بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
الميزان في تفسير القرآن /
 للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
الشمس الساطعة
 رسالة في ذكري ألعالم الرباني العلامة
السيد محمدحسين الطباطبائي التبريزي‏
 

صورة المؤلف لكتاب الشمس الطالعة العلامة الطهراني  والسيد العلامة الطباطبائي

الشمس الساطعة
القسم الأول
 رسالة في ذكري ألعالم الرباني العلامة
السيد محمدحسين الطباطبائي التبريزي‏


القِسم الأوَّل
رسالة في ذكري ألْعَالم الرَّبَّاني
الْعَلامَة الْسّيِّد
محمَّد حُسِين الطَّبَاطَبَائي التبريزِي‏



السلوك العرفاني و الأخلاقي
للعلّامة الطباطبائي‏


أمَّا نهج الأستاذ في العرفان و الأخلاق:
آنچه مي‏دانم از آن يار بگويم يا نه و آنچه بنهفته ز أغيار بگويم يا نه‏
دارم أسرار بسى در دل و در جان مخفي اندكى ز آنهمه بسيار بگويم يا نه‏
سخنى را كه در آن بار بگفتم با تو هست اجازت كه در اين بار بگويم يا نه‏
[2]
__________________________________________________
2 «ديوان المغربي» ص 109؛ يقول:
هل أخبركم ما أعلمه عن الحبيب أو لا؟ و هل أكشف ما غاب عن الأغيار أو لا
عندي أسرار كثيرة و لكنّها في القلب والروح مختفية فهل أخبركم عن قليل منها أو لا
ما أخبرتك به يوماً و قلت لك هل تأذن لي اليوم أن أقوله أو لا
الشمس الساطعة، ص: 76
معنى حُسن گل و صورت عشق بلبل همه در گوش دل خار بگويم يا نه‏
وصف آنكس كه در اين كوچه و اين بازار است در سر كوچه و بازار بگويم يا نه [1]


ماذا أقول في إنسان كانت حياتي و روحي و نفسي معه! فإذا كنتُ عارفاً بالله و أو بالرسول أو بالإمام، فكلّ هذا ببركة رحمته و لطفه.
فمنذ ذلك الوقت الذي أرسله الله إلينا فقد أعطانا كلّ شي‏ء.
و كان هو كلّ شي‏ء؛ طويلًا شامخاً و قصيراً، قصيراً في عين شموخه و النزول. في عين الأوج و الصعود، كان في الحضيض. فمعنا نحن الطلّاب العجولين المتسرّعين، كان هادثاً و معتدلًا، كالأب الشامخ الذي ينحني ليأخذ بيد طفله، و يمشي به خطوة خطوة؛ و كان يعامل كلّ واحد منّا ويربّيه طبق ذوقه و سليقته، و اختلاف حدّته و شدّته، و سرعته و بطئه؛ و يتعاهده بالتربية.

ورغم الأمواج المتلاطمة لبحر الأسرار الإلهيّة في قلبه الزاهر، فقد كان دائم البشاشة، و السماحة، شعاره الصمت، و النبرة الهادئة، و يستغرق دائماً في التفكير، وتعلو شفتيه ابتسامة لطيفة. [2]
__________________________________________________
1 يقول:
معنى الجمال الورد و حسن وجه العندليب هل أفصح عنه كلّه في قلب الشوك أو لا
فله وصف هذا الحيّ و ذاك السوق هل أذيعه في الأزقّة والأسواق أو لا
2- نقل سماحة حجّة الاسلام السيد أحمد الرضوي دام عزّه أنّ المرحوم آية الله الآخوند الملّا الهمداني رحمة الله عليه كان يقول: لقد كنّا نرى المرحوم آية الحقّ آية الله العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه ساكتاً منقبضاً دون أن يرشح عنه شي، و كان يتحاشى الظهور باستمرار. حتّى كانت ليلة كنت فيها في مكان خارج مدينة مشهد المقدّسة مع آية الله الميلاني و المرحوم الحاج السيد محمد ضيا بري و العلامّة الطباطبائي و آخرين، فطرح موضوعاً بالمناسبة بحيث تحدّث العلّامة بشأنه لساعتين كاملتين، فبسط القول و فصّله بحيث قلتُ بعد إكمال كلامه: لقد قرأتُ في أعمال ليلة الجمعة ظاهراً أنّ من قام بالعمل الفلاني، أنعم الله عليه بكنز من مالٍ أو علم.
ولم أكن لأبغي مالًا، فقمتُ بذلك العمل ليُنعم الله عَلَيّ بكنز العلم؛ و للّه الحمد و الشكر فقد نلتُ الليلةَ مرادي و وجدتُ كنز العلم.
الشمس الساطعة، ص: 77
بحسن خلق و وفا كس به يار ما نرسد تو را در اين سخن انكار كار ما نرسد
اگر چه حسن فروشان به جلوه آمده‏اند كسى به حسن و ملاحت به يار ما نرسد
بحقّ صحبت ديرين كه هيچ محرم راز به يار يك جهت حقگزار ما نرسد
هزار نقش بر آيد زكلك صُنع و يكى بدلپذيرى نقش نگار ما نرسد
هزار نقد به بازار كائنات آرند يكى به سكّه صاحب عيار ما نرسد 1
__________________________________________________
1 «ديوان حافظ» طبعة پژمان، حرف الدال، ص 80
يقول: «ليس في العالم من يبلغ مرتبة حبيبنافي الحسن والخلق و الوفاء...
ومن أجل ذلك لن ننكر حالنا معه، و ما نقوله في صدق و وفاء.
و لو اجتمع بائعو الحسن و العلامة
، فأقبلوا في جلوة و بهاء...
لما وصل أحد منهم إلى مرتبته في الحسن و الملا مة و الرواء
وبحقّ الصحبته القديمة، لن يستطيع محرم للأسرار...
أن يصل مثلنا إلى الإعتراف بحقوق هذا الحبيب الوفي.
وهذه الآلاف من النقوش والصور، تنبعث من قلم الصنع... ولكنّ واحدة منها لا تصل إلى ملامة حبيبنا.
وهذه الآلاف من قطع النقد يجلبونها إلى سوق الكائنات... و لكنّ واحدة منها
لا تصل إلى سكّة صاحب عيارنا»
الشمس الساطعة، ص: 78


دريغ قافلة عمر كانچنان رفتند كه گردشان به هواى ديار ما نرسد [1]
أجل؛ أيّها الأُستاذ العزيز! فبعدك يجب أن نقول ما قاله الإمام‏
السّجاد عليه السّلام على قبر والده:
أمَّا الدُّنيَا فَبَعْدَكَ مُظْلِمَةٌ؛ وَ أمَّا الآخِرَةُ فَبِنُورِ وَجْهِكَ مُشرِقَةٌ.
الشمس الساطعة 83 المسلك العرفاني للعلامة الطباطبائي ..... ص : 80

هذا الإنسان، كان عالماً من العظمة؛ و كطالب صغير كان يجلس في زاوية ساحة المدرسة على الأرض؛ و يأتي عند الغروب إلى المدرسة الفيضيّة فيصلي عندما تقام الجماعة مثل سائر الطلّاب مؤتماً بالمرحوم آيةالله الحاجّ السيّد محمّدتقي الخونساري.



 


آداب و أخلاق العلّامة الطباطبائيّ‏
لقد كان متواضعاً و مؤ دّباً، و شديداّ في حفظ الآداب إلى الدرجة التي حملتني على أن أقول له تكراراً: إنَّ هذه الدرجة من الأدب و الدقّة و الرعاية فيكم جعلتنا بلا أدب! فهلّا فكرتم بحالنا!
و لمدّة أربعين سنة تقريباً و حتّى اليوم لم يُرَ في مجلسٍ ما مستنداً إلى وسادة أو ما شابه، بل كان دائماً يجلس بعيداً عن الحائظ قليلًا؛ و بكلّ أدب أسفل الداخلين أو الضيوف. و كنتُ تلميذه، و أتر دّد كثيراً على منزله، فأُريد أن أجلس بشكل مؤدّب أسفل منه؛ و لم أقدر أبداً. و كان يقوم، ثمّ يقول: على هذه الحال ينبغي أن أجلس في الأسفل أو خارج الغرفة!
و قبل عدّة سنوات زرته في مشهد المقدّسة؛ و عندما دخلت عليه كان مستلقياً على وسادة (فقد أمره الطبيب أن لا يجلس على الأرض الصلبة بسبب ضعف قلبه) و بمجرّد أن رآني نهض من مكانه و طلب منّي أن‏
__________________________________________________
1 يقول: «فوا أسفا لقافلة العمر، فقد ذهبوا معها...
ولم يصل غبار سيرها إلى الهواء الذي يمرّ بديارنا».
الشمس الساطعة، ص: 79
أجلس عليها، فلم أقبل و بقينا لفترة واقفين؛ حتّى قال: اجلس، فيجب أن اقول لكم شيئاً!
فأطعته متأدّباً، و جلس هو على الأرض، ثمّ قال: ما كنت أُريد أن أقوله لكم: «إنَّ هذا المكان أكثر ليونة»!

و منذ ذلك الوقت الذي كنّا ندرس في قم، لم يحصل أن سمح لنا بالصلاة جماعة و راءه. و قد بقي هذا حسرة في قلوبنا؛ لأنتنا لم ندرك جماعته؛ و استمرّ إلى اليوم، إلى أن جاء شهر شعبان [1] هذه السنة، حيث تشرّف بزيارة مشهد، فحلّ في منزلنا، و جعلنا غرفته في المكتبة لكي يتسنّى له قراءة ما يشاء من الكتب. و جاء وقت المغرب، ففرشت له و للممرِّض الذي كان يرافقه سجادةَ الصلاة، و خرجت من الغرفة ليبدأ بالصلاة فألتحقُ به على هذه الحال، لأنّني كنتُ أعلم أنّه لم يؤمّنا ما دمنا فيها.
فمرّت ربع ساعة من المغرب؛ و ناداني مرافقه، و قال: ما زال السيّد ينتظركم لتبدء وا بالصلاة.
قلت: أنا أُريد أن أقتدي!
قال: بل نحن نقتدي!
قلت: أرجوكم أن تبدءوا بصلاتكم.
فقال: و نحن نرجوكم أيضاً.
قلت له: منذ أربعين سنة و أنا أطلب منكم أن تسمحوا لنا بالصلاة وراءكم؛ فاقبلوا منا!
فقال مبتسما: سنة تضاف إلى الأربعين.
__________________________________________________
1 أي آخر شهر شعبان الذي مضى و ذلك سنة 1401 ه.
الشمس الساطعة، ص: 80
و لم أستطع أبداً أن أتقدّمه، و اعترتني حالة شديدة من الخجل و الحياء.

 فرأيت أخيراً أنّه قد ثبت في مكانه و لم يكن مستعدّاً للتنازل بتاتاً؛ و ليس من الصحيح أن أُخالف طلبه، فأذهب و أُصلي لوحدي فرادى.
قلت له: إنّني عبدٌ مطيع لكم؛ فإذا أمرتم التزمتُ.
قال: أيّ أمر ...! نحن نرجو منكم!
فنهضت للصلاة، و صلّى مأموماً. و بعد أربعين سنة، إضافة إلى أنّني لم أقدر على تحقيق الصلاة جماعة، بل وقعت هذه الليلة في هذا الفخّ.
الله يعلم حال وجهه و حال حيائه الذي كان بادياً على سيمائه و هو يطلب ذلك:
خُلُقٌ يُخْجِلُ النَّسِيمَ مِنَ اللُّطْفِ وَ بأسٌ يَذُوبُ مِنْهُ الجمَادُ
جَلَّ مَعْنَاكَ أنْ يحيطَ بِهِ الشِّعْرُ وَ يحصِي صِفَاتِهِ النُّقَادُ [1]
***

 



 


المسلك العرفاني للعلّامة الطباطبائي‏ :
مسلكه العرفانيّ: كان مسلك أُستاذه الأوحد المرحوم آية الحق و سيّد العارفين الحاجّ الميرزا عليّ القاضي، و هو مسلك أُستاذ السيّد أحمد الكربلائيّ الطهرانيّ، الذي كان يتبع مسلك أُستاذه المرحوم آية الحقّ الآخوند الملّا حسين قلي الهمدانيّ الدَّرجّزينيّ رضوان الله عليهم أجمعين، و هو مسلك معرفة النفس، الذي يتلازم مع معرفة الربّ و تدلّ على هذا الأصل الروايات الكثيرة.
و هو يحصل بعد عبور عالم المثال و الصورة، و بعد عبور عالم النفس‏
__________________________________________________
1 «سفينة البحار» ج 1، ص 437؛ عن صفي الدين الحلّيّ تلميذ المحقّق الحلّي، ضمن قصيدة ألقاها في أميرالمؤمنين عليه السلام.
الشمس الساطعة، ص: 81
حيث النفس فَعِنْدَ الفَنَاءِ عَنِ النَّفسِ بمراتِبِهَا يحصَلُ البَقَاءُ بِالرَّبِّ؛ أمّا تجلي سلطان المعرفة فإنّه سيحصل عندما لا يبقى من الآثار النفسانيّة في السالك أيّ وجود.
و من الشروط المهمّة لتحصيل هذا الأمر، المراقبة. حيث يجب على السالك أن يحفظ آدابها و شرائطها في كلّ مرحلة من المراحل، أو منزل من المنازل حسب المرحلة أو المنزلة، بكلّ ما للكلمة من معنى. فبدون المراقبة تكون الأعمال و العبادات كالدواء الذي يتناوله المريض مع عدم الاحتراز من تناول الأطعمة المضرّة التي لن تفيده شيئاً.
أمّا كليات المراقبة التي تختلف بجزئيّاتها حسب اختلاف المنازل، فيمكن اختصارها في خمسة أشياء:
صَمت و جُوع و سَهَر و عُزلت و ذكرى بدوام نا تمامان جهان را كند اين پنج تمام [1]

 

 

تجليله لعلماء العرفان كابن طاووس وغيره :
كان المرحوم الأُستاذ
يعظّم اثنين من علماء الإسلام كثيراً، و يذكر مقامها و منزلتها بتقدير شديد: الأوّل: السيّد الأجلّ عليّ بن طاووس أعلى الله تعالى مقامه الشريف، و كان يولي كتاب «إقبال الأعمال» اهتماماً
__________________________________________________
1 يقول: «صمتٌ و جوعٌ و سَهَرٌ و عُزلةٌ و دوام الذِكرٌ؛ فهذه الخمسة ستجعل عدم الكاملين في العالم كاملين».
بالنسبة
إلى لزوم رعاية هذه الأشياء الخمسة، فقد وردت روايات تفوق حدّالإحصاء نذكر منها فقط رواية واحدة ذكرت في «مصباح الشريعة» في الباب 28 من الكتاب،

 يقول: قَالَ الإمَامُ الصَّادقُ عَليه السّلامُ: لارَاحَةَ لِمُؤمِنٍ إلّا عِندَ لِقَاءِ اللهِ تعالى، وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَفي أرْبَعَةِ: صَمْتٌ تَعْرِفُ بِهِ حَالَ قَلْبِكَ وَ نَفْسِكَ فيما يَكُونُ بَينكَ وَ بَين بَارِئِكَ، وَ خَلْوَةٌ تَنجو بها مِنْ آفَاتِ الزَّمَانِ ظَاهِراً وَ بَاطِنَاً، وَ جُوعٌ تُمِيتُ بِهِ الشَّهَواتِ وَ الوَسْوَاسَ، وَ سَهَرٌ تُنَوِّرُ بِهِ قَلْبَكَ وَ تُصَفي بِهِ طَبْعَكَ وَ تُزَكِيّ بِهِ رُ وحَكَ.
وهنا غير دوام الذكر لم يأت أيّ ذكر عن الأشياء الأربعة الأخرى، و من المعروف أنّ دوام الذكر من أهمّ المقاصد كذلك.
الشمس الساطعة، ص: 82
فائقاً و يعتبره «سيّد أهل المراقبة».


و الثاني: السيّد مهدي بحر العلوم أعلى الله تعالى مقامه، و كان يشيد بأُسلوب عيشه و سلوكه العلميّ و العمليّ و مراقباته. و قد ذكر في مرّات عديدة تشرّفه و السيّد ابن طاووس للقاء حضرة إمام الزمان أرواحنا فداه. و كان معجباً بمخالفتها و اجتنابهما لهوى النفس، و مجاهداتهما في سبيل الوصول إلى المقصود، و كيفيّة حياتهما و سعيهما لتحصيل رضى الله تعالى، و ينظر إليها نظرة التجليل و التكريم.
كان يهتم ب «رسالة السير و السلوك» المنسوبة للسيّد بحر العلوم، و يوصي بقراءتها، و قد قام بشرحها مفصّلًا لعدّة مرات لبعض الرفقاء الخواصّ من الطلّاب الصالحين و الوالهين من طلّاب الحقّ و لقاء لله.


كان يعتبر أنَّ أفضل الكتب الأخلاقيّة المختصرة هو كتاب «طهارة الأعراق» لابن مسكويه؛

 و أفضل المتوسّط منها كتاب «جامع السعادات» للحاجّ الملّا مهدي النراقيّ؛ أفضل المطوّل منها كتاب «إحياء الإحياء» للملّا محسن الفيض الكاشانيّ. و كان يقول: ما جاء في كتاب «روضات الجنّات» في ترجمة أحوال الخواجة نصير الدّين الطوسيّ حول كتابه «أخلاق ناصري» في أنّه اقتبسه من كتاب «طهارة الأعراق»، و هذا الأخير مقتبس من أحد علماء الهند، ليس صحيحاً أيضاً، لأنَّ ابن مسكويه كان معاصراً لابن سينا، و قد ألف كتاباً في الفلسفة على طريقة الفلسفة اليونانيّة تماماً، و لا يرتبط بالفلسفيّة الهنديّة بتاتاً؛ إضافة إلى أنَّ كتابه الأخلاقيّ المذكور لاينطبق مع مشرب الهنود.
أمّا النراقيّ [1] فهو من الفقهاء و العرفاء و فلاسفة الدرجة الأُولى، و هو
__________________________________________________
1 الحاج ملّا مهدي النراقي: أحد خمسة أشخاص يسمّون بالمهادي الخمسة، و عاشوا في عصر واحد، يعتبرون من أعلام و أساطين الشيعة في اقطار العالم، وهم عبارة عن: السيّد مهدي بحرالعلوم، و السيّد مهدي القزوينيّ و الحاج الملّا مهدي النراقي، و الحاجّ ميرزا مهدي الشهرستاني، و السيّد مهدي الخراسانيّ الشهيد.
والمرحوم الحاج ملّا مهدي النراقي جدّ امّنا الأعلى من جهة الأمّ، يعني والد أمّ أمّ أمّ أمّ الحقير.
وعلى هذا يكون ابنه الحاج ملّا احمد النراقي خال جدّتنا العليا.
وابنه الحاج ملّا محمد يكون ابن خال جدّتنا العلياء.
الشمس الساطعة، ص: 83
من حيث سعة الفكر و بُعد النظر في العلوم الرياضيّة و الفلك نادر المثيل، و له في الأخلاق مقام سام. و من العجيب جدّاً أنّه لم يُعرَف حتّى اليوم و بقي مجهولًا رغم كمالاته و مقاماته العديدة. و قد طبعت مؤخّراُ بعض مصنّفاته، و من المقرّر أن تطبع بقيّة آثاره الجليلة.
الشمس الساطعة 88 القريحة و الذوق الشعري للعلامة الطباطبائي ..... ص : 87

أمّا الفيض فهو أشهر من الشمس، و كتابه «المحجّة البيَضاء» الذي كتبه في إحياء «إحياء العلوم» ليُعدّ من أنفس كتب الشيعة رضوان الله عليهم أجمعين.

 


أمّا الفرق الواضح الذي كان يميّز العلّامة الطباطبائيّ عن الآخرين:
 هو أنَّ أخلاقيّاته كانت ناشئة من رشحات الباطن، و بصيرة الضمير، و حلول حقيقة السير و السلوك في باطن القلب و الذهن، و تمايز عالم الحقيقة والواقعيّة عن عالم المجاز و الاعتبار، والوصول إلى حقائق عوالم الملكوت، و في الحقيقة، تنزّل مقامه المعنويّ في عالم الصورة و عالم الطبع و البدن. و كانت معاشراته و معاملاته و سائر أمُوره تقوم على ذلك الأصل.
أمّا مسلك غيره في الأخلاق فقد كان ناشئاً من تصحيح الظاهر، و رعاية الأُمور الشرعيّة و المراقبات البدنيّة لعلّهم يفتحون بذلك نافذة على الباطن، و يجدون طريقاً إلى جوار الحضرة الأحديّة رحم الله الماضين‏
الشمس الساطعة، ص: 84
منهم أجمعين.

 

 



 

حب  العلامة للشعر وبعض شعره :

كان للعلّامة الأُستاذ روحاً لطيفة، و ذوقاً رفيعاً، ورقّة خاصّة [1].
__________________________________________________
1 نقل جناب حجّة الإسلام سماحة الحاج السيد محمد على ابن آية الله الميلاني قصّة عن إحاطة و سيطرة السيّد العلّامة على الشعر الفارسي، و هي حقّاً قابلة للتعجب، قال:
كنتُ يوماً مع السيّد العلّامة الطباطبائيّ و صهره: القدّوسي و المناقبي، قادمين بسيّارة من سبزوار إلى مشهد ... وقرّرنا أن نتباري بالشعر، نحن الثلاثة من جهة، و السيّد العلّامة وحده من جهة أخرى، و لم تستطع مجموعتنا عن تتغلّب عليه، بل لقد أفحمنا، لا ببيت واحد من الشعر، بل بعدّة أبيات كان يأتي بها دائماًبعنوان شاهد ... و حقّاً لقد تعجّبنا من قدرته و تسلّطه في الشعر و الأدب.
وهكذا و كما سنرى أن لسيّد العلّامة قريحة شعريّة راقية، و متانة و يموّ في الذوق، و قد طبعت أشعار العلّامة التالية في جريدة «آستان قدس مشهد» في السنة الثانية، في العدد 549، يوم الأربعاء الواقع في 15 ربيع الثاني، سنة 1410 ه، الموافق يوم 24 آبان 1368 حسب التأريخ الشمسي الفارسيّ.
ومع الأسف هذا التأريخ حسب التقويم الشمسي و قد تصوّروا أنّه يوم ذكرى ارتحاله، إذ خلافاً لجميع الموازين الشرعيّة.
يقيمون ذكرى ارتحاله على حساب التقويم الشمسيّ.
فيوم ارتحال السيّد العلّامة كان في اليوم الثامن عشر من محرّم، لا الخامس عشر من ربيع الثاني، فتأمّل و افهم، فإنّ ضلالة الإنسان تجرّه إلى هذه المزالق.
خشت أوّل چون نهد معمار كج تا ثريّا مي‏رود ديوار كج‏
يفول: «لأنّ العمّار وضع الحجر الأوّل باعوجاج ... حتّى و إن ارتفع الحائط إلى الثّريّا فسيبقى أعوجا».
أجل‏
؛ فهذه أشعاره:
دامن از انديشة باطل بكش دست از آلودگى دل بكش‏
كار چنان كن كه در اين تيره خاك دامن عصمت نكنى چاك چاك‏
يا به دل انديشة جانان ميار يا به زبان نام دل و جان ميار
پيش نياور سخن گنج را ور نه فراموش نما رنج را
يا منگر سوى بتان تيز تيز يا قدم دل بِكش از رستخيز
روى بتان گرچه سراسر خوش است كشتة آنيم كه عاشق كُش است‏
عشق بلند آمد و دلبر غيور در أدب آويز، رها كن غرور
چرخ بدين سلسله پا در گِل است عقل بدين مرحله لا يعقِل است‏
جان و جسد سوخته زين مرهمند مُلك و مَلَك سوختة اين غمند
يقول:
«طهّر وجودك من الأفكار الباطلة واترك ما يبعث على تلويث القلب‏
اعمل كما يجب في هذه الدنيا الدنيّة حتّى لا تمزّق لباس العصمة تمزيقاً
إمّا أن لا يجول الحبيب في أفكار قلبك أو بلسانك لا تلفظ اسم الحبيب‏
ولا تذكر حديث الكنز المنطوي فيك و الّا فعليك أن تنسى الجهد والتعب‏
وامّا لا تحدّق إلى الأصنام (المقصود هنا مقامات الوحدة.
أي لا تمعن النظر فيها و تطمع في الوصول إليها، و إن فعلت فتهيّأ لقيامة قيامتك في هذه الدنيا، أي: موتوا قبل أن تموتوا) بإمعان و دقّة ... أو اسحب خطوات القلب من محشر القيامة.
و إن كانت كلّ وجوه الأصنام (المقصود الأسماء و الصفات، و مهما كانت جميلة «فأينما تولّوا فثمة وجه الله» بل و المهمّ التوجّه إلى «الذات» و أن لا يرضى الإنسان بديلًا عنها) جميلة
... فنحن قتلاه هو الذي يقتل العشّاق.
للحبّ رفعة و سمّو والحبيب غيور
... فتحلّ بالأدب، و اترك الغرور.
ووقعت الأفلاك في قيد العشق‏
... و العقل في هذه المرحلة لا يعقل.
احترق الجسد و الروح‏
من هذا المرهم ... و الملك و الملَكوت احترقا من هذا الغمّ.

و هذه‏ هي بعض أبيات من قصيدته له:
 و قد نشرت بكاملها في «كيهان فرهنگي» السنة السادسة، شهر آبان 1368 حسب التأريخ الفارسيّ، العدد 8، ص 9.
الشمس الساطعة، ص: 85


و كان يحبّ في الشعر العربيّ قصائد ابن الفارض و خاصّة قصيدته المعروفة بالتائيّة الكبرى في «نظم السلوك».
وكان يثني في الشعر الفارسيّ على «ديوان الخواجة حافظ الشيرازيّ».
و كان يقرأ بهدوء على مسامع الأصدقاء من حين إلى آخر بعض الأشعار العرفانيّة الفارسيّة و العربيّة في الغزل.
إنَّ همّ و غمّ السالك يجب أن يكون جميعه خالصاً للّه، لا لأجل البحث عن الزيادة و الفضيلة، بل أن يكون همّه الله، و زادُ طريقه ذ لّ العبوديّة، و دليله محبّته. و كان كثيراً ما ير دّد هذه الأبيات، و يقول: إنَّ الشاعر في إشارته إلى طريق الفناء قد أبدع:
الشمس الساطعة، ص: 87
رَوَتْ لِي أحَادِيثَ الغَرَامِ صَبَابَةً بِإسنادِهَا عَن جِيرةِ العَلم الفَرْدِ
وَحَدَّثَنِي مَرُّ النَّسِيمِ عِنِ الصَّبَا عَنِ الدَّوْحِ عَن وَادِي الغَضَى عَنْ رُبَى نَجْدِ
عَنِ الدَّمْعِ عَن عَيني القَرِيح عَنِ الجوَى عَنِ الحزْنِ عَنْ قَلْبِي الجرِيح عَنِ الوَجْدِ
بِأنَّ غَرَامِي وَالهَوَى قَدْ تحالَفَا على تَلَفي حَتَّى أوَسَّدَ في لَحْدِي [1]

 




القريحة و الذوق الشعري للعلّامة الطباطبائي‏
كان للعلّامة قريحة شعريّة، و كان ينشد الغزليات العرفانيّة الجيّاشة المليئة بالوجد و العشق و الشوق. و نذكر هنا هموذجاً منها:
مهر خوبان دل و دين از همه بى پَروا برد رُخ شَطرنج نبرد آنچه رخ زيبا برد
تو مپندار كه مجنون سر خود مجنون گشت از سمك تا به سهايش كشش ليلى برد
من به سر چشمة خورشيد نه خود بردم راه ذ رّه‏اى بودم و مِهر تو مرا بالا برد [2]
__________________________________________________
1 هذه الأبيات موجودة في «الميزان» ج 1، ص 379.
2
يقول:
«حبّ الحبيب أخذ القلب والدين من الجميع بلا عائق ... و ما أخذه وجه الحبيب الجميل لم يستطع حجر القلعة في الشطرنج أن يأخذه.
و لا تحسب أنَّ المجنون‏ قد أصبح مجنوناً من تلقاء نفسه ... بل هي جاذبيّة ليلى التي أوصلت قيس إلى السّهى و رفعته من المدارك.
أنا ما وصلت‏
إلى معدن النور من تلقاء نفسي ... كنت ذرّة صغيرة و حبّك هو الذي أوصلني.
الشمس الساطعة، ص: 88
من خَس بي‏سر و پايم كه به سيل افتادم او كه مي‏رفت مرا هم به دل دريا برد
جام صهبا ز كجا بود مگر دست كه بود كه درين بزم بگرديد و دل شيدا برد
خم ابروى تو بود و كف مينوى تو بود كه به يك جلوه ز من نام و نشان يكجا برد
خودت آموختيم مِهر خودت سوختيم با برافروخته روئى كه قرار از ما برد
همه ياران به سر راه تو بوديم ولى خم ابروت مرا ديد و ز من يَغما برد
همه دل باخته بوديم و هراسان كه غمت همه را پشت سر انداخت و مرا تنها برد [1]
__________________________________________________
1 يقول: «أنا كنتُ قشّة من التبن وقعت في السيل ... كان يجري و أخذني إلى قلب أعماق البحر.
هذا الكأس‏
العظيم، من الشراب العتيق من أين كان؟ و بأيّ يد ... أدار هذا الحفل و سقى الهيام نشوة قلوب العاشقين وصلًا.
كان انحناء حاجبيك‏
أنت و كفّ يدك السّماويّة ... بجلوة واحدة أخذ منّي الاسم والعنوان و الوجود بلحظة واحدة.
حرارة ال‏
حبّ التي تلتهب في القلب كانت ولا زالت، مذ ذاك اليوم الذي ولدت فيه و سلّمت القلب للحبيب.
أنت‏
الشمس الساطعة 93 القريحة و الذوق الشعري للعلامة الطباطبائي ..... ص : 87

الذي علّمت الحبّ و أنت الذي ألهبت القلب ... لحظة أسفرت عن وجهك البراقع.
كلّ العاشقين وقفوا
في الطريق منتظرين ... و لكنّ انحناء حاجبيك نحوي نظرت و قتلني بالهيام.
كلّ العاشقين كانوا قلقين‏
، منتظرين ... و لكنّ لطفك ترك الجميع واختارني وحدي ليأخذني إليك.



 

من شعر العلامة الطباطبائي : الفراشة والبلبل  :
» «پروانه و بلبل» ( الفَراشة و البلبل) من الأشعار الجميلة والفصيحة للسيّد الأستاذ
/ الشمس الساطعة، ص: 89
__________________________________________________
/ التي أنشدها حين رجوعه من تبريز:
از دل آنروز كه من زاده‏ام داغ بدل بوده و دل داده‏ام‏
تا به ره افتاده‏ام از كودكى هيچ نياسوده دلم اندكى‏
شهر و ده و سينه و درياوكوه گشتم و بگذشتم و دل در ستوه‏
رحل بهر جاى كه مي‏افكنم روز دگر خيمة خود مي‏كَنم‏
شاهد مقصود نديدم دمى هيچ نديدم خوشى و خرّمى‏
چرخ نگرديد بكامم دمى قرعه نيفتاد بنامم دَمى‏
از كف و از كاسة گردون دون برده‏ام و ريخته‏ام اشك و خون‏
من كه نبودم به رهش خار راه كوشش وى را ننمودم تباه‏
جرم من اينست كه آزاده‏ام در رقمِ تيره دلى، ساده‏ام‏
دوش بياد دل ويران شدم چون خط ايّام پريشان شدم‏
عاقبتم سينة غم تنگ شد پاى شكيبائى من لنگ شد
شمع بدستى و بدست دگر ساغر و مينا، شدم از در بدر
نيم شب ازخانه گريزان شدم گاهِ سحر سوى گلستان شدم‏
گاهِ بهار و شب مهتاب بود خرگه و گُل بود و لب آب بود
جشن به دو شيوة سرووسمن كرده پر از غلغله صحن و چمن‏
بر سر هر بوته گلى گل زند پاى سخن زيور و سنبل زند
نغزْ نسيمى كه ز خاور وزد خود لب گل، گل‏لب نسرين‏گزد
رقص كنان نسترن و ياسمن چنگ زنان، چنگ زنان چمن‏
تازه عروسان چمن گرم ناز پرده در افتاده برون جسته راز
مرغ‏سحرهر چه بدل رازداشت چون نِي‏بى خويش‏در آوازداشت‏
چون بغنوديم بيك كُنج باغ شيشه و پروانه و جام و چراغ‏
ليك دلم چون خم مي‏جوش داشت شاهد اندوه در آغوش داشت‏
بسته لب و ديده و گوش از جهان گرم سر از تابش سوز نهان‏
چشم‏ولبى را كه‏زغم بسته بود گريه گهى خنده گهى مي‏گشود
ديدم و پروانه به گرد چراغ گردد وبزمى است دگر سوى باغ‏
ليك‏سراسرهمه خاموشى است جلوه گه راز، فراموشى است‏
دردوسر باغ دوتا جان فروش اين بطواف آمده آن در خروش‏
عالم پروانه همه راز بود عالم بلبل همه آواز بود
/ الشمس الساطعة، ص: 90
__________________________________________________
/
گفت به پروانة خامش، هَزار هان تو هم از سينه نوائى بيار
با دل پر سوز ترا تب سزاست در جلوى ناز نيازت رواست‏
گفت به مرغ سحر آرام شو بستة دامى، برو و رام شو
راستى، ار عاشق دل رفته‏اى اين همه از بهر چه آشفته‏اى‏
گفت مرا يار بدينسان كند بيخود و بي‏تاب و پريشان كند
گفت بگو زنده چرا مانده‏اى تخم وفا گر به دل افشانده‏اى‏
صاعقة عشق به هر جا فتاد نام و نشان سوخته بر باد داد
يا به دل انديشه جانان ميار يا به زبان نام و دل و جان ميار
پيش نياور سخن گنج را ورنه فراموش نما رنج را
فارغ ازين پند چو پروانه گشت ازدل وجان بيخود وبيگانه گشت‏
خويش برآتش زد وخاموش شد رخت‏برون برد و فراموش شد
يقول: «حرارة الحبّ التي تلتهب في القلب كانت و لا زالت، مذ ذاك اليوم الذي ولدت فيه و سلّمت القلب الحبيب.
من الحظة
التي ابتدأت أحبّو فيها منذ طفولتي، لم يهدأ قلبي للحظة واحدة و لم يسكن.
بحثت عابراً المدينة والقرية
، والصحراء، والبحر و الجبل، ولا يزال القلب في ضيق و انقباض.
و أينما أحطّ رحالي و في أيّ مكان كان أقتلع أوتاد خيمتي في اليوم التالي و أرحل‏
وللحظة واحدة لم أرَ المحبوب و المقصود و لم أشعر أبداً بأ يّ فرح و سرور
ولم يدرْ دولاب الزمان والحظّ للحظة وفق مرادي ولا استقرّت القرعة أبداً للحظة على اسمي‏
تجرّعت من كفّ الدنيا و ساقيها انسكاب الدموع التي أذرفها الدماء
أنا لم أكن الشوك يعترض طريق عطاء الدنيا و سخائها و لم أضيّع سعيها و كدحها
جرمي الوحيد أنّي حرّ لا أذ لّ لها و قلبي ناصع بين القلوب القائمة
في الليلة الماضية فكّرت بالقلب المتزلزل فاضطربت كخيوط الأيّام المتشابكة
وكانت عاقبتي أن ضاق صدري المملوء بالغمّ و أعوجّت قدماي فلم أعد أملك استقامةالصبر
حملت الشمع بيدٍ والكأس والزجاجة باليد الأخرى و خرجت من الباب.
/ الشمس الساطعة، ص: 91
__________________________________________________
/
هاربا نصف الليل من البيت . سائرا في السحر نحو روضة الأزهار
كان الفصل ربيعاً والليل مقمرا وكانت الورود تعرش كالخيمه على حافة الماء
كان مهرجان ولكن على طريقتي السرو والياسمين فامتلأ الفضاء والعشب بالضجيج و الغوغاء.
وكلّلت كل شجيره وردٍ راسها بالورد وزيّنت حواشيها بأحاديث السنابل‏
نسيم الشرق اللطيف الذي هبّ لامس شفاه الورد ليعانقه وعانق الورد شفاه النسرين.
وتراقصت زهورالياسمين والنسترن و عزمت الحشائش الأناشيد
على أوتار الة الكنّارة
وكانت عروس الحشائش غارقه في الدلال لحظة انكشف الغطاء وانقشع السرّ
وصدح طائر قدس السحر بما في قلبه من الأسرار كقصب الناي أصبح بلا إرادة ينشد الأنعام.
ولأنّني رقدتُ في ناحية من البستان الزجاجة والكأس والفراشة والمصباح‏
كالخمر حين اختماره كان قلبي فوّاراً وقد احتضن الحزن حبيبا بين الذارع‏
مطبق الشفاه مغمّض العينين اصمّ السمع عن العالم . ملتهب الرأس من حرارة احتراق القلب‏
العينان المغمّضتان والشفا المطبقتان من الحزن كانت تنفتح تارة من البكاء وطوراً من الضحك‏
فلمحت فراشه تحوم حول المصباح و في الناحية الأخرى رأيت احتفالًا.
لكنّ الصمت كان مطبقاً في كل الأنحاء إنَّه ميعاد تجلي السرّ و لا شي‏ء و غير النسيان‏
وفي طرفي البستان روحان يتقدّمان للتضحية قرباناً هذه بالطواف و ذاك بالصخب والضجيج‏
عالم الفراشة كلّه أسرار و عالم البلبل كلّه أناشيد و أنغام‏
لام البلبل الفراشه الصامتة قائلا لها و انت انشدي من صدرك الأنعام‏
بقلبك هذا الطافح احتراقا أجدر بك الحرارة أكثر من السكون و أمام الدلال إظهار احتياجك مستساغ أكثر
قالت لطائر السحر: اسكت و إهدا وقعت أسيرة المصيدة فانطلق و كن مطيعا
إن كنت حقّاً عاشقاً و سلّمت قلبك للحبيب لما كلّ هذه الحيرة والإضطراب.
قال: هذا مافعله بي الحبيب... أفقدني الحواسّ و التحمّل و جعلني هكذا مضطرباً مشوّشاً.
قالت: قل إذاً لماذا إلى الآن بقيت حيّاً...
إن كنت بذرت في القلب الوفاء للمحبوب.
/ الشمس الساطعة، ص: 93
__________________________________________________
/
الشمس الساطعة 97 القريحة و الذوق الشعري للعلامة الطباطبائي ..... ص : 87
أينما وقعت صاعقه الحبّ أحرقت الاسم والشهرة وبعثرتها الرياح‏
إمّا أن لا يجول الحبيب في أفكار قلبك أو بلسانك لا تلفظ اسمه الحبيب‏
ولا تذكر حديث الكنز المنطوي فيك وإلّا فعليك أن تتس الجهد والتعب.
وما أن انهت الفراشة نصيحتها هذه...
أصبحت بكل وجودها بلا وجود ولا حواسّ ولا إرادة.
رمت بنفسها
في النار لتذوب وتفنى...
خلعت الجسد لتصبح النسيان.



 

قصيدة له بمناسبة السيد رحلة السيد الحجة الكوه كمري :
 ومن قصائد العلّامة الطباطبائيّ التي تتحدّث عن التوجّه الكامل إلى الله سبحانه وتعالى.
وانقطاع القلب عن الدنيا، و قد أوردناها في آخر هذا الكتاب.
وهذا قصيدة أخرى من قصائده البليغة والبديعة في التمسّك بالإسلام و السعي و المجاهدة في طريق الوصول إلى المقصود وعدم الاهتمام بالأمور الدنيوية وقد نظمها بمناسبه رحله آية الله السيّد محمّد الحجة الكوه كمري و هي حقّاً جميلة و بليغة جدّاً.
وقد وردت هذه القصيدة في كتاب «گنجنيه دانشمندان» (
/ خزانة العلماء) ج 1، ص 316 و 317 ضمن ترجمة و بيان أحوال المرحوم آية الله الحجّة رحمة الله عليه.
والقصيدة هي:
دريغا كه مهر هدايت برفت دريغا جهان فضيلت برفت‏
شه علم و تقوى و همّت برفت فسوس آية الله حجّت برفت‏
به سر خاك اين تيره ايّام را كه بشكست أركان اسلام را
سپهر فضائل نگونسار شد جهان هنر همچو شب تار شد
دل و ديدة علم خونبار شد بلى رستخيزى پديدار شد
كه او رخت از اين دام بيرون كشيد فرو خرگه خود به هامون كشيد
مهين طائر آسمانى سرشت كه پرّيد از اين تيره‏گون دام زشت‏
زند نغمه در گُلْسِتان بهشت پيامى به آنان كه افسرده هشت‏
پيامى كه همچون سرود سروش كند جلوه هر لحظه در گوش هوش‏
كه ياران نمي‏پايد اين روزگار بگرديد پا بند كردار و كار
مگيريد از كار و كوشش قرار مناليد از رنج تن زينهار
/ الشمس الساطعة، ص: 94
__________________________________________________
/
به ويرانه در، گنج بيمار نيست گلى اندرين باغ، بى خار نيست‏
نداريد جز كيش إسلام كيش در اين ره مناليد از نوش و نيش‏
بكوشيد و بنهيد پائى به پيش مترسيد از قطرة خون خويش‏
كه زيباتر از خون به پيكار نيست خود از لاله خوشتر به گلزار نيست‏
بزرگان كه رادند و آزاده‏اند به حق مهر ورزيده دل داده‏اند
به خون خود آغشته افتاده‏اند بدين آرمان راه بگشاده‏اند
به شمشير هر بند بگسسته‏اند به نيروى دانش دژى بسته‏اند
مبادا كه گردون كند رامتان مبادا كه كوته كند گامتان‏
مبادا شود تيره فرجامتان مبادا كه ننگين شود نامتان‏
شود تيره دل، دشمن پر زكين بگيرد دژ و بشكند كاخ دين‏
حقيقت جز آئين إسلام نيست به از نام نيكوى وى نام نيست‏
به چيزى فضيلت جز او رام‏نيست جهان جز به وى هرگز آرام نيست‏
مهين كاخ اسلام آباد باد هميشه بر و بومش آزاد باد
يقول: «واحسرتا لقد ارتحل من كان وجوده دامغ تصديق الهدايه ... واحسرتاه عالم الفضيله قد رحل.
سلطان العلم والتقوى والهمّة قد ارتحل....
للأسف آيةالله الحجّة قد رحل.
لقد لبسنا ذ لّ هذه الأيّام القاتمة.
التي زلزلت أركان الإسلام.
شمس الفضيلة قد تهاوت...
وعالم الفضلاء مثل الليل قد أظلم.
بكاه قلب العلم و أعينه دماً...
حقّاً كأنَّ القيامة قد قامت و ظهرت.
خلع لباس هذه الدّنيا الدنيّة.
ودفن خيمته‏
في عمق أعماق الصحاري.
هذا الطائر العظيم السماويّ الفطره...
حلّق وتخلّص من حبائل هذا الدنيا الدنيّة الكريهة.
ينشد الأنعام في روضة الجنان ... و يرسل توصياته للانطلاق من الحزن و الخمول.
يرسل أناشيده التي ما هي إلّا بشارة
تتجلّى كلّ لحظه في آذان الأذكياء
أيّها الرفقاء هذه الأيّام لاتدوم ... تعلّقوا وتمسّكوا
بالعمل الصالح و الكدح و السعي.
لاتتوقّفوا لحظة عن العمل وعن السعي ... واحذروا
أن تشكوا من آلام الجسد.
لا يوجد في الخربة كنز بلا خطر الأفعي‏
ولا يوجد ورده في الحدائق بلاشوك‏
ليس لكم غير الإسلام ديناً ... و في طريقه لا شكوى من الفرح ولدغ الأحزان.
تقدّموا بثبات في سعيكم إلى الإمام‏
... و لا تخافو من سفك دمائكم على الطريق.
فلا أجمل من أن تسفك الدماء في الجهاد
ولا أروع من شقائق النعمان في البستان‏
العظماء الذين كانوا أبطالًا و أحراراً ... أحبّوا الحقّ بصدق و سلّموا قلوبهم و كلّ وجودهم إليه.
فسقطوا متخبطين بدمائهم‏
... ليفتحوا الطريق نحو الهدف الأسمى.
حطّموا بسيوفهم كلّ القيود
بقوّة المعرفه بنوا السدود والحصون.
حذرا أن تجعلكم الدنيا عبيداً مطيعين لها ... و إيّاكم أن تقصرخطى أقدامكم الثابتة.
حذرا أن تجعلوا عاقبتكم مظلمة و أن يلحق باسمائكم العار.
أصبح العدوّ بقلبه الأعمى الملي ء بالحقد و الكره‏
على و شك أن يحطّم حصون و قصور الدين‏
فلا حقيقة إلّا دين الإسلام ... و لا اسم أحسن و أفضل من اسمه الجميل.
لاتوجد أيّ فضيلة إلّا بلإطاعة له‏
... و لا يهدأ العالم إلّا باحكامه وقوانينه.
فليدم عز الإسلام شامخاً معموراً
وليدم كلّ شبر فيه حرّاً.

الشمس الساطعة، ص: 95
 



 

حب العلامة لأهل البيت ولكتاب الله :

كان الأُستاذ محبّاً و عاشقاً متيّماً بالأئمّة الأطهار صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين. و عند ما كان يذكر اسم أحدهم، كانت تعلو محياه حالة التواضع و الأدب. و كان يعظّم إمام العصر أرواحنا فداه بشكل خاصّ، و يؤمن بأنَّ مقامهم و منزلتهم مع رسول الله و الصديقة الكبرى لا يمكن‏
الشمس الساطعة، ص: 96
تصوّرها. و كان يعيش حالة من الخضوع و الخشوع الحقيقيّين و التعلّق الوجدانيّ بهم، يرى منزلتهم و مقامهم ملكوتيّاً. و هو عظيم الاطّلاع على سيرتهم.
في العديد من المطالب عند ما كان يُسأل عنهم كان يجيب و يشرح بطريقة و كأنّه قد طالع تلك السيرة في يومه، أو أنّه قد جلس إلى مصدر الوحي و التشريع، و هو يتلقّى عنهم و ينقله إلى هذا العالم.
و في أيّام الصيف كانت عادته دائماً منذ القديم أن يتشرّف لزيارة حضرة ثامن الأئمّة عليه السلام، و يبقى طوال فصل الصيف هناك، و لا يقدّم أيّ مكان على هذه الأرض المقدّسة، إلّا عند حصول المحذور.
و هناك كان يأتي كلّ ليلة إلى الحرم المطهّر، و يقضي وقته بالتوسّل و التضرّع.
و كان مهما طلب منه أن يسكن خارج مدينة مشهد ك «طُرقَبَه» و «جاغَرْق» بسبب لطافة جوّهما و مياههما و إمكانيّة التنقّل منهما للزيارة من حين إلى آخر، لا يقبل أبداً، و يقول: لا ألجأ إلى غير الإمام الثامن [1].
__________________________________________________
1 كان من دأب هذا الحقير قبل إقامتي في مدينة مشهد المقدّسة التي انقضى عليها إلى هذا التاريخ الخامس من شهر رجب 1403 ه ثلاث سنوات و أربعة أيّام (فقد كان ورودي إلى هذه الارض المقدّسة في السادس و العشرين من جمادي الاولى لسنة 1400 ه) أن أتشرّف خلال فصل الصيف مع جميع أولادي و عائلتي إلى مشهد المقدّسة فأبقى فيها لما يقرب من الشهر؛ و قد تشرّفت بالمجي‏ء صيف 1393 ه و كان آية الله الميلاني و سماحة العلّامة آية الله الطباطبائي كلاهما على قيد الحياة، فاستأجرت منزلًا في نهاية سوق «حاج آقاجان»، في زقاق «حمّام برق»؛ و كنتُ عادةً أتشرّف بالذهاب إلى الحرم المطهّر عن طريق الصحن الكبير؛ فتشرّفت يوماً بالذهاب إلى الحرم قبل الظهر بساعتين، حيث كنت في أحسن حالاتي؛ ثم إلى مسجد «گوهرشاد» لأداء صلاة الظهر، فصليّتها فرادى مع بعض الرفقاء، ثم أردت الخروج من المسجد باتّجاه السوق الذي كان متّصلًا بالصحن الكبير و الذي كان يمثّل طريقي الوحيد، فقبّلتُ باب المسجد المتّصل بمحلّ حفظ الأحذية.
وكانت‏
/ الشمس الساطعة، ص: 97
__________________________________________________
الشمس الساطعة 102 الوضع المعيشي و تحمل و صبر العلامة في الشدائد ..... ص : 99

/ صلاة الجماعة في مسجد «گوهرشاد» قد انتهت آنذاك فتقاطر الناس للخروج من المسجد و أدّى ازدحامهم إلى تضييق الطريق.
فلمّا قبّلت الباب طرق سمعي صوت رجل يقول: أيّها السيّد، إنّ الخشب لا يُقَبَّل!
ولم أدرك الحالة التي اعترتني إثر هذا الصوت، فقد كانت تماماً أشبه بشرارة تقدح في القلب فتُفقد الإنسان و عيه، فخرجتُ عن طوري و قلت: لماذا لا يُقَبَّل؟ لماذا لا يُقَبَّل؟ إنّ خشب الحرم يُقَبَّل، و خشب محلّ حفظ الاحذية في الحرم يُقَبَّل، و أحذية زوّار الحرم تُقَبَّل، و تراب أقدام زوّار الحرم يُقَبَّل.
وكنت أقول كلامي هذا بصوتٍ عال؛ ثمّ ألقيت بنفسي على الأرض فجأةً وسط الجمع و أخذتُ أمسح وجهي بغبار الأحذية و تراب الأرض و أقول: انظر! هكذا هو يُقَبَّل!
ثمّ نهضتُ متّجهاً نحو المنزل، فقال ذلك الرجل: ايّها السيّد، انّني لم أقل شيئاً؛ انّني لم أتفوّه بجسارةٍ ما!
قلتُ: ما الذي أردتَ قوله بعدُ؟! و ما الذي أردتَ فعله بعدُ؟! ليس هذا خشباً، بل هو خشب محل حفظ الاحذية في الحرم، هنا مرقد الإمام على بن موسى الرضا، هنا مطاف الملائكة، هنا محلّ سجود الحور و المقرّبين و الانبياء، هنا عرش الرحمن، هنا...
وهنا...
قال: أيّها السيّد، أنا مسلم، أنا شيعي، و من أهل الخُمس و الزكاة؛ و لقد دفعتُ صباح اليوم حقوقي الشرعيّة إلى سماحة آية الله الميلاني.
قلت: عسى الخُمس أن يُميتك! إنّ الإمام ليس محتاجاً إلى فضل أموالك، و مباركٌ عليك ما لديك؛ بل إنّ الإمام يريد منك أدباً، فلم تفتقد الأدب؟ أقسم بالله انّني لن أكفّ عنك حتّى أدخلك نار جهنّم يوم القيامة بيدي فأكفئك فيها على وجهك.
فتقدّم‏
آنذاك أحد أصهارنا، (و هو زوج لأختنا) و اسمه السيّد محمود نور بخش فقال: انّني أعرف هذا الرجل، فهو من المؤمنين و كان من مريدي والدكم المرحوم!
قلت: فليكن! لقد تردّ ى الشيطان في جهنّم لتركه الأدب.
وكنت مشغولًا في تلك الحال بالحركة إلى المنزل، فدخلتُ السوق و الرجل يتبعني و يقول: «سامحني أيّها السيّد! أُقسم عليك بالله أن تعفو عنّي».
حتّى وصلنا إلى داخل الصحن الكبير، فقلت له: من أكون أنا لأعفو عنك؟ إنّني لستُ بشي‏ء! و جسارتك لم تكن موجّهة إليّ، بل إلى الإمام الرضا، و هو أمر لا يمكن غفرانه! إنّ الأعلام من علمائنا، كأمثال العلّامة، و أمثال الشيخ الطوسيّ، و أمثال الخواجة نصير، و الشيخ المفيد، و الملّا صدرا، كانوا جميعاً ممّن يقبّلون أعتاب هذا المرقد، و كان شرفهم في خضوعهم لهذه الأعتاب؛ ثم تأتون فتقولون: إنّ الخشب لا يُقَبَّل!
/ الشمس الساطعة، ص: 98
__________________________________________________
/ قال: لقد أخطأتُ و أنا تائب، و لن أكرّر خطأ كهذا أبداً!
قلت: انّني لست مكدّراً منك في قلبي بقدر ذ رّة، و إن كنتَ تُبتَ حقيقة فانّ أبواب السماء مُشرعة بوجهك!
وكان الناس في الصحن الكبير في تلك الأثناء يتقاطرون صوبنا من كلّ جهة، ثمّ عدتُ إلى المنزل.
ثمّ تشرّفت عصر ذلك‏
اليوم بالذهاب إلى محضر الأستاذ الكريم المرحوم الفقيد آية الله الطباطبائي رضوان الله عليه، فدارت بيننا مذاكرات في شأن بعض النفحات التي تومض كالبرق على القلب فتجعل الإنسان تائها يتغرّب عن معيشته، و من جملتها هذا البيت لحافظ:
برقى از منزل ليلى بدرخشيد سَحَر وَه كه با خرمن مجنون دل افكار چه كرد

و ترجمته: «أو مض برق من منزل ليلى سحراً فآه ما فعل بيدر مجنون ليلى و أفكار قلبه الجريح.
» فأورد العلّامة بيانات قيّمة، فتذكّرتُ بالمناسبة واقعة اليوم، فقصصتها عليه و قلت: أهي أيضاً من تلك الومضات؟ فسكت العلّامة طويلًا، و كان مُطرقاً برأسه مفكّراً، ثم لم يقل شيئاً!
وكان من دأب المرحوم آيةالله الميلاني أن يجلس نهاراً في ‏القسم الخارجيّ من‏البيت قبل الغروب بساعة، و كان سماحة العلّامة آية الله الطباطبائي يذهب إلى منزله في تلك الساعة فيلتقي به، ثمّ يتشرّف قرب الغروب بالذهاب إلى الحرم المطهّر، أو يحضر في صلاة الجماعة هناك، فيجلس في آخر الصفوف كطالب عاديّ.
و كان‏
قد مرّ على موضوع نقلي لقصّتي إلى سماحة الاستاذ ثلاثة أيّام تقريباً، حين التقيتُ «في مشهد بأحد أصدقائي السابقين و اسمه الشيخ حسن منفرد شاه عبدالعظيمي فقال: ذهبتُ أمس إلى منزل آية الله الميلاني، فكان العلّامة الطباطبائي ينقل بالتفصيل ما حدث لأحد علماء طهران في مسجد «گوهرشاد» عند خروجه و تقبيله باب محلّ حفظ الأحذية في المسجد، فكان العلّامة يذرف الدموع من أوّل القصّة إلى آخرها، ثم قال ببشاشة و سرور: الحمد لله إنّ هناك فعلًا بين العلماء أفراداً متمسّكين بالشعائر الدينيّة و بإظهار الأدب في ساحة قدس الأئمّة الأطهار.
و لم‏ يورد العلّامة اسم ذلك العالم، إلّا أنّني استنتجت من القرآئن أنّكم أنتم أفكان الأمر كذلك؟ قلت: نعم، إنَّ القضيّة تتعلّق بي.
وعلمتُ آنذاك إنّ سكوت العلّامة و تفكيره كان علامة الرضا و الإقرار لتصرّفي، حيث قام بنقل تفاصيل الحادث مقروناً بالبكاء؛ رحمةُ الله عَلَيْهِ رَحْمَةً وَاسِعَةً.
الشمس الساطعة، ص: 99
 

و قد كان العلّامة شديد التواضع و كثير الخشوع أمام القرآن الكريم.

 و يد لّ على مواضع الآيات في السور المختلفة، و كان غالباً ما يتلو آياته عن حفظ، كما يتلو الآيات المناسبة مع كلّ آية. لقد كانت مجالس ذلك الفقيد السعيد في الأبحاث القرآنيّة في غاية الروعة و غزارة المحتوى.




 أمَّا عن أوضاعه المعاشيّة:

فكما يلاحظ من شجرة عائلته، فقد كان من أُسرة محترمة و معروفة و بارزة في آذربيجان. و كان مصدر معيشته و أخيه محصوراً بزراعة الأرض التي كان يملكانها في قرية شادآباد تبريز منذ الطفولة، و قد ورثاها عن أسلافها.
و ذلك كما يظهر من كتاباته في مرحلة إقامته هناك و عمله بالزراعة لكسب لقمة العيش,
 فالرسائل الخطّيّة (كتاب «توحيد» و كتاب «الإنسان» و رسالة «الوسائط» و رسالة «الولاية») قد كتبت في شادآباد.
و كان يقول: إنَّ هذا المِلك، قد كان لآبائنا و أجدادنا لأكثر من مائتين و سبعين سنة، و كان الوسيلة الوحيدة للارتزاق عن طريق زراعته، و عندما اغتصب اختلّت معيشتها و ضاقت علينا. الوضع المعيشيّ و تحمّل و صبر العلّامة في الشدائد
 

ولأنَّ العلّامة الطباطبائيّ لم يجد فرصة لتدوين رسالة عملية، رغم حيازته على مقام الفقاهة و العلم و المرجعيّة، ذلك لاهتمامه بالأُمور العلميّة و التربويّة للطلّاب، و بالأخصّ من الناحية المعنويّة و الأخلاقيّة و العقائديّة، و الدفاع عن حصن الإسلام و حريم التشيّع، لذلك فقد جعل طريقه متعمّداً منذ البداية في غير هذا الاتجاه. و باعتبار أنَّ هذه الأُمور (المالية) كانت مقطوعة كلّيّاً من جهة، و من جهة أخرى كان لا يقبل أخذ سهم الإمام بتاتاً
الشمس الساطعة، ص: 100
فيتّضح حينئذٍ كيف ستكون حالته المعيشيّة عندما يفقد عائدات الزراعة، فسوف تكون أقلّ من حياة وضع طالب بسيط، لأنَّ الطالب، حتّى و إن لم يحصل على مرتّب من المدينة أو القرية، فإنَّه على الأقلّ سوف يستفيد من سهم الإمام.
و تلك العائدات التي كان يحصل عليها من الزراعة، لم تكن حال وصولها تكفي إلّا للمقدار اللازم من أُمور المعاش الضروريّة.
لقد كانت هذه سيرة رجال العلم و الفكر منذ قديم الأيّام: فالمرحوم آية الله الشيخ جواد البلاغيّ النجفي الذي كان فخر الإسلام، و قد أضاءت علومه و مؤلّفاته عالم الفكر و العلم لم يكن يمتلك في النجف الأشرف سوى بيت حقير لا يحتوي إلّا على حصير. واضطرّ لبيع بيته عندما أراد أن يطبع كتبه في الردّ على المادّيين و الطبيعيّين و اليهود و النصارى، هذه الكتب التي تعتبر من أهّمّ المصادر، و التي هي موضع فخر عالم الإسلام و مباهاته.
أمّا أُستاذ أُستاذنا: المرحوم القاضي رضوان‏الله عليه، فرغم أنّه كان يعيش مع عائلة كبيرة في النجف الأشرف، إلّا أنَّ الصعوبات و الضائقة الشديدة التي كان يعانيها أصبحت قصصها مضرباً للأمثال عندنا.
فلم يكن في بيته سوى حصير واحد مصنوع من سعف النخيل. و ما أكثر الليالي التي قضاها في الظلام الدامس، لأنّه لم يكن يمتلك و قوداً للإضاءة أو لعدم وجود مصباح أو محروقات.
والمرحوم آيةالله العلّامة الحاجّ الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ لم يكن يمتلك أيّة وسيلة للمعيشة، و قد خدم العلم و الإسلام و التشيّع لمدّة مائة سنة، و لم يكن لأحد علم بحاله و وضعه، فترك من مجاهداته العظيمة و آثاره النفيسة النادرة ما أفاد كافّة المحقّقين و المؤلّفين.
و كان هذا الأنسان يقضي أيّامه و لياليه مشغولًا بالكتابة و التأليف،
الشمس الساطعة، ص: 101
متحمّلًا لكلّ مشقّات البحث و التصنيف و جمع المصادر و الرجوع إلى المراجع. أمّا منزلة فلم يكن بأفضل من منزل طالب عاديّ، لا بل أقلّ؛ و أمّا المصائب و الصعاب التي مرّت عليه فهي تفوق كلّ تصوّر.
و كان العلّامة الأمينيّ صاحب كتاب «الغدير» يمرّ في ظروف معيشيّة قاسية قبل شهرته و بروزه، حتّى أنّه واجه مشاكل عديدة عندما أراد أن يطبع كتابه «الغدير» النفيس لأوّل مرّة. و هذا نقص فادح في جهاز العلماء الحالي من ناحية كيفيّة إدارة الأُمور الماليّة.
فلماذا يبقى أُولئك الذين يصرفون عمرهم في الفروع الخاصّة كالفلسفة و العرفان و علم الكلام و التفسير و الحديث و التأريخ و علم الرجال و غيرها، مع وجود الأرصدة الفقهيّة العظيمة لخدمة الإسلام و حاجة المجتمع إلى تلك المعارف و سدّ الثغرات و حماية المذهب و الذود عنه فلماذا يبقون محرومين حتّى من الحياة العاديّة البسيطة، و يعانون من آلاف المشكلات في سعيهم لتمرير معاشهم و حفظ ماء الوجه و الاعتبار.
إن ميزانيّة صندوق المسلمين التي ترسل إلى الحوزة تحت عنوان سهم الإمام، لا تتوجّه إلى أمثال هؤلاء، أمّا قبول هذا السهم منهم بواسطة المتصدّين لتوزيعه فإنَّه يحمل معه الذلّ و الاستخفاف و التحقير أمام جهاز الأدارة.
فتُمنع الإجازة من هؤلاء الأفراد الأجلّاء الذين يمتلكون الصفات الأخلاقيّة و الروحيّة، أضافة إلى الجوانب العلميّة، و يُحتاط من تصديق مقام اجتهادهم و فقاهتهم، كلّ ذلك لأنّه يؤ دّي إلى تثبيت شخصيّتهم و استقلال أمورهم.
و تعطى للأفراد الجهّال و الأُمّيّين من غير المحتاطين و الذين يتجرؤون على الكثير من الأُمور، الإجازات الطويلة و المطوّلة و الألقاب‏
الشمس الساطعة، ص: 102
و المجالات، طالما أنهم جباة لسهم الإمام، و ذلك حتّى لا يهتزّ مركز الحكم عن مقرّه و لا يرى الخلل في وصول الأموال إلى الأفراد غير الواجدين للشرائط و الذين هم من الناحية الروحيّة و الأخلاقيّة أقلّ من عامّة الناس بمجرّد ادّعاء العلم و الأعلميّة و الفقه و الفقاهة و الورع و الأورعيّة.
فَيَا للأسَفِ بِهَذِهِ السِّيرَةِ الرَّدِيّةِ المُبِيدَةِ لِلْعِلْمِ وَ الْعُلَمَاءِ وَ الْفِقْهِ وَ الْفُقَهَاءِ.
و إذا قيل لهم: بأ يّ دليل؟ و بأيّة آية أو رواية أنتم تقولون إنَّ سهم الإمام ينبغي أن يصل إلى المرجع أو نائبه بالخصوص؟ و في أيّ كتاب فقهيّ و أخباريّ و تفسيريّ رأيتم مثل هذا المطلب؟ و أيّ سنن و بدع أنتم تخترعون؟
يقولون: فلان و علّان يقولون هكذا. انتم الذين تدعون إلى الاجتهاد! لماذا تصبحون هنا مقلّدين لفلان و علّان؟!


كانت حياة العلّامة الأُستاذ حياةً شديدة البساطة، و بعيدة كلّ البعد عن الرفاه و التكلّف، لا يأخذ لها إلّا الحدّ الأدنى. و رغم مرض القلب و الأعصاب الذي كان يعانيه، و رغم كِبَر سنّه كان يسافر إلى طهران كلّ أُسبوعين مرّة لملاقاة و محادثة ذلك المستشرق الفرنسيّ ذوداً عن الدين، و نشراً للثقافة الإسلاميّة رغم المشتقّات الكثيرة الناجمة عن ذلك.
هكذا كانت حياة فيلسوف الشرق، بل فيلسوف العالم الأوحد! و نحن طوينا الذكر عن أوضاعه الخاصّة صفحاً، لأنّا نعتقد أنَّ هذا البحث لا يليق بمقام العِفَّة و الشرف. هكذا كانت حياة أولياء الله:
صَبَرُوا أيَّاماً قصِيرَةً، أعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً. [1]
__________________________________________________
1- نهج البلاغه من خطبه المتقين (همام) رقم 191.
الشمس الساطعة 108 سبب هجرة العلّامة الطباطبائيّ من تبريز الى قم ..... ص : 104

الشمس الساطعة، ص: 103
و لقد كنّا نرى و نشاهد و نتلمّس صفة من صفات المتّقين التي ذكرها مولى الموالي أميرالمؤمنين عليه السّلام في خطبة همّام في وجود هذا الرجل الالهيّ:
أرَادَتْهُمُ الدُّنيَا فَلم يُريدُوهَا؛ وَ أسَرَتْهُمْ فَفَدُوا أنْفُسَهُمْ مِنْهَا. [1]
هذه هي حياة الصالحين و الأحرار من أغلال النفس الأمارة، و المحلّقين في سماء القضاء و المشيئة الإلهيّة، و المنقادين في عالم التفويض و التسليم و الرضا.
و ما أكثر ما كان أُستاذنا يعجب بهذا الشعر:
منم كه شهرة شهرم بعشق ورزيدن منم كه ديده نيالوده‏ام به بد ديدن‏
به مى پرستى از آن نقش خود بر آب زدم كه تا خراب كنم نقش خود پرستيدن‏
وفاكنيم و ملامت‏كشيم و خوش باشيم كه در شريعت ما كافرى است رنجيدن‏
به پير ميكده گفتم كه چيست راه نجات بخواست جام مى و گفت راز پوشيدن [2]
__________________________________________________
1 نهج البلاغه من خطبه المتقين (همام) رقم 191
2- ديوان حافظ ص 177 حرف النون.
طبعه پژمان‏
يقول: «أنا المشهور في بلدي بالعشق والغرام ... و أنا الذي لم ألطّخ عيني برويه العيوب والآثام.
ولقد نقشت‏
على الماء صورة نفسي وقدّمتها لعابد الخمر...
لعلّي أستطيع أن أهدم بها عادة الغرورو عبادة النفس.
ومن دأبي الوفاء و احتمال اللوم والإحساس بالرضاء....
لانَّ «الغضب» في شريعتنا هو عين الكفر و البلاء.
ولقد سالت «شيخ الحانة» ماسبيل الخلاص والنجاة...
فطلب كاسا من الخمر ثم قال ستر العيوب والهنات».
الشمس الساطعة، ص: 104
و في خضم هذه المشكلات و الصدمات، كان في وجود الأُستاذ عالماً من العظمة و الوقار و السكينة و الطمأنينة.
و هنا، كانت تتجلّى حقيقة حياة أئمّتنا المعصومين، لأنَّ أمثال الطباطبائيّ يمكنهم أن يكونوا أفضل مرآة و آية و ممثّل لتلك الأرواح الطاهرة، ولأنهم مرآة صافية قد صُقلت، فهم ينطقون عن ذوات الطهر و يصبحون آيات الهيّة و حججاً ربّانيّة.

 

تنظيم وترتيب التفسير الموضوعي للميزان في تفسير القرآن
 وإعداد الصفحة للإنترنيت

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين