْهَكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ* كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوفَ تَعْلَمُونَ* كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئذٍ عَنِ النَّعِيمِ. [2]
و قد نقل في ذيل تفسير هذه السورة عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: ليس المراد من النعيم ما نقصده نحن من الخبز و الماء و أمثالهما؛ بل المراد منه مراحل العبوديّة و الإخلاص في التوحيد و طريق الولاية.
و في أحد المجالس التي حضرها أبوحنيفة و كان يسأله الإمام الصادق عليه السلام عن النعيم الذي يُسأل الإنسان عنه؟
فيقول أبوحنيفة: هو الأغذيه و الفواكه و أمثالها. فيجيب الإمام قائلًا:
أليس بعيداً على الكريم، أن يعطي كلّ هذه النعم للناس ليأكلوا و يشربوا و يشبعوا و يؤاخذهم عليه؟ يسألهم عن ذلك، ماذا أكلتم و ماذا شربتم؟! و يجيبون أكلنا خبزاً أو تمراً و شربنا ماءً!
__________________________________________________
1 الآية 8، من السورة 102: التكاثر.
2 السورة 102: التكاثر.
الشمس الساطعة، ص: 162
بل المراد من النعيم ولايتنا أهل البيت. يعني يُسأل الناس لأيّ مدى طوي طريق السلوك إلى الله و طبّقوه على سيرة و منهاج أئمّتهم؟ و إلى أيّ مقدار وصلوا إلى مقام العبوديّة المحضة و المطلقة؟
أمّا المراد من جنَّةُ النَّعِيم التي ورد ذكرها في‏القرآن فهي كذلك جنّة الولاية التي هي مقام المخلَصين و المقرّبين من أولياء الله و الواصلين إلى مقام التوحيد الذاتيّ و الفانين في العوالم الربوبيّة و صفات الجمال و الجلال الإلهيّة؛ هي جنّة أولئك الذين أودعوا كلّ شوائب وجودهم في وادي النسيان و أسلموا كلّ وجودهم للحقّ.
فمن خلال هذه الشواهد و القرائن الحقّة الحقيقة الداخلية و العارضة الخارجيّة اعتبرنا أنّ النعمة كناية عن الولاية؛ و إن كان بحسب الظاهر، أنّ المراد هو مُطلق النعمة؛ لكن في الحقيقة ينبغي أن يكون المراد هو نعمة الولاية.
و في هذا التفسير أي تفسير النعمة بالولاية لم نكن نريد أن نستدلّ على هذا المعنى من خلال الروايات، بل أردنا أن نحصل على هذا المعنى من نفس الآيات.
لاحظوا أنّه بعد الإشارة إلى أنّ التكاثر بشكل عامّ هو المُلهِي و أنّه في حال ظهور اليقين و عين اليقين فسوف يشاهد بصورة الجحيم و النار المحرقة، فبقرينة التقابل بين التكاثر و النعيم نستفيد أنّ المراد من النعيم الذي هو نفس مقام التوحيد المتجلّي في العبد، و هو ما يعبَّر عنه بالعبوديّة المحضة، و هذا المعنى من النعيم أعظم رأسمال يمكن أن يُسأل عنه و يؤاخذ عليه و لابدّ من غضّ النظر عن التكاثر أي رؤية التكثّرات، و التوجّه إلى النعيم أي التوحيد.
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ‏
الشمس الساطعة، ص: 163
الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.
فمن نفس الآية يُستفاد أنّ النعيم أمر في غاية الأهميّة، بل هو أنفس المهمّات و أعظم أهداف عالم الخلقة.
و كما قال الإمام عليه السلام فإنّ السؤال من حقيقة وجود الإنسان عن جميع النعم الإلهيّة التي رآها و استخدمها من أوّل عمره إلى آخره يبدو بعيداً جداً بحسب ظاهر الآية.
فعلى الإنسان في الدنيا أن يسعى بجدٍّ و كدح للبحث عن تلك النعمة الحقيقيّة و الواقعيّة و عن تلك المواهب التي مَنَّ الله بها و هي الولاية التي تمثّل الارتباط بين عالم الخلقة و ذات الحقّ، بين المخلوق و الخالق، بين الحادث و القديم، بين ممكن الوجود و واجب الوجود. و الحصول عليها.
فإذا حصل عليها فهو الأَهْدَى سَبِيلًا، و إلّا فهو في ضلال مبين.
جميع الناس يعيشون في هذه الدنيا فيعاشرون و يتزوّجون و يأكلون و يشربون و يستريحون و ينامون و يعملون في التجارة و الزراعة و الصناعة إلّا أنّ منهم لا ينظرون إلّا إلى ظاهر هذه الأمور و يعرضون عن الباطن فهؤلاء هم الذين بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً. و يوجد فئة تبحث بين هذه الأمور المتكاثرة و الكثيرة عن تلك الحقيقة الواحدة، و هذا هو النعيم.
*،*

 



 

 

في تفسير آية: مَتَاعًا لَّكُمْ وَ لِانعَامِكُمْ‏
التلميذ
: قد جاء في سورة عَبَسَ قوله تعالى:
وَ فَاكِهَةً وَ أبًّا، مَّتَاعًا لَّكُمْ وَ لأَنْعَامِكُمْ. [1]
و في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنّ جملة مَّتَاعًا لَّكُمْ وَ لأَنْعَامِكُمْ هي جملة تفسيرية للجملة السابقة: وَ فَاكِهَةً وَ أبًّا؛ و بناء عليه‏
__________________________________________________
1 الآيتان 31 و 32، من السورة 80: عبس.
الشمس الساطعة، ص: 164
يتّضح معنى الأب و هو علف الدوابّ من الأنعام. [1]
و نظير هذه الجملة ما جاء في السورة 7: النازعات:
الشمس الساطعة 169 في تفسير آية: قل كل يعمل على شاكلته ..... ص : 168

و نظير هذه الجملة ما جاء في السورة 7: النازعات:
أخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَ مَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أرْسَاهَا، مَتَاعًا لَّكُمْ وَ لأَنْعَامِكُمْ. [2]
مع العلم بأنّه ليس من الصحيح أن تكون جملة مَتَاعًا لَّكُمْ وَ لأنْعَامِكُمْ تفسيراً لجملة وَ الْجِبَالَ أرْسَاهَا؛ ألا يمنع هذا عن التفسير السابق في الجملة الواقعة في سورة عبس؟


العلّامة: بالنسبة للآية التي وردت في سورة عبس، جاء في الروايات أنّ أبابكر سُئل عن معنى الأب، فلم يستطع الإجابة. و قد عُدّ هذا الأمر من جملة الاعتراضات على أبي بكر رغم أنّه كان من العرب الأقحاح فكيف لم يفهم معنى الأبّ؟
فالأبّ هو العلف الذي يُقدّم للحيوانات كالبرسيم و أمثاله ممّا يلائم الحيوانات غالباً، أو يمكن أن نأخذ المعنى بمقدار أشمل، أي بمعنى غذاء الإنسان و الحيوان الذي غالباً ما يستعمل بالعلف.
و في سورة عبس من الواضح جداً أنّ جملة مَتَاعًا لَّكُمْ وَ لأنْعَامِكُمْ‏
__________________________________________________
1 تفسير «الميزان» ج 2، ص 319، روى عن «إرشاد» للمفيد أنّ أبابكر سُئل عن قوله الله تعالى: وَ فَاكِهَةً وَ أبَّا؛ فلم يعرف معنى الأبّ من القرآن الكريم فقال: أيّ سماء تظلّني أم أي أرض تقلّني أم كيف أصنع إن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم؟ أمّا الفاكهة فنعرفها و أمّا الأبّ فالله أعلم.
فبلغ أميرالمؤمنين عليه السلام مقاله في ذلك فقال: سُبحان الله أما علم أنّ الأب هو الكلاء و المرعى؟ و أنّ قوله تعالى: وَ فَاكِهَةً وَ أبًّا اعتداد من الله بأنعامه على خلقه فيما غذّاهم به و خلقه لهم و لأنعامهم ممّا يُحيي به أنفسهم و تقوم به أجسادهم.
2 الآيات 31 إلى 33، من السورة 79: النازعات.
الشمس الساطعة، ص: 165
تعدّ تفسيراً لجملة وَ فَاكِهَةً وَ أبًّا من خلال اللفّ و النشر المرتبّ. لأن معنى الفاكهة واضح. و من جانب آخر نعلم أنّ الفاكهة ليست متاعاً للأنعام، بل هي متاع مختص بالإنسان، و على هذا مَتَاعًا لَّكُمْ سيصبح تفسير وَ فَاكِهَةً و طبعاً جملة وَ لأنعَامِكُمْ ستصبح تفسير ل: وَ أبًّا؛ و من هنا يعلم أنّ الأب هو علف الحيوانات و مرعاها.
امّا في سورة النازعات فإن جملة مَتَاعًا لَّكُمْ وَ لأنَعامِكُمْ هي تفسير لجملة أخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَ مَرْعَاهَا لا بنحو اللفّ و النشر المرتّب و لا المشوّش، و إنّما هي بالإجمال تعني أنّ الله تعالى قد جعل من الماء و النبات الذي يخرج من الأرض متاعاً لكم و لأنعامكم.
لأنّ المَرْعَى في اللغة بمعنى الرَّعي بالكسرة، و هو النبات، و لا يختصّ بعلف الحيوانات. و إذا كان بالمصدر الميميّ فإنّه يعطى نفس المعنى. أمّا جملة وَ الْجِبَالَ أرْسَاهَا فهي جملة استطراديّة جاءت بين الجملة المفسِّرة و المفسَّرة لأجل بيان إستحكام الأرض الذي من التمايل و التراخي من خلال ثبات الجبال. و بالتالي لتتمكّن الأرض من إخراج الماء و النبات ليكون متاعاً للناس و الأنعام. هذا ما يبدو بنظري والله أعلم.
*،*

 

 



 


الخطابات القرآنيّة التي تبدأ بلفظ «قُل» :
التلميذ: في العديد من آيات القرآن نجد أوامر موجّهة لرسول الله صلّى الله عليه و آله مصدّرة بلفظ قُلْ مثل: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ [1]، قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [2]، قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [3]، قُلْ يَايُّهَا الْكَافرُونَ [4]
__________________________________________________
1 الآية 1، من السورة 112: الإخلاص.
2 الآية 1، من السورة 114: الناس.
3 الآية 1، من السورة 113: الفلق.
4 الآية 1، من السورة 109: الكافرون.
الشمس الساطعة، ص: 166
قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ وَ الأخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [1]، قُلْ إنَّمَآ أنَا بَشَرٌ مّثْلُكُمْ [2]، قُلْ أطِيعُواللهَ وَ الرَّسُولَ [3]، قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [4]، قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَ الأخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى. [5]
و العديد من الآيات القرآنيّة التي تشكّل قائمة كبيرة، و من المعلوم ما كان أمر الله في هذه الخطابات، و الرسول مؤتمر عليه ليس نفس القول، بل مقول القول، فإذا جاء: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ؛ فالرسول مأمور بالقول: هُوَ اللهُ أحَدُ، و ليس قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، و إلّا لم يعمل بأمر الله، و لم يؤدّ المأمور به الذي هو مقول القول.
و لا يوجد في هذا المطلب مكان للشبهة و التردد. فإذا أمرنا أحدٌ ما بأنّ نذهب إلى الناس و نقول لهم الله واحد. فيجيب علينا أن نذهب و نقول الله واحد لا أن نقول: قُل الله واحد.
لأن القول هنا واسطة و يحكي عن نفس المأمور به و متعلّقه، لا أنّه قد اخذ على نحو استقلال. فإذا قال الإنسان الله واحد، فقد أدّى متعلّق الأمر، و إذا قال: قل الله واحد، يكون قد خرج عن أداء الأمر.
و بناءً على ما قيل، يجب على الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم أن يقول للناس: هُوَ اللهُ أحَدٌ. و كذلك في سائر الآيات يجب أن يقول للناس ما هو متعلّق الأمر. في حين أنّنا نرى في القرآن الكريم كلّه أنّ لفظ قُل قد ورد كما هو موّجه في خطاب الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم.
__________________________________________________
1 الآيتان 49 و 50، من السورة 56: الواقعة.
2 صدر الآية 110، من السورة 18: الكهف.
3 صدر الآية 32، من السورة 3: آل عمران.
4 صدر الآية 95، من السورة 3: آل عمران.
5 قسم من الآية 77، من السورة 4: النساء.
الشمس الساطعة، ص: 167


العلّامة: إنَّ البحث يقع في موردين:
الأوّل:
في مسألة أمر الله للرسول، و كونه مأموراً و تنفيذه للمأموريّة في الخارج، فمن المعلوم الواضح في هذه المسألة أنّ رسول الله كان مؤتمراً بأمرالله سُبحانه و تعالى، و كان يؤدي الأوامر كما هي.

 ففي المورد الذي يأتي فيه الأمر بصيغة قُلْ كان النبيّ يؤديّ متعلق الأمر نفسه.

مثل سائر الأوامر التي كانت تصدر إلى الرسول و إن لم ترد بلفظ قُلْ، كقوله تعالى:
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَ أعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ. [1]
فطبق هذا الأمر الإلهي أعلن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم التوحيد جهراً، و أعرض عن المشركين. أو في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ. كان يقول للناس هو الله أحد، هو الواحد الأحد.
الثاني: في حكاية القرآن عن الأوامر الإلهيّة، و هذه المسألة أمر آخر فإنّنا نعلم أنّ القرآن وحي سماويّ، و على النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم أن يتلوه كما هو بدون زيادة و لا نقصان.
و لذلك فإنّ القرآن يُبيّن عين ما كان يخاطب به الرسول، و هذا هو معنى القرآنيّة.
فإذا جرى حذف لفظ قل في قوله: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، أو: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، فقيل: هو الله أحد، و أعوذ برب الناس. فلن يكون هذا هو القرآن و لا كلام الله. بل كلام النبيّ الذي يقول للناس هو الله أحد.
و لأنّ القرآن المجيد هو نفس الوحي، فلا يمكن أن يكون بدون لفظ قُل، كما هي الحال في جميع الأوامر الإلهيّة. التي لم تصدر بلفظ قل كما في الآية المذكورة: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَ أعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فقد جاء
__________________________________________________
1 الآيتان 94 و 95، من السورة 15: الحجر.
الشمس الساطعة، ص: 168
الأمر كما هو و ذكره القرآن الكريم.
و إذا تجاوزنا هذا، نجد أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم يمثّل في الخطاب الإلهيّ و المطالب القرآنيّة عنوان المرآة لخطاب الامّة جميعاً، بل لكلّ العالمين. و يكون الخطاب متوجّهاً إلى الناس و لكن عبر مرآة نفس الرسول التي لها إحاطة وجوديّة و علميّة و إدراكيّة و التي اكتنفت لسعتها و شمولها جميع أفراد الامّة، بل جميع البشر.
و الآية المباركة: وَ أنزَلْنَآ إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ. [1]
توضّح حقيقة الأمر جيّداً، و هي أنّ نفس رسول الله هي المبيّنة لمسائل الوحي الإلهي الذي نزل للناس.

 



 

هل مع آية الكرسي مع الآتين بعدها :
*،* التلميذ: هل آية الكرسي التي حازت على عنوان العَلَم بالغلبة هي التي تنتهي بقوله تعالى: وَ لَا يَؤدُهُو حِفْظُهُمَا وَ هُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ [2]، أم أنّها تشمل الآيتين التاليتين و تنتهي عند قوله تعالى: اولَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ؟!
العلّامة: تنتهي بقوله وَ هُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ، و لأنّها قد اشتملت على لفظ الكرسي سميّت بآية الكرسي. أمّا الفقرات الأخرى فليست جزءاً من الآية. و في الأدعية و الصلوات المستحبّة التي ورد فيها استحبابيّة قراءة الآية يكتفي بهذا المقدار فقط.
*،*




في تفسير آيةٌ: قُلْ كُلٌ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ‏ :
التلميذ:
وَ إذَا أنعَمْنَا عَلَى الإنسَانِ أعْرَضَ وَ نَا بِجَانِبِهِ وَ إذَا مَسَّهُ‏
__________________________________________________
1- الآية 44، من السورة 16: النحل.
2 الآية 255، من السورة 2، البقرة.
الشمس الساطعة، ص: 169

الشَّرُّ كَانَ يَؤُسًا* قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهْدَى سَبِيلًا. [1]
هذه الآية تبيّن حالتين للإنسان:
 الأولى شاكلته و قالبه الأوّليّ، فهو مغرور و غافل، إذا مسّه الخير و النعمة و الرخاء فاستكباره و أنانيّته تدفعه إلى الإعراض، و إذا مسّه شرّ كضيق في المعيشة و فقر و بلاء يئس و قنط و طأطأ رأسه.
الثانية تلك الهداية التي يحصل عليها البعض في السير إلى الله، و يخرجون بها عن تلك الشاكلة، و قد تزداد عند البعض ليصبح طريقاً أوضح و أشدّ استقامة.
هل هذه الآية تريدنا أن نعرف أنّ جبلّة و شاكلة كلّ الناس تكون في تلك الحالة الأولى، و هي الإعراض و الانحراف في النعمة، و اليأس من الرحمة في الشرّ و السوء، و أنّ الذين يحصلون على الهداية و يسلكون سبيل السعادة هم الذين خرجوا من تلك الفطرة الأوليّة؟
 أم أنّهم لا يخرجون عن فطرتهم و شاكلتهم الأوليّة، و أنّ هذه الهداية قد اودعت في أعماقهم على أساس الفطرة؟
فإذا قلنا: إنّهم قد خرجوا عن الفطرة الأوليّة، كما هو ظاهر الآية و الاستثناء منقطع. فما هو معنى الخروج عن الفطرة! فهل يمكن أن يخرج الإنسان أو الموجود عن نظامه الأساسي و قالبه الوجودي بشكل عامّ؟ ثمّ يحصل على نظام و فطرة أخرى! إضافة إلى أنّنا نعلم أنّ فطرة الانسان بنيت على اساس التوحيد و السعادة و ليس الشقاء.
و إذا قلنا: إنّ الاهتداء إلى ذلك السبيل يكون على أساس الفطرة
__________________________________________________
1 الآيتان 83 و 84، من السورة 17: الإسراء.
الشمس الساطعة، ص: 170
و موازينها. و إنّ هناك حالتين تحيطان بالإنسان: الحالة الأوليّه و هي الإعراض و التمرّد و إليأس و القنوط؛ و الحالة الثانويّة و هي الخروج من هذه المرحلة و نشوء البصيرة و الإهتداء إلى الصراط المستقيم، و الاستثناء هنا متّصل. هذا خلاف ظاهر الآية التي تقول: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، و ذلك الإعراض و اليأس وفق الشاكلة.
بناء عليه، ينبغي أن يكون ذلك الإهتداء خارجاً عن الشاكلة، أي النظام الوجوديّ للإنسان؟


العلّامة: في الظاهر أنّ المراد من الشاكلة هو الشاكلة الأوليّة التي وجدت قبل خضوع الإنسان للتربية، و قبل بروز و ظهور القابليّات الكامنة إلى مرحلة الفعليّة. لأنّ الإنسان موجود متحرّك و قابل للترقّي و الكمال.
 و لهذا فإنّ فطرته الأوليّة هي ذلك الاستعداد المحض و القابليّة الصرفة التي إذا تركت على حالها في عالم الطبيعة و الكثرة أصبح: أعْرَضَ وَ نَئَا بِجَانِبِهِ، ويَؤوس و كَفُور، و إذا قام بتربيتها و تهذيبها و إرشادها تعبر من الضعف و الوهن إلى مقام عزّ الإنسانيّة.

 ففي فطرة الإنسان : تكمن هذه القابليّة و هذا الاستعداد و تختفي هذه القدرة و القوّة. و إن كان الإنسان بحسب الظاهر يؤوساً و كفوراً، و لكن في أعماقه تموج بحار من أنوار الحقيقة لم تكن خارجة عن فطرته أبداً. غاية الأمر أن عليه أن يوصل هذه الأنوار بواسطة الرياضة و التربية إلى منصّة الظهور.
الإنسان موجود ذو أعماق منطوية داخله، و له مراحل مختلفة كلّها كامنة و منطوية في وجوده، و لا يمكنه أن يحصل على مقام خارج فطرته.
و ليس المراد من الإنسان في هذه الآية الشريفة تلك النفس القدسيّة و الروح الناطقة فيه، و التي هي من المراحل الكامنة في وجوده، و التي لا يمكنه الوصول إليها إلَّا بطيّ الطريق و الاهتداء بالهداية الإلهيّة.
الشمس الساطعة، ص: 171
بل المراد من الإنسان ذلك الإنسان العادي بأفكاره العاميّة و حالاته العاديّة، و بالطبع تبعاً لهذه الشاكلة يعرض و ييأس و يكفر.
فإذا أدركته الهدايةُ الربّانيّة و أخرجته عن هذه الشاكلة، و هذه الخلقة، و هذه الدرجة من الفطرة، و ليس من مطلق الفطرة و الخلقة.
في تفسير: إِنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا،
و ما أشبه هذه الآية بالآيات الواردة في سورة المعارج.
إن الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَ إذَا مَسَّهُ الخيْرُ مَنُوعًا، إلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَ ائِمُونَ، وَ الَّذِينَ في أمْوَالِهِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ، وَ الَّذِين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينَ، وَ الَّذِينَ هُمْ مِّن عَذَابِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ، إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غير مَأمُونٍ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إلَّا عَلَى أزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غير مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَ رَ اءَ ذَلِكَ فَاولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِين هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِين هُمْ بِشَهَدَاتِهِمْ قَآئِمُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* اولَئِكَ في جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ، فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبْلَكَ مُهْطِعِينَ* عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ، أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ* كَلّا. [1]
فهذه الآيات المباركات تريد بحسب الظاهر أن توصل نفس المعنى و هو أنّ خلقة الإنسان الأوّليّة هي الهلوعيّة (بمعنى عدم الصبر و الثبات) و العجلة التي يلازمها في حال الخير المنع، و في حال الشرّ عندما يصبح غنيّاً أو صاحب قدرة و جاه، و عند المصيبة أو فقدان المال و غيره الجزع.
و المصلّون هم فقط ممّن استثني من هذه القاعدة الكلّيّة و الخلقة الأوّليّة للإنسان.
__________________________________________________
1 الآيات 19 إلى 38 و صدر الآية 39، من السورة 70: المعارج.
الشمس الساطعة، ص: 172
أ يّ مصلّين: أولئك الذين يهتمّون بالصلاة و الزكاة، و يخافون عذاب الله و يصدّقون بيوم القيامة و الحساب، و يحفظون أنفسهم من الوقوع في الزنا و الأعمال الشنيعة، و يحفظون الأمانات و يرعون العهود و لا يشهدون الزور أبداً.
فقد عدّ جميع الأعمال الحسنه، و لم يترك شيئاً منها.
ثمّ يقول: إنّ هؤلاء الكفّار الذين يحيطون بك و الذين لا علاقه لهم بالأعمال الحسنة و الفضائل الأخلاقية و الأعمال الروحيّة الحقيقيّة، ماذا يقولون؟ و ماذا يريدون؟ هل يتصوّرون أنّهم بدون الصلاة التي لها تلك الآثار و الخصائص يستطيعون الوصول إلى مقام الإنسانيّة و يدخلون جنّة النعيم؟
فالأمر ليس كذلك؛ لن ينالوا فعل هذا المقام أبداً.
ففي هذه الآيات استثني المصلّون من قاعدة الخلقة الأوّليّة للإنسان التي هي الهلع و لوازمه من المنع و الجزَع. و بناء عليه، غرست الصلاة بخصائصها المذكورة في ذات الإنسان و فطرته، و عليه أن يقوم بإبرازها و إيصالها إلى مقام الظهور الفعلي، و عليه أن يوقظ هذا الشعور الإلهي الكامن فيه.
و بناء عليه، فالمراد من خلقة الإنسان بحالة الهلع، خلقة إحدى الحالات و المقامات الإنسانيّة، و ليس لُب الفطرة الأصليّة للإنسان. و الآية تبين خلقة الحالات العاديّة و العامّة للإنسان، و ليس أصل النفس الناطقة و الروح القدسيّة.

الشمس الساطعة، ص: 173



الشفاعة مختصّة بآهل المعاصي الكبيرة من المؤمنين‏:
التلميذ: الآية المباركة وَ لَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَ هُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ‏
الشمس الساطعة، ص: 173
مُشْفِقُونَ [1]، لها دلالة على الارتضاء المطلق، أي ينبغي أنّ تكون جميع مراتب الإنسان الوجوديّة حتّى ذاته و سرّه مورد الرضا حتى تنال الشفاعة و هذه هي درجة المقرّبين و المخلَصين.
العلّامة: في مثل هذه الحالة لا حاجة للشفاعة، بل المقصود الارتضاء في الدين، و إطلاق الآية يجب أن يكون في هذا الحدّ المحدود.
أي أنّ من يرتضى منه دينه و عقيدته و منهجه في مقابل التقييد بالارتضاء في العمل الذي ليس المقصوداً بالطبع، لأنّ الشفاعة مختصّة بأهل المعاصي، أي بأهل الكبائر؛ لأنّ الذي يجتنب الكبائر، يحصل بهذا الاجتناب على تكفير لذنوبه الصغيرة و هنا لن تبغي معصية لتكون مورد الشفاعة.
إن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيّئاتِكُمْ. [2]
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ. [3]
فهذه الآيات تدلّ على غفران الذنوب و المعاصي الصغيرة تلقائيّاً عند الاجتناب عن الكبائر، و عن رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلّم، قال:
إدَّخَرْتُ شَفاعَتِي لأهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ امَّتِي، فَأمَّا المُحسِنُونَ فَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. [4]
و عن الإمام الرضا عليه السلام، و في روايات عديدة، أنّه قوله:
وَ لَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى دِينُهُ.
__________________________________________________
1 ذيل الآية 28، من السورة 21: الأنبياء.
2 صدر الآية 31، من السورة 4: النساء.
3 صدر الآية 32، من السورة 53: النجم.
4 «الميزان» ج 1، ص 177، عن «أمالي الصدوق» و في ج 14، ص 308 عن «عيون أخبار الرضا» بلفظ إنما شفاعتي.
الشمس الساطعة، ص: 174
و المراد من الدين الاعتقاد بالتوحيد و نفي الشرك. أمّا الذي يرتكب الكبيرة و لا يتوب فقد قال الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام عنه بانّه ليس مرضيّ الدين.

 

 




*،*
استغفار ابراهيم عليه السلام لعمّه آزر:
التلميذ: الآية المباركة: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اسوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْرَاهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُو إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَءَاؤُ مِنكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَ بَدَا بَيْننَا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَ الْبَغْضَآءُ أبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُو إلَّا قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَ مَا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْ‏ءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَ إلَيْكَ أنَبْنَا وَ إلَيْكَ الْمَصِيرُ.
في الجزء الثاني عشر من «بحار الأنوار» الطبعة الحروفيّة، صفحة 27 ينقل المجلسي عن تفسير «مجمع البيان» قوله: إلَّا قَوْلَ إبْرَاهِيمَ أي اقْتَدُوا بإبراهيم في كلّ أمورِهِ إلّا في هذا القول فَلَا تقتَدوا بِه فِيهِ فَإنَّهُ عَلَيه السَّلَامُ إنَّما استَفْغَرَ لأبيهِ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيَّاهُ بالإيمَانِ فلَمَّا تَبَينَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأ مِنْهُ.
و يستفاد من هذا الكلام وجود منقصة و حزازة في كلام إبراهيم عليه السلام بشأن وعده لعمّه آزر بالإستغفار حيث استثنى القرآن الكريم هذا العمل من كونه الاسوة الحسنة في ابراهيم.
العلّامة: يستفاد من الآية المذكورة في سورة مريم أنّ النبيّ إبراهيم عليه السلام قد سلّم على عمّه آزر و كان آنذاك مشركاً و كان يتوعّد إبراهيم لتعرّضه لآلهته، و قد وعده بأن يستغفر له:
يَا أبَتِ إنِّي أخَافُ أن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أرَاغِبٌ أنتَ عَن ءَالِهَتِي يَا إبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ‏
الشمس الساطعة، ص: 175
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُو كَانَ بِي حَفِيًّا. [1]
و ورد في سورة الشعراء و ضمن الأدعية التي نقلت عن النبيّ إبراهيم عليه السلام طلبه للاستغفار لأبيه:
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَ ألْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعلْ لِّي لِسَانَ صِدْقٍ في الأخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لأبِي إنَّهُو كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ. [2]
و لكن ممّا لا شك فيه أنّ هذا الطلب للمغفرة من إبراهيم لآزر كان في الوقت الذي لم يكن فيه واضحاً أنّه من أهل الجحيم.
 ففي هذه الحالة يحتمل أن يهتدي و يرشد، و لهذا طلب المغفرة له على أساس الوعد الذي وعده إيّاه. «سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي».
و لكن بعد أن تبين لإبراهيم عليه السلام أن لا أمل بنجاة آزر، و أنّه عدوّ للّه، لم يستغفر له، بل تبرّأ منه:
مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كَانُوا اولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَ مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبرَاهِيمَ لأبِيهِ إلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُو عَدُوٌ لِّلَهِ تَبَرَّأ مِنْهُ إنَّ إبرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ. [3]
و لهذا، فانّ الآية الكريمة لا تجيز للرسول و للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين إذا اتّضح لهم أنّهم من أهل الجحيم. و هكذا كان الأمر بالنسبة لإبراهيم، فبعد أن تبين له أنّ آزر عدوّ الله تبرّأ منه، و قد كان استغفاره له‏
__________________________________________________
1 الآيات 45 إلى 47، من السورة 19: مريم.
2 الآيات 83 إلى 86، من السورة 26: الشعراء.
3 الآيتان 113 و 114، من السورة 9: التوبة.
الشمس الساطعة، ص: 176
قبل هذه المرحلة.
و لهذا نجد في سورة التوبة أنّ الله يحذّر رسوله من الدعاء لهم و القيام على قبورهم.
وَ لَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِّنْهُمْ مَّاتَ أبَدًا وَ لَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ مَاتُوا وَ هُمْ فَاسِقُونَ.
و في نفس السورة يقول تعالى:
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
أمّا الآية المذُكورة في السورة 60، الممتحنة: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْرَاهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ، و الإستثناء فيها: إلَّا قَوْلَ إبرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ.
فإنّه يستفاد منها أنّ الوعد بالاستغفار و إن كان وضوح عداوة آزر للّه، و لكن في الوقت نفسه فانّ قطع الوعد للكافر حال كفره بالإستغفار له ليس أمراً حسناً أبداً. و

 لهذا تحذّر هذه الآية المؤمنين من هذا النوع من الاستغفار الخاصّ الحاصل لوعيد سابق و قبل اتّضاح كون الكافر من أصحاب الجحيم.
و عدّت جميع أقسام التبعيّة لإبراهيم و الذين معه من إظهار التبرّي و العداوة من المشركين أسوة حسنة. أمّا اتّباعهم في مثل هذا الاستغفار فلم يُعَدّ أُسوة حسنة.
تبصرة: من المسلّم أنّ آزر لم يكن والد النبيّ لإبراهيم، لأنّ القرآن يصرّح بأ نّ إبراهيم عندما علم بأ نّ آزر عدوّ للّه لم يستغفر له بل تبرّأ منه.
و من جهة أخرى و طبق الآية 41، من السورة 14: إبراهيم.

 يطلب النبيّ إبراهيم عليه السلام المغفرة لوالديه حيث يقول:
الشمس الساطعة، ص: 177
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَيّ وَ لِلْمُؤمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ.
فيتبيَّن أنّ آزر لم يكن والد النبيّ إبراهيم، و يوجد فرق بين الوالد و الأب. لأنّ الوالد لا يقال إلّا للأب. أمّا كلمة الأب فإنّها تقال للعمّ و خصوصاً إذا كان متكفّلًا للصبي بعد وفاة والده.

 

 




*،*
تعبير القرآن بالنسبة لقوم عادٍ و ثمود:
التلميذ: ما هو أشدّ تعبير عن العذاب الذي يحلّ على الظالمين في الدنيا في القرآن المجيد حسب رأيكم؟
العلّامة: هنالك موردان في القرآن الكريم يشير الله سبحانه فيهما بتعبير مذهل إلى نزول العذاب. و مفادهما أنّ الله يبيد الظالمين بحيث لا يبقى لهم أيّ أثر و كأنّهم لم يكونوا.
الأوّل: في السورة 11: هود، و قد جاء موردين أيضاً: الأوّل في شأن قوم ثمود الذين عقروا ناقة صالح عليه السلام:
فَلَمَّا جَآءَ أمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُو بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيّ الْعَزِيزِ، وَ أخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ* كَأن لَّمْ يَغْنَوا فِيهَا ألآ إنَّ ثَمُودَا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ألَا بُعْدًا لِّثَمُودَ. [1]
غَنِيَ يَغْنَى بِالمكَانِ وَ في المكَانِ، بمعنى أقام فيه، و جاثمين بمعنى متلبّدين. أي أنّ الصيحة قد أخذتهم و لم تترك على الأرض شيئاً يدلّ عليهم فكأنّهم لم يسكنوها و لم يقيموا فيها أبداً.
و الآخر بشأن أصحاب مدين الذين كانوا يؤذون نبيّهم شعيباً و يتوعّدونه بالرجم:
__________________________________________________
1 الآيات 66 إلى 68، من السورة 11: هود.
الشمس الساطعة، ص: 178
وَ لَمَّا جَآءَ أمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُو بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ أخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأن لَّمْ يَغْنَوا فِيهَآ ألَّا بُعْدًا لِمَدْينَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ. [1]
الثاني: في سورة المؤمنون، وهنا نأتي على تعبير أعجب، حيث يقول تعالى: وَ جَعَلْنَاهُمْ أحَادِيثَ. أي أنّهم أصبحوا قصصاً و حكايات من الماضي فلم يبق لهم أثر أبداً.
و يبيّن القرآن هذه القصّة بعد ذكره لقصّة قوم نوح الذين غرقوا بالطوفان فخلق الله قوماً آخرين، و أرسل إليهم نبيّاً فكذّبوه فيقول:
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* ثُمَّ أنشَأنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ، مَا تَسْبِقُ مِن امَّةٍ أجَلَهَا وَ مَا يَسْتَئْخِرُونَ، ثُمَّ أرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ امَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَ جَعَلْنَاهُمْ أحَادِيثَ فَبُعْدًا لّقَوْمٍ لّا يُؤمِنُونَ. [2]
__________________________________________________
1 الآيتان 94 و 95، من السورة 11: هود.
2 الآيات 41 إلى 44، من السورة 23: المؤمنون.
الشمس الساطعة، ص: 179

 


 

 



موقع المؤلف لكتاب : الشمس الساطعة :
المتقين موقع المتقین الجامع موقع إسلامي شامل
http://www.motaghin.com/


http://www.motaghin.com/ar_default.asp

http://www.motaghin.com/ar_default.asp
 

برنامج إكسير السعادة
http://www.motaghin.com/Ar_default.asp?RP=M_Content.asp&P1N=ContentId&P1V=5752&R%3D8655667%26L%3DAr%26FT%3DFalse

 

موقع المتقين > برنامج إكسير السعادة
صدر بحمد الله أخيراً هذا البرنامج القيّم الذي يحوي على 182 كتاباً في مواضيع مختلفة ( قرآنيّة - تفسيرية - عقائدية - عرفان عملي و نظري - أخلاقيّة - و مواضيع أخرى) و ذلك باللغات العربية و الفارسية و الإنجليزية ، بالإضافة إلى العديد من المحاضرات الصوتية و باقة من الصور النادرة للعلماء الربانيين.

المحتويات :
الآثار العلميّة لسماحة العلامة آية الله الحاج السيّد محمّد حسين الطباطبائي رضوان الله عليه :
(المتن الكامل لـ 9 مؤلّفات علميّة مدوّنة ضمن 48 مجلّد)
 

الآثار العلميّة لسماحة العلامة آية الله الحاج السيّد محمّد الحسين الحسيني الطهراني قدّس الله نفسه الزكيّة:
(المتن الكامل لـ 39 مؤلّف مدوّنة ضمن 112 مجلّد)
(أكثر من 100 ساعة محاضرات صوتيّة)
(المتن الكامل لأكثر من 90 محاضرة ومقالة)

الآثار العلميّة لسماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني مدّ ظلّه العالي
(المتن الكامل لـ 10 مؤلّفات ضمن 11 مجلّد)
(أكثر من 700 ساعة محاضرات صوتيّة)
(المتن الكامل لأكثر من 65 محاضرة ومقالة)

إمكانات البرنامج
تصفح الكتاب مع الفهرس بترتيب موضوعي وتسلسلي
بحث متطوّر في متون الكتب وفهارسها
ربط مباشر بين الكتاب والقرآن والقواميس العربيّة والفارسيّة
مجهّز بأدوات ووسائل التحقيق والبحث العلمي
عرض لبعض الصور والصوتيات في قسم الصوت و الصورة



للحصول على البرنامج يرجى الاتصال على الرقم التالي : 0096171469729

أو تعبئة النموذج الموجود على الموقع التالي : www.ekseer.org

كما يمكنكم تنزيل البرنامج كاملا من خلال الرابط التالي:


 

 

تنظيم وترتيب التفسير الموضوعي للميزان في تفسير القرآن
 وإعداد الصفحة للإنترنيت

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين