بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
الميزان في تفسير القرآن
 للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
التفسير الموضوعي / حرم الميم
ملك مالك يوم الدين

 

( رب العالمين : الرب هو المالك الحقيقي لكل العوالم :
رب : المالك وملك . ذكر في رب  ونذكره هنا لتفسير معنى ملك .
 عنوان وضعه المعد للصفحة ، انتهى . نص : الميزان في تفسير القرآن  ) :

و قوله تعالى : { رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } انتهى .
و قرأ الأكثر : ملك يوم الدين .
فالرب : هو المالك الذي يدبر أمر مملوكه ، ففيه معنى الملك .
و معنى الملك : الذي عندنا في ظرف الاجتماع ، هو نوع خاص من الاختصاص .
و هو نوع : قيام شيء بشيء ، يوجب صحة التصرفات فيه .
فقولنا : العين الفلانية ملكنا .
معناه : أن لها نوعا من القيام و الاختصاص بنا ، يصح معه تصرفاتنا فيها ، و لو لا ذلك لم تصح تلك التصرفات .
و هذا في الاجتماع : معنى وضعي اعتباري .
غير : حقيقي .


و هو مأخوذ :
من معنى آخر حقيقي ، نسميه أيضا ملكا .
و هو نحو قيام : أجزاء وجودنا و قوانا ، بنا .
فإن لنا : بصرا ، و سمعا ، و يدا ، و رجلا .
و معنى هذا : الملك ، أنها في وجودها قائمة بوجودنا ، غير مستقلة دوننا ، بل مستقلة باستقلالنا ، و لنا أن نتصرف فيها كيف شئنا .
و هذا هو : الملك الحقيقي .

و الذي يمكن : انتسابه إليه تعالى ، بحسب الحقيقة .
هو : حقيقة الملك.
دون : الملك الاعتباري ، الذي يبطل ببطلان الاعتبار و الوضع .

و من المعلوم : أن الملك الحقيقي ، لا ينفك عن التدبير .
فإن الشيء : إذا افتقر في وجوده إلى شيء ، فلم يستقل عنه في وجوده ، لم يستقل عنه في آثار وجوده .
فهو تعالى : رب لما سواه .
لأن الرب : هو المالك المدبر ، و هو تعالى كذلك .

++

و أما : { مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } : فقد عرفت :
معنى المالك : و هو المأخوذ من الملك بكسر الميم .
و أما الملك : و هو مأخوذ من الملك بضم الميم ، فهو الذي يملك النظام القومي و تدبيرهم دون العين ، و بعبارة أخرى يملك الأمر و الحكم فيهم .
و قد ذكر : لكل من القراءتين ، ملك و مالك وجوه من التأييد ، غير أن المعنيين من السلطنة ثابتان في حقه تعالى .
و الذي تعرفه : اللغة و العرف ، أن الملك بضم الميم هو المنسوب إلى الزمان .
يقال : ملك العصر الفلاني ، و لا يقال مالك العصر الفلاني إلا بعناية بعيدة .
و قد قال تعالى : ملك يوم الدين فنسبه إلى اليوم .
و قال أيضا : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16)} غافر- 16 .
الميزان في تفسير القرآن ج1ص22. سورة الفاتحة .
 

+++

( الملك والعبودية من العبد للمالك : تتمت بحث شرح سورة الفاتحة : عنوان من معد الصفحة )

قوله تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ...} الآية .
العبد : هو المملوك من الإنسان ، أو من كل ذي شعور ، بتجريد المعنى ، كما يعطيه .
قوله تعالى : { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93) } مريم .
و العبادة : مأخوذة منه ، و ربما تفرقت اشتقاقاتها ، أو المعاني المستعملة هي فيها ، لاختلاف الموارد .
و ما ذكره الجوهري في الصحاح :
أن أصل العبودية : الخضوع ، فهو من باب الأخذ بلازم المعنى .
و إلا فالخضوع : متعد باللام ، و العبادة متعدية بنفسها .

و بالجملة : فكانت العبادة ، هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربه .
و لذلك كانت : العبادة ، منافية للاستكبار ، و غير منافية للاشتراك .
فمن الجائز : أن يشترك أزيد من الواحد في ملك رقبة ، أو في عبادة عبد .
قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60) } غافر .
و قال تعالى :{ وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً 0110) } الكهف.
فعد : الإشراك ممكنا ، و لذلك نهى عنه .
و النهي : لا يمكن إلا عن ممكن مقدور ، بخلاف الاستكبار عن العبادة ، فإنه لا يجامعها .
و العبودية : إنما يستقيم بين العبيد و مواليهم ، فيما يملكه الموالي منهم .

+++

و أما ما لا يتعلق به الملك : من شئون وجود العبد ، ككونه ابن فلان ، أو ذا طول في قامته ، فلا يتعلق به عبادة و لا عبودية .
لكن الله سبحانه : في ملكه لعباده على خلاف هذا النعت .
فلا ملكه : يشوبه ملك ممن سواه .
و لا أن العبد : يتبعض في نسبته إليه تعالى ، فيكون شي‏ء منه مملوكا ، و شي‏ء آخر غير مملوك ،.
و لا تصرف : من التصرفات فيه جائز ، و تصرف آخر غير جائز .

كما أن العبيد : فيما بيننا .
شي‏ء منهم
: مملوك ، و هو أفعالهم الاختيارية .
و شي‏ء : غير مملوك ، و هو الأوصاف الاضطرارية .
و بعض التصرفات : فيهم جائز ، كالاستفادة من فعلهم .
و بعضها : غير جائز ، كقتلهم من غير جرم مثلا .

فهو تعالى : مالك على الإطلاق ، من غير شرط و لا قيد .
و غيره
: مملوك على الإطلاق ، من غير شرط و لا قيد .
فهناك حصر : من جهتين ، الرب مقصور في المالكية ، و العبد مقصور في العبودية .
و هذه هي : التي يدل عليه قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } .
حيث قدم : المفعول ، و أطلقت العبادة .
الميزان في تفسير القرآن ج1ص25 .
+++

ثم إن الملك : حيث كان متقوم الوجود بمالكه ، كما عرفت مما مر .
فلا يكون : حاجبا عن مالكه ، و لا يحجب عنه .
فإنك : إذا نظرت إلى دار زيد .
فإن نظرت إليها : من جهة أنها دار ، أمكنك أن تغفل عن زيد .
و إن نظرت إليها : بما أنها ملك زيد ، لم يمكنك الغفلة عن مالكها ، و هو زيد .

و لكنك عرفت : أن ما سواه تعالى ، ليس له إلا المملوكية فقط ، و هذه حقيقته ، فشي‏ء منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى .
و لا النظر إليه : يجامع الغفلة عنه تعالى .
فله تعالى : الحضور المطلق .
قال سبحانه
: { أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ (54) } حم السجدة .
الميزان في تفسير القرآن ج1ص26 .

و إذا كان كذلك : فحق عبادته تعالى ، أن يكون عن حضور من الجانبين .
أما من جانب الرب عز و جل
: فأن يعبد عبادة معبود حاضر .
و هو الموجب : للالتفات ، المأخوذ ، في قوله تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } عن الغيبة إلى الحضور.
و أما من جانب العبد : فأن يكون عبادته عبادة عبد حاضر .
 من غير أن يغيب في عبادته : فتكون عبادته صورة فقط من غير معنى ، و جسدا من غير روح .

أو يتبعض : فيشتغل بربه و بغيره .
إما ظاهرا و باطنا
: كالوثنيين في عبادتهم لله و لأصنامهم معا .
أو باطنا فقط : كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى ، بنحو الغايات و الأغراض .
كان يعبد الله : و همه في غيره ، أو يعبد الله طمعا في جنة أو خوفا من نار .
فإن ذلك كله : من الشرك في العبادة ، الذي ورد عنه النهي .
قال تعالى : { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2)} الزمر .
و قال تعالى : { أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (3) } الزمر .

فالعبادة : إنما تكون عبادة حقيقة ، إذا كان على خلوص من العبد ، و هو الحضور الذي ذكرناه .
الميزان في الميزان في تفسير القرآن ج1ص27 .

و قد ظهر : أنه إنما يتم إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله ، فيكون قد أعطاه الشركة مع الله سبحانه في عبادته .
و لم يتعلق قلبه : في عبادته رجاء أو خوفا هو الغاية في عبادته ، كجنة أو نار ن فيكون عبادته له لا لوجه الله .
و لم يشتغل بنفسه : فيكون منافيا لمقام العبودية التي لا تلائم الإنية و الاستكبار .
و كان الإتيان : بلفظ المتكلم مع الغير للإيماء إلى هذه النكتة .
فإن فيه هضما للنفس : بإلغاء تعينها و شخوصها وحدها المستلزم لنحو من الإنية و الاستقلال .
بخلاف : إدخالها في الجماعة ، و خلطها بسواد الناس ، فإن فيه إمحاء التعين ، و إعفاء الأثر ، فيؤمن به ذلك .

 

 

 

http://www.114.ir
 الميزان في تفسير الميزان
للعلامة محمد حسين الطباطبائي قدس الله نفسه الزكية
استخرج التفسير الموضوعي منه ورتب فهارسه
 وأعد الصفحة للإنترنيت

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين