بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
الميزان في تفسير القرآن /
 للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
الشمس الساطعة
 رسالة في ذكري ألعالم الرباني العلامة
السيد محمدحسين الطباطبائي التبريزي‏
 

صورة المؤلف لكتاب الشمس الطالعة العلامة الطهراني  والسيد العلامة الطباطبائي

الشمس الساطعة
القسم الأول
 رسالة في ذكري ألعالم الرباني العلامة
السيد محمدحسين الطباطبائي التبريزي‏


القِسم الأوَّل
رسالة في ذكري ألْعَالم الرَّبَّاني
الْعَلامَة الْسّيِّد
محمَّد حُسِين الطَّبَاطَبَائي التبريزِي‏



النهج العلميّ:

نهج العلامة الطباطبائي :

 كان الأستاذ مفكّراً عميقاً؛ لم يكن ليمّر على المطالب العلميّة بسهولة؛ فإذا لم يصل إلى عمق المطلب و يكشف جميع جوانبه لم يكن يرفع عنه أبداً.
و في العديد من المرّات عندما كان يُسأل سؤالًا بسيطاً في مسألة فلسفيّة أو تفسيريّة أو روائيّة بحيث يمكن الإجابة عنها بعدّة كلمات مباشرة و ينهي الموضوع؛ كان يسكت و يتأمّل مليّاً ثمّ يبدأ بتقديم الاحتمالات و عرض جوانب القضيّة و ما قيل، فيكون ذلك عبارة عن درس تعليميّ.

لم يكن ليخرج عن دائرة البرهان في الأبحاث الفلسفيّة؛ و كان يفصّل جيّداً بين المغالطة و الجدال، و الخطابة و الشعر، و بين القياسات البرهانيّة، لا يرفع يده إلّا بعد انتهاء القضيّة بأوّليّاتها و نظائرها. و لم يخلط أبداً بين المسائل الفلسفيّة و المسائل الشهوديّة و العرفانيّة و الذوقيّة و لا يُدخل أيّة مسألة شهوديّة حين التدريس في المسائل الفلسفيّة، و بذلك كان يختلف عن صدر المتالهين و عن الحكيم السبزواريّ بشكل عامّ.
و كان يودّ كثيراً أن ينحصر البحث في كلّ فرع من العلوم حول مسائل ذلك العلم و عن موضوعاته و أحكامه؛ دون الخلط بين العلوم. و كان ينزعج كثيراً من الذين يمزجون الفلسفة بالتفسير و الأخبار؛ فإذا لم ينجحوا في البرهان و عجزوا عن الخروج من المسألة اعتمدوا على الروايات و التفسير في محاولة لإتمام برهانهم.



 

رأي العلامة الطباطبائي بنهج العلماء :


كان العلّامة يمجد ذكر المرحوم الملّا محسن الفيض القاسانيّ، و يقول عنه: إنَّه رجل جامع للعلوم، أو يندر أن نجد مثيلًا له في الجامعيّة داخل العالم الإسلاميّ؛ و مع ملاحظة أنّه كان يرد في كلّ علم بصورة مستقلّة و لا يخلط بين أيّ واحد منها.
ففي تفاسيره «الصافي» و «الأصفي» و «المصفّي» التي تنحو نحواً
الشمس الساطعة، ص: 41
تفسيريّاً روائيّاً، لم يدخل أبداً في المسائل الفلسفيّة و العرفانيّة و الشهوديّة. و

 الذي يطالع كتابه المسمى ب- «الوافي» في الأخبار، يراه واحداً من الأخباريّين الذين لم يدرسوا الفلسفة أبداً. و هكذا كان في كتبه العرفانيّة و الذوقيّة لا يميد عن هذا النهج أبداً؛ و لا يخرج عن الموضوع بتاتاً. هذا، رغم أنّه كان استاذاً في الفلسفة و أحد أبرز تلامذة صدر المتالهين.


كان استاذنا يجلّل ابن سينا و يعتبره أقوى من صدر المتالهين
 في فنّ البرهان و الاستدلال الفلسفي. ولكنّه كان معجباً جداً بصدر المتألهين و منهجه الفلسفي في هدم الفلسفة اليونانيّة، و الإتيان باسلوب جديد و حديث ك أصالة الوجود و الوحدة و التشكيك في الوجود، و إيجاد مسائل جديدة كقضيّة إمكان الأشرف، و اتحاد العاقل و المعقول، و الحركة الجوهريّة، و الحدوث الزمانيّ للعالم على هذا الأصل، و قاعدة «بسيط الحقيقة كلّ الأشياء» و نظائرها.


كان العلّامة الطباطبائيّ يرى فلسفة صدر المتالهين أقرب للواقع.

و كان يقدّر خدمته لعالم العلم و الفلسفة غاية التقدير، بسبب زيادة عدد المسائل الفلسفيّة. (فقد رفع عددها من مائتي إلى سبعمائة مسألة).
و كان يشيد بصدر المتالهين كثيراً، لأنّه لم يندفع نحو المدرسة المشّائيّة فقط؛ بل جمع بين الفلسفة الفكريّة الذهنيّة و الإشراق الباطنيّ و الشهود القلبيّ، و طبّقهما على الشرع الأنور.
و قد أثبت صدر المتالهين في كتبه ك «الأسفار الأربعة» و «المبدأ» و المعاد» و «العرشيّة» و العديد من الرسائل الاخرى عدم وجود الاختلاف بين الشرع (الذي يحكي عن الواقع) و بين المنهج الفكريّ، و الشهود الوجدانيّ؛ و أنَّ هذه الينابيع الثلاثة تنبع من منبع واحد؛ و كلّ واحد يؤيّد الآخر و يعضده.
الشمس الساطعة، ص: 42
و كانت هذه أعظم خدمة قدّمها هذا الفيلسوف إلى عالم الوجدان و عالم الفلسفة و عالم الشرع. و لم يغلق باباً من أبواب الدخول أمام المؤهّلين لنيل الكمال، و قبول الفيوضات الربّانيّة، بل فتح أمامهم جميع السبل المؤدّية.
و مع أنَّ أساس و جذور هذه النظريّة مشهودة في كلمات المعلم الثاني أبو نصر الفارابيّ، و ابن سينا، و شيخ الإشراق، و الخواجه نصير الدين الطوسيّ، و شمس الدين بن تُركة، ولكنّ الذي نجح في أداء هذا الأمر المهمّ بحيث أوصله المقصود إلى نهايته باسلوب بديع و طريقة رفيعة، هو هذا الفيلسوف صاحب القلب الحيّ و المتشرّع العظيم. [1]


كان الاستاذ المرحوم يعتقد أنَّ صدر المتالهين قد أخرج الفلسفة من الضياع والاندراس، و نفخ فيها روحاً جديدة؛ و لهذا يمكن عدّه محي الفلسفة الإسلاميّة.
و إذا تجاوزنا كلّ ما سبق فإنَّ استاذنا كان كثيراً ما يشيد بمقام الزهد و ترك الدنيا، و منهج التعلّق بالله، و تصفية الباطن، و الرياضات الشرعيّة، و العزلة التي كان ينهجها صدرالمتالهين؛ و كان يمدح طريقته في تصفية السرّ و إيلاءه الاهتمام الأكبر لطهارة النفس في «كَهَك» [2] قم.


و كان يعتقد: أنَّ أغلب الإشكالات و التي كانت ترد على صدر المتألهين و فلسفته، تعود إلى عدم الفهم و عدم الوصول إلى إدراك لُب‏
__________________________________________________
1 من جملة ما تفرّد به صدر المتالهين في الفلسفة، هو القول بالوحدة الصرافة لذات الحقّ الأقدسيّة، و امتلاك العلّة للعلم الحضوريّ بمعلولها.
وكان ابن سينا قد صرّح في كتاب «الشفاء» بالوحدة العدديّة للحقّ، و اعتبر أنَّ علم ذات الحقّ بالموجودات علم حصوليّ حضوريّ.
وقد أبطل صدر المتالهين أدلّة ابن سينا في هاتين المسألتين اللتين تعدّان من أهمّ المسائل العقائديّة.
2 كهك قم: إحدى قرى مدينة قم الطيّبة.
(م)
الشمس الساطعة، ص: 43
المسائل التي كان يطرحها.

و مع أنّه كان يملك بعض التعليقات على بعض استدلالاته؛ ولكنّه بشكل عامّ كان يعتبره مجدّد الفلسفة الإسلاميّة، و أحد فلاسفة الطراز الأوّل في الإسلام كابن سينا و الفارابيّ و كان يعتبر الخواجة نصير الدين و بَهْمَنْيار و ابن رشد و ابن تُركة من فلاسفة الدرجة الثانية.
 



 

بعض معتقدات السيد الطباطبائي الفلسفية :

كان استاذنا يعتقد: بالوجود التشكيكيّ في أبحاث الوجود، و كان يؤمن بالوحدة التي ينادي بها العرفاء، و لا يراها منافية للتشكيك؛ بل هي في الدرجة العليا و المقام الأرفع من التشكيك عند العارف؛ لأنّه بوجود التشكيك يجد الوحدة.
و قد درّس في الحوزة العلميّة لمدينة قم عدّة دورات في الفلسفة سواء من «الأسفار» أم «الشفاء» حتّى عُدَّ الفيلسوف الأوحد في عالم الإسلام، و في السنوات الأخيرة قام بتدريس بعض الطلّاب الخواصّ دورة في مستوى بحث الخارج في الفلسفة، و كانت ثمرتها إعداد كتابي: «بداية الحكمة» و «نهاية الحكمة» اللذين طبعا و نشرا ليستفيد منهما الجميع.
و لم يكن الصديق و العدوّ ليختلف على أنّه الأخصّائيّ الوحيد في الفلسفة الشرقيّة في كلّ العالم.
و يقال: إنَّ أمريكا قد عرفته قبل ثلاثين سنة أفضل ممّا عرفه الإيرانيّون؛ و لأجل إحضاره إلى أمريكا لتدريس الفلسفة الشرقيّة، طلبت من شاه إيران الطاغوتيّ (محمّد رضا) ذلك، و قد طلب الشاه من حضرة آية الله العظمى البروجرديّ رضوان الله عليه أن يقنعه بذلك، فحدّثه به؛ ولكنَّ العلّامة لم يقبل.

و قد كان العلّامة، و خلافاً لاعتقاد الكُثُر الذين يرون أهمّية الاطّلاع الشامل للطلّاب على أخبار و روايات الأئمّة الأطهار عليهم السلام في البداية قبل الدخول في الفلسفة،
 فقد كان يقول: إنَّ هذا الاعتقاد كمن يقول كَفَانَا كِتَابُ اللهِ.

الشمس الساطعة، ص: 44
 فرواياتنا مشحونة بالمسائل العقليّة العميقة و الدقيقة التي تستند إلى البرهان الفلسفي و العقليّ؛ و بدون معرفة الفلسفة و المنطق و إدراك طريق البرهان والقياس الذي ينمّي العقل، كيف يمكن للإنسان أن يلج هذا البحر العظيم للروايات؟ و كيف يصل إلى إليقين و الثبات في الامور العقائديّة بدون التقليد و الشكّ فيها؟ إنَّ الروايات و الأحاديث الواردة عن الأئمّة المعصومين لا تشبه الروايات الموجودة عند أهل السنّة، أو غيرهم من الفِرَق و المذاهب و الأديان، التي يمكن فهمها عند العامّة.
ولكنَّ الأئمّة عليهم السلام كان لديهم تلامذة مختلفون، و بيانات متفاوتة؛ فبعضها بسيط و قابل للفهم لدى العامّة؛ و أغلب ما ورد في اصول العقائد و مسائل التوحيد مشكلٌ و غامض، و كان مختصّاً بأصحابهم الذين كانوا من أهل من الاستدلال و المناظرة؛ و كان الأصحاب بعدها يدخلون مع الخصوم في الأبحاث على أساس ترتيب القياسات البرهانيّة. فكيف يمكن الوصول إلى إليقين بدون الاعتماد على العقل و المسائل العقليّة. و ترتيب القياسات الاقترانيّة و الاستثنائيّة؟



 


بحث العلّامة الطباطبائيّ في كون وحدة ذات الحقّ بالصِّرافة :
و من باب المثال
و النموذج نستحضر هنا أحد تلك الأبحاث المتعلّقة بتوحيد ذات الحقّ عزّ وجلّ:
إحدى المسائل الإسلاميّة المهمّة التي تميّز هذا الدين عن غيره من المذاهب و المدارس.
 هي مسألة التوحيد؛ التي هي في عين الواقعيّة، غامضة إلى الدرجة التي يصعب على سائر الامم و المدارس فهمها؛ مع أنَّ كلّ ما قالوه و كتبوه، و كلّ ما حقّقه مفكّروهم؛ يكشف الاعتراف الإجمالي بالتوحيد؛ فمع ذلك لم يخطُ الإلهيّون منهم و الدينيّون خطوة واحدة أبعد من التوحيد العدديّ لذات الحضرة الأحديّة المقدّسة.
و هذه المسألة من أهمّ قضايا القرآن الكريم؛ بل هي اسُّ و أساس‏
الشمس الساطعة، ص: 45
الشمس الساطعة 51 خطب أميرالمؤمنين عن الوحدة بالصرافة لدى الحق سبحانه ..... ص : 47

معارف القرآن و إحدى تجلّيات أصالته، و هي المبينة لجميع المعارف و الأخلاق و الأحكام الموجودة فيه. و على هذا الأصل قام التحدّي القرآنيّ لجميع الأديان و المذاهب، و الدعوة إلى البحث و المحاجّة في مسألة وحدة ذات الحقّ، و لم تكن هذه المواجهة مختصّة بالوثنيّين و الثنويّين و المشركين و المادّيّين و الطبيعيّين، بل شملت كلّ الأديان السماويّة التي تعرّضت للتحريف؛ و جعلت مسألة أصالة التوحيد تظهر بشكل محرّف و ممسوخ.
إن وحدة ذات الحقّ عزّ و جلّ ليست وحدة عدديّة، بل هي وحدة بالصرافة. فهو صرف الوجود و محضه؛ و مع تصوّر مثل هذه الوحدة لا يمكن تصوّر وجود آخر مماثل له.
و بالطبع فإنَّ الوجود الذي يكون صرفاً و محضاً، لا حدّ له و لا نهاية في الأزل و إلى الأبد، ذاتاً وصفة، شدّة و كثرة و سَعَة؛ بحيث إنّه لو فرض وجود آخر في أيّة مرحلة لن يكون داخلًا في ذلك الوجود الصرف، و بناء عليه لن يكون لغرض الغيريّة و البينونة و الاستقلال أيّ معنى؛ وَ كُلَّما فَرَضْتَهُ ثَانِيَاً عَادَ أوَّلًا، و لهذا يوجد رواية تقول: وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ، قَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ.
إن هذه الحقيقة تظهر في جميع أنحاء القرآن الكريم بشكل واضح، و التعليم القرآنيّ ينفي جميع أقسام الوحدة العدديّة و الجنسيّة و النوعيّة عن الذات المقدّسة، و يحارب التثليث؛ و هو يبطل قول الذين آمنوا بالأقانيم التي هي عبارة عن الأب و الابن و الروح، و مرادهم منها الذات و العلم و الحياة. و هم يقولون بالتثليث في عين الوحدة؛ (مثل القول بالإنسان العالم و الحي؛ مع كونه إنساناً واحداً. فهو ثلاثة: ذات، و علم، و حياة الإنسان). و يعتبر القرآن أنَّ هذه الوحدة لا تليق بذات الحقّ.


يبين القرآن الكريم وحدة الله تعالى التي لا يمكن معها فرض أيّ‏
الشمس الساطعة، ص: 46
نوع من الكثرة سواء في الذات أو في الصفات، و كلّ ما يفرض من كثرة في هذا الباب هو عين الذات الواحدة؛ لأنَّ الله لا حدّ له، و ذاته عين صفاته؛ و كلّ صفة مفترضة، هي عين الصفة الاخرى؛ و هي بالنسبة له فرض اللامتناهية و غير محدودة و غير محصورة و غير متعينة.
تعالى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يَصِفُونَ.
و لهذا السبب، نجد أنّه كلّما جاء ذكر قهّاريّة الله في القرآن الكريم فإنّنا نجد وصف الله قبلها بالوحدة؛ لأجل إيصال هذا المعنى و هو: أنَّ وحدته بحيث أنّه لا يوجد لأيّ إنسان مجال لافتراض وجود مماثل له؛ فكيف بالنسبة لخروجه عن دائرة الفرض و تحقّقه في عالم الوجود و الواقعيّة و الثبوت؟!
لاحظوا هذه الآيات:
ءَاربَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ* مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلَّا أسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَآ أنْتُم وَ ءَابَآؤُكُمْ. [1]
فوصف الله بالوحدة القاهرة التي تقهر كلّ شريك مفترض؛ و لا يترك لأيّ معبود غير ذاته المقدّسة شيئاً سوى الاسم.
أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَي‏ءٍ وَ هُوَ الْوَاحِدِ الْقَهَّارُ. [2]
لمَنِ المُلْكُ اليوم لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. [3]
و لأنَّ ملكيّته المطلقة لا تدع مالكاً غيره إلّا أن يكون نفس هذا المالك و ما يملكه ملكاً مطبقاً للّه تعالى.
__________________________________________________
1 الآية 39 و 40، من السورة 10: يوسف.
2 الآية 16، من السورة 13: الرعد.
3 ذيل الآية 16، من السورة 40: غافر.
الشمس الساطعة، ص: 47
و عن هذه الوحدة لذات الأحديّة الأقدسيّة، فقد كشف الستار أميرالمؤمنين في العديد من خطبه و كلماته، حيث تظهر هذه الوحدة بالصرافة بشكل مفصّل.
منها، خطبته الاولى في «نهج البلاغة»:
خطب أميرالمؤمنين عن الوحدة بالصرافة لدى الحقّ سبحانه‏
أوَّلُ الدِّين مَعْرِفَتُهُ؛ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ؛ وَ كَمَالُ التَّصْدِيْقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ؛ وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإخْلَاصُ لَهُ؛ وَ كَمَالُ الإخْلَاصِ لَهُ نَفي الصِّفَاتِ عَنْهُ إلى آخر الخطبة.
و منها، الخطبة الثالثة و الستّون:
الحمْدُ لِلِّهِ الذي لم يَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالًا فَيَكُونَ أ وَّ لًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ آخِرَاً؛ وَ يَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أنْ يَكُونَ بَاطِنَاً؛ كُلُّ مُسمى بِالْوَحْدَةِ غيرهُ قَلِيلٌ؛ وَ كُلُّ عَزِيزٍ غيرهُ ذَلِيلٌ إلى آخر الخطبة.
و منها، الخطبة الخمسون بعد المائة:
الحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ؛ وَ بمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أزَلِيَّتِهِ؛ وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أنْ لَا شِبْهَ لَهُ؛ لَا يَسْتَلِمُهُ المشَاعِرُ؛ وَ لَا يَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ؛ لِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَ المصْنُوعِ؛ وَ الحادِّ وَ المحدُودِ؛ وَ الرَّبِّ وَ المرْبُوبِ؛ الأحَدُ بِلَا تَأوِيلِ عَدَدٍ؛ وَ الخالِقِ لَا بمعْنَى حَرَكَةٍ وَ نَصَبٍ إلى آخر الخطبة.
و منها، الخطبة الحادية و الستّون بعد المائة:
الحمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ العِبَادِ؛ وَ سَاطِحِ المهَادِ؛ وَ مُسِيلِ الوِهَادِ؛ وَ مُخْصِبِ النِّجَادِ؛ لَيْسَ لأوَّلِيَّتِهِ ابْتِداءٌ؛ وَ لَا لأزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ؛ هُوَ الأوَّلُ لَم يَزَلْ؛ وَ البَاقِي بِلَا أجَلٍ؛ خَرَّتْ لَهُ الجبَاهُ؛ وَ وَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ إلى آخر الخطبة.
و منها، الخطبة الرابعة و الثمانون بعد المائة:
مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ؛ وَ لَا حَقِيقَتَهُ أصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ؛ وَ لَا إيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ؛ وَ لَا صَمَدَهُ مَنْ أشَارَ إليهِ وَ تَوَهَّمَهُ إلى آخر الخطبة.
الشمس الساطعة، ص: 48
و منها، خطبته عليه‏السلام في جواب «ذِعلب» الذي سأله:
يَا أمِيرالمؤْمِنِين هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟
فقال عليه‏السلام: وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبْ! لم أكُنْ لأعْبُدَ رَبَّاً لم أرَهُ. و هي خطبة طويلة و حاوية لمطالب رفيعة في أمر التوحيد بالصرافة، و قد نقلها الصدوق في «التوحيد» بإسناده عنه عليه‏السلام.
و منها، خطبته عليه‏السلام التي وردت في كتاب «الاحتجاج» للطبرسيّ:
دَلِيلُهُ آيَاتُهُ؛ وَ وُجُودُهُ إثبَاتُهُ؛ وَ مَعْرِفَتُهُ تَوْحِيدُهُ؛ وَ تَوْحِيدُهُ تميِيزُهُ مَنْ خَلْقِهِ؛ وَ حُكْمُ التميِيزِ بَينونَةُ صِفَةٍ لَا بَينونَةُ عُزْلَةٍ... إلى أن يقول: لَيْسَ بِإلَهِ مَنْ عُرِفَ بِنَفْسِهِ؛ هُوَ الدَّالُّ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ؛ وَ المؤَدِّي بِالمعْرِفَةِ إليهِ.


و على كلّ حال، فقد أورد الاستاذ العلّامة الطباطبائيّ هذه المطالب بالتفصيل في تفسير «الميزان» ج 6، ص 96 إلى 108

 ثمّ إنّه يقول في البحث التأريخيّ «القول بأنَّ للعالم صانعاً، ثمَّ القول بأنّه واحد، من أقدم المسائل الدائرة بين متفكّري هذا النوع تهديه إليه فطرته المركوزة فيه. حتّى أنَّ الوثنيّة المبنيّة على الإشراك، إذا أمعنّا في حقيقة معناها وجدناها مبنيّة على أساس توحيد الصانع و إثبات شفعاء عنده، مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إلى اللهِ زُلْفي، و إن انحرفتْ بعدُ عن مجراها، و آل أمرها إلى إعطاء الاستقلال لآلهة دون الله. و الفطرة الداعية إلى توحيد الإله و إن كانت تدعو إلى إله واحد غير محدود العظمة و الكبرياء ذاتاً و صفة، غير أنَّ الفة الإنسان و انسه في ظرف حياته بالآحاد العدديّة من جانب، و بلاء الملّيّين بالوثنيّين و الثنويّين و غيرهم لنفي تعدّد الآلهة من جانب آخر، سجّل عدديّة الوحدة و جعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه.
و لذلك ترى المأثور من كلام الفلاسفة بالباحثين في مصر القديمه‏
الشمس الساطعة، ص: 49
و إليونان و إسكندريّة و غيرهم ممّن بعدهم، يعطي الوحدة العدديّة، حتّى صرّح بها مثل الرئيس أبي على بن سينا في كتاب «الشفاء» و على هذا المجرى يجري كلام غيره ممّن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبويّة.
و أمّا أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطي أزيد من الوحدة العدديّة أيضاً، في عين أنَّ هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامّة؛ فهذا ما يتحصّل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة.


فالذي بينه القرآن الكريم من معنى التوحيد أوّل خطوة خُطيت في تعليم هذه الحقيقة من المعرفة، غير أنَّ أهل التفسير و المتعاطين لعلوم القرآن من الصحابة و التابعين ثمّ الذين يلونهم أهملوا هذا البحث الشريف، فهذه جوامع الحديث و كتب التفسير المأثورة عنهم لا ترى فيها أثراً من هذه الحقيقة لا ببيان شارح، و لا بسلوك استدلالي.


و لم نجد ما يكشف عنها غطاءها إلّا ما ورد في كلام الإمام عليّ بن أبي طالب عليه أفضل السلام خاصّة، فإنَّ كلامه هو الفاتح لبابها، و الرافع لسترها و حجابها، على أهدى سبيل و أوضح طريق من البرهان، ثمّ ما وقع في كلام الفلاسفة الإسلاميّين بعد الألف الهجريّ [1]، و قد صرّحوا بأنّهم إنَّما استفادوه من كلامه عليه‏السلام.
و هذا هو السرّ في اقتصارنا في البحث الروائيّ السابق على نقل نماذج من غرر كلامه عليه‏السلام الرائق، لأنَّ السلوك في هذه المسألة و شرحها من مسلك الاحتجاج البرهانيّ لا يوجد في كلام غيره عليه‏السلام.
__________________________________________________
1 المراد من الفلاسفة الإسلاميّين بعد الألف الهجريّ هو صدر المتالهين الذى قال فى كتبه فى كون وحدة ذات الحقّ بالصرافة، و قد أوصل إثبات هذا المعنى بأبلغ وجه، و نفى كلام ابن سينا القائل فى كون وحدة ذات الحقّ بالوحدة العدديّه.
ولد صدر المتالهين فى حدود سنه 979 ه فى مدينة شيراز.
الشمس الساطعة، ص: 50


و لهذا بعينه تركنا عقد بحث فلسفي مستقلّ لهذه المسألة، فإنَّ البراهين الموردة في هذا الغرض مؤلّفة من هذه المقدّمات المبينة في كلامه لا تزيد على ما في كلامه بشي‏ء، و جميعها مبنيّة على صرافة الوجود و أحديّة الذات جلّت عظمته».
ثمّ يقول العلّامة في التعليقة: «و للناقد البصير و المتدبّر المتعمّق أن يقضي عجباً من ما صدر من الهفوة من عدّة من العلماء الباحثين حيث ذكروا أنَّ هذه الخطب العلويّة الموضوعة في «نهج البلاغة» موضوعة دخيلة، و قد ذكر بعضهم أنّها من وضع الشريف الرضيّ رحمه الله، و قد تقدّم الكلام في أطراف هذه السقطة.
و ليت شعري كيف يسع للوضع و الدسّ أن يتسرّب إلى موقف علميّ دقيق لم تقوَ بالوقوف عليه أفهام العلماء حتّى بعد ما فتح عليه‏السلام بابه و رفع ستره قروناً متمادية، إلى أن وفّق لفهمه بعد ما سير في طريق الفكر المترقيّ مسير ألف سنة، و لا أطاق حمله غيره من الصحابة و لا التابعون، بل كلام هؤلاء الرامين بالوضع ينادي بأعلى صوته إنّهم كانوا يظنّون أنَّ الحقائق القرآنيّة و الاصول العالية العلميّة ليست إلّا مفاهيم مبتذلة عامّيّة، و إنَّما تتفاضل باللفظ الفصيح و البيان البليغ».
و لقد أوردنا هذا المثال هنا ليتّضح أنَّ ما جاء في الخطب و الروايات لم يكن مطالب مبتذلة عامّيّة، بل إنَّ الكثير منها يحتاج إلى فهم متين و برهان قويم. و على هذا الأساس فقد كان الاستاذ العلّامة الطباطبائيّ يعدّ أمر تقوية الفكر و تصحيح القياس، و بشكل عامّ تصحيح المنطق و الفلسفة، ضروريّاً، و يعتبر أنّ الفلسفة هي المفتاح و الدليل الوحيد في هذا الباب.
و بغضّ النظر عن ذلك، فإنَّ حجّيّة الروايات بالنسبة لنا قائمة بواسطة البرهان العقليّ، و سيكون الرجوع إلى الأخبار و التعبّد بها و إسقاط الأدلّة
الشمس الساطعة، ص: 51
العقليّة موجباً للتناقض و الخلف، و هو محال.
و بعبارة أبسط، فإنَّ الأخبار الواردة ليس لها حجّيّة قبل الرجوع إلى العقل و ترتيب القياس؛ أمّا بعد الرجوع للعقل، فلا فرق من ثمّ بين هذا القياس و سائر الأدلّة العقليّة، و سيكون الالتزام آنذاك بمفاد الأخبار و نفي الأدلّة العقليّة موجباً للتناقض و لإبطال المقدّمة بالنتيجة المستحصلة منها.
الشمس الساطعة 59 تفسير«الميزان» و كيفيتة تدوينه ..... ص : 58
 




لقد كان العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله تربته يعظّم كثيراً كتاب «بحار الأنوار»
لجدّنا [1] في جميع الأخبار، و بالأخصّ في كيفيّة تفصيل فصوله و تبويب أبوابه على المنهج المطلوب، ففي كلّ كتاب أحصى الأبواب بالترتيب، و جعل في كلّ باب بالترتيب الآيات المناسبة من سورة الحمد حتّى آخر القرآن، ثمّ قام بتفسير الآيات بشكل إجمالي و تابع للترتيب المذكور، ثمّ بين بعد ذلك جميع الروايات التي وردت عن المعصومين عليهم السلام في الأبواب المذكورة بالترتيب أيضاً؛ فإذا كانت الرواية أو الباب يحتاج إلى شرح أو بيان، كان يقوم بذلك في ذيل الرواية أو آخر الباب.
تعليقة العلّامة الطباطبائيّ على «بحار الانوار»
و كان يعتقد: أنَّ العلّامة المجلسيّ أحد حماة المذهب، و مُحييِ آثار
__________________________________________________
1 كانت جدّتنا لأبينا، أي امّ أب هذا الحقير؛ اخت العلّامة الخبير آية الله آقاي الميرزا محمد الطهرانيّ صاحب كتاب «مستدرك البحار».
كما أنَّ امّ العلّامة آقا الميرزا محمد الطهرانيّ و جدّتنا الكبرى من أحفاد العالم المتضلّع المير محمد صالح الحسينيّ الخاتون آباديّ صهر العلّامة محمد باقر المجلسيّ، حيث تزوّج ابنته فاطمة بيگم، لذا فإنَّ العلّامة المجلسيّ سيكون الجدّ الأعلى لأبينا لُامّه.
و باعتبار
أنَّ المرحوم العلّامة السيّد مهدي بحر العلوم و المرحوم آية الله البروجرديّ من أحفاد بنات المجلسيّ الأوّل الملّا محمد تقي، من ابنته آمنة بيگم التي تزوّجها المرحوم الملّا محمد صالح المازندرانيّ، فإنَّ آمنة بيگم ستكون العمّة الكبرى لُامّ أبينا، و سيكون المرحوم بحرالعلوم و آية الله البروجرديّ رضوان الله عليهما من بني عمّاتنا.
الشمس الساطعة، ص: 52
و روايات الأئمّة عليهم السلام، و أنَّ مقامه العلميّ، و سعة اطّلاعه، و طول باعه تستحقّ التقدير، و أنَّ مدى علم هذا المجتهد الخبير تتّضح في كيفيّة دخوله في البحث و في الجرح و التعديل للمطالب الموجودة في «مرآة العقول» و مدى الخدمات الفائقة التي قدّمها.
ولكنّه مع اجتهاده و بصيرته في فنّ الروايات و الأحاديث، لم يكن مطّلعاً على المسائل الفلسفيّة العميقة، و لم يشابه الشيخ المفيد، و السيّد المرتضى، و الخواجة نصيرالدين الطوسيّ، و العلّامة الحلّيّ الذين يعدون من متكلمي الشيعة، و من حماة المذهب.
و لهذا وقع في العديد من الاشتباهات في بعض البيانات التي قدّمها، ممّا أدّى إلى هبوط مستوى هذه الموسوعة. و على هذا الأصل كان من المقرّر أن يطبع «بحار الأنوار» في طبعة جديدة تحت إشرافه و تعليقاته في الأمكنة المناسبة؛ حتّى يحتفظ هذا الكتاب الثمين على مستواه العلميّ.
و بالفعل قام بهذا العمل، و كتب تعليقاته إلى الجزء السادس من الطبعة الجديدة؛ ولكن نظراً لرفضه تعليقة أو تعليقتين من رأي العلّامة المجلسيّ بشكل صريح، فقد كانت هناك مجموعة لم تكن لترضى بأن تصبح نظريّات المجلسيّ موضعاً للانتقاد إلى هذا الحدّ؛ فقام الناشر، بناء على تدخّلات خارجيّة، و طلب منه أن يخفّف الكلام في بعض الأماكن؛ و يغضّ النظر عن بعضها الآخر.
فلم يقبل العلّامة؛ و قال: في مدرسة التشيّع أنَّ قدر و منزلة الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‏السلام أعظم من العلّامة المجلسيّ؛ و حين يدور الأمر لأجل شروحات العلامة المجلسي أن نقبل بالإشكالات العقلية و العلمية الواردة في بيانات الأئمة المعصومين عليهم السلام،
الشمس الساطعة، ص: 53
لست مستعداً أبداً أن نستبدل الأئمّة المعصومين عليهم السلام بالعلّامة المجلسيّ

. و ما أراه ضروريّاً في مكانه فسوف أكتبه، و لن أرفع كلمة واحدة. و لهذا طبعت بقيّة أجزاء البحار بدون تعليقات العلّامة الطباطبائيّ؛ و بقي هذا الأثر النفيس بدونها. [1]
و نحن هنا نذكر التعليقتين اللتين أدتا إلى إيقاف طبع التعليقات الأخرى، و نترك الحكم للقرّاء و أهل التحقيق:
الاولى: تعليقته في الصفحة 100 من الجزء الأوّل على المعاني المختلفة التي قدّمها العلّامة المجلسيّ للعقل وفقاً لرأيه.

فردّ العلّامة الطباطبائيّ هذه المعاني، و قال: إنَّ ما ذكره رحمه الله من معان مختلفة للعقل با دّعاء أنّها في الاصطلاح كذلك: لا يخفي على الشخص الخبير و المطّلع في هذه الأبحاث، أنّها لا تنطبق على مصطلحات أهل البحث، و لا تنطبق على ما يذكره عامّة الناس، من معان للعقل أيضاً.
فالذي أوقعه فيما وقع فيه أمران:
__________________________________________________
1 يقول سماحة الاستاذ: عندما قمنا بالتحقيق و التفتيش في الأحاديث الواردة في كتاب «بحار الأنوار» بشأن الولاية، وجدنا خمسة و عشرين حديثاً من الصحاح المعتبرة عند أهل السنّة التي نقلت من تلك المصادر المعتبرة.
و كلّ ما قمنا به من تدقيق‏
في كتبهم المطبوعة و الخطّيّة لم نعثر عليها، و حتّى الكتاب الذي يعود إلى ثماني مائة سنة قبل، فقد بحثنا فيه من أوّل ورقة إلى آخره و لم نجد فيه حتّى رواية واحدة من هذه الروايات الخمس و عشرين.
وهناك روايات كثيرة من العامّة قد فقدت.
وهي غير موجودة في الكتب انتهى كلام الاستاذ الفقيد رضوان الله عليه.
بالتأكيد لو كانت سلسلة «بحار الأنْوار» قد طبعت مع تعليقاته فإنَّ بيانات كانت ستطرح في المكان المناسب من هذه الأحاديث أو غيرها، و كانت ستحلّ الكثير من الغوامض الأخرى أيضاً.
و
أيّ جناية، و أيّ أضرار كبيرة قد الحقت بدائرة المعارف الشيعيّة هذه بإسقاط تعليقاته في الطبعة الجديدة.
الشمس الساطعة، ص: 54
الأوّل: سوء الظنّ بالباحثين في المعارف العقليّة بطريق الاستدلالات العقليّة و البراهين الفلسفيّة.
الثاني: الاسلوب الذي استخدمه في فهم معاني الأخبار؛ حيث أخذ جميع الروايات في مرتبة واحدة من ناحية البيان؛ و هي المرتبة التي تعادل فهم عامّة الناس؛ با دّعاء أنّ تلك المرتبة هي نفس المنزلة التي كانت فيها الأخبار جواباً لأسئلة الناس من قِبل الأئمّة عليهم السلام. في حين أنّنا نعلم أنَّ في الأخبار مطالباً عالية و نفيسة تشير إلى حقائق لا يسعها إلّا الأفهام العالية و العقول الخالصة.
و عندما نجعل الأخبار في مستوى واحد، فإنَّ هذا يؤدّي إلى اختلاط المعارف العالية التي أفاض بها الأئمّة عليهم السلام، و فساد البيانات الرفيعة بسبب تنزّلها إلى غير منزلتها؛ و زوال قيمة البيانات البسيطة أيضاً بسبب عدم التعيّن و التمييز.
لم يكن جميع السائلين من رواة الأحاديث في مستوى واحد من الفهم و الإدراك؛ و لم تكن كلّ الحقائق في مستوى واحد من حيث الدقّة و العمق. و كتاب الله و سنّة رسوله مليئان بهذا النوع من المعارف الدينيّة التي هي ذات مراتب مختلفة، لكلّ مرتبة أفراد خاصّون. و إنَّ إلغاء المراتب أو إهمالها يؤدّي إلى زوال المعارف الحقيقيّة.


التعليقة الثانية: في الصفحة 104 من الجزء الأوّل، حيث ينفي العلّامة المجلسيّ مبدأ العقول المجرّدة بقوله: إنَّ تجرّد العقول مستحيل عقلًا؛ فالتجرّد مختصّ بذات الواجب، معتبراً أنَّ كلام الفلاسفة فضولٌ؛ ثمّ يقول: بناء على ما ذكرنا، يمكن أن يكون المراد من العقل نور النبيّ الذي تتشعّب منه أنوار الأئمّة عليهم السلام. فيقول العلّامة الطباطبائيّ: إنَّ رجوع الفلاسفة إلى الأدلّة العقليّة ليس فضولًا؛ بل إنَّهم قد أثبتوا أنَّ حجّيّة الظواهر
الشمس الساطعة، ص: 55
الدينيّة متوقّفة على البرهان الذي يقيمه العقل؛ هذا أوّلًا. و العقلُ في استناده و اعتماده على المقدّمات البرهانيّة لا يفرّق بين مقدّمة و أخرى. فإذا اقيم البرهان على أمر ما، فإنَّ العقل مضطرّ لقبوله.
ثانياً: أنَّ الظواهر الدينيّة تتوقّف على الموجود في الألفاظ، و هذا الظهور دليل ظنّيّ؛ و الظنّ لا يمكنه مقاومة العلم و اليقين الذي يحصل من خلال إقامة البرهان.
و أمّا قضيّة التمسّك بالبرهان العقليّ في مسائل اصول الدين، ثمّ عزل العقل في الأخبار الآحاديّة التي وردت في المعارف العقليّة، و عدم التقيّد به، فليس إلّا من قبيل بطلان المقدّمة بسبب النتيجة التي تؤخذ من تلك المقدّمة؛ و هذا تناقض صريح؛ و الله الهادي.
فإذا كانت هذه الظواهر تريد إبطال حكم العقل، فقد أبطلت مفاد حكمها بأنّ حجّيّتها تستند إلى حكم العقل.
فالطريق الثابتة و الاحتياط الدينيّ للذين لم يتقدّموا بمتانة في الأبحاث العقليّة العميقة، هو العمل بظاهر الكتاب و الأخبار المستفيضة؛ و إرجاع العلم بواقع الأمر إلى الله؛ و اجتناب الدخول في الأبحاث العقليّة العميقة نفياً و إثباتاً.
أمّا إثباتاً، فلأنّ إثباته مظنّة الضلال و الضياع؛ و في ذلك، الهلاك الدائميّ.
أمّا نفياً فلأنّ فيه منقصة القول بدون علم، و نصر الدين بما لا يرضاه الله، و الابتلاء بتناقض الآراء؛ كما وقع المؤلّف رحمة الله عليه في ذلك التناقض؛ لأنّه لم يورد في أبحاث المبدأ و المعاد أيّ إشكال على آراء أهل الرأي إلّا و قد وقع فيه حيث قَبِل ذلك الإشكال أو ما هو أشدّ منه؛ و سوف نشير إلى ذلك في مكانه المناسب.
الشمس الساطعة، ص: 56
و أوّلها ما قاله طعناً على الحكماء الالهيّين في اعتقادهم بالمجرّدات العقليّة؛ و هناك أثبت جميع آثار التجرّد لأنوار النبيّ و الأئمّة عليهم السلام؛ و لم يلتفت إلى أنَّ تحقّق الموجود المجرّد في الخارج لغير الله لو كان محالًا، لما اختلف هذه الحكم بتغيير الاسم؛ و إطلاق النُّور و الطَّينة و نحوهما على العقل المجرّد لا يغير شيئاً في الاستحالة انتهى كلام الاستاذ.
إن الأشخاص المطّلعين على القياس و البرهان يعلمون أنَّ كلّ جملة مما قاله هذا الحكيم الالهيّ في هذا البيان، هي برهان و استدلال؛ و هناك يظهر سرّ و معنى كلامه حيث يقول: إنَّ الرجوع إلى ظواهر الروايات قبل الرجوع إلى الأدلّة العقليّة هو في حكم كَفَانَا كِتَابُ اللهِ.
إن الاجتهاد في مذهب الشيعة أدّى إلى حفظ الدين من الاندراس و الجمود و عدم التعبّد بالآراء التي اعتبرت في وقت ما عند البعض من الاصول المسلّمة، و في زمان آخر كان بطلانها من البديهيّات.
فقد كان التعبّد بغير قول الله و رسوله و المعصومين عليهم السلام في الأحكام الفرعيّة سبباً لسدّ باب الاجتهاد و الوقوع في المهالك و المزلّات؛ و هذا ما حصل بالنسبة للعامّة. أمّا في الأحكام الاصوليّة، فإنَّ التعبّد و التقليد لا معنى له بتاتاً؛ بل إنَّ العقل و النقل يحكمان بلزوم الرجوع إلى الأدلّة العقليّة، و كان العلّامة رحمة الله عليه ينقل رأي الإجماع في هذه المسألة.

 



 

 


اهتمام العلّامة الطباطبائيّ بالجمع بين فلسفة الشرق و الغرب‏
و في قم، بعد تدريس دورة فلسفيّة في «الأسفار الأربعة» للمرحوم صدر المتالهين قدّس سرّه، عزم العلّامة الطباطبائيّ على القيام بالبحث المقارن بين فلسفة الشرق و الغرب. و كان يعتقد أنَّ البحث فيما لو اقيم على أساس البرهان و الأشكال الصحيحة للقياسات فمن المستحيل أن نخرج بنتيجتين مختلفتين، و في أيّة مدرسة كنّا. و لهذا يجب أن نتتبّع سرّ
الشمس الساطعة، ص: 57
الاختلاف بين الفلسفتين، و بيان نقاط الضعف فيهما.
و كان يعتقد في الأصل: بأنَّ العلوم التجريبيّة و إن كان تحقّقها في الخارج على أساس التجربة واضحاً؛ لكن ينبغي أن ندرك جذور و أصل نتيجة هذه التجربة، و نبحث في نشوئها و علّتها.
فمثلًا، ينبغي أن ننظر ما هي العلّة الموجودة في الحرارة التي يمكنها أن توجد الطاقة الحركيّة «سينتيك» و تحرّك الأجهزة الميكانيكيّة؛ و بالعكس، ما هي العلّة الموجودة في الطاقة الحركيّة «سينتيك» التي يمكن أن تكون مصدراً للحرارة و الطاقة الحراريّة؟ و أيضاً ما هو السبب و العلّة الموجودة في الطاقة الكهربائيّة التي يمكن تحويلها إلى عمل يستفاد منه؛ كتحريك عجلات الآلات. و بالعكس، ما هو السبب الموجود في الطاقة الميكانيكيّة، الذي بالاستفادة منه، يمكن الحصول على الطاقة الكهربائيّة من خلال الموَلِّد؟
و أخيراً، ينبغي أن يتّضح السبب و الأساس الذي تقوم عليه جميع هذه التغيرات و التحوّلات في الطاقة، و التي تجري على أساس معادلات دقيقة، فيتحوّل مقدار منها إلى مقدار معيّن من الطاقة. و ما هو الرابط و الجامع الموجود بينهما؟ و ينبغي أن يتّضح أيضاً أنَّ ثبوت المسائل التجريبيّة يكون على أساس التجربة؛ و هو لا يتنافي مع المسائل الفلسفيّة و الأدلّة العقليّة التي تقوم على أالشمس الساطعة 62 مزايا تفسير«الميزان» على سائر التفاسير و انتشاره في العالم ..... ص : 59

و لهذا المقصد اقيمت بعض المجالس في ليالي العطلة من الخميس و الجمعة كان يحضرها بعض الطلّاب الذين لهم اطّلاع على العلوم الحديثة؛ و قد أمرني أن أحضر أيضاً.
و قد طالت هذه المجالس لمدّة و كانت نتيجة البحث عبارة عن سلسلة
الشمس الساطعة، ص: 58
من الدروس، تقرّر أن تطبع تحت عنوان «الميتافيزيقيا» (أي علوم ماوراء الطبيعة) ولكنّني تشرّفت بالسفر حينها إلى النجف الأشرف و استمرّت تلك المجالس، و التحق بها بعض الأصدقاء العلماء و الموقّرين كالمرحوم الحاجّ الشيخ مرتضى المطهّريّ رحمة الله عليه؛ و كانت النتيجة إعداد كتاب جليل النفع، يحلّ معظم المسائل الخلافيّة، و يواجه المغالطات الكثيرة التي يطرحها المثقّفون المتغرّبون، تحت عنوان «اصول فلسفه و روش رئاليسم» (/ اصول الفلسفة و المنهج الواقعيّ) و قد طبع منه الجزء الأوّل و الثاني في ذلك الحين مع تعليقات مفيدة و قيّمة للشهيد المغفور له، و قد أرسل لي حضرة الاستاذ المؤلّف نسخة منه إلى النجف الأشرف.
ثمّ طبع بعد ذلك تدريجيّاً الجزء الثالث و الخامس، و كان المرحوم الشهيد آية الله المطهّريّ يقول: لقد جمعت تعليقات الجزء الرابع أيضاً و أنتظر الفرصة المناسبة لترتيبها و تنظيمها حتّى تصبح بمتناول الطالبين. رحمة الله على استاذنا الأكرم و على صديقنا المكرّم و على مَن غَبَر منهم من إخواننا الماضين بمحمّد و اله الطاهرين.
***



 

 


أمّا المنهج التفسيريّ عند العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه
 لقد كان طبقاً للُاسلوب التفسيريّ لُاستاذه في العرفان و العلوم الباطنيّة الإلهيّة: المرحوم آية الله الحاجّ ميرزا على القاضي، و هو تفسير الآيات بالآيات؛ أي استنباط مفهوم و مغزى آية القرآن من القرآن نفسه. و قد كانت هذه طريقة المرحوم آية الله القاضي، فقد كتب تفسيراً من بداية القرآن إلى سورة الأنعام، و كان يُعَلّم تلامذته الكتاب الإلهيّ على هذا النحو. و كان استاذنا المرحوم سماحة السيّد العلّامة يقول كراراً: «إنَّ هذا الاسلوب التفسيريّ الذي لدينا هو من المرحوم القاضي».

 


تفسير «الميزان» و كيفيّتة تدوينه‏:
الشمس الساطعة، ص: 59
و عندما كان في تبريز، ألّف العلّامة تفسيراً مختصراً للقرآن الكريم من أوّل آياته حتّى سورة الأعراف، و كان يعتمد في تدريس الطلاب على ذلك التفسير.
و فيما بعد تطلّب الأمر إعداد تفسير مفصّل و شامل لكلّ حاجات العصر، يراعي فيه الجوانب التأريخيّة و الفلسفيّة و الأخلاقيّة، و تعالج فيه الأبحاث الاجتماعيّة و الروائيّة باسلوب حديث.
و لقد وفّقه الله تعالى، فألّف تفسيراً بعنوان «الميزان في تفسير القرآن» في عشرين مجلّداً، بدأ به حوالى سنة 1374 و ختمه في ليلة القدر (في الثالث و العشرين) من شهر رمضان المبارك سنة 1392 ه، و كان مع التأليف، يدرّس مطالبه لطلّاب الحوزة العلميّة في قم، و قد استفاد من محضره المبارك العديد من الفضلاء و الطلّاب.
مزايا تفسير «الميزان» على سائر التفاسير و انتشاره في العالم‏
و أوّل و أهمّ مزيّة من مزاياه، هي تفسير الآيات بالآيات؛ و هو تفسير القرآن بالقرآن.
 فطبقاً للروايات الموجودة عندنا و التي تقول: إنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضَاً. [1] فإنّ آيات القرآن قد تنزّلت من مبدأ واحد، و هو كلام واحد لا يؤثّر تقدّم بعض الآيات أو لحوقها على البعض الآخر في المعنى الكلّيّ المستفاد من الآية، و بناءً عليه فإنَّ جميع القرآن بحكم كلام واحد، و خطاب واحد، قد جاء من متكلم واحد؛ و كلّ جملة فيه يمكن أن تكون قرينة و مفسّرة لكلّ الجمل الاخرى. فلو رأينا خفاء في معاني بعض الآيات، لأمكن إزالته من خلال الملاحظة و التطبيق و المقارنة مع الآيات الاخرى الواردة في مثل موضوع الآيات أو ما يشابهه.
و هذا التفسير مبني على تفسير الآيات بالآيات، و تحصيل معاني‏
__________________________________________________
1 و قد ورد في الخطبة 131 من «نهج البلاغة»: كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَ تَنْطِقُونَ بِهِ وَ تَسمعُونَ بِهِ، وَ ينطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَ يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ؛ لَا يَخْتَلِفُ في اللهِ.
وَ لَا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللهِ.
الشمس الساطعة، ص: 60
القرآن من القرآن، و على هذا الأساس تقاس المعاني المستفادة من الخارج و يعلم مدى موافقتها أو مخالفتها للقرآن؛ و لا تجعل المعاني الموجودة في الذهن أصلًا و محوراً تطبّق عليه الآيات القرآنيّة؛ أو بتعبير آخر، نصب القرآن في قالبها. كما هو حاصل في أكثر التفاسير؛ و هي في الحقيقة ليست تفسيراً، و إنَّما هي تطبيق للمعاني الذهنيّة و المعلومات الخارجيّة، أو العلوم الفلسفيّة و العمليّة و الاجتماعيّة و التأريخيّة و الروائيّة على القرآن الكريم.

و من الواضح أنَّ الآيات ستفقد بهذا النهج التطبيقيّ مفهومها و محتواها و اعتبارها بشكل تامّ؛ لأنَّ كلّ واحد من أصحاب العلوم بدءاً من النحويّ و وصولًا إلى الفيلسوف، و حتّى أصحاب العلوم التجريبيّة، و الطبيعيّة كالأطبّاء و علماء الفلك و النجوم، يريدون تحميل علومهم على القرآن و اكتساب سنداً و شاهداً لهم منه، و ما أكثر التفاسير التي كتبت على هذا النحو، حتّى الموضوعيّة منها.
إن مثل هذا العمل، في الحقيقة، يمسخ القرآن. و بعبارة أخرى يقتل القرآن و يميته؛ و يفقده قيمته و اعتباره.
فينبغي أخذ معاني القرآن من نفس القرآن؛ و في «الميزان» رُوعي هذا المنهج على النحو الأكمل.
 

و من خصائص هذا التفسير أيضاً، رعاية المعاني الكلّيّة للألفاظ الموضوعة؛ و ليس خصوص المعاني الجزئيّة الطبيعيّة و المادّيّة المأنوسة لذهن الإنسان. و أيضاً تحديد موارد الجَرْي و الانطباق و فصلها عن متن المدلول المطابقيّ للآيات.
و منها أيضاً، معالجة الأبحاث المختلفة. و إضافة إلى البيانات القرآنيّة، روعيت الأبحاث الروائيّة، الاجتماعيّة، التأريخيّة، الفلسفيّة
الشمس الساطعة، ص: 61
و العلميّة، كلّ واحد على حدة بدون الخلط أو المزج بين الموضوعات.

و على هذا الأساس، عولجت المسائل المتعلّقة بعالم اليوم و آراؤه و أفكاره و المدارس و المذاهب الموجودة بشكل كافٍ و مستوفٍ، و طبّقت على قانون الإسلام المقدّس، و حُدّدت مواقع الجرح و التصويب و الردّ و الإيراد أو النفي و الإثبات. و اجيب بأفضل نحو على الإشكالات التي اوردت على الشريعة الإسلاميّة المقدّسة من المدارس الشرقيّة و الغربيّة و الالحاديّة و الكافرة، و سرت إلى العالم الإسلاميّ، مبيناً نقاط الضعف و الإبهام و المغالطة. و على أساس الآيات الكريمة:
إنَّهُ لَقُولٌ فَصْلٌ، وَ مَا هُوَ بِالهزْلِ. [1]
وَ إنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأتِيهِ البْاطِلُ مِن بَين يَدَيْهِ وَ لَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. [2]
و نظائرها التي هي محور الحقّ و ميزان الأصالة و الواقعيّة؛ و إنَّما تقاس بها بقيّة الآراء و المذاهب، و عليه تظهر موارد الخطأ و المغالطات الفكريّة في مرامهم.

و من خصائص هذا التفسير أيضاً، حمايته لمذهب التشيّع؛ و قد أدّى هذا الدور المهمّ من خلال الأبحاث الدقيقة و العميقة و إظهار مواضع الآيات، بلغة و بيان بليغ دون إثارة الحميّة الجاهليّة، و نيران العصبيّة؛ و بالاعتماد على نفس الآيات القرآنيّة، و تفسيرها بنحو لا يقبل الردّ و الإنكار؛ و بواسطة الروايات التي نقلها العامّة أنفسهم، كما جاء في تفسير «الدرّ المنثور» و غيره، و قد أجلى المطالب في كلّ موضوع من المواضيع‏
__________________________________________________
1 الآية 13 و 14، من السورة 86: الطارق.
2 الآيتان 41 و 42، من السورة 41: فصّلت.
الشمس الساطعة، ص: 62
الولائيّة، و أثبت الولاية العامّة و الكلّيّة لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب و الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
و بالنسبة للمفسّرين المصريّين المعاصرين من العامّة، أورد مطالبهم بدون ذكر اسمائهم، و أشار إلى نقاط الضعف و التزييف فيها؛ و برهن على مواقع الخطأ و الشبهات.
و في المسائل الأخلاقيّة تحدّث بشكل مبسوط مفصّل، و في المسائل العرفانيّة بصورة دقيقة و لطيفة و مختصرة، و في جملة قصيرة كان يظهر عالماً من العلم. و يدعو الإنسان إلى لقاء الله و الوطن الأصليّ.
و في هذا التفسير، جمع بين المعاني الظاهريّة و الباطنيّة للقرآن، و بين العقل و النقل، و أعطى كلّ شي‏ء حظّه.

إن هذا التفسير من الروعة و الجمال و البهاء بقدر يمكن معه تعريفه للعالم كسند لعقائد الإسلام و الشيعة، و يمكن إرساله إلى جميع المدارس و المذاهب؛ و دعوتهم على أساسه إلى دين الإسلام و مذهب التشيّع.

كما أنّه قد قام بنفسه بإنجاز هذا الأمر الهامّ، و انتشر «الميزان» في العالم و وصل إلى قلب فرنسا و أمريكا، و ارسلت الأعداد الكثيرة منه إلى البلاد الإسلاميّة، و اجريت التحقيقات حوله، و أدّى إلى فخر الشيعة و مباهاتهم و رفعتهم في المحافل العلميّة. [1]
__________________________________________________
1 و الأمر الشيّق هنا أنَّ هذا التفسير متين في العربيّة، بليغ و متين في حفظ القواعد العربيّة و في اسلوب تسلسل المواضيع بحيث يعسر على العلماء و المحقّقين العرب و هم أهل الأدب العربيّ تمييز و إدراك أنَّ مؤلّفه من غير العرب.
بل لم يُنقل حتّى الآن عن أحد القول بأنَّ هناك قرائن في هذا التفسير تشير إلى أنَّ مؤلّفه إيرانيّ أو أنَّ لغتة الأصليّة هي التركيّة الآذربيجانيّة، أو أنّه من غير العرب عموماً.
فقد سئل المرحوم آية الله الحاجّ الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في حياته، و كان استاذاً في الأدب و العربيّة و فريد عصره فيهما، عن كاتب دورة معروفة في الإمامة حُرّرت في عصره، فأجاب: من البين أنَّ الذي كتبها من غير العرب.
وحين سئل المرحوم الشيخ عبدالله السبيتيّ صهر المرحوم السيّد عبدالحسين شرف الدين العامليّ عن ذلك، أجاب: من الجليّ أنَّ كاتبها عجميّ.
أمّا في تفسير «الميزان» فلم تُنقل مثل هذه الامور، إضافة إلى أنّه قد نُقل عن أحد الفضلاء و العلماء المعاصرين، و هو من مشاهير الأدب العربيّ، أنَّ «الميزان في تفسير القرآن» يعدّ من حيث الطابع الأدبيّ و اللغويّ من بين الكتب الأدبيّة للطلبة الجامعيّين في لبنان؛ هذا مع أنَّ بعض الكتّاب كان يأخذ نسخته إلى النجف الأشرف فيقرأها على المرحوم آية الله الشيخ محمد على الاردوباديّ و كان ممتازاً في الأدب العربيّ فيصحّحها له.
و لقد صحّح‏
«العروة الوثقي» للمرحوم آية الله اليزديّ شخصان، أحدهما عربيّ و هو الشيخ أحمد كاشف الغطاء، و الآخر إيرانيّ و هو السيّد أحمد الخونساريّ، كما جرى أيضاً تصحيح «الكفاية» للمرحوم آية الله الخراسانيّ.
يقول المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ في كتاب «معادن الجواهر و نزهة الخواطر» (ج 1، ص 42) بعد تأكيده على ضرورة إتقان اللغة العربيّة و الأدب العربيّ لدارسي العلوم الإسلاميّة، و بعد إبدائه أسفه الشديد على تدنّي مستوى الأدب في الحوزات الحاليّة: «و إذا نظرنا أنَّ جلّ العلماء المحقّقين كانوا في الأعصار السالفة من العجم من الشيعة و أهل السنّة، و أنّهم كانوا يتقنون العلوم العربيّة أشدّ إتقان كما تشهد به آثارهم و مؤلّفاتهم، علمنا أنَّ هذا التقصير حصل في الأعصار الأخيرة فقط.
الشمس الساطعة 69 مزايا تفسير«الميزان» على سائر التفاسير و انتشاره في العالم ..... ص : 59

ونحن نذكر بعض الأمثلة لما قلناه و هو قليل من كثير، فهذا الشيخ مرتضى الأنصاريّ شيخ المحقّقين و قدوتهم و فاتح باب التحقيق لمن بعده في هذا العصر، ومبتكر التحقيقات الكثيرة و الفوائد الجمّة النافعة لعلم الاصول، الذي كان على ما يقال يحافظ على معرفة علم العربيّة أشدّ المحافظة، بل قيل: إنّه كان يواظب على تلاوة «ألفيّة ابن مالك» و بعضهم يبالغ و يقول: كان يتلوها في أعقاب الصلاة و يجعلها من جملة التعقيبات، لمّا كان غير ضليع مع ذلك بالاستعمالات العربيّة، ذكرفي تفسير حديث: النَّاسُ في سَعَةٍ مَا لَا يَعْلَمونَ: من جملة الاحتمالات أن تكون «ما» مصدريّة ظرفيّة، و «سعة» منوّنة غير مضافة، أي: «الناس في سعةٍ ما داموا لا يعلمون»؛ مع أنَّ العربيّ العارف بأسإليب العرب في استعمالاتهم لا يشكّ أنَّ هذا الاستعمال غير صحيح عندهم، و أنّه إذا قصد هذا المعنى يجب أن يُقال: النَّاسُ في سَعَة مَا لم يَعْلموا».
ثمّ يختم المرحوم الأمين المطلب بعد ذكر عدّة أمثلة لأفراد آخرين.


أمّا تفسير «الميزان» الذي كان يُكتب على الورق مباشرة دونما مسوّدة، حتّى تصحيح الأخطاء المطبعيّة كان يتمّ من قبل سماحة الاستاذ العلّامة نفسه؛ رحمة الله عليه مل‏ء زنة عرشه.
وكان حين ينشغل بالكتابة يكتفي بشرب قدح من الشاي المخفّف، أو يدخّن نصف سيجارة، و كانت سجائره من نوع «اشنو»، و كان ثمن العلبة الواحدة منها سبعة قرانات (ريالات) و كثيراً ما كان يحصل أنّه لا يمتلك ثمن تلك السجائر.
فَسَلَامٌ علَيْهِ يَوْمَ وُلِدُ وَ يَوْمَ مَاتَ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّاً.
الشمس الساطعة، ص: 63
«الميزان» هو التفسير الأوحديّ الذي يبين النكات الدقيقة و الحسّاسة، و يقف مقابل مغالطات المعاندين، و يتميّز بالجامعيّة. و حقّاً يمكن القول: إنَّه لم يؤلّف تفسير مثله صدر الإسلام حتّى اليوم. و كان استاذنا جامع العلوم و وارث زُبُرِ العلماء الحقّ، و قد حاز على مقام الجامعيّة في مجال هذه الفنون و العلوم.
الشمس الساطعة، ص: 64
فَلِلَّهِ دَرُّهُ وَ عَلَيْهِ أجْرُهُ. فَأمَّآ إن كَانَ مِنَ المقَرَّبِين، فَرَوْحٌ وَ رَيحانٌ وَ جَنَّتُ نَعِيمٍ.
امشب كه نُقل مجلس ما گفتگوى او است ساقى بيار باده كه امشب شبى نكوست‏
مطرب باز ساز كه از پنجة قضا بر ما خوش است هر چه كه تقدير كرده دوست‏
شادى و غُصّه هر دو بَرِ اهل دل يكيست چون در امور هر چه بما مي‏رسد ز اوست [1]
__________________________________________________
1 يقول:
ألَا أيُّها الساقي أدِ رْ كأساً و ناولها فالليلة حديث انسه يملأ مجلسنا
و المطرب قل له أن يعزف ألحان القضاء فكلّ ما حلّ علينا و قدّر محبوبنا
فالحزن و الفرح عند أهل القلوب توجّدا لأنَّ كلّ ما يصل هو من المحبوب لنا
الشمس الساطعة، ص: 65
زاهد حديث حورى و غلمان چه مي‏كنى آنجا كه عقل محوِ تماشاى روى اوست‏
فرق ميان ما و تو اى شيخ اين بس است ما در خيال مغز و توئى در هواى پوست‏
گفتم بدل كه سِرّ غنچة لعل لبش بگو گفتا خموش باش كه اين نكته تو بتوست‏
سرو چمن مگر قد بالاش ديده است كو مانده پاى در گل و بى بَرْ كنار جوست‏
ذوقى بجرم آنكه بُتا آشناى توست هر دم بسنگ طعنة أغيار روبروست [1]


و رغم أنَّ هذا الحقير قد طالع أكثر من ثلاثين من التفاسير المهمّة للشيعة و السنّة،

لكنّي لم أرَ مثل «الميزان» في الروعة و البهجة و الجامعيّة، و كأنّه قد عزل كلّ التفاسير الأخرى و بقي وحده. و في الحقيقة، لست الوحيد المتفرّد، بل هناك العديد من العلماء الأعلام و المفكّرين العظام و أهل‏
__________________________________________________
1 يقول:
أيّها الزاهد المستغرق في حديث الحور و الغلمان انظر كيف العقل يذوب من ظهوره لنا
فالفرق بيننا أيّها الشيخ هذا فقط نحن في خيال العقل و أنت في فضاء قشورنا
قات لقلبي ما هو سرّ شفاه براعم الوحدة قال اخرس! فلهذه النقطة معاني باطنيّة
و هل استطاعت السرو بقامتها المريدة الوصول، فبقيت في الطين بلا ثمر قرب القنا
ذوقي إنَّك تعرف ذاك الصنم كلّ لحظة اواجه طعنات الأغيار
الشمس الساطعة، ص: 66
البحث و التحقيق الذين عبّروا عنها أو أشاروا إليها.
و هذا صديقنا الصالح و زميلنا في الدراسة الجليل الحاجّ السيّد موسى الصدر خلّصه الله من أيدي الفجرة و أطال الله بقاءه، ينقل عن العالم الوحيد و الكاتب المشهور و المتضلّع الخبير الشيخ محمّد جواد مغنيّة اللبنانيّ أنّه كان يقول: منذ ذلك الوقت الذي حصلت على «الميزان» تعطّلت مكتبتي، و انهمكت في مطالعة «الميزان» فقط. [1]
__________________________________________________
1 قال سماحة الصديق الأكرم حجّة الإسلام و المسلمين الحاجّ السيّد محمد على نجل آية الله الميلانيّ في شأن المرحوم استاذنا العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه: لقد قدم رئيس الجمعيّة الثقافيّة المصريّة: الشيخ محمد الفحّام و مساعده الشيخ الشرباصيّ إلى مشهد، فجاءا عند أبي، و كان من جملة كلامهما: لقد وجدنا تفسير «الميزان» أفضل التفاسير، و قد طالعناه إلى الجزء الثامن عشر ولم نعثرعلى الجزءين الأخيرين.
وكانا في غاية الشوق لرؤية العلّامة الطباطبائيّ عن كتب، بيد أنَّ العلّامة لم يكن آنذاك في مدينة مشهد المقدّسة، إذ كان قد سافر إلى الخارج، لذا فلم يلتقيا به، لكنّ المرحوم أبي أرسل إليهما في مصر الجزءين التاسع عشر و العشرين من التفسير.
كان هذا كلام سماحة نجل الميلاني؛ أمّا سماحة آية الله الحاج الشيخ محمد رضا المهدوي الدامغاني فقد سبق أن حكى للحقير هذا المطلب بهذه الكيفيّة:
نظراً لعقد علاقات الصداقة بين ايران و مصر، و لتقرّر إقامة العلاقات الثقافية بين البلدين، فقد قدم إلى ايران ممثلًا عن مصر، الشيخ محمّد الفحّام و الشرباصيّ فزارا المؤسّسات الثقافية و التقيا بالعلماء.
وكنتُ أحد تلامذة و معتمدي المرحوم آية الله الحاجّ السيّد هادي الميلاني، فأرسل لي يُخبرني برغبته في لقائي يوم الغد مبكّراً، فذهبتُ صباح اليوم التالي مبكراً إلى محضره فقال: لقد تقرّر أن يزورنا شخصان من الشخصيّات المصريّة من قبل جمعيّة العلاقات الثقافيّة الإيرانيّة المصريّة، فلتكن حاضراً في تلك الجلسة.
وعلينا من جهة أخرى أن نهديهما شيئاً، فما الذي ترونه صالحا للإهداء؟ فقلت: دورة تفسير «الميزان» فهو كتاب علمي و شريف و معتبر، و يناسب هذا اللقاء.
قال: لقد بدا لي ذلك أيضاً.
لذا فقد أعدّ دورة من تفسير «الميزان» ليهديه لهما عند اللقاء بهما.
كما انّه من جهة أُخرى أرسل إلى العلّامة الطباطبائيّ ليحضر ذلك المجلس، فاعتذر العلّامة عن الحضور لمرضه.


الشمس الساطعة، ص: 67
و كان له الذي يستحقّه في الحوزات العلميّة؛ ولم تُدرك قيمته الواقعيّة. فإذا دُرّس هذا التفسير في الحوزات العلميّة و أُجريت التحقيقات والأبحاث والتحليلات حول محتواه و مطالبه و استمرّ العمل بهذه الطريقة، فانّ قيمته سوف تعرف بعد مرور مائتي سنة.
و قلتُ في مرّة أخرى: حين أطالع هذا التفسير، في بعض الأوقات و أشاهد كيف تربطون الآيات ببعضها و كيف توازنون بين سلاسلها و تخرجون معانيها عن طريق التطبيق، لا أجد إلّا أن أقول إنّ قلم الوحي و الإلهام الإلهيّ قد جريا على يديك.
فهزّ رأسه و قال: انّ هذا من حُسن نظركم فقط، فأنا لم أفعل شيئاً! [1]

 



 


و من مؤلّفات أيضاً:
كتاب «التوحيد»، الذي يحتوي على ثلاث رسائل: 1 «رساله‏
__________________________________________________
1- كان هذا الحقير قد ذهب يوماً في مشهد المقدّسة بعد طبع هذا الكتاب «مهر تابان» (
/ الشمس الساطعة) لردّ زيارة الصديق الأكرم و الأخ المعظّم: سماحة آية الله الحاج السيد محمد الشاهرودي دامت بركاته نجل المرحوم أستاذنا: سماحة آية الله العظمى الحاجّ السيّد محمود الشاهروديّ رضوان الله عليه، و كان أولاده و أصهاره حاضرين كذلك، فدار الحديث عن العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه، فذكر أنّ شخصيّة العلّامة مهمّة جداً لديهم.
وقال لي صهره الأكبر الحاج السيّد مرتضى الصدر، حفيد المرحوم الحاجّ السيّد حسن الصدر: ما كان أحسن لو كنتم قد كتبتم رسالة الذكرى هذه «مهرتابان» بالعربيّة!
فقال الحقير: لقد كانت رسالة الذكرى هذه لشرح حاله للناطقين بالفارسيّة الذين يعرفونه و الذين تعاملوا مع أفكاره قليلًا أو كثيراً.
ولقد كان وطنه و محلّ سكناه في البلاد الفارسيّة.
فقال السيّد الصدر: أنتم مخطئون! فالعلّامة أكثر شهرة في البلاد العربيّة منه في المدن الإيرانيّة، و ليس من عالم و محقّق و خاصّة في مصر و لبنان الّا و يمتدح العلّامة و يصفه بالعظمة، و الّا و له مراجعة و مراودة مع كتاب «الميزان»، حتى أنّ الطلبة الجامعيّين و الطّلاب عموماً يمتلكون تفسير «الميزان» و يقدّرون أفكار العلّامة.
فقال الحقير: يلزم اذاً و الحال هذه أن يُترجم كتاب «مهر تابان» إلى العربيّة فيوضع في متناول أيديهم!
الشمس الساطعة، ص: 68


توحيد» 2 «رساله في اسماء الله سبحانه» 3 «رسالة في أفعال الله سبحانه».

و قد أُضيف إلى هذا الكتاب «الوسائط» و كتاب «الإنسان» الذي يحتوي على ثلاث رسائل هي: 1 «الإنسان قبل الدنيا». 2 «الإنسان في الدنيا» 3 «الإنسان بعد الدنيا»، و طبع في مجلّد واحد تحت عنوان «هفت رساله» (سبع رسائل).


و من مؤلّفاته الاخرى رسالة «الولاية»، التي تبرهن آخر السير إنسانيّ في حضرة الأحديّة و فنائه في الذات، و حيازته على مقام العبوديّة؛ و إيضاً رسالة «النبوّة و الإمامة»،
و يصل عدد هذه الرسائل إلى تسعة، كلها بالعربيّة و ما زالت بخط إليد لم تطبع لحدّ الآن.

و قد طلب منه مرّات عديدة أن يوافق على طبعها، لكنّه كان يرجع ذلك الى ضرورة المراجعة و تجديد النظر.
وله كتاب «شيعه در اسلام» (/ الشيعة في الإسلام)، و كتاب «قرآن در اسلام» (/ القرآن في الاسلام) و كتاب «وَحي يا شعور مرموز» (/ الوحي أو الشعور الخفي).

 



 

 

بحوث العلامة ومحاوراته مع المستشرقين واعتقاده بنهجهم :
و كان العلّامة يعتقد أ
نّ الإسلام الصحيح لم يدخل إلى اوربا و أمريكا؛ لأنّ جميع المستشرقين الذين جاءوا من هناك الى البلاد الاسلاميّة قد قابلوا أهل السنّة و عاشوا في مناطق العامّة، سواء في إفريقيا و مصر، أو في سوريا و لبنان و الحجاز و باكستان و أفغانستان، و اعتمدوا على مكتباتهم المعتبرة و تواريخهم ك «الطبري» و «ابن الأثير» و سيرة ابن هشام» و تفاسيرهم، و كتبهم في‏ الحديث ك «صحيح» البخاري و الترمذيّ و النسائي و ابن ماجة و ابن داود و الموطّأ لمالك و غيرها، و جعلوها مصادر التعرف على الإسلام؛ و عرفوا الإسلام على أساس نظريّات و آراء العامّة بشكل عامّ؛ و على هذاالأساس اعتبروا الشيعة فرقة منشعبة عن الإسلام؛
الشمس الساطعة، ص: 69
و لهذا لم يولوا اهتماماً لكلّ المصادر الشيعيّة التحقيقيّة كالتفاسير و التواريخ و كتب الحديث و الفلسفة و الكلام، و هكذا بقي الشيعة مجهولين، في حين أنَّ هذه الفرقة هي التجلي الواقعيّ للإسلام الصحيح، و هي حقيقة التبعيّه لسنّة رسول‏الله المتجلية في الولاية، والشيعة هم الفرقة الوحيدة التي سارت على سنّة الرسول، و قد تحقّق الإسلام و تجسّد فيها قولًا و عملًا.
و لأنَّ نقاط النقد و التزييف و الغشّ و التحريف كثيرة في تواريخ العامّة و كتبهم، و فيها قد نسب للرسول مالا يليق به، و أُزيلت العصمة عنه، لهذا، فإنَّ الإسلام الواقعيّ لم يتجلّ بصورته الحقيقيّه في الغرب، و بالتالي لم يجذبهم إلى دين الإسلام. أمّا عند الشيعة فالأمر مختلف، فإنَّ جميع كتب الشيعة، تبيّن رسول الله معصوماً عن الخطأ والمعصية و الزلل و الذنب و لا تنسب إليه ما لا يليق بمقام النبوة.
الشمس الساطعة 72 اعتقاد هنري كوربن بالإمام المهدي أرواحنا له الفداء ..... ص : 70

إضافة إلى ذلك، فالشيعة يعتبرون الأئمّة الأطهار معصومين، و هم الخلفاء الواقعيّين، خلافاً لكتب العامّة من التفاسير و التواريخ و كتب الحديث التي نجدها مشحونة بجواز تولّي غير المعصوم، بل الإمام الجائر، و ضرورة طاعته.
و لهذا تحوّلت الخلافة الطاهرة لرسول الله إلى إمبراطوريّة عظيمة تماثل الإمبراطوريتّين الرومانيّة و الفارسيّة. و ارتكب خلفاء بني أميّة و بني العبّاس كافّة الفجائع و القبائح تحت ستار خلافة رسول‏الله، كلّ هذا كان سبباً لعدم توجّه الأُوروبيّين نحو الإسلام.
و لكّنهم لو عرفوا و فهموا أنَّ هذه السيرة مخالفة لسنّة رسول الله، و أنَّ الإسلام قد جاء لهدم أُسس و أركان أمثال هذه الحكومات؛ لاندفعوا حتماً نحو الإسلام.

 

الشمس الساطعة، ص: 70
 




محادثات العلّامة مع هنري كوربن الضليع بالفكرالشيعي‏
و قد كانت لقاءات العلّامة الطباطبائيّ و محادثاته مع الأستاذ هنري‏ كوربِن مع تحمّل المشقّات الجسيمة، حيث كان يظطرّ للسفر من قم إلى طهران بالحافلة العاديّة؛ كلّ هذا، لأجل إيصال حقيقة التشيّع و إظهار الوجه الواقعيّ للولاية، و بيان علائم السيعة و غيرها.
و كان هذا العمل حقاً خدمة عظيمة؛ فبالإضافة إلى تسجيل كافّة المطالب و نشرها في أُوروبا، كان هنري كوربن يُعَرِّف على حقيقة التشيّع، و يدافع بقوة عن مبادثه في محاضراته مؤتمراته؛ و خاصّة في باريس.
اعتقاد هنري كوربن بالإمام المهدي أرواحنا له الفداء
كان كوربن يعتقد أنَّ المذهب الوحيد في العالم الذي لم يمت هو مذهب الشيعة؛ لأنه يقول بوجود الإمام الحيّ؛ و على هذا الأساس يبني اعتقاداته، و بالاعتماد و الرجوع إلى المهديّ قائم آل محمّد: محمّد بن الحسن العسكريّ بقي حيّاً دائماً.
لأنَّ اليهود قد أماتوا دينهم بوفاة النبيّ موسى؛ و المسيحيّون بعروج النبيّ عيسى؛ و سائر طبقات المسلمين بارتحال النبيّ محمّد؛ و لكنّ الشيعة يؤمنون بأنَّ وليّهم و إمامهم و صاحب ولايتهم الذي يتّصل بعالم المعنى و الإلهام السماويّ حيّ و ناظر؛ و هذا ما جعل هذا المذهب حيّاً.
كان كوربن قريباً جدّاً إلى التشيّع [1]؛ و على أثر لقاءاته و محادثاته مع‏
__________________________________________________
1 أوردت مجلّة «جوانان امروز» (
/ الشباب المعاصر) ص (52) العدد (821) بتاريخ 24 آبان 1361 ه ش، و هو العدد الخاص بالذكرى السنويّة لارتحال العلّامة الطباطبائيّ، ضمن لقاء من نجله الأكبر: السيد عبدالباقي حفظه الله، مطلباً نقله عن العلّامة حول هنري كوربن، ننقله عنه هنا، قال:
التفت إليّ أبي يوماً دون أن أساله شيئاً فقال في بشاشة و نشاط خاصّين: لقد آمن هذا البروفسور بالإسلام، الّا انّه يستحيي من إعلان إيمانه شفاهاً!
وما إن مرّت عدّة أيّام على مقولة أبي، حتّى تحدّث البروفسور يوماً في أحد المؤتمرات في الخارج حديثاً أثار بسببه الضجّة، فلقد أورد حديثاً حماسيّاً ساخناً عن صاحب العصر و الزمان عجّل الله تعالى فَرَجه، قال فيه: لقد كدتُ أخسر منصبي التحقيقي لأجل البحث في الاسلام و الوصول إلى هذا الحقائق.
أي أنني أو شكت أن اعزل عن هذا المنصب من قبل الكنيسة.
» وقد سُرّ أبي جدّاً حين اطّلع على هذا الأمر و سُعد بذلك و قال: الم أقل لك إنّ البروفيسور كوربن هذا مؤمن بالإسلام إلّا انّه يستحيي أن يعترف بذلك صراحةً؟
الشمس الساطعة، ص: 71
العلّامة و تعرّفه على هذا الحقائق و بالخصوص، أصالة الاعتقاد بحضرة المهديّ حدث تغير شديد فيه.
و كان العلّامة يقول: كان كوربن يقرأ «الصحيفة المهدويّة» في أغلب الأوقات و يبكي.
و قد بدأت معرفة كوربن بالعلّامة الطباطبائيّ و محادثاتة سنة 1378 ه، و استمرّت لأكثر من عشرين سنة.
و تشرّف هذا الحقير يوم الجمعة في الثامن عشر من شهر شعبان المعظّم سنة 1399 ه بالحضور عند الأّستاذ العلّامة في مشهد المقدّسة، و هناك جرى الحديث عن كوربن؛ و قد سجّلت ما قاله، و هنا أذكره للقرّاء الكرام:
قال العلّامة: الاستاذ هنري كوربن هو أُستاذ الدراسات الشيعيّة في جامعة السوربون؛ [1] و قد توفي منذ حوالي شهرين؛ و كانت له جلسات تحقيق عديدة معي حول مذهب الشيعة.
كان رجلًا منصفاً و سليم النفس. و كان يعتقد: أنَّ المذهب الوحيد في كلّ العالم الذي ما زال حيّاً و متحرّ كاً هو مذهب الشيعة؛ أمّا بقيّة المذاهب فقد أنهت عمرها بدون استثناء، و ليس فيها أيّ نوع من التكامل و التنافس.
فاليهود لا يؤمنون بإمام و وليّ حيّ (و كذلك المسيحيّون و الزردشتيّون) فهم لا يعتمدون على مبدأ حيّ، بل يكتفون بالعمل بالتوراة
__________________________________________________
1
.( ennobroS )seduE -seuaH sed elocE `l`a rue eforP nibroC yrneH
الشمس الساطعة، ص: 72
و الإنجيل و الزند و أوِستا؛ و هم يبحثون عن تكاملهم ضمن هذه الدائرة فقط.
و كذلك سائر فرق السنّة الذين يرون تكاملهم محصوراً بالقرآن و السنّة.
الشمس الساطعة 78 السلوك العرفاني و الاخلاقي للعلامة الطباطبائي ..... ص : 74

أمّا التشيّع، فهو دين الحياة و الحركة؛ لإيمانه بضرورة وجود الإمام و القائد للُامّة الذي ما زال حيّاً، و لا يحصل الكمال للإنسان إلّا بالوصول إلى مقامه المقدّس؛ و لأجل هذا المقصد فإنَّه لا يبخل بأ يّ تحرّك و سير و عشق.
يقول العلّامة: قلتُ مرّة لكوربن: في دين الإسلام المقدّس إنَّ جميع الأراضي و الأمكنة تعتبر محلًّا للعبادة؛ فلو أراد الإنسان أن يصلي أو يقرأ القرآن أو يسجد أو يقرأ الأدعية، فيمكنه أن يؤ دّي هذه الأعمال في أيّ مكان يريد؛ و قد قال رسول الله: جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِداً وَ طَهُوراً؛ أمّا في المسيحيّة فليس الأمر كذلك؛ لأنَّ الكنيسة هي المحلّ الوحيد للعبادة، و في غيرها تكون باطلة.
و لهذا، فإن اعترت أحد المسيحيّين حالة و أراد أن يدعو الله و هو في منتصف الليل في منزله، فماذا يفعل؟ عليه أن ينتظر حتّى يأتي نهار الأحد لتفتح الكنيسة و يذهب إليها للدعاء! و هذا هو معنى قطع علاقة العبد بالله.
فقال كوربن: نعم، إنّ هذا إشكال على المسيحيّة؛ أمّا الإسلام والحمد للّه فهو دين لجميع الأزمنة و الأمكنة و الأحوال، و هو يحفظ علاقة المخلوق مع خالقه.
و قال: في دين الإسلام المقدّس، فإنّ الإنسان المحتاج يمكنه أن يدعو الله طبق تلك الحالة و الحاجة؛ لأنَّ الله له الأسماء الحسنى. فهو الغفور و الرحيم و الرزّاق و المنتقم و غيرها، و الإنسان طبق حاجته و مطلبه يذكر الله و يدعوه بأحد الأسماء التي يراها مناسبة. فإذا أراد أن يستغفر الله‏
الشمس الساطعة، ص: 73
و يطلب منه العفو عن ذنوبه، فعليه أن يستفيد من اسم الغفور أو الغفاّر أو غافر الذنب.
أمّا المسيحيّة، فإنَّه لا وجود للأسماء الحسنى الإلهيّة؛ و لا يطلق عليه إلّا ألفاظ الربّ و الاله و الأب. فإذا كنتم تريدون أن تدعوا الله على أساس حاجة أو مطلب ما، أو أردتم أن تناجوه بأسمائه و صفاته و تطلبون حاجاتكم باسمه الخاصّ، فماذا تفعلون؟
فأجاب كوربن: أنا أقرأ في مناجاتي «الصحيفة المهدويّة»
و كان العلّامة يقول: كان كوربن يقرأ «الصحيفة السجّادية» باستمرار، و يبكي أثناء قراءتها.
و قد نشرت مباحثات العلّامة الطباطبائيّ مع كوربن باللغات الأربع: الفارسيّة و العربية و الفرنسيّة و الانجليزيّة و أوّل سلسلة منها نشرت بالفارسيّة تحت عنوان «مكتب تشيّع» (مدرسة التشيّع) في الدورة السنويّة الثانية، و قد طبعت مجدّداً. و قد نشرت و تنشر حالياً كتب للعلّامة مثل كتاب «شيعه» (/ الشيعة)، و كتاب «رسالت تشيع در دنياي امروز» [1] (/ رسالة التشيّع في العالم المعاصر) و «پرسش‏هاي اسلامي» (/ مسائل إسلاميّة)، و كتاب «اسلام و انسان معاصر» (/ الإسلام و الإنسان المعاصر).



 

بعض كتب العلامة الأخرى :
و من مؤلّفاته أيضاً كتاب «حكومت در اسلام» (الحكومة في الإسلام) الذي ترجم من الفارسيّة إلى العربيّة. و هناك رسالة عربيّة حول «الحكومة في الإسلام» و رسالة أخرى في «الإعجاز»، و رسالة عربيّة
__________________________________________________
1 كتاب «شيعة» (
/ الشيعة) عبارة عن محاورات العلّامة مع كوربن في سنة 1338 ه؛ و كتاب «رسالت تشيّع در دنياي امروز» (
/ رسالة التشيّع في العالم المعاصر) عبارة عن محاوراتهما في سنتي 1339 و 1340 ه.
الشمس الساطعة، ص: 74
بعنوان «عليّ و الفلسفة الإلهيّة» و قد ترجمت إلى الفارسيّة و و هناك حواشي نفيسة على «الأسفار الأربعة» للملّا صدرا نشرت في الطبعة الأخيرة ضمن التعليقات في تسعة أجزاء، و حاشية على «كفاية الأصول».
و من مؤ لّفاته أيضا كتاب «سنن النبيّ» الذي طبع و نشر مع إضافات لأحد الفضلاء. [1]
و عدّة رسائل في الاعتباريّات و البرهان و المغالطة و التحليل و التركيب و المشتقّ و غيرها، لم تطبع حتّى الآن.
__________________________________________________
1 الحاج الشيخ هادي الفقهي؛ زادَه الله هدايةً وفقهاً.

تنظيم وترتيب التفسير الموضوعي للميزان في تفسير القرآن
 وإعداد الصفحة للإنترنيت

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين