الكتاب: نهاية الحكمة
المؤلف: السيد محمد حسين الطباطبائي
الجزء:
الوفاة: ١٤٠٢
المجموعة: فلسفة ، منطق ، عرفان
تحقيق: تصحيح وتعليق : الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري
الطبعة: الرابعة عشرة المنقحة
سنة الطبع: ١٤١٧
المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي
الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
ردمك: ٩٦٤-٤٧٠-٠٠٥-٨
ملاحظات:

نهاية الحكمة
تأليف
الأستاذ العلامة
السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره
صححه وعلق عليه
الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
1

شابك 8 - 005 - 470 - 964
8 - 005 - 470 - ISBN 964
نهاية الحكمة
تأليف: الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره
تحقيق وتعليق: الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري
الموضوع: فلسفة
عدد الصفحات: 432
طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي
الطبعة: الرابعة عشرة المنقحة
المطبوع: 1000 نسخة
التاريخ 1417 ه‍.
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
2

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على عين الإنسان وإنسان العين
ومن دنا من ربه العلي فتدلى فكان قاب قوسين أبي القاسم المصطفى المنزه من
كل رين وشين، وعلى أهل بيته الغر الميامين سيما ناموس الدهر وإمام العصر
عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وبعد، فإن من دواعي الفخر والاعتزاز أن ينهض علماء الشيعة ومحققوها
الذين عرفوا بالتحقيق والتدقيق في سائر العلوم والفنون، فكان لهم الكأس الأوفى
والقدح المعلى في الفقه وأصوله والحديث ودرايته والرجال والكلام والتفسير
وعلوم القرآن وغيرها، فيتصدون لأعقد العلوم وأشرفها رتبة وأعلاها منزلة، أي
الحكمة المتعالية بتعالي موضوعها ومسائلها، والمشرفة بشرف غايتها وأغراضها
أي معرفة الحق عز شأنه وصفاته العليا وأسمائه الحسنى وأفعاله في خلقه، وأسرار
المبدأ والمعاد ومكامن التكوين والإبداع في عالم الإمكان، سيما ما يتعلق
بشؤون الإنسان وأطواره روحا وبدنا، نفسا وجسدا، عقلا وإحساسا، فإنه بحر
وسيع وسيع وغوره عميق عميق، فغاصوا ذلك البحر المتلاطم وسبروا غوره
المتفاقم فأخرجوا الدرر واللآلئ ونظموها في أتقن نظام، ووضعوها بين يدي
طلابها ومبتغيها على أحسن ما يرام.
وكيف لا يكونوا كذلك! وقد أتوا مدينة العلم والحكمة من بابها وأناخوا
عقولهم وأرواحهم في فناء ينابيعها الراقية وعيونها الصافية، فنهلوا من معينها عذبا
3

فراتا وصدروا عنها رواة وأثباتا.
والعلامة الخبير والمفسر النحرير السيد محمد حسين الطباطبائي " قدس سره " واحد
من أولئك الأفذاذ الذين عز نظيرهم وقلما يجود الزمان بمثلهم، فقد عم خيره
وجرت ينابيع الحكمة على لسانه وقلمه، فكتب في المعقول والمنقول والقرآن
والعرفان والكلام والبرهان فأحسن وأجاد وأتقن وأفاد رضوان الله تعالى عليه.
والكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ - حلقة من سلسلة ذهبية رصينة
كتبها في الحكمة المتعالية ووسمها ب‍ (نهاية الحكمة) تسليكا للطريق وتمهيدا
للسبيل أمام بغاة الحكمة وطلابها وإعانة لهم في ورود لججها وسبر أغوارها في
المراحل المتقدمة من أسفارها.
ولا يفوتنا - ونحن نقدم على طبع هذا الكتاب ونشره - أن نتقدم بجزيل
شكرنا وخالص دعائنا لفضيلة حجة الإسلام الشيخ عباس علي الزارعي
السبزواري على ما بذله في تصحيح الكتاب وضبط نصوصه وتخريج أقواله
وتوضيح مبهماته والتعليق على بعض عباراته وتنظيم فهارسه، سائلين الله تعالى
للمؤلف الرضا والرضوان وللمحقق ولنا المزيد في خدمة خير الأديان إنه الولي
المستعان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة
4

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علمنا قواعد العقائد الدينية، ونور قلوبنا بالمعارف القرآنية،
ودل عقولنا على وجوده بالآيات الجلية، وقوى أقدامنا بالبراهين اليقينية، ومن
علينا بالرسالة المحمدية، وهيأ لنا النعمات الدنيوية والأخروية. والصلاة والسلام
على سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد، فإن للإنسان قوة يمتاز بها من سائر الحيوانات، وهي القوة النطقية التي
بها يتعقل المعقولات ويتمكن من النظر والاستدلال واكتساب المجهولات. ولما
كانت المجهولات كثيرة وكان العلم بها ذا شعب متكثرة، بحيث لا يمكن للواحد
الإحاطة بجميعها، فافترق أهل العلم إلى فرق مختلفة. فذهب بعضهم إلى تحصيل
الفقه وتحقيقه، وبعضهم إلى النحو والصرف، وبعضهم إلى غيرها، وبعض آخر إلى
علم الفلسفة الذي يبحث فيه عن أحوال الموجود بما هو موجود، وهذا العلم له
شأن من الشأن بل أقوى العلوم برهانا وأشرفها غاية، ولهذا صرف كثير من
المحققين هممهم في تحصيله وتحقيقه، وألفوا مؤلفات قيمة، ومنها كتاب (نهاية
الحكمة) للعلامة المحقق السيد محمد حسين الطباطبائي " قدس سره ".
ولما كان هذا الكتاب من الكتب الفلسفية المتداولة للدراسة عند محصلي
العلوم في الحوزات العلمية وغيرها ومحط أنظار الأساتيذ وأهل العلم والتحقيق
قمت بتصحيحه وتحقيق متنه وتخريج أقواله من منابعها، واعتمدت في ذلك على
أهم الجوامع الفلسفية والكلامية، وكذا علقت عليه بتعليقات لازمة لإزاحة
5

التشويشات وإيضاح المبهمات، ولم يكن بناؤنا على التعليق عليه تفصيلا.
وفي الختام نرجو من الله تعالى أن يزيد في علو درجات العلامة
الطباطبائي " رحمه الله " وأن يحشره مع أجداده الطيبين الطاهرين. والحمد لله رب العالمين.
عباس علي الزارعي السبزواري.
27 رجب 1416 ه‍. ق
قم - الحوزة العلمية
6

كلام
بمنزلة المدخل لهذه الصناعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
إنا معاشر الناس أشياء موجودة جدا، ومعنا أشياء أخر موجودة ربما فعلت
فينا أو انفعلت منا، كما أنا نفعل فيها أو ننفعل منها.
هناك هواء نستنشقه، وغذاء نتغذى به، ومساكن نسكنها، وأرض نتقلب عليها،
وشمس نستضئ بضيائها، وكواكب نهتدي بها، وحيوان، ونبات، وغيرهما.
وهناك أمور نبصرها، وأخرى نسمعها، وأخرى نشمها، وأخرى نذوقها،
وأخرى وأخرى.
وهناك أمور نقصدها أو نهرب منها، وأشياء نحبها أو نبغضها، وأشياء نرجوها
أو نخافها، وأشياء تشتهيها طباعنا أو تتنفر منها، وأشياء نريدها لغرض الاستقرار
في مكان أو الانتقال من مكان أو إلى مكان أو الحصول على لذة أو الإتقاء من ألم
أو التخلص من مكروه أو لمآرب أخرى.
وجميع هذه الأمور التي نشعر بها، ولعل معها ما لا نشعر بها، ليست بسدى، لما
أنها موجودة جدا وثابتة واقعا. فلا يقصد شئ شيئا إلا لأنه عين خارجية
وموجود واقعي أو منته إليه، ليس وهما سرابيا. فلا يسعنا أن نرتاب في أن هناك
وجودا، ولا أن ننكر الواقعية مطلقا، إلا أن نكابر الحق فننكره أو نبدي الشك فيه،
7

وإن يكن شئ من ذلك فإنما هو في اللفظ فحسب.
فلا يزال الواحد منا وكذلك كل موجود يعيش بالعلم والشعور، يرى نفسه
موجودا واقعيا ذا آثار واقعية. ولا يمس شيئا آخر غيره إلا بما أن له نصيبا من
الواقعية.
غير أنا كما لا نشك في ذلك لا نرتاب أيضا في أنا ربما نخطئ، فنحسب ما
ليس بموجود موجودا أو بالعكس، كما أن الإنسان الأولي كان يثبت أشياء ويرى
آراء ننكرها نحن اليوم ونرى ما يناقضها، وأحد النظرين خطأ لا محالة. وهناك
أغلاط نبتلي بها كل يوم، فنثبت الوجود لما ليس بموجود وننفيه عما هو موجود
حقا، ثم ينكشف لنا أنا أخطأنا في ما قضينا به. فمست الحاجة إلى البحث عن
الأشياء الموجودة وتمييزها بخواص الموجودية المحصلة مما ليس بموجود،
بحثا نافيا للشك منتجا لليقين، فإن هذا النوع من البحث هو الذي يهدينا إلى نفس
الأشياء الواقعية بما هي واقعية. وبتعبير آخر: بحثا نقتصر فيه على استعمال
البرهان، فإن القياس البرهاني هو المنتج للنتيجة اليقينية من بين الأقيسة، كما أن
اليقين هو الاعتقاد الكاشف عن وجه الواقع من بين الإعتقادات.
فإذا بحثنا هذا النوع من البحث أمكننا أن نستنتج به أن كذا موجود وكذا ليس
بموجود، ولكن البحث عن الجزئيات خارج من وسعنا، على أن البرهان لا يجري
في الجزئي بما هو متغير زائل، ولذلك بعينه ننعطف في هذا النوع من البحث إلى
البحث عن حال الموجود على وجه كلي، فنستعلم به أحوال الموجود المطلق بما
أنه كلي. ولما كان من المستحيل أن يتصف الموجود بأحوال غير موجودة،
انحصرت الأحوال المذكورة في أحكام تساوي الموجود من حيث هو موجود،
كالخارجية المطلقة والوحدة العامة والفعلية الكلية المساوية للموجود المطلق، أو
تكون أحوالا هي أخص من الموجود المطلق، لكنها وما يقابلها جميعا تساوي
الموجود المطلق، كقولنا: (الموجود إما خارجي أو ذهني) و (الموجود إما واحد
أو كثير) و (الموجود إما بالفعل أو بالقوة) والجميع - كما ترى - أمور غير خارجة
8

من الموجودية المطلقة، والمجموع من هذه الأبحاث هو الذي نسميه:
(الفلسفة) (1).
وقد تبين بما تقدم:
أولا: أن الفلسفة أعم العلوم جميعا، لأن موضوعها أعم الموضوعات، وهو
(الموجود) (2) الشامل لكل شئ (3). فالعلوم جميعا تتوقف عليها في ثبوت
موضوعاتها. وأما الفلسفة فلا تتوقف في ثبوت موضوعها على شئ من العلوم،
فإن موضوعها الموجود العام الذي نتصوره تصورا أوليا ونصدق بوجوده كذلك،
لأن الموجودية نفسه.
وثانيا: أن موضوعها لما كان أعم الأشياء ولا ثبوت لأمر خارج منه كانت
المحمولات المثبتة فيها إما نفس الموضوع، كقولنا: (إن كل موجود فإنه - من
حيث هو موجود - واحد أو بالفعل)، فإن الواحد وإن غاير الموجود مفهوما لكنه
عينه مصداقا، ولو كان غيره كان باطل الذات غير ثابت للموجود، وكذلك ما
بالفعل، وإما ليست نفس الموضوع، بل هي أخص منه، لكنها ليست غيره، كقولنا:
(إن العلة موجودة) فإن العلة وإن كانت أخص من الموجود لكن العلية ليست
حيثية خارجة من الموجودية العامة، وإلا لبطلت.
وأمثال هذه المسائل مع ما يقابلها تعود إلى قضايا مرددة المحمول، تساوي

(1) فالفلسفة هي العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، ويسمى أيضا (الفلسفة
الأولى) كما قال الشيخ الرئيس في الفصل الثاني من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء:
(وهو الفلسفة الأولى لأنه العلم بأول الأمور في الوجود وهو العلة الأولى وأول الأمور في
العموم).
(2) بخلاف من قال: (إن موضوعه هو الإله)، ومن قال: (إن موضوعه هو العلل الأربع)،
راجع شرح عيون الحكمة ج 3 ص 8 - 9.
(3) إن قلت: قد يبحث في الفلسفة عن أحوال المعدوم ولا يعتبر فيها الوجود فكيف يشمله
الموجود؟ قلنا: الموجود أعم من الذهني والخارجي - كما سيأتي - والمعدوم وإن كان
معدوما بالحمل الأولي ولكنه موجود بالحمل الشائع الصناعي.
9

أطراف الترديد فيها الموجودية العامة، كقولنا: (كل موجود إما بالفعل أو بالقوة).
فأكثر المسائل في الفلسفة جارية على التقسيم، كتقسيم الموجود إلى واجب
وممكن، وتقسيم الممكن إلى جوهر وعرض، وتقسيم الجوهر إلى مجرد ومادي،
وتقسيم المجرد إلى عقل ونفس، وعلى هذا القياس.
وثالثا: أن المسائل فيها مسوقة على طريق عكس الحمل، فقولنا: (الواجب
موجود والممكن موجود) في معنى: (الوجود يكون واجبا ويكون ممكنا)،
وقولنا: (الوجوب إما بالذات وإما بالغير) معناه: (أن الموجود الواجب ينقسم إلى
واجب لذاته وواجب لغيره).
ورابعا: أن هذا الفن لما كان أعم الفنون موضوعا ولا يشذ عن موضوعه
ومحمولاتها الراجعة إليه شئ من الأشياء، لم يتصور هناك غاية خارجة منه
يقصد الفن لأجلها. فالمعرفة بالفلسفة مقصودة لذاتها من غير أن تقصد لأجل
غيرها وتكون آلة للتوصل بها إلى أمر آخر كالفنون الآلية، نعم هناك فوائد تترتب
عليها.
وخامسا: أن كون موضوعها أعم الأشياء يوجب أن لا يكون معلولا لشئ
خارج منه، إذ لا خارج هناك، فلا علة له. فالبراهين المستعملة فيها ليست ببراهين
لمية. وأما برهان الإن فقد تحقق في كتاب البرهان من المنطق أن السلوك من
المعلول إلى العلة لا يفيد يقينا، فلا يبقى للبحث الفلسفي إلا برهان الإن الذي يعتمد
فيه على الملازمات العامة، فيسلك فيه من أحد المتلازمين العامين إلى الآخر.
10

المرحلة الأولى
في أحكام الوجود الكلية
وفيها خمسة فصول
11

الفصل الأول
في أن الوجود مشترك معنوي
الوجود بمفهومه مشترك معنوي يحمل على ما يحمل عليه بمعنى واحد (1).
وهو ظاهر بالرجوع إلى الذهن حينما نحمله على أشياء أو ننفيه عن أشياء، كقولنا:
(الإنسان موجود)، و (النبات موجود)، و (الشمس موجودة)، و (اجتماع
النقيضين ليس بموجود)، و (اجتماع الضدين ليس بموجود). وقد أجاد صدر
المتألهين قدس سره، حيث قال: (إن كون مفهوم الوجود مشتركا بين الماهيات قريب من
الأوليات) (2).

(1) اعلم أن البحث عن اشتراك الوجود إما لفظي وإما عقلي. أما الأول وهو البحث عن أن لغة
الوجود هل هي موضوعة لمعنى واحد فلا اشتراك لفظيا أو موضوعة لمعان متعددة فيكون
اللفظ مشتركا؟ وهذا البحث من مباحث علم اللغة ولا يليق بالمباحث العقلية. وأما الثاني
وهو البحث عن أن الوجود هل هو معنى واحد في جميع ما يحمل على الماهيات أم معان
متعددة بحسب تعدد الماهيات. وهذا هو محل النزاع ومعركة الآراء في المقام. فذهب جمع
إلى الأول ويعبر عنه بالاشتراك المعنوي للوجود، وجمع آخر كالأشاعرة إلى الثاني ويعبر
عنه بالاشتراك اللفظي للوجود.
(2) راجع تعليقة صدر المتألهين على شرح حكمة الاشراق ص 182، وراجع الأسفار الأربعة ج 1 ص 35. واعترف كثير من المحققين بأن كون مفهوم الوجود مشتركا بين الماهيات
بديهي، ثم استدلوا عليه تنبيها، فراجع المباحث المشرقية ج 1 ص 18 - 22، وشرح
المقاصد ج 1 ص 61 - 62، وشرح المواقف ص 90 - 92، وقواعد المرام ص 39، وكشف
المراد ص 24.
12

فمن سخيف القول ما قال بعضهم (1): (إن الوجود مشترك لفظي، وهو في كل
ماهية يحمل عليها بمعنى تلك الماهية).
ويرده لزوم سقوط الفائدة في الهليات البسيطة مطلقا (2)، كقولنا: (الواجب
موجود) و (الممكن موجود) و (الجوهر موجود)، و (العرض موجود).
على أن من الجائز أن يتردد بين وجود الشئ وعدمه مع العلم بماهيته
ومعناه (3)، كقولنا: (هل الاتفاق موجود أو لا؟).
وكذا التردد في ماهية الشئ مع الجزم بوجوده، كقولنا: (هل النفس الإنسانية
الموجودة جوهر أو عرض؟) والتردد في أحد شيئين مع الجزم بالآخر يقضي
بمغايرتهما.
ونظيره في السخافة ما نسب إلى بعضهم (4): (أن مفهوم الوجود مشترك لفظي
بين الواجب والممكن).

(1) وهو أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري على ما في شرح المواقف ص 92، وشرح
المنظومة ص 16، وشرح المقاصد ج 1 ص 61، وإرشاد الطالبين ص 20.
(2) والوجه في سقوطها ما قال الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 23، إليك نص عبارته:
(لكان قول القائل: (الجوهر موجود) مثل قوله: (الجوهر جوهر) وبالجملة لا يكون الحمل
والوضع هاهنا إلا في اللفظ، ولما لم يكن كذلك علمنا إن الوجود مغاير للجوهرية) - انتهى
كلامه. وقس عليه أمثلة أخرى.
(3) كذا في المباحث المشرقية ج 1 ص 25 حيث قال: (إنه يصح منا أن نعقل الماهية ونشك
في وجودها، والمشكوك ليس نفس المعلوم ولا داخلا فيه) - انتهى كلامه.
(4) وهو الكشي وأتباعه على ما في شرح المواقف ص 92 حيث قال: (وهاهنا مذهب ثالث
نقل عن الكشي وأتباعه، وهو: أن الوجود مشترك لفظا بين الواجب والممكن، ومشترك معنى
بين الممكنات كلها. وهذا لسخافته لم يلتفت المصنف إليه).
13

ورد (1) بأنا إما أن نقصد بالوجود الذي نحمله على الواجب معنى أو لا،
والثاني يوجب التعطيل (2)، وعلى الأول إما أن نعني به المعنى الذي نعنيه إذا
حملناه على الممكنات، وإما أن نعني به نقيضه، وعلى الثاني يلزم نفي الوجود عنه
عند إثبات الوجود له تعالى عن ذلك، وعلى الأول يثبت المطلوب، وهو كون
مفهوم الوجود مشتركا معنويا.
والحق - كما ذكره بعض المحققين (3) - أن القول بالاشتراك اللفظي من الخلط
بين المفهوم والمصداق، فحكم المغايرة إنما هو للمصداق دون المفهوم.
الفصل الثاني
في أصالة الوجود وإعتبارية الماهية
الوجود هو الأصيل دون الماهية، أي إنه هو الحقيقة العينية التي نثبتها
بالضرورة.
إنا بعد حسم أصل الشك والسفسطة وإثبات الأصيل الذي هو واقعية الأشياء،
أول ما نرجع إلى الأشياء، نجدها مختلفة متمايزة مسلوبا بعضها عن بعض في عين
أنها جميعا متحدة في دفع ما كان يحتمله السوفسطي من بطلان الواقعية، فنجد
فيها مثلا إنسانا موجودا، وفرسا موجودا، وشجرا موجودا، وعنصرا موجودا،
وشمسا موجودة، وهكذا، فلها ماهيات محمولة عليها بها يباين بعضها بعضا،
ووجود محمول عليها مشترك المعنى بينها. والماهية غير الوجود (4)، لأن المختص

(1) راجع شرح المنظومة ص 16 - 17.
(2) أي يوجب تعطيل عقلنا عن معرفة ذاته وصفاته. كذا في شرح المنظومة ص 16.
(3) وهو الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 17. ويستفاد ذلك أيضا مما ذكره صدر
المتألهين في الجواب عما أورده الشيخ الإشراقي على أصالة الوجود، فراجع الأسفار ج 1
ص 41.
(4) واستدل عليه الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 23 - 27.
14

غير المشترك. وأيضا الماهية لا تأبى في ذاتها أن يحمل عليها الوجود وأن يسلب
عنها، ولو كانت عين الوجود لم يجز أن تسلب عن نفسها لاستحالة سلب الشئ عن
نفسه، فما نجده في الأشياء من حيثية الماهية غير ما نجده فيها من حيثية الوجود.
وإذ ليس لكل واحد من هذه الأشياء إلا واقعية واحدة، كانت إحدى هاتين
الحيثيتين - أعني الماهية والوجود - بحذاء ما له من الواقعية والحقيقة، وهو المراد
بالأصالة، والحيثية الأخرى اعتبارية منتزعة من الحيثية الأصيلة، تنسب إليها
الواقعية بالعرض.
وإذ كان كل شئ أنما ينال الواقعية إذا حمل عليه الوجود واتصف به
فالوجود هو الذي يحاذي واقعية الأشياء. وأما الماهية فإذ كانت مع الاتصاف
بالوجود ذات واقعية ومع سلبه باطلة الذات فهي في ذاتها غير أصيلة، وإنما
تتأصل بعرض الوجود.
فقد تحصل: أن الوجود أصيل والماهية اعتبارية، كما قال به المشاؤون (1)،
أي أن الوجود موجود بذاته والماهية موجودة به.
وبذلك يندفع ما أورد (2) على أصالة الوجود من أن الوجود لو كان حاصلا
في الأعيان كان موجودا لأن الحصول هو الوجود، فللوجود وجود، وننقل الكلام
إليه وهلم جرا، فيتسلسل.
وجه الاندفاع (3): أن الوجود موجود لكن بذاته لا بوجود زائد - أي إن

(1) ومنهم بهمنيار في التحصيل ص 284، والسيد الداماد في القبسات ص 38، وتبعهم صدر
المتألهين في الأسفار ج 1 ص 49، والحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 10. وقيل:
(إنما لقبوا بهذا الاسم لأنهم كانوا يمشون في ركاب أرسطو كذا).
(2) أورده الشيخ الإشراقي في حكمة الاشراق، فراجع كلام الماتن في شرح حكمة الاشراق
ص 183 - 184، وكذا أورده في التلويحات ص 22 - 23. وتعرض له صدر المتألهين في
الأسفار ج 1 ص 39 - 40، والحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 11.
(3) هذا ما أجاب به صدر المتألهين في تعليقته على شرح حكمة الاشراق ص 184 - 185،
والأسفار ج 1 ص 40 - 41. وتعرض له الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 11.
15

الوجود عين الموجودية - بخلاف الماهية التي حيثية ذاتها غير حيثية وجودها.
وأما دعوى (1) أن الموجود في عرف اللغة إنما يطلق على ما له ذات معروضة
للوجود، ولازمه أن الوجود غير موجود، فهي على تقدير صحتها أمر راجع إلى
الوضع اللغوي أو غلبة الاستعمال، والحقائق لا تتبع استعمال الألفاظ، وللوجود
- كما تقدم (2) - حقيقة عينية نفسها ثابتة لنفسها.
قال بهمنيار في التحصيل: (وبالجملة فالوجود حقيقته أنه في الأعيان لا
غير، وكيف لا يكون في الأعيان ما هذه حقيقته؟) انتهى (3).
ويندفع أيضا ما أشكل عليه (4) بأن كون الوجود موجودا بذاته يستتبع كون
الوجودات الإمكانية واجبة بالذات، لأن كون الوجود موجودا بذاته يستلزم
امتناع سلبه عن ذاته، إذ الشئ لا يسلب عن نفسه، ولا نعني بالواجب بالذات إلا
ما يمتنع عدمه لذاته.
وجه الاندفاع (5): أن الملاك في كون الشئ واجبا بالذات ليس هو كون
وجوده نفس ذاته، بل كون وجوده مقتضى ذاته من غير أن يفتقر إلى غيره، وكل
وجود إمكاني فهو في عين أنه موجود في ذاته مفتقر إلى غيره مفاض منه،
كالمعنى الحرفي الذي نفسه نفسه، وهو مع ذلك لا يتم مفهوما إلا بالقيام بغيره.
وسيجئ مزيد توضيح له في الأبحاث الآتية (6).
قال صدر المتألهين في الأسفار: (معنى وجود الواجب بنفسه أنه مقتضى
ذاته من غير احتياج إلى فاعل وقابل، ومعنى تحقق الوجود بنفسه أنه إذا حصل،
إما بذاته كما في الواجب، أو بفاعل لم يفتقر تحققه إلى وجود آخر يقوم به، بخلاف

(1) لم أجد مدعيه.
(2) في السطور المتقدمة حيث قال: (إن الوجود موجود لكن بذاته).
(3) راجع التحصيل ص 281.
(4) تعرض له صدر المتألهين في الأسفار: ج 1 ص 40.
(5) كما في الأسفار: ج 1 ص 40 - 41.
(6) راجع الفصل الأول والثاني من المرحلة الرابعة.
16

غير الوجود) (1) انتهى.
ويندفع عنه أيضا ما أورد عليه (2) أنه لو كان الوجود موجودا بذاته والماهية
موجودة بغيرها - الذي هو الوجود - كان مفهوم الوجود مشتركا بين ما بنفسه وما
بغيره، فلم يتم مفروض الحجة من أن الوجود مشترك معنوي بين الموجودات لا
لفظي.
وجه الاندفاع (3): أن فيه خلطا بين المفهوم والمصداق، والاختلاف المذكور
مصداقي لا مفهومي.
فتبين بما تقدم فساد القول بأصالة الماهية، كما نسب إلى الإشراقيين (4). فهي
عندهم أصيلة إذا كانت بحيث ينتزع عنها الوجود، وإن كانت في حد ذاتها
اعتبارية والوجود المنتزع عنها اعتباريا.
ويرده أن صيرورة الماهية الاعتبارية بانتزاع مفهوم الوجود الاعتباري
أصيلة ذات حقيقة عينية، إنقلاب ضروري الاستحالة.
وتبين أيضا فساد القول بأصالة الوجود في الواجب وأصالة الماهية في
الممكن، كما قال به الدواني (5) وقرره بأن الوجود على ما يقتضيه ذوق المتألهين
حقيقة عينية شخصية هي الواجب (تعالى)، وتتأصل الماهيات الممكنة بنوع من
الانتساب إليه، فإطلاق الموجود عليه (تعالى) بمعنى أنه عين الوجود، وعلى
الماهيات الممكنة بمعنى أنها منتسبة إلى الوجود الذي هو الواجب.
ويرده (6) أن الانتساب المذكور إن استوجب عرض حقيقة عينية على

(1) راجع الأسفار ج 1 ص 40.
(2) هذا الايراد أورده الشيخ الإشراقي، فراجع شرح حكمة الاشراق (كلام الماتن) ص 184.
(3) هكذا أجاب عنه صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 41.
(4) راجع شرح حكمة الاشراق ص 185 - 191، والتلويحات ص 23. ونسب إليهم أيضا في
الأسفار ج 1 ص 39 و 411.
(5) نسب إليه في شرح المنظومة (قسم الحكمة) ص 25.
(6) ورده أيضا في الأسفار ج 1 ص 73 - 74.
17

الماهيات كانت هي الوجود، إذ ليس للماهية المتأصلة إلا حيثيتا الماهية
والوجود، وإذا لم تضف الأصالة إلى الماهية فهي للوجود، وإن لم يستوجب شيئا
وكانت حال الماهية قبل الانتساب وبعده سواء، كان تأصلها بالانتساب إنقلابا،
وهو محال.
يتفرع على أصالة الوجود واعتبارية الماهية:
أولا: أن كل ما يحمل على حيثية الماهية فإنما هو بالوجود، وأن الوجود
حيثية تقييدية في كل حمل ماهوي، لما أن الماهية في نفسها باطلة هالكة لا تملك
شيئا، فثبوت ذاتها وذاتياتها لذاتها بواسطة الوجود. فالماهية وإن كانت إذا
اعتبرها العقل من حيث هي لم تكن إلا هي، لا موجودة ولا معدومة، لكن ارتفاع
الوجود عنها بحسب هذا الاعتبار - ومعناه أن الوجود غير مأخوذ في حدها - لا
ينافي حمله عليها خارجا عن حدها عارضا لها، فلها ثبوت ما كيفما فرضت.
وكذا لوازم ذاتها - التي هي لوازم الماهية كمفهوم الماهية العارضة لكل ماهية،
والزوجية العارضة لماهية الأربعة - تثبت لها بالوجود لا لذاتها.
وبذلك يظهر أن لازم الماهية بحسب الحقيقة لازم الوجودين الخارجي
والذهني كما ذهب إليه الدواني (1).
وكذا لازم الوجود الذهني كالنوعية للإنسان، ولازم الوجود الخارجي
كالبرودة للثلج، والمحمولات غير اللازمة كالكتابة للإنسان، كل ذلك بالوجود.
وبذلك يظهر أن الوجود من لوازم الماهية الخارجة عن ذاتها.
وثانيا: أن الوجود لا يتصف بشئ من أحكام الماهية، كالكلية والجزئية،
وكالجنسية والنوعية والفصلية والعرضية الخاصة والعامة، وكالجوهرية والكمية
والكيفية وسائر المقولات العرضية (2)، فإن هذه جميعا أحكام طارئة على الماهية
من جهة صدقها وانطباقها على شئ كصدق الإنسان وانطباقه على زيد وعمرو

(1) راجع حاشية الدواني على شرح التجريد للقوشجي ص 27.
(2) أي الأين والمتى والملك والجدة والإضافة وأن يفعل وأن ينفعل.
18

وسائر الأفراد، أو من جهة اندراج شئ تحتها كاندراج الأفراد تحت الأنواع
والأنواع تحت الأجناس. والوجود - الذي هو بذاته الحقيقة العينية - لا يقبل
انطباقا على شئ ولا اندراجا تحت شئ ولا صدقا ولا حملا ولا ما يشابه هذه
المعاني، نعم مفهوم الوجود يقبل الصدق والاشتراك كسائر المفاهيم.
ومن هنا يظهر أن الوجود يساوق الشخصية.
ومن هنا يظهر أيضا أن الوجود لا مثل له (1)، لأن مثل الشئ ما يشاركه في
الماهية النوعية ولا ماهية نوعية للوجود.
ويظهر أيضا أن الوجود لا ضد له (2) لأن الضدين - كما سيأتي (3) - أمران
وجوديان متعاقبان على موضوع واحد داخلان تحت جنس قريب بينهما غاية
الخلاف، والوجود لا موضوع له ولا جنس له ولا له خلاف مع شئ.
وثالثا: أن الوجود لا يكون جزءا لشئ، لأن الجزء الآخر والكل المركب
منهما إن كانا هما الوجود بعينه فلا معنى لكون الشئ جزءا لنفسه، وإن كان أحدهما
أو كلاهما غير الوجود كان باطل الذات، إذ لا أصيل غير الوجود، فلا تركيب (4).
وبهذا البيان يثبت أن الوجود لا جزء له (5)، ويتبين أيضا أن الوجود بسيط في
ذاته.
ورابعا: أن ما يلحق الوجود حقيقة من الصفات والمحمولات أمور غير
خارجة عن ذاته، إذ لو كانت خارجة كانت باطلة.
وخامسا: أن للموجود من حيث اتصافه بالوجود نحو إنقسام إلى ما بالذات
وما بالعرض، فالوجود موجود بالذات بمعنى أنه عين نفسه، والماهية موجودة
بالعرض، أي أنها ليست [متصفة] بالوجود بالنظر إلى نفس ذاتها وإن كانت

(1 و 2) راجع كشف المراد ص 30، وشوارق الالهام ص 54، والأسفار ج 1 ص 343، وشرح
المنظومة ص 41 - 42.
(3) في الفصل التاسع من المرحلة السابعة.
(4) قال المصنف قدس سره في بداية الحكمة ص 19: (وما قيل: (إن كل ممكن زوج تركيبي من
ماهية ووجود) فاعتبار عقلي...).
(5) راجع بداية الحكمة: ص 19.
19

موجودة بالوجود حقيقة قبال ما ليس بموجود بالوجود.
وسادسا: أن الوجود عارض للماهية - بمعنى أن للعقل أن يجرد الماهية عن
الوجود، فيعقلها وحدها من غير نظر إلى وجودها - فليس الوجود عينها، ولا
جزءا لها. ومن الدليل على ذلك جواز سلب الوجود عن الماهية، واحتياج
اتصافها به إلى الدليل، وكونها متساوية النسبة في نفسها إلى الوجود والعدم، ولو
كان الوجود عينها أو جزءا لها لما صح شئ من ذلك.
والمغايرة - كما عرفت (1) - عقلية، فلا تنافي إتحاد الماهية والوجود خارجا
وذهنا، فليس هناك إلا حقيقة واحدة هي الوجود لمكان أصالته واعتباريتها،
فالماهيات المختلفة يختلف بها الوجود نحوا من الاختلاف من غير أن يزيد على
الوجود شئ، وهذا معنى قولهم: (إن الماهيات أنحاء الوجود) (2). وإلى هذا
الاختلاف يؤول ما بين الماهيات الموجودة من التميز والبينونة واختلاف الآثار،
هو معنى قولهم: (إن الماهيات حدود الوجود) (3). فذات كل ماهية موجودة حد
لا يتعداه وجودها، ويلزمه سلوب بعدد الماهيات الموجودة الخارجة عنها.
فماهية الإنسان الموجودة - مثلا - حد لوجوده، لا يتعداه وجوده إلى غيره، فهو
ليس بفرس وليس ببقر وليس بشجر وليس بحجر، إلى آخر الماهيات الموجودة
المباينة للإنسان.
وسابعا: أن ثبوت كل شئ - أي نحو من الثبوت فرض - إنما هو لوجود هناك
خارجي يطرد العدم لذاته. فللتصديقات النفس الأمرية - التي لا مطابق لها في
خارج ولا في ذهن - مطابق ثابت نحوا من الثبوت التبعي بتبع الموجودات الحقيقية.
توضيح ذلك: أن من التصديقات الحقة ما له مطابق في الخارج، نحو
(الإنسان موجود) و (الإنسان كاتب). ومنها ما له مطابق في الذهن، نحو

(1) في الفرع الأول. (2) راجع الأسفار: ج 1 ص 57 و 360.
(3) وقد يقال: (الماهيات حكايات الوجودات)، فراجع تعليقة السبزواري على الأسفار ج 1
ص 248 الرقم (1).
20

(الإنسان نوع) و (الحيوان جنس). ومنها ما له مطابق يطابقه لكنه غير موجود
في الخارج ولا في الذهن، كما في قولنا: (عدم العلة علة لعدم المعلول) و (العدم
باطل الذات)، إذ العدم لا تحقق له في خارج ولا في ذهن، ولا لأحكامه وآثاره.
وهذا النوع من القضايا تعتبر مطابقته لنفس الأمر، فإن العقل إذا صدق كون وجود
العلة علة لوجود المعلول اضطر إلى تصديق أنه ينتفي إذا انتفت علته وهو كون
عدمها علة لعدمه، ولا مصداق محقق للعدم في خارج ولا في ذهن، إذ كل ما حل
في واحد منهما فله وجود.
والذي ينبغي أن يقال بالنظر إلى الأبحاث السابقة أن الأصيل هو الوجود
الحقيقي، وهو الوجود وله كل حكم حقيقي. ثم لما كانت الماهيات ظهورات
الوجود للأذهان توسع العقل توسعا اضطراريا باعتبار الوجود لها وحمله عليها،
وصار مفهوم الوجود والثبوت يحمل على الوجود والماهية وأحكامهما جميعا. ثم
توسع العقل توسعا اضطراريا ثانيا بحمل مطلق الثبوت والتحقق على كل مفهوم
يضطر إلى اعتباره بتبع الوجود أو الماهية كمفهوم العدم والماهية والقوة والفعل ثم
التصديق بأحكامها.
فالظرف الذي يفرضه العقل لمطلق الثبوت والتحقق - بهذا المعنى الأخير - هو
الذي نسميه (نفس الأمر) ويسع الصوادق من القضايا الذهنية والخارجية وما
يصدقه العقل ولا مطابق له في ذهن أو خارج، غير أن الأمور النفس الأمرية لوازم
عقلية للماهيات متقررة بتقررها. وللكلام تتمة ستمر بك إن شاء الله تعالى (1).
وقيل (2): المراد بالأمر في نفس الأمر عالم الأمر، وهو عقل كلي فيه صور
المعقولات جميعا. والمراد بمطابقة القضية لنفس الأمر مطابقتها لما عنده من
الصورة المعقولة

(1) في الفصل الأول من المرحلة الحادية عشرة.
(2) والقائل هو المحقق الطوسي على ما في كشف المراد ص 70. وتعرض له أيضا في شر ح
المقاصد ج 1 ص 95، وشرح التجريد للقوشجي ص 57، وشوارق الالهام ص 123.
21

وفيه: أن الكلام منقول إلى ما عنده من الصورة المعقولة، وهي صورة معقولة
تقتضي مطابقا فيما وراءها تطابقه.
وقيل (1): المراد بنفس الأمر نفس الشئ، فهو من وضع الظاهر موضع
الضمير، فكون العدم - مثلا - باطل الذات في نفس الأمر كونه في نفسه كذلك.
وفيه: أن ما لا مطابق له في خارج ولا في ذهن لا نفسية له حتى يطابقه هو
وأحكامه.
وثامنا: أن الشيئية مساوقة للوجود، فما لا وجود له لا شيئية له، فالمعدوم من
حيث هو معدوم ليس بشئ.
ونسب إلى المعتزلة (2) أن للماهيات الممكنة المعدومة شيئية في العدم، وأن
بين الوجود والعدم واسطة يسمونها (الحال)، وعرفوها بصفة الموجود التي
ليست موجودة ولا معدومة كالضاحكية والكاتبية للإنسان، لكنهم ينفون الواسطة
بين النفي والإثبات، فالمنفي هو المحال، والثابت هو الواجب والممكن الموجود
والممكن المعدوم، والحال [هي] التي ليست بموجودة ولا معدومة.
وهذه دعاو يدفعها صريح العقل، وهي بالاصطلاح أشبه منها بالنظرات
العلمية، فالصفح عن البحث فيها أولى.
وتاسعا: أن حقيقة الوجود بما هي حقيقة الوجود لا سبب لها وراءها - أي إن
هويته العينية التي هي لذاتها أصيلة موجودة طاردة للعدم، لا تتوقف في تحققها

(1) والقائل هو القوشجي في شرح التجريد ص 56 حيث قال: (والمراد بنفس الأمر ما يفهم
من قولنا: هذا الأمر كذا في نفسه أو ليس كذا... على أن المراد بالأمر الشأن والشئ
وبالنفس الذات).
(2) كأبي يعقوب وأبي علي وابنه وأبي الحسن الخياط والبلخي وأبي عبد الله وابن عياش
و عبد الجبار، هكذا في أنوار الملكوت في شرح الياقوت ص 49. ونسب إليهم في المحصل
ص 85 - 91، والأسفار ج 1 ص 75 - 78، وشرح المقاصد ج 1 ص 95، وشرح المواقف
ص 109، وقواعد المرام في علم الكلام ص 49، والمقاومات ص 125 - 127،
والمطارحات ص 203 - 209.
22

على شئ خارج من هذه الحقيقة - سواء كان سببا تاما أو ناقصا، وذلك لمكان
أصالتها وبطلان ما وراءها. نعم لا بأس بتوقف بعض مراتب هذه الحقيقة على
بعض، كتوقف الوجود الامكاني على الوجود الواجبي وتوقف بعض الممكنات
على بعض.
ومن هنا يظهر أن لا مجرى لبرهان اللم في الفلسفة الإلهية الباحثة عن أحكام
الموجود من حيث هو موجود (1).
وعاشرا: أن حقيقة الوجود حيث كانت عين حيثية ترتب الآثار كانت عين
الخارجية، فيمتنع أن تحل الذهن فتتبدل ذهنية لا تترتب عليها الآثار، لاستلزامه
الانقلاب المحال. وأما الوجود الذهني - الذي سيأتي إثباته إن شاء الله (2) - فهو من
حيث كونه يطرد عن نفسه العدم وجود خارجي مترتب عليه الآثار، وإنما يعد
ذهنيا لا تترتب عليه الآثار بقياسه إلى المصداق الخارجي الذي بحذائه.
فقد بان أن حقيقة الوجود لا صورة عقلية لها كالماهيات الموجودة في
الخارج التي لها صورة عقلية. وبان أيضا أن نسبة مفهوم الوجود إلى الوجودات
الخارجية ليست نسبة الماهية الكلية إلى أفرادها الخارجية.
وتبين بما تقدم أيضا أن المفهوم إنما تكون ماهية إذا كان لها فرد خارجي
تقومه وتترتب عليه آثارها.
الفصل الثالث
في أن الوجود حقيقة مشككة
لا ريب أن الهويات العينية الخارجية تتصف بالكثرة تارة من جهة أن هذا

(1) وفيه: أنه ينافي كون المسائل الإلهية من الفلسفة فإن فيها يسلك من العلة إلى المعلول بأن
أفعاله تعالى، يثبت من طريق صفاته التي عين ذاته تعالى، وهو برهان لمي.
(2) في المرحلة الثالثة.
23

إنسان وذاك فرس وذلك شجر ونحو ذلك، وتارة بأن هذا بالفعل وذاك بالقوة وهذا
وأحد وذاك كثير وهذا حادث وذاك قديم وهذا ممكن وذاك واجب وهكذا.
وقد ثبت بما أوردناه في الفصل السابق (1) أن الكثرة من الجهة الأولى - وهي
الكثرة الماهوية - موجودة في الخارج بعرض الوجود، وأن الوجود متصف بها
بعرض الماهية، لمكان أصالة الوجود واعتبارية الماهية.
وأما الكثرة من الجهة الثانية فهي التي تعرض الوجود من جهة الانقسامات
الطارئة عليه نفسه، كإنقسامه إلى الواجب والممكن وإلى الواحد والكثير وإلى ما
بالفعل وما بالقوة ونحو ذلك، وقد تقدم في الفصل السابق (2) أن الوجود بسيط
وأنه لا غير له. ويستنتج من ذلك أن هذه الكثرة مقومة للوجود - بمعنى أنها فيه
غير خارجة منه -، وإلا كانت جزءا منه، ولا جزء للوجود، أو حقيقة خارجة منه
ولا خارج من الوجود.
فللوجود كثرة في نفسه، فهل هناك جهة وحدة ترجع إليها هذه الكثرة من غير
أن تبطل بالرجوع، فتكون حقيقة الوجود كثيرة في عين أنها واحدة، وواحدة في
عين أنها كثيرة، وبتعبير آخر: حقيقة مشككة ذات مراتب مختلفة يعود ما به
الامتياز في كل مرتبة إلى ما به الاشتراك - كما نسب إلى الفهلويين (3) -، أو لا جهة
وحدة فيها، فيعود الوجود حقائق متباينة بتمام الذات، يتميز كل منها من غيره
بتمام ذاته البسيطة لا بالجزء ولا بأمر خارجي - كما نسب إلى المشائين (4) -؟
الحق أنها حقيقة واحدة في عين أنها كثيرة (5)، لأنا ننتزع من جميع مراتبها

(1) أي الفصل الثاني من هذه المرحلة.
(2) في الفرع الثالث من الفروع المذكورة في الفصل الثاني.
(3 و 4) راجع شرح المنظومة ص 22 - 23 و 43 - 44، والأسفار ج 1 ص 432 - 433.
(5) إن الأقوال في حقيقة الوجود ثمانية:
الأول: ما ذهب إليه الأشاعرة، وهو أن الوجود مشترك لفظي مطلقا أي في جميع ما يطلق
عليه لفظ الوجود من الواجب والممكن بأقسامه.
الثاني: أن الوجود مشترك لفظي بين الواجب والممكن ومشترك معنوي بين أقسام الممكن.
كما ذهب إليه جماعة من المتأخرين.
الثالث: أن الوجود مشترك معنوي في كل ما يطلق عليه، وليس له فرد أصلا، وتكثره إنما
هو بالوجودات المضافة إلى الماهيات المعبرة عنها بالحصص. وهو مذهب جماعة من
المتكلمين.
الرابع: أن الوجود مشترك معنوي في كل ما يطلق عليه، وله أفراد متعددة، غاية الأمر
واحد منها موجود خارجي وهو الواجب (تعالى) وما سواه أمور خارجية غير قائمة بذاتها لا
موجودات خارجية. وهذا ما ذهب إليه السيد الشريف والمحقق اللاهيجي.
الخامس: أن الوجود له فرد واحد في الخارج وراء الحصص، وهذا الفرد هو الواجب
(تعالى) وليس للممكنات وجودات أخر وراء الحصص، فالوجود واحد والموجود كثير، وهو
قول المحقق الدواني ونسبه إلى ذوق المتألهين.
السادس: أن الوجود له أفراد متعددة كلها موجودة في الخارج بالأصالة، وتلك الأفراد
بسايط متباينة بتمام الذات غاية الأمر أنها مشترك في مفهوم الوجود. وهو قول المشائين.
السابع: أن الوجودات بل الموجودات ليست متكثرة في الحقيقة، بل هنا موجود واحد
هو الله (تعالى) قد تعددت شؤونه وتكثرت أطواره. وهذا ما ذهب إليه الصوفية.
الثامن: أن للوجود أفرادا متعددة كلها موجودة في الخارج والوجود فيها حقيقة واحدة
متشككة، واختلافها إنما هو بالشدة والضعف وغيرهما من أقسام التشكيك. وهذا ما نسب
إلى الفهلويين، واختاره صدر المتألهين " قدس سره "، وتبعه المصنف " قدس سره ".
وأما البحث عن كل واحد من هذه الأقوال يحتاج إلى رسالة خاصة، فتدبر.
24

ومصاديقها مفهوم الوجود العام الواحد البديهي، ومن الممتنع انتزاع مفهوم واحد
من مصاديق كثيرة بما هي كثيرة غير راجعة إلى وحدة ما.
ويتبين به أن الوجود حقيقة مشككة ذات مراتب مختلفة، كما مثلوا (1) له
بحقيقة النور على ما يتلقاه الفهم الساذج أنه حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة في
الشدة والضعف، فهناك نور قوي ومتوسط وضعيف مثلا، وليست المرتبة القوية
نورا وشيئا زائدا على النورية، ولا المرتبة الضعيفة تفقد من حقيقة النور شيئا أو
تختلط بالظلمة التي هي عدم النور، بل لا تزيد كل واحدة من مراتبه المختلفة على
حقيقة النور المشتركة شيئا، ولا تفقد منها شيئا، وإنما هي النور في مرتبة خاصة

(1) راجع الأسفار: ج 1 ص 49 و 69 - 71، وشرح المنظومة ص 22 - 23.
25

بسيطة لم تتألف من أجزاء ولم ينضم إليها ضميمة، وتمتاز من غيرها بنفس ذاتها
التي هي النورية المشتركة.
فالنور حقيقة واحدة بسيطة متكثرة في عين وحدتها، ومتوحدة في عين
كثرتها، كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة بالشدة والضعف والتقدم
والتأخر والعلو والدنو وغيرها.
ويتفرع على ما تقدم أمور:
الأمر الأول: أن التمايز بين مرتبة من مراتب الوجود ومرتبة أخرى إنما هو
بنفس ذاتها البسيطة التي ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز، ولا ينافيه مع ذلك
أن ينسب العقل التمايز الوجودي إلى جهة الكثرة في الوجود دون جهة الوحدة،
ولا أن ينسب الاشتراك والسنخية إلى جهة الوحدة.
الأمر الثاني: أن بين مراتب الوجود إطلاقا وتقييدا بقياس بعضها إلى بعض،
لمكان ما فيها من الاختلاف بالشدة والضعف ونحو ذلك. وذلك أنا إذا فرضنا
مرتبتين من الوجود ضعيفة وشديدة، وقع بينهما قياس وإضافة بالضرورة، وكان
من شأن المرتبة الضعيفة أنها لا تشتمل على بعض ما للمرتبة الشديدة من الكمال،
لكن ليس شئ من الكمال الذي في المرتبة الضعيفة إلا والمرتبة الشديدة واجدة
له. فالمرتبة الضعيفة كالمؤلفة من وجدان وفقدان، فذاتها مقيدة بعدم بعض ما في
المرتبة الشديدة من الكمال. وإن شئت فقل: (محدودة). وأما المرتبة الشديدة
فذاتها مطلقة غير محدودة بالنسبة إلى المرتبة الضعيفة.
وإذا فرضنا مرتبة أخرى فوق الشديدة، كانت نسبة الشديدة إلى هذه التي
فرضنا فوقها كنسبة التي دونها إليها، وصارت الشديدة محدودة بالنسبة إلى ما
فوقها كما كانت مطلقة بالنسبة إلى ما دونها. وعلى هذا القياس في المراتب الذاهبة
إلى فوق حتى تقف في مرتبة ليست فوقها مرتبة، فهي المطلقة من غير أن تكون
محدودة إلا بأنها لا حد لها (1).

(1) ولما كان الحد في معنى السلب كان نفي الحد سلبا للسلب وهو الايجاب، فيؤول إلى
محوضة الوجود وهو الصرافة - منه رحمه الله -.
26

والأمر بالعكس مما ذكر إذا أخذنا مرتبة ضعيفة واعتبرناها مقيسة إلى ما هي
أضعف منها وهكذا حتى ننتهي إلى مرتبة من الكمال والفعلية ليس لها من الفعلية
إلا فعلية أن لا فعلية لها.
الأمر الثالث: تبين من جميع ما مر أن للمراتب المترتبة من الوجود حدودا
غير أعلى المراتب، فإنها محدودة بأنها لا حد لها. وظاهر أن هذه الحدود
الملازمة للسلوب والأعدام والفقدانات التي نثبتها في مراتب الوجود، وهي أصيلة
وبسيطة، إنما هي من ضيق التعبير، وإلا فالعدم نقيض الوجود ومن المستحيل أن
يتخلل في مراتب نقيضه.
وهذا المعنى - أعني دخول الأعدام في مراتب الوجود المحدودة وعدم
دخولها المؤدي إلى الصرافة - نوع من البساطة والتركيب في الوجود، غير
البساطة والتركيب المصطلح عليها في موارد أخرى وهو البساطة والتركيب من
جهة الأجزاء الخارجية أو العقلية أو الوهمية.
الأمر الرابع: أن المرتبة كلما تنزلت زادت حدودها وضاق وجودها (1)، و
كلما عرجت وزادت قربا من أعلى المراتب قلت حدودها واتسع وجودها حتى
يبلغ أعلى المراتب، فهي مشتملة على كل كمال وجودي من غير تحديد، ومطلقة
من غير نهاية.
الأمر الخامس: أن للوجود حاشيتين من حيث الشدة والضعف، وهذا ما
يقضي به القول بكون الوجود حقيقة مشككة.
الأمر السادس: أن للوجود بما لحقيقته من السعة والانبساط تخصصا بحقيقته
العينية البسيطة، وتخصصا بمرتبة من مراتبه المختلفة البسيطة التي يرجع ما به
الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك، وتخصصا بالماهيات المنبعثة عنه المحددة له،
ومن المعلوم أن التخصص بأحد الوجهين الأولين مما يلحقه بالذات، وبالوجه
الثالث أمر يعرضه بعرض الماهيات.

(1) المراد بسعة الوجود وضيقه اشتمال المرتبة على كمال أكثر أو أقل - منه رحمه الله -.
27

الفصل الرابع
في شطر من أحكام العدم
قد تقدم (1) أن العدم لا شيئية له، فهو محض الهلاك والبطلان (2).
ومما يتفرع عليه أن لا تمايز في العدم (3)، إذ التمايز بين شيئين إما بتمام
الذات كالنوعين تحت مقولتين أو ببعض الذات كالنوعين تحت مقولة واحدة أو
بما يعرض الذات كالفردين من نوع، ولا ذات للعدم.
نعم، ربما يضاف العدم إلى الوجود، فيحصل له حظ من الوجود ويتبعه نوع
من التمايز، كعدم البصر الذي هو العمى، والمتميز من عدم السمع الذي هو الصمم،
وكعدم زيد وعدم عمرو المتميز أحدهما من الآخر.
وبهذا الطريق ينسب العقل إلى العدم العلية والمعلولية حذاء ما للوجود من
ذلك، فيقال: (عدم العلة علة لعدم المعلول) حيث يضيف العدم إلى العلة والمعلول
فيتميز العدمان، ثم يبنى عدم المعلول على عدم العلة كما كان يتوقف وجود
المعلول على وجود العلة (4)، وذلك نوع من التجوز (5)، حقيقته الإشارة إلى ما بين
الوجودين من التوقف (6).
ونظير العدم المضاف العدم المقيد بأي قيد يقيده كالعدم الذاتي والعدم الزماني
والعدم الأزلي. ففي جميع ذلك يتصور مفهوم العدم ويفرض له مصداق على حد
سائر المفاهيم، ثم يقيد المفهوم فيتميز المصداق، ثم يحكم على المصداق على ما

(1) في الفرع الثامن من الفروع المذكورة في الفصل الثاني.
(2) راجع الأسفار ج 1 ص 340 - 341، وكشف المراد ص 29 - 30.
(3) راجع الأسفار ج 1 ص 348، وشرح المنظومة ص 47. خلافا للمحقق الطوسي حيث ذهب
إلى تمايز الأعدام، فراجع كشف المراد ص 43، وشوارق الالهام ص 66 - 67.
(4) هذا أول الوجوه التي استدل المحقق الطوسي بها على تمايز الأعدام، فراجع كشف المراد
ص 43، وشوارق الالهام ص 66 - 67.
(5) كما في شرح المنظومة ص 48.
(6) وأجاب عنه أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 350 - 351.
28

له من الثبوت المفروض بما يقتضيه من الحكم، كاعتبار عدم العدم قبال العدم،
نظير اعتبار العدم المقابل للوجود قبال الوجود.
وبذلك يندفع الإشكال (1) في اعتبار عدم العدم بأن العدم المضاف إلى العدم
نوع من العدم، وهو بما أنه رافع للعدم المضاف إليه يقابله تقابل التناقض،
والنوعية والتقابل لا يجتمعان البتة.
وجه الاندفاع - كما أفاده صدر المتألهين (2) رحمه الله - أن الجهة مختلفة، فعدم
العدم بما أنه مفهوم أخص من مطلق العدم مأخوذ فيه العدم، نوع من العدم، وبما
أن للعدم المضاف إليه ثبوتا مفروضا يرفعه العدم المضاف رفع النقيض للنقيض
يقابله العدم المضاف.
وبمثل ذلك يندفع ما أورد (3) على قولهم: (المعدوم المطلق لا يخبر عنه) (4)،
بأن القضية تناقض نفسها، فإنها تدل على عدم الإخبار عن المعدوم المطلق، وهذا
بعينه خبر عنه. ويندفع (5) بأن المعدوم المطلق بما أنه بطلان محض في الواقع لا
خبر عنه، وبما أن لمفهومه ثبوتا ما ذهنيا يخبر عنه بأنه لا يخبر عنه فالجهتان
مختلفتان. وبتعبير آخر: المعدوم المطلق بالحمل الشائع لا يخبر عنه، وبالحمل
الأولي يخبر عنه بأنه لا يخبر عنه.

(1) هذا الإشكال تعرض له صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 352.
(2) راجع الأسفار ج 1 ص 352.
(3)
أورده عليه الكاتبي في حكمة العين، فراجع إيضاح المقاصد في شرح حكمة عين القواعد
ص 27. وتعرض له أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 239 و 347 - 348، وفي
شرح المطالع ص 134، وشرح المنظومة ص 51، وكشف المراد ص 68، وشوارق الالهام
ص 121، وشرح التجريد للقوشجي ص 55، وشرح المقاصد ج 1 ص 92.
(4) كذا قال الشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة الأولى من الفن الخامس من منطق
الشفاء.
(5) راجع إيضاح المقاصد ص 28، والأسفار ج 1 ص 239 و 347 - 348، وشرح المنظومة
ص 52. وأجاب عنه أيضا في شرح المطالع ص 134، وشرح التجريد للقوشجي ص 55،
وكشف المراد ص 68، وشوارق الالهام ص 121.
29

وبمثل ما تقدم أيضا يندفع الشبهة (1) عن عدة من القضايا توهم التناقض،
كقولنا: (الجزئي جزئي) وهو بعينه كلي يصدق على كثيرين. وقولنا: (إجتماع
النقيضين ممتنع) وهو بعينه ممكن موجود في الذهن، وقولنا: (الشئ إما ثابت
في الذهن أو لا ثابت فيه) واللا ثابت في الذهن ثابت فيه، لأنه معقول موجود
بوجود ذهني.
فالجزئي جزئي بالحمل الأولي، كلي صادق على كثيرين بالحمل الشائع،
واجتماع النقيضين ممكن بالحمل الأولي، ممتنع بالحمل الشائع، واللا ثابت في
الذهن لا ثابت فيه بالحمل الأولي، ثابت فيه بالحمل الشائع.
الفصل الخامس
في أنه لا تكرر في الوجود (2)
كل موجود في الأعيان فإن هويته العينية وجوده على ما تقدم (3) - من أصالة
الوجود - والهوية العينية تأبى بذاته الصدق على كثيرين، وهو التشخص،
فالشخصية للوجود بذاته. فلو فرض لموجود وجودان كانت هويته العينية
الواحدة كثيرة وهي واحدة، هذا محال (4).
وبمثل البيان يتبين استحالة وجود مثلين من جميع الجهات، لأن لازم فرض
مثلين اثنين التمايز بينهما بالضرورة، ولازم فرض التماثل من كل جهة عدم
التمايز بينهما، وفي ذلك اجتماع النقيضين، هذا محال.
وبالجملة من الممتنع أن يوجد موجود واحد بأكثر من وجود واحد، سواء
كان الوجودان - مثلا - واقعين في زمان واحد من غير تخلل العدم بينهما أو

(1) تعرض لها صدر المتألهين الأسفار: ج 1 ص 292 - 294، والحكيم السبزواري في شرح
المنظومة ص 52 - 53. (2) وهو المراد بقولهم: (لا تكرار في التجلي).
(3) في الفصل الثاني من هذه المرحلة في المتن.
(4) هكذا في الأسفار ج 1 ص 353.
30

منفصلين يتخلل العدم بينهما. فالمحذور - وهو لزوم العينية مع فرض الاثنينية في
الصورتين - سواء.
والقول (1) ب‍ (أن الوجود الثاني متميز من الأول بأنه مسبوق بالعدم بعد
الوجود بخلاف الأول، وهذا كاف في تصحيح الاثنينية، وغير مضر بالعينية لأنه
تميز بعدم). مردود بأن العدم بطلان محض لا كثرة فيه ولا تميز، وليس فيه ذات
متصفة بالعدم يلحقها وجود بعد ارتفاع وصفه. فقد تقدم (2) أن ذلك كله اعتبار
عقلي بمعونة الوهم الذي يضيف العدم إلى الملكة، فيتعدد العدم ويتكثر بتكثر
الملكات. وحقيقة كون الشئ مسبوق الوجود بعدم وملحوق الوجود به
- وبالجملة إحاطة العدم به من قبل ومن بعد - إختصاص وجوده بظرف من ظروف
الواقع وقصوره عن الانبساط على سائر الظروف من الأعيان، لا أن للشئ
وجودا واقعيا في ظرف من ظروف الواقع وللعدم تقرر واقع منبسط على سائر
الظروف ربما ورد على الوجود فدفعه عن مستقره واستقر هو فيه، فإن فيه إعطاء
الأصالة للعدم واجتماع النقيضين.
والحاصل أن تميز الوجود الثاني تميز وهمي لا يوجب تميزا حقيقيا، ولو
أوجب ذلك أوجب البينونة بين الوجودين وبطلت العينية.
والقول ب‍ (أنه لم لا يجوز أن يوجد الموجد شيئا، ثم يعدم وله بشخصه
صورة علمية عنده أو عند بعض المبادئ العالية، ثم يوجد ثانيا على ما علم،
فيستحفظ الوحدة والعينية بين الوجودين بالصورة العلمية؟) يدفعه أن الوجود
الثاني كيفما فرض وجود بعد وجود، وغيريته وبينونته للوجود الأول بما أنه بعده
ضروري، ولا تجتمع العينية والغيرية البتة.
وهذا الذي تقرر - من استحالة تكرر الوجود لشئ مع تخلل العدم - هو المراد

(1) تعرض له وللإجابة عليه في الأسفار ج 1 ص 359.
(2) في الفصل السابق.
31

بقولهم: (إن إعادة المعدوم بعينه ممتنعة) (1). وقد عد الشيخ امتناع إعادة المعدوم
بعينه ضروريا (2).
وقد أقاموا على ذلك حججا (3) هي تنبيهات بناء على ضرورية المسألة:
ومنها: أنه لو جاز للموجود في زمان أن ينعدم زمانا ثم يوجد بعينه في زمان
آخر، لزم تخلل العدم بين الشئ ونفسه، وهو محال، لاستلزامه وجود الشئ في
زمانين بينهما عدم متخلل.
ومنها: أنه لو جازت إعادة الشئ بعينه بعد انعدامه جاز إيجاد ما يماثله من
جميع الوجوه ابتداء، وهو محال. أما الملازمة: فلأن الشئ المعاد بعينه وما يماثله
من جميع الوجوه مثلان، وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد. فلو جاز
إيجاده بعينه ثانيا بنحو الإعادة جاز إيجاد مثله ابتداء. وأما استحالة اللازم:
فلاستلزام اجتماع المثلين في الوجود عدم التميز بينهما، وهما اثنان متمايزان.
ومنها: أن إعادة المعدوم بعينه توجب كون المعاد هو المبتدأ، لأن فرض
العينية يوجب كون المعاد هو المبتدأ ذاتا وفي جميع الخصوصيات المشخصة
حتى الزمان، فيعود المعاد مبتدأ وحيثية الإعادة عين حيثية الابتداء.
ومنها: أنه لو جازت الإعادة لم يكن عدد العود بالغا حدا معينا يقف عليه، إذ
لا فرق بين العودة الأولى والثانية والثالثة وهكذا إلى ما لا نهاية له. كما لم يكن

(1) وذهب إليه الحكماء، وجماعة من المتكلمين، ومنهم بعض الكرامية وأبو الحسين البصري
ومحمود الخوارزمي من المعتزلة، خلافا للأشاعرة ومشايخ المعتزلة فإن إعادة المعدوم
جائزة عندهم. راجع شرح المواقف ص 579، وشرح التجريد للقوشجي ص 60 - 63
وقواعد المرام في علم الكلام ص 147.
(2) راجع الفصل الخامس من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء. واستحسنه فخر الدين الرازي
في المباحث المشرقية ج 1 ص 48.
(3) راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 47 - 48، والأسفار ج 1 ص 353 - 364، وشرح
المنظومة ص 48 - 51، وكشف المراد ص 75، وشوارق الالهام ص 122، وشرح التجريد
للقوشجي ص 60 - 65.
32

فرق بين المعاد والمبتدأ، وتعين العدد من لوازم وجود الشئ المتشخص.
وذهب جمع من المتكلمين (1) - نظرا إلى أن المعاد الذي نطقت به الشرائع
الحقة إعادة للمعدوم (2) - إلى جواز الإعادة. واستدلوا عليه بأنه لو امتنعت إعادة
المعدوم بعينه لكان ذلك إما لماهيته أو لأمر لازم لماهيته، ولو كان كذلك لم يوجد
ابتداء، أو لأمر مفارق فيزول الامتناع بزواله.
ورد (3) بأن الامتناع لأمر لازم لوجوده لا لماهيته (4).
وأما ما نطقت به الشرائع الحقة فالحشر والمعاد انتقال من نشأة إلى نشأة
أخرى وليس إيجادا بعد الإعدام.

(1) منهم صاحب المواقف وشارحه في شرح المواقف ص 579، والعلامة التفتازاني في شرح
المقاصد ج 2 ص 207 - 210. وقال ابن ميثم في قواعد المرام ص 147: (واتفقت جملة
مشائخ المعتزلة على أن إعادته ممكنة...). وقال صدر المتألهين في الأسفار ج 1
ص 361: (القائلون بجواز إعادة المعدومات جمهور أهل الكلام المخالفين لكافة الحكماء
في ذلك...).
(2) هكذا في الأسفار: ج 1 ص 361.
(3) رده المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد، فراجع كشف المراد ص 75، وشرح التجريد
للقوشجي ص 63، وشوارق الالهام ص 130 - 131.
(4) أي الحكم بالامتناع إنما هو لأمر لازم لماهية المعدوم بعد الوجود. راجع كشف المراد
ص 75، وشوارق الالهام ص 130 - 131.
33

المرحلة الثانية
في الوجود المستقل والرابط
وفيها ثلاثة فصول
35

الفصل الأول
في انقسام الوجود إلى المستقل والرابط
ينقسم الموجود إلى ما وجوده في نفسه ونسميه: (الوجود المستقل
والمحمولي) (1) أو (النفسي) (2)، وما وجوده في غيره ونسميه (الوجود
الرابط) (3). وذلك أن هناك قضايا خارجية تنطبق بموضوعاتها ومحمولاتها على
الخارج، كقولنا: (زيد قائم) و (الإنسان ضاحك) مثلا، وأيضا مركبات تقييدية
مأخوذة من هذه القضايا، كقيام زيد وضحك الإنسان، نجد فيها بين أطرافها - من
الأمر الذي نسميه نسبة وربطا - ما لا نجده في الموضوع وحده ولا في المحمول
وحده ولا بين الموضوع وغير المحمول ولا بين المحمول وغير الموضوع، فهناك
أمر موجود وراء الموضوع والمحمول.

(1) لأنه يقع محمولا في الهليات البسيطة كقولنا: (الإنسان موجود).
(2) لأنه وجود في نفسه.
(3) قال الحكيم السبزواري: (ويقال له في المشهور الوجود الرابطي. والأولى على ما في
المتن أن يسمى بالوجود الرابط على ما اصطلح السيد المحقق الداماد في الأفق المبين
وصدر المتألهين في الأسفار، ليفرق بينه وبين وجود الأعراض حيث أطلقوا عليه الوجود
الرابطي). راجع شرح المنظومة ص 61 - 62.
37

وليس منفصل الذات عن الطرفين بحيث يكون ثالثهما ومفارقا لهما كمفارقة
أحدهما الآخر، وإلا احتاج إلى رابط يربطه بالموضوع ورابط آخر يربطه
بالمحمول، فكان المفروض ثلاثة خمسة، واحتاج الخمسة إلى أربعة روابط أخر
وصارت تسعة وهلم جرا، فتسلسل أجزاء القضية أو المركب إلى غير النهاية،
وهي محصورة بين حاصرين، هذا محال. فهو إذن موجود في الطرفين قائم بهما،
بمعنى ما ليس بخارج منهما من غير أن يكون عينهما أو جزءهما أو عين أحدهما
أو جزءه، ولا أن ينفصل منهما، والطرفان اللذان وجوده (1) فيهما هما (2) بخلافه.
فثبت أن من الموجود ما وجوده في نفسه وهو (المستقل)، ومنه ما وجوده في
غيره وهو (الرابط).
وقد ظهر مما تقدم أن معنى توسط النسبة بين الطرفين كون وجودها قائما
بالطرفين رابطا بينهما.
ويتفرع عليه أمور:
الأول: أن الوعاء الذي يتحقق فيه الوجود الرابط هو الوعاء الذي يتحقق فيه
وجود طرفيه، سواء كان الوعاء المذكور هو الخارج أو الذهن، وذلك لما في طباع
الوجود الرابط من كونه غير خارج من وجود طرفيه، فوعاء وجود كل منهما هو
بعينه وعاء وجوده، فالنسبة الخارجية إنما تتحقق بين طرفين خارجيين، والنسبة
الذهنية إنما بين طرفين ذهنيين. والضابط أن وجود الطرفين مسانخ لوجود النسبة
الدائرة بينهما وبالعكس.
الثاني: أن تحقق الوجود الرابط بين الطرفين يوجب نحوا من الاتحاد
الوجودي بينهما، وذلك لما أنه متحقق فيهما غير متميز الذات منهما، ولا خارج
منهما. فوحدته الشخصية تقضي بنحو من الاتحاد بينهما، سواء كان هناك حمل
كما في القضايا أو لم يكن كغيرها من المركبات، فجميع هذه الموارد لا يخلو من
ضرب من الاتحاد.

(1) أي وجود الرابط. (2) أي الطرفان.
38

الثالث: أن القضايا المشتملة على الحمل الأولي، كقولنا: (الإنسان إنسان)،
لا رابط فيها إلا بحسب الاعتبار الذهني فقط. وكذا الهليات البسيطة، كقولنا:
(الإنسان موجود)، إذ لا معنى لتحقق النسبة الرابطة بين الشئ ونفسه.
الرابع: أن العدم لا يتحقق منه رابط، إذ لا شيئية له ولا تميز فيه. ولازمه أن
القضايا الموجبة التي أحد طرفيها أو كلاهما العدم كقولنا: (زيد معدوم) و
(شريك البارئ معدوم) لا عدم رابطا فيها، إذ لا معنى لقيام عدم بعدمين أو بوجود
وعدم، ولا شيئية له ولا تميز فيه، اللهم إلا بحسب الاعتبار الذهني.
ونظيرتها القضايا السالبة، كقولنا: (ليس الإنسان بحجر)، فلا عدم رابطا فيها
إلا بحسب الاعتبار الذهني.
الخامس: أن الوجودات الرابطة لا ماهية لها، لأن الماهيات هي المقولة في جواب
ما هو، فهي مستقلة بالمفهومية، والوجودات الرابطة لا مفهوم لها مستقلا
بالمفهومية.
الفصل الثاني
في كيفية اختلاف الوجود الرابط والمستقل
هل الاختلاف بين الوجود المستقل والرابط اختلاف نوعي أو لا؟ بمعنى أن
الوجود الرابط وهو ذو معنى تعلقي هل يجوز أن ينسلخ عن هذا الشأن فيعود
معنى مستقلا بتوجيه الالتفات إليه مستقلا بعد ما كان ذا معنى حرفي أو لا يجوز؟
الحق هو الثاني (1)، لما سيأتي في أبحاث العلة والمعلول (2) أن حاجة المعلول
إلى العلة مستقرة في ذاته، ولازم ذلك أن يكون عين الحاجة وقائم الذات بوجود
العلة لا استقلال له دونها بوجه، ومقتضى ذلك أن يكون وجود كل معلول - سواء

(1) كما في الأسفار ج 1 ص 82، وشرح المنظومة ص 62.
(2) راجع الفصل الخامس من المرحلة الثامنة.
39

كان جوهرا أو عرضا - موجودا في نفسه رابطا بالنظر إلى علته، وإن كان بالنظر
إلى نفسه وبمقايسة بعضه إلى بعض جوهرا أو عرضا موجودا في نفسه.
فتقرر أن اختلاف الوجود الرابط والمستقل ليس اختلافا نوعيا بأن لا يقبل
المفهوم غير المستقل الذي ينتزع من الرابط المتبدل إلى المفهوم المستقل المنتزع
من المستقل.
ويتفرع على ما تقدم أمور:
الأول: أن المفهوم في استقلاله بالمفهومية وعدم استقلاله تابع لوجوده الذي
ينتزع منه، وليس له من نفسه إلا الابهام. فحدود الجواهر والأعراض ماهيات
جوهرية وعرضية بقياس بعضها إلى بعض وبالنظر إلى أنفسها، وروابط وجودية
بقياسها إلى المبدأ الأول (تبارك وتعالى)، وهي في أنفسها مع قطع النظر عن
وجودها لا مستقلة ولا رابطة.
الثاني: أن من الوجودات الرابطة ما يقوم بطرف واحد كوجود المعلول
بالقياس إلى علته، كما أن منها ما يقوم بطرفين كوجودات سائر النسب
والإضافات.
الثالث: أن نشأة الوجود لا تتضمن إلا وجودا واحدا مستقلا هو الواجب (عز
اسمه)، والباقي روابط ونسب وإضافات.
الفصل الثالث
في إنقسام الوجود في نفسه إلى ما لنفسه وما لغيره
ينقسم الموجود في نفسه إلى ما وجوده لنفسه وما وجوده لغيره. والمراد
بكون وجود الشئ لغيره أن يكون وجوده في نفسه - وهو الوجود الذي يطرد عن
ماهيته العدم - هو بعينه طاردا للعدم عن شئ آخر، لا لعدم ماهية ذلك الشئ
الآخر وذاته، وإلا كانت لموجود واحد ماهيتان، وهو محال، بل لعدم زائد على
ماهيته وذاته، له نوع من المقارنة له كالعلم الذي يطرد بوجوده العدم عن ماهية
40

نفسه، وهو بعينه يطرد الجهل الذي هو عدم ما عن موضوعه.
والحجة على تحقق هذا القسم - أعني الوجود لغيره - وجودات الأعراض،
فإن كلا منها كما يطرد عن ماهية نفسه العدم يطرد عن موضوعه عدما ما زائدا
على ذاته. وكذلك الصور النوعية المنطبعة، فإن لها نوع حصول لموادها تطرد به
عن موادها، لا عدم ذاتها، بل نقصا جوهريا تكمل بطرده، وهو المراد بكون وجود
الشئ لغيره وناعتا.
ويقابله ما كان وجوده طاردا للعدم عن ماهية نفسه فحسب، وهو الوجود
لنفسه، كالأنواع التامة الجوهرية كالإنسان والفرس وغيرهما.
فتقرر أن الوجود في نفسه ينقسم إلى ما وجوده لنفسه وما وجوده لغيره،
وذلك هو المطلوب.
ويتبين بما مر أن وجود الأعراض من شؤون وجود الجواهر التي هي
موضوعاتها، وكذلك وجود الصور المنطبعة غير مباين لوجود موادها.
ويتبين به أيضا أن المفاهيم المنتزعة عن الوجودات الناعتة التي هي أوصاف
لموضوعاتها ليست بماهيات لها ولا لموضوعاتها، وذلك لأن المفهوم المنتزع عن
وجود إنما يكون ماهية له إذا كان الوجود المنتزع عنه يطرد عن نفسه العدم،
والوجود الناعت يطرد العدم لا عن نفس المفهوم المنتزع عنه، مثلا وجود السواد
في نفسه يطرد العدم عن نفس السواد، فالسواد ماهيته، وأما هذا الوجود من حيث
جعله الجسم أسود فليس يطرد عدما، لا عن السواد في نفسه ولا عن ماهية
الجسم المنعوت به، بل عن صفة يتصف بها الجسم خارجة عن ذاته.
41

المرحلة الثالثة
في انقسام الوجود إلى ذهني وخارجي
وفيها فصل واحد
43

فصل
في انقسام الوجود إلى ذهني وخارجي (1)
المعروف من مذهب الحكماء أن لهذه الماهيات الموجودة في الخارج
المترتبة عليها آثارها وجودا آخر لا تترتب عليها فيه آثارها الخارجية بعينها،
وإن ترتبت آثار أخر غير آثارها الخارجية. وهذا النحو من الوجود هو الذي
نسميه: (الوجود الذهني) (2) وهو علمنا بماهيات الأشياء.

(1) وإن أردت تفصيل البحث عن الوجود الذهني فراجع الكتب المطولة، كالأسفار ج 1 ص
263 - 326، وشرح المنظومة ص 27 - 39، والمباحث المشرقية ج 1 ص 41 - 43، وكشف
المراد ص 28، والمسألة الرابعة من الفصل الأول من المقصد الأول من شوارق الالهام،
وشرح المقاصد ج 1 ص 77 - 79، وشرح المواقف ص 100 - 102، وكشف الفوائد ص 5 - 6،
وإيضاح المقاصد ص 15 - 18، وغيرها من الكتب الفلسفية والكلامية. والبحث عن الوجود
الذهني وإن كان شائعا بين المتأخرين بحيث اختصوا بابا أو فصلا من الكتاب بالبحث عنه،
لكن في كلام القدماء أيضا إشارة إليه، فالشيخ الرئيس أشار إلى الوجود الذهني في الرد
على القائلين بالحال، فراجع الفصل الخامس من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء، وتبعه
بهمنيار في التحصيل ص 289 و 489، والشيخ الإشراقي في المطارحات ص 203.
(2) ويسمى أيضا: (الوجود في الذهن) قبال (الوجود في الخارج) و (الوجود الظلي) قبال
(الوجود العيني) و (الوجود الغير الأصيل) قبال (الوجود الأصيل).
45

وأنكر الوجود الذهني قوم (1)، فذهب بعضهم (2) إلى أن العلم إنما هو نوع
إضافة من النفس إلى المعلوم الخارجي.
وذهب بعضهم (3) - ونسب إلى القدماء (4) - إلى أن الحاصل في الذهن عند
العلم بالأشياء أشباحها المحاكية لها، كما يحاكي التمثال لذي التمثال مع مباينتهما
ماهية.
وقال آخرون (5) بالأشباح مع المباينة وعدم المحاكاة. ففيه خطأ من النفس
غير أنه خطأ منظم لا يختل به حياة الإنسان، كما لو فرض إنسان يرى الحمرة
خضرة دائما فيرتب على ما يراه خضرة آثار الحمرة دائما.
والبرهان على ثبوت الوجود الذهني أنا نتصور هذه الأمور الموجودة في
الخارج - كالإنسان والفرس مثلا - على نعت الكلية والصرافة، ونحكم عليها بذلك،
ولا نرتاب أن لمتصورنا هذا ثبوتا ما في ظرف وجداننا، وحكمنا عليه بذلك، فهو
موجود بوجود ما، وإذ ليس بهذه النعوت موجودا في الخارج لأنه فيه على نعت
الشخصية والاختلاط فهو موجود في ظرف آخر لا تترتب عليه فيه آثاره
الخارجية ونسميه: (الذهن).

(1) وهم قوم من المتكلمين، كذا في شرح المنظومة ص 30.
(2) وهو فخر الدين الرازي، راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 321.
(3) وهو قوم من المتأخرين على ما في الأسفار ج 1 ص 314. وقال الحكيم السبزواري في
شرح المنظومة ص 31: (والقائل جماعة من الحكماء).
(4) قال الحكيم السبزواري في تعليقته على الأسفار ج 1 ص 314 الرقم (1): (ينسب القول
بالشبح إلى القدماء). ونسبه إليهم المحقق اللاهيجي في شوارق الالهام. ثم أراد توجيه
مذهبهم بحيث يرجع إلى مذهب المتأخرين، فقال: فالحق أن ماهيات الأشياء في الذهن لما
لم يظهر عنها آثارها ولم يصدر عنها أحكامها أطلق القدماء عليها لفظ (الأشباح) لأن شبح
الشئ لا يصدر عنه أثر ذلك الشئ، لا أنهم قائلون بحصول أشباح الأشياء في الذهن).
راجع شوارق الالهام ص 51 - 52.
(5) نسب إلى جماعة من الحكماء، فراجع شرح المنظومة ص 31.
46

وأيضا نتصور أمورا عدمية غير موجودة في الخارج، كالعدم المطلق
والمعدوم المطلق واجتماع النقيضين وسائر المحالات، فلها ثبوت ما عندنا
لاتصافها بأحكام ثبوتية كتميزها من غيرها وحضورها لنا بعد غيبتها عنا وغير
ذلك، وإذ ليس هو الثبوت الخارجي لأنها معدومة فيه ففي الذهن.
ولا نرتاب أن جميع ما نعقله من سنخ واحد، فالأشياء كما أن لها وجودا في
الخارج ذا آثار خارجية، لها وجود في الذهن لا تترتب عليها فيه تلك الآثار
الخارجية، وإن ترتبت عليها آثار أخر غير آثارها الخارجية الخاصة.
ولو كان هذا الذي نعقله من الأشياء هو عين ما في الخارج، كما يذهب إليه
القائل بالإضافة (1)، لم يمكن تعقل ما ليس في الخارج كالعدم والمعدوم، ولم
يتحقق خطأ في علم.
ولو كان الموجود في الذهن شبحا للأمر الخارجي، نسبته إليه نسبة التمثال
إلى ذي التمثال، ارتفعت العينية من حيث الماهية ولزمت السفسطة، لعود علومنا
جهالات، على أن فعلية الانتقال من الحاكي إلى المحكي تتوقف على سبق علم
بالمحكي، والمفروض توقف العلم بالمحكي على الحكاية.
ولو كان كل علم مخطئا في الكشف عما وراءه لزمت السفسطة وأدى إلى
المناقضة، فإن كون كل علم مخطئا يستوجب أيضا كون هذا العلم بالكلية مخطئا
فيكذب، فيصدق نقيضه وهو كون بعض العلم مصيبا.
فقد تحصل أن للماهيات وجودا ذهنيا لا تترتب عليها فيه الآثار كما أن لها
وجودا خارجيا تترتب عليها فيه الآثار. وتبين بذلك انقسام الموجود إلى
خارجي وذهني.
وقد تبين بما مر أمور:
الأمر الأول: أن الماهية الذهنية غير داخلة ولا مندرجة تحت المقولة التي

(1) والقائل بها هو فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 331.
47

كانت داخلة تحتها وهي في الخارج تترتب عليها آثارها، وإنما لها من المقولة
مفهومها فقط، فالإنسان الذهني وإن كان هو الجوهر الجسم النامي الحساس
المتحرك بالإرادة الناطق، لكنه ليس ماهية موجودة لا في موضوع بما أنه جوهر،
ولا ذا أبعاد ثلاثة بما أنه جسم، وهكذا في سائر أجزاء حد الإنسان، فليس له إلا
مفاهيم ما في حده من الأجناس والفصول من غير ترتب الآثار الخارجية، ونعني
بها الكمالات الأولية والثانوية، ولا معنى للدخول والاندراج تحت مقولة إلا
ترتب آثارها الخارجية، وإلا فلو كان مجرد انطباق مفهوم المقولة على شئ كافيا
في اندراجه تحتها كانت المقولة نفسها مندرجة تحت نفسها لحملها على نفسها،
فكانت فردا لنفسها، وهذا معنى قولهم: (إن الجوهر الذهني جوهر بالحمل الأولي
لا بالحمل الشائع) (1).
وأما تقسيم المنطقيين الأفراد إلى ذهنية وخارجية (2) فمبني على المسامحة
تسهيلا للتعليم.
ويندفع بما مر إشكال أوردوه على القول بالوجود الذهني (3)، وهو أن
الذاتيات منحفظة على القول بالوجود الذهني، فإذا تعقلنا الجوهر كان جوهرا
نظرا إلى انحفاظ الذاتيات، وهو بعينه عرض، لقيامه بالنفس قيام العرض
بموضوعه، فكان جوهرا وعرضا بعينه، واستحالته ظاهرة.

(1) راجع الأسفار: ج 1 ص 279.
(2) قالوا: (إن القضية الموجبة إما خارجية وهي التي حكم فيها على أفراد موضوعها
الموجودة في الخارج، وإما ذهنية وهي التي حكم فيها على الأفراد الذهنية فقط، وإما
حقيقية وهي التي حكم فيها على الأفراد النفس الأمرية محققة كانت أو مقدرة).
(3) إن شئت تفصيل البحث عن هذا الإشكال والإشكالات اللاحقة وأجوبتها فراجع الفصل
الثامن من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء، وتعليقة صدر المتألهين عليه ص 126 - 139،
والتعليقات للشيخ الرئيس ص 149 - 147، والأسفار ج 1 ص 277 - 314، و ج 3
ص 305 - 312، والشواهد الربوبية ص 24 - 35، والمباحث المشرقية ج 1
ص 337 - 338، وإيضاح المقاصد ص 6 - 18.
48

وجه الاندفاع: أن المستحيل كون شئ واحد جوهرا وعرضا معا بالحمل
الشائع، والجوهر المعقول جوهر بالحمل الأولي وعرض بالحمل الشائع، فلا
استحالة.
وإشكال ثان: وهو أن لازم القول بالوجود الذهني أن يكون الجوهر المعقول
جوهرا نظرا إلى انحفاظ الذاتيات، والعلم عندهم من الكيفيات النفسانية،
فالمعقول من الجوهر مندرج تحت مقولة الجوهر وتحت مقولة الكيف، وهو
محال، لأدائه إلى تناقض الذات، لكون المقولات متباينة بتمام الذات. وكذا إذا
تعقلنا الكم - مثلا - كانت الصورة المعقولة مندرجة تحت مقولتي الكم والكيف معا،
وهو محال. وكذا إذا تعقلنا الكيف المبصر - مثلا - كان مندرجا تحت نوعين من
مقولة الكيف، وهما الكيف المحسوس والكيف النفساني.
وجه الاندفاع: أنه كيف نفساني بالحمل الشائع، فهو مندرج تحته، وأما غيره
من المقولات أو أنواعها فمحمول عليه بالحمل الأولي، وليس ذلك من الاندراج
في شئ.
إشكال ثالث: وهو أن لازم القول بالوجود الذهني كون النفس حارة وباردة
معا، ومربعا ومثلثا معا، إلى غير ذلك من المتقابلات عند تصورها هذه الأشياء، إذ
لا نعني بالحار والبارد والمربع والمثلث إلا ما حصلت له هذه المعاني التي توجد
للغير وتنعته.
وجه الاندفاع: أن الملاك في كون وجود الشئ لغيره وكونه ناعتا له هو
الحمل الشائع، والذي يوجد في الذهن - من برودة وحرارة ونحوهما - هو كذلك
بالحمل الأولي دون الشائع.
وإشكال رابع: وهو أن اللازم منه كون شئ واحد كليا وجزئيا معا، وبطلانه
ظاهر. بيان الملازمة: أن الإنسان المعقول - مثلا - من حيث تجويز العقل صدقه
على كثيرين كلي، وهو بعينه من حيث كونه موجودا قائما بنفس واحدة شخصية
يتميز بها عن غيره جزئي، فهو كلي وجزئي معا.
49

وجه الاندفاع: أن الجهة مختلفة، فالإنسان المعقول - مثلا - من حيث إنه
مقيس إلى الخارج كلي، ومن حيث إنه كيف نفساني قائم بالنفس غير مقيس إلى
الخارج جزئي.
وإشكال خامس: وهو أنا نتصور المحالات الذاتية، كشريك البارئ وسلب
الشئ عن نفسه واجتماع النقيضين وارتفاعهما، فلو كانت الأشياء حاصلة
بذواتها في الذهن استلزم ذلك ثبوت المحالات الذاتية.
وجه الاندفاع: أن الثابت في الذهن إنما هو مفاهيمها بالحمل الأولي لا
مصاديقها بالحمل الشائع. فالمتصور من شريك البارئ هو شريك البارئ بالحمل
الأولي. وأما بالحمل الشائع فهو ممكن وكيف نفساني معلول للبارئ مخلوق له.
الأمر الثاني: أن الوجود الذهني لما كان لذاته مقيسا إلى الخارج كان بذاته
حاكيا لما وراءه، فامتنع أن يكون للشئ وجود ذهني من دون أن يكون له وجود
خارجي محقق كالماهيات الحقيقية المنتزعة من الوجود الخارجي، أو مقدر
كالمفاهيم غير الماهوية التي يتعملها الذهن بنوع من الاستمداد من معقولاته،
فيتصور مفهوم العدم - مثلا - ويقدر له ثبوتا ما يحكيه بما تصوره من المفهوم.
وبالجملة شأن الوجود الذهني الحكاية لما وراءه من دون أن تترتب آثار
المحكي على الحاكي. ولا ينافي ذلك ترتب آثار نفسه الخاصة به من حيث إن له
ماهية الكيف. وكذا لا ينافيه ما سيأتي (1) أن الصور العلمية مطلقا مجردة عن
المادة، فإن ترتب آثار الكيف النفساني وكذا التجرد حكم الصور العلمية في نفسها
والحكاية، وعدم ترتب الآثار حكمها قياسا إلى الخارج، ومن حيث كونها وجودا
ذهنيا لماهية كذا خارجية.
ويندفع بذلك إشكال أوردوه على القائلين بالوجود الذهني (2)، وهو أنا

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة الحادية عشرة.
(2) إن هذا الإشكال مستفاد مما أورده أصحاب الشعاع - وهم الرياضيون - على أصحاب الانطباع - يعني المعلم الأول ومن تبعه - في كيفية الإبصار، فإنهم أوردوا عليهم بأن الجبل إذا
رأيناه مع عظمه، والرؤية إنما هي بالصورة المنطبعة في الجليدية، فإن كان هذا المقدار العظيم
للصورة المنطبعة فكيف حصل المقدار الكبير في حدقة صغيرة. راجع شرح حكمة الاشراق
ص 269.
50

نتصور الأرض على سعتها بسهولها وبراريها وجبالها وما يحيط بها من السماء
بأرجائها البعيدة، والنجوم والكواكب بأبعادها الشاسعة، وحصول هذه المقادير
العظيمة في الذهن - أي انطباعها في جزء عصبي أو جزء دماغي - من انطباع
الكبير في الصغير، وهو محال.
ولا يجدي الجواب عنه بما قيل (1): (إن المحل الذي ينطبع فيه الصور منقسم
إلى غير النهاية)، فإن الكف لا تسع الجبل وإن كانت منقسمة إلى غير النهاية (2).
وجه الاندفاع: أن الحق - كما سيأتي بيانه (3) -، أن الصور العلمية الجزئية غير
مادية، بل مجردة تجردا مثاليا فيه آثار المادة من الأبعاد والألوان والأشكال،
دون نفس المادة، والإنطباع من أحكام المادة، ولا انطباع في المجرد.
وبذلك يندفع أيضا إشكال آخر: هو أن الاحساس والتخيل على ما بينه علماء
الطبيعة بحصول صور الأجسام بما لها من النسب والخصوصيات الخارجية في
الأعضاء الحساسة وانتقالها إلى الدماغ، مع ما لها من التصرف في الصور بحسب
طبائعها الخاصة، والإنسان ينتقل إلى خصوصيات مقاديرها وأبعادها وأشكالها
بنوع من المقايسة بين أجزاء الصورة الحاصلة عنده - على ما فصلوه في محله -

(1) والقائل بعض من أصحاب الانطباع. قال الشيخ الإشراقي - بعد ذكر ما أورده أصحاب
الشعاع على أصحاب الانطباع - ما حاصله: (أجاب بعض من أصحاب الانطباع عن هذا
الايراد - وهو استبعاد حصول المقدار الكبير في الصغير - بأن الرطوبة الجليدية تقبل القسمة
إلى غير النهاية، والجبل أيضا صورته قابلة للقسمة إلى غير النهاية، وإذا اشتركا في لا نهاية
القسمة فيجوز أن يحصل المقدار الكبير فيها) - انتهى. راجع شرح حكمة الاشراق ص 269.
(2) هكذا قال صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 299. وصرح أيضا الشيخ الإشراقي ببطلان
ذلك الجواب، فراجع شرح حكمة الاشراق ص 269.
(3) راجع الفصل الأول والثاني من المرحلة الحادية عشرة.
51

ومن الواضح أن هذه الصور الحاصلة المنطبعة بخصوصياتها في محل مادي مباينة
للماهيات الخارجية، فلا مسوغ للقول بالوجود الذهني وحضور الماهيات
الخارجية بأنفسها في الأذهان.
وجه الاندفاع: أن ما ذكروه - من الفعل والانفعال الماديين عند حصول العلم
بالجزئيات - في محله، لكن هذه الصور المنطبعة ليست هي المعلومة بالذات، وإنما
هي أمور مادية معدة للنفس تهيئها لحضور الماهيات الخارجية عندها بصور
مثالية مجردة غير مادية بناء على ما سيتبين من تجرد العلم مطلقا (1)، وقد عرفت
أيضا (2) أن القول بمغايرة الصور عند الحس والتخيل لذوات الصور التي في
الخارج لا ينفك عن السفسطة.
الأمر الثالث: أنه لما كانت الماهيات الحقيقية التي تترتب عليها آثارها في
الخارج هي التي تحل الأذهان بدون ترتب آثارها الخارجية، فلو فرض هناك
أمر حيثية ذاته عين أنه في الخارج ونفس ترتب الآثار كنفس الوجود العيني
وصفاته القائمة به كالقوة والفعل والوحدة والكثرة ونحوها، كان ممتنع الحصول
بنفسها في الذهن، وكذا لو فرض أمر حيثية ذاته المفروضة حيثية البطلان وفقدان
الآثار كالعدم المطلق وما يؤول إليه، امتنع حلوله الذهن.
فحقيقة الوجود وكل ما حيثية ذاته حيثية الوجود، وكذا العدم المطلق وكل ما
حيثية ذاته المفروضة حيثية العدم يمتنع أن يحل الذهن حلول الماهيات الحقيقية.
وإلى هذا يرجع معنى قولهم: (إن المحالات الذاتية لا صورة صحيحة لها في
الأذهان).
وسيأتي إن شاء الله بيان كيفية انتزاع مفهوم الوجود وما يتصف به والعدم وما
يؤول إليه في مباحث العقل والعاقل والمعقول (3).

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة الحادية عشرة.
(2) في بدو هذا الفصل.
(3) راجع الفصل الأول من المرحلة الحادية عشرة.
52

المرحلة الرابعة
في مواد القضايا
[الوجوب والامتناع والإمكان]
وانحصارها في ثلاث
والمقصود بالذات فيها بيان انقسام الموجود إلى الواجب والممكن،
والبحث عن خواصهما، وأما البحث عن الممتنع وخواصه
فمقصود بالتبع وبالقصد الثاني
وفيها ثمانية فصول
53

الفصل الأول
في أن كل مفهوم إما واجب وإما ممكن وإما ممتنع
كل مفهوم فرضناه ثم نسبنا إليه الوجود، فإما أن يكون الوجود ضروري
الثبوت له وهو الوجوب، أو يكون ضروري الانتفاء عنه - وذاك كون العدم
ضروريا له - وهو الامتناع، أو لا يكون الوجود ضروريا له ولا العدم ضروريا له
وهو الإمكان. وأما احتمال كون الوجود والعدم معا ضروريين له فمندفع بأدنى
التفات (1). فكل مفهوم مفروض إما واجب وإما ممتنع وإما ممكن.
وهذه قضية منفصلة حقيقية مقتنصة من تقسيمين دائرين بين النفي والإثبات
بأن يقال: (كل مفهوم مفروض فإما أن يكون الوجود ضروريا له أو لا. وعلى
الثاني فإما أن يكون العدم ضروريا له أو لا. الأول هو الواجب، والثاني هو
الممتنع، والثالث هو الممكن).
والذي يعطيه التقسيم من تعريف المواد الثلاث أن وجوب الشئ كون
وجوده ضروريا له، وامتناعه كون عدمه ضروريا له، وإمكانه سلب الضرورتين
بالنسبة إليه، فالواجب ما يجب وجوده، والممتنع ما يجب عدمه، والممكن ما ليس

(1) للزوم اجتماع النقيضين.
55

يجب وجوده ولا عدمه (1).
وهذه جميعا تعريفات لفظية من قبيل شرح الاسم المفيد للتنبيه، وليست
بتعريفات حقيقية (2)، لأن الضرورة واللا ضرورة من المعاني البينة البديهية التي
ترتسم في النفس ارتساما أوليا تعرف بنفسها ويعرف بها غيرها. ولذلك من حاول
أن يعرفها تعريفا حقيقيا أتى بتعريفات دورية، كتعريف الممكن ب‍ (ما ليس
بممتنع) (3)، وتعريف الواجب ب‍ (ما يلزم من فرض عدمه محال) أو (ما فرض
عدمه محال) (4)، وتعريف المحال ب‍ (ما يجب أن لا يكون) إلى غير ذلك.
والذي يقع البحث عنه في هذا الفن - الباحث عن الموجود بما هو موجود -
بالقصد الأول من هذه المواد الثلاث هو الوجوب والإمكان - كما تقدمت الإشارة
إليه (5) -، وهما وصفان ينقسم بهما الموجود من حيث نسبة وجوده إليه انقساما
أوليا.
وبذلك يندفع ما أورد على كون الإمكان وصفا ثابتا للممكن يحاذي
الوجوب الذي هو وصف ثابت للواجب. تقريره: أن الإمكان - كما تحصل من
التقسيم السابق - سلب ضرورة الوجوب وسلب ضرورة العدم، فهما سلبان اثنان،

(1) قال الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 113: (ولما كان الوجوب أقرب إليه [أي إلى
العقل] لا جرم كان أعرف عند العقل، فلهذا يكون تعريف الإمكان والامتناع بالوجوب أولى
من العكس). وقريب منه ما في الفصل الخامس من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء،
والمطارحات ص 210.
(2) و نبه عليه أكثر المحققين، فراجع الفصل الخامس من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء،
والأسفار ج 1 ص 83، والتحصيل ص 291، وشرح المواقف ص 128، وشرح المقاصد ج 1
ص 114، والمباحث المشرقية ج 1 ص 113، وشرح التجريد للقوشجي ص 29، وشوارق
الالهام ص 86، وشرح المنظومة ص 63، وكشف المراد ص 42.
(3) قال الشيخ الإشراقي: (والعامة قد يعنون بالممكن ما ليس بممتنع) راجع شرح حكمة
الاشراق ص 78.
(4) هكذا عرفه الشيخ الرئيس في النجاة ص 224.
(5) في صدر هذا الفصل.
56

وإن عبر عنهما بنحو قولهم: (سلب الضرورتين)، فكيف يكون صفة واحدة ناعتة
للممكن؟! سلمنا أنه يرجع إلى سلب الضرورتين، وأنه سلب واحد، لكنه - كما
يظهر من التقسيم - سلب تحصيلي لا إيجاب عدولي، فما معنى اتصاف الممكن به
في الخارج ولا اتصاف إلا بالعدول؟ كما اضطروا إلى التعبير عن الإمكان بأنه لا
ضرورة الوجود والعدم، وبأنه استواء نسبة الماهية إلى الوجود والعدم عندما
شرعوا في بيان خواص الإمكان ككونه لا يفارق الماهية وكونه علة للحاجة إلى
العلة، إلى غير ذلك.
وجه الاندفاع (1): أن القضية المعدولة المحمول تساوي السالبة المحصلة عند
وجود الموضوع (2)، وقولنا: (ليس بعض الموجود ضروري الوجود ولا العدم)
وكذا قولنا: (ليست الماهية من حيث هي ضرورية الوجود ولا العدم) الموضوع
فيه موجود، فيتساوى الايجاب العدولي والسلب التحصيلي في الإمكان. ثم لهذا
السلب نسبة إلى الضرورة وإلى موضوعه المسلوب عنه الضرورتان، يتميز بها من
غيره، فيكون عدما مضافا، له حظ من الوجود وله ما تترتب عليه من الآثار، وإن
وجده العقل أول ما يجد في صورة السلب التحصيلي كما يجد العمى - وهو عدم
مضاف - كذلك أول ما يجده.
ويتفرع على ما تقدم أمور:
الأمر الأول: أن موضوع الإمكان هو الماهية، إذ لا يتصف الشئ بلا ضرورة
الوجود والعدم إلا إذا كان في نفسه خلوا من الوجود والعدم جميعا وليس إلا
الماهية من حيث هي، فكل ممكن فهو ذو ماهية. وبذلك يظهر معنى قولهم: (كل
ممكن زوج تركيبي، له ماهية ووجود) (3).
وأما إطلاق الممكن على وجود غير الواجب بالذات وتسميته بالوجود

(1) ولمزيد التوضيح راجع تعليقات المصنف قدس سره على الأسفار ج 1 ص 163 و 169.
(2) كما صرح به الحكيم السبزواري في تعليقاته على الأسفار ج 1 ص 170.
(3) راجع الفصل السابع من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء.
57

الإمكاني فاصطلاح آخر في الإمكان. والوجوب يستعمل فيه الإمكان والوجوب
بمعنى الفقر الذاتي والغنى الذاتي، وليس يراد به سلب الضرورتين أو استواء
النسبة إلى الوجود والعدم، إذ لا يعقل ذلك بالنسبة إلى الوجود.
الأمر الثاني: أن الإمكان لازم الماهية، إذ لو لم يلزمها جاز أن تخلو منه
فكانت واجبة أو ممتنعة، فكانت في نفسها موجودة أو معدومة، والماهية من حيث
هي لا موجودة ولا معدومة.
والمراد بكونه لازما لها أن فرض الماهية من حيث هي يكفي في اتصافها
بالإمكان من غير حاجة إلى أمر زائد دون اللزوم الاصطلاحي، وهو كون الملزوم
علة مقتضية لتحقق اللازم ولحوقه به، إذ لا اقتضاء في مرتبة الماهية من حيث هي
إثباتا ونفيا.
لا يقال: تحقق سلب الضرورتين في مرتبة ذات الماهية يقضي بكون الإمكان
داخلا في ذات الشئ، وهو ظاهر الفساد.
فإنا نقول: إنما يكون محمول من المحمولات داخلا في الذات إذا كان الحمل
حملا أوليا ملاكه الاتحاد المفهومي، دون الحمل الشائع الذي ملاكه الاتحاد
الوجودي، والإمكان وسائر لوازم الماهيات الحمل بينها وبين الماهية من حيث
هي حمل شائع لا أولي.
الأمر الثالث: أن الإمكان موجود بوجود موضوعه في الأعيان، وليس
اعتبارا عقليا محضا لا صورة له في الأعيان كما قال به بعضهم (1)، ولا أنه موجود

(1) نسب إلى الشيخ الإشراقي، فراجع الأسفار ج 1 ص 172 حيث قال: (قد وضع شيخ
الإشراقيين قاعدة لكون الإمكان وأشباهه أوصافا عقلية لا صورة لها في الأعيان). وراجع
حكمة الاشراق ص 71 - 72 حيث قال: (وأما الصفات العقلية إذا اشتق منها وصارت
محمولة كقولنا: (كل جسم هو ممكن) فالممكنية والإمكان كلاهما عقليان فحسب - أي
ليس شئ منهما بخارجي -). وراجع أيضا شرح حكمة الاشراق ص 200، والمطارحات
ص 343، والتلويحات ص 25، وذهب إليه أيضا المحقق الطوسي واستدل عليه بوجوه،
فراجع كشف المراد ص 49 - 51، وشرح التجريد للقوشجي ص 33 - 35، والمسألة
العشرين من الفصل الأول من شوارق الالهام.
58

في الخارج بوجود مستقل منحاز كما قال به آخرون (1).
أما أنه موجود في الأعيان بوجود موضوعه فلأنه قسيم في التقسيم
للواجب الذي ضرورة وجوده في الأعيان، فارتفاع الضرورة الذي هو الإمكان
هو في الأعيان. وإذ كان موضوعا في التقسيم المقتضي لاتصاف المقسم بكل
واحد من الأقسام كان في معنى وصف ثبوتي يتصف به موضوعه، فهو معنى
عدمي له حظ من الوجود والماهية متصفة به في الأعيان. وإذ كانت متصفة به في
الأعيان فله وجود فيها على حد الأعدام المضافة التي هي أوصاف عدمية ناعتة
لموصوفاتها موجودة بوجودها، والآثار المترتبة عليه في الحقيقة هي ارتفاع آثار
الوجوب من صرافة الوجود وبساطة الذات والغنى عن الغير وغير ذلك.
وقد اتضح بهذا البيان فساد قول من قال (2): (إن الإمكان من الاعتبارات
العقلية المحضة التي لا صورة لها في خارج ولا ذهن). وذلك لظهور أن ضرورة
وجود الموجود أمر وعاؤه الخارج وله آثار خارجية وجودية.
وكذا قول من قال (3): (إن للإمكان وجودا في الخارج منحازا مستقلا).
وذلك لظهور أنه معنى عدمي واحد مشترك بين الماهيات ثابت بثبوتها في
أنفسها، وهو سلب الضرورتين، ولا معنى لوجود الأعدام بوجود منحاز مستقل.
على أنه لو كان موجودا في الأعيان بوجود منحاز مستقل كان إما واجبا بالذات
وهو ضروري البطلان، وإما ممكنا وهو خارج عن ثبوت الماهية، لا يكفي فيه
ثبوتها في نفسها، فكان بالغير، وسيجئ استحالة الإمكان بالغير (4).

(1) وهم الحكماء المشاؤون من أتباع المعلم الأول، راجع الأسفار ج 1 ص 139.
(2) والقائل هو الشيخ الإشراقي والمحقق الطوسي.
(3) والقائل هم الحكماء المشاؤون من أتباع المعلم الأول كما مر.
(4) راجع الفصل الآتي.
59

وقد استدلوا (1) على ذلك بوجوه (2): أوجهها أن الممكن لو لم يكن ممكنا في
الأعيان لكان إما واجبا فيها أو ممتنعا فيها، فيكون الممكن ضروري الوجود أو
ضروري العدم، هذا محال.
ويرده (3): أن الاتصاف بوصف في الأعيان لا يستلزم تحقق الوصف فيها
بوجود منحاز مستقل، بل يكفي فيه أن يكون موجودا بوجود موصوفه. والإمكان
من المعقولات الثانية الفلسفية التي عروضها في الذهن والاتصاف بها في الخارج،
وهي موجودة في الخارج بوجود موضوعاتها.
وقد تبين مما تقدم أن الإمكان معنى واحد مشترك كمفهوم الوجود.
تنبيه: [في أقسام الضرورة]
تنقسم الضرورة إلى ضرورة أزلية، وهي: كون المحمول ضروريا للموضوع
لذاته من دون أي قيد وشرط حتى الوجود، وتختص بما إذا كانت ذات الموضوع
وجودا قائما بنفسه بحتا لا يشوبه عدم ولا تحده ماهية، وهو الوجود الواجبي
(تعالى وتقدس) فيما يوصف به من صفاته التي هي عين ذاته. وإلى ضرورة
ذاتية، وهي: كون المحمول ضروريا للموضوع لذاته مع الوجود لا بالوجود،
كقولنا: (كل إنسان حيوان بالضرورة) (4) فالحيوانية ذاتية للإنسان ضرورية له ما
دام موجودا ومع الوجود، ولولاه لكان باطل الذات، لا إنسان ولا حيوان. وإلى
ضرورة وصفية، وهي: كون المحمول ضروريا للموضوع لوصفه، كقولنا: (كل
كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبا). وإلى ضرورة وقتية (5)، ومرجعها

(1) أي القائلين بأن للإمكان وجودا في الخارج منحازا مستقلا. (2) تعرض لها صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 178 - 179.
(3) هكذا رده صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 180.
(4) وكقولنا: (الإنسان إنسان بالضرورة) وقولنا: (الأربعة زوج بالضرورة).
(5) كقولنا: (كل قمر منخسف بالضرورة وقت الحيلولة)، وقولنا: (كل إنسان متنفس
بالضرورة وقتا ما).
60

إلى الضرورة الوصفية بوجه.
تنبيه آخر: [في أقسام الإمكان]
هذا الذي تقدم - من معنى الإمكان - هو المبحوث عنه في هذه المباحث، وهو
إحدى الجهات الثلاث التي لا يخلو عن واحدة منها شئ من القضايا (1). وقد كان
الإمكان عند العامة يستعمل في سلب الضرورة عن الجانب المخالف، ولازمه
سلب الامتناع عن الجانب الموافق. ويصدق في الموجبة فيما إذا كان الجانب
الموافق ضروريا، نحو (الكاتب متحرك الأصابع بالإمكان)، أو مسلوب الضرورة،
نحو (الإنسان متحرك الأصابع بالإمكان). ويصدق في السالبة فيما إذا كان
الجانب الموافق ممتنعا، نحو (ليس الكاتب بساكن الأصابع بالإمكان)، أو
مسلوب الضرورة، نحو (ليس الإنسان بساكن الأصابع بالإمكان).
فالإمكان بهذا المعنى أعم موردا من الإمكان بالمعنى المتقدم - أعني سلب
الضرورتين - ومن كل من الوجوب والامتناع، لا أنه أعم مفهوما، إذ لا جامع
مفهومي بين الجهات.
ثم نقله الحكماء إلى خصوص سلب الضرورة من الجانبين، وسموه: (إمكانا
خاصا وخاصيا)، وسموا ما عند العامة: (إمكانا عاما وعاميا).
وربما أطلق الإمكان وأريد به سلب الضرورات الذاتية والوصفية والوقتية،
وهو أخص من الإمكان الخاص، ولذا يسمى: (الإمكان الأخص)، نحو
(الإنسان كاتب بالإمكان)، فالماهية الإنسانية لا تستوجب الكتابة، لا لذاتها ولا
لوصف ولا في وقت مأخوذين في القضية.

(1) بخلاف صاحب المواقف، فإنه قال: (واعلم أن هذه غير الوجوب والإمكان والامتناع التي
هي جهات القضايا وموادها...)، فراجع شرح المواقف ص 131، واعترض عليه شارح
المقاصد بأنه: (إن أراد كونها واجبة لذوات اللوازم فالملازمة ممنوعة، أو لذوات الماهيات
فبطلان التالي ممنوع فإن معناه أنها واجبة الثبوت للماهيات نظرا إلى ذواتها من غير
احتياج إلى أمر آخر)، راجع شرح المقاصد ج 1 ص 115.
61

وربما أطلق الإمكان وأريد به سلب الضرورات جميعا حتى الضرورة بشرط
المحمول، وهو في الأمور المستقبلة التي لم يتعين فيها إيجاب ولا سلب.
فالضرورة مسلوبة عنها حتى بحسب المحمول إيجابا وسلبا. وهذا الاعتبار
بحسب النظر البسيط العامي الذي من شأنه الجهل بالحوادث المستقبلة لعدم
إحاطته بالعلل والأسباب، وإلا فلكل أمر مفروض بحسب ظرفه إما الوجود
والوجوب وإما العدم والامتناع.
وربما أطلق الإمكان وأريد به الإمكان الاستعدادي، وهو وصف وجودي من
الكيفيات القائمة بالمادة، تقبل به المادة الفعليات المختلفة. والفرق بينه وبين
الإمكان الخاص أنه صفة وجودية تقبل الشدة والضعف والقرب والبعد من
الفعلية، موضوعه المادة الموجودة ويبطل منها بوجود المستعد، بخلاف الإمكان
الخاص الذي هو معنى عقلي لا يتصف بشدة وضعف ولا قرب وبعد، وموضوعه
الماهية من حيث هي، لا يفارق الماهية موجودة كانت أو معدومة.
وربما أطلق الإمكان وأريد به كون الشئ بحيث لا يلزم من فرض وقوعه
محال، ويسمى: (الإمكان الوقوعي).
وربما أطلق الإمكان وأريد به ما للوجود المعلولي من التعلق والتقوم بالوجود
العلي، وخاصة الفقر الذاتي للوجود الامكاني بالنسبة إلى الوجود الواجبي (جل
وعلا)، ويسمى: (الإمكان الفقري) و (الوجودي) قبال الإمكان الماهوي.
تنبيه آخر:
الجهات الثلاث المذكورة لا تختص بالقضايا التي محمولها الوجود، بل
تتخلل واحدة منها بين أي محمول مفروض نسب إلى أي موضوع مفروض، غير
أن الفلسفة لا تتعرض منها إلا بما يتخلل بين الوجود وعوارضه الذاتية لكون
موضوعها الموجود بما هو موجود.
62

الفصل الثاني
في انقسام كل من المواد الثلاث إلى ما بالذات
وما بالغير وما بالقياس إلى الغير، إلا الإمكان
ينقسم كل من هذه المواد الثلاث إلى ما بالذات وما بالغير وما بالقياس إلى
الغير، إلا الإمكان، فلا إمكان بالغير (1).
والمراد بما بالذات أن يكون وضع الذات - مع قطع النظر عن جميع ما عداه -
كافيا في اتصافه، وبما بالغير أن لا يكفي فيه وضعه كذلك، بل يتوقف على إعطاء
الغير واقتضائه، وبما بالقياس إلى الغير أن يكون الاتصاف بالنظر إلى الغير على
سبيل استدعائه الأعم من الاقتضاء.
فالوجوب بالذات كضرورة الوجود لذات الواجب (تعالى) لذاته بذاته،
والوجوب بالغير، كضرورة وجود الممكن التي تلحقه من ناحية علته التامة،
والامتناع بالذات، كضرورة العدم للمحالات الذاتية التي لا تقبل الوجود لذاتها
المفروضة، كاجتماع النقيضين وارتفاعهما وسلب الشئ عن نفسه، والامتناع
بالغير، كضرورة عدم الممكن التي تلحقه من ناحية عدم علته، والإمكان بالذات
كون الشئ في حد ذاته مع قطع النظر عن جميع ما عداه مسلوبة عنه ضرورة
الوجود وضرورة العدم.
وأما الإمكان بالغير فممتنع - كما تقدمت الإشارة إليه (2) -. وذلك لأنه لو

(1) راجع الأسفار ج 1 ص 161 - 171، وشوارق الالهام ص 87 - 88، وشرح التجريد
للقوشجي ص 36، وكشف المراد ص 52.
(2) حيث قال: (فلا إمكان بالغير). ولا يخفى أن الإمكان بالغير غير الإمكان الغيري فإن
المراد من الإمكان في الإمكان بالغير هو الإمكان العرضي وفي الإمكان الغيري هو الإمكان
الذاتي. بيان ذلك: أن الإمكان قسمان: (أحدهما) الإمكان بالعرض بمعنى أن يكون الشئ
غير ممكن ثم يصير ممكنا بسبب الغير، وهذا هو الممكن بالغير الذي ثبتت استحالته.
و (ثانيهما) الإمكان بالذات وهو أن يكون الشئ ممكنا في حد ذاته، وهذا هو الممكن
الغيري الذي اتصف به الممكنات.
63

لحق الشئ إمكان بالغير من علة مقتضية من خارج لكان الشئ في حد نفسه مع
قطع النظر عما عداه إما واجبا بالذات أو ممتنعا بالذات أو ممكنا بالذات، لما
تقدم (1) أن القسمة إلى الثلاثة حاصرة. وعلى الأولين يلزم الانقلاب بلحوق
الإمكان له من خارج. وعلى الثالث - أعني كونه ممكنا بالذات - فإما أن يكون
بحيث لو فرضنا ارتفاع العلة الخارجة بقى الشئ على ما كان عليه من الإمكان،
فلا تأثير للغير فيه لاستواء وجوده وعدمه وقد فرض مؤثرا، هذا خلف. وإن لم
يبق على إمكانه لم يكن ممكنا بالذات وقد فرض كذلك، هذا خلف.
هذا لو كان ما بالذات وما بالغير إمكانا واحدا هو بالذات وبالغير معا، ولو
فرض كونهما إمكانين اثنين بالذات وبالغير كان لشئ واحد من حيثية واحدة
إمكانان لوجود واحد، وهو واضح الفساد كتحقق وجودين لشئ واحد.
وأيضا في فرض الإمكان بالغير فرض العلة الخارجة الموجبة للإمكان، وهو
في معنى ارتفاع النقيضين، لأن الغير الذي يفيد الإمكان الذي هو لا ضرورة
الوجود والعدم لا يفيده إلا برفع العلة الموجبة للوجود ورفع العلة الموجبة للعدم
التي هي عدم العلة الموجبة للوجود، فإفادتها الإمكان لا تتم إلا برفعها وجود
العلة الموجبة للوجود وعدمها معا، وفيه ارتفاع النقيضين.
والوجوب بالقياس إلى الغير كوجوب العلة إذا قيست إلى معلولها باستدعاء
منه، فإنه بوجوده يأبى إلا أن تكون علته موجودة، وكوجوب المعلول إذا قيس
إلى علته التامة باقتضاء منها، فإنها بوجودها تأبى إلا أن يكون معلولها موجودا،
وكوجوب أحد المتضائفين إذا قيس إلى وجود الآخر. والضابط فيه أن تكون بين
المقيس والمقيس إليه علية ومعلولية أو يكونا معلولي علة واحدة، إذ لولا رابطة
العلية بينهما لم يتوقف أحدهما على الآخر فلم يجب عند ثبوت أحدهما ثبوت الآخر.
والامتناع بالقياس إلى الغير كامتناع وجود العلة التامة إذا قيس إلى عدم

(1) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
64

المعلول بالاستدعاء، وكامتناع وجود المعلول إذا قيس إلى عدم العلة بالاقتضاء،
وكامتناع وجود أحد المتضائفين إذا قيس إلى عدم الآخر وعدمه إذا قيس إلى
وجود الآخر.
والإمكان بالقياس إلى الغير حال الشئ إذا قيس إلى ما لا يستدعي وجوده
ولا عدمه. والضابط أن لا تكون بينهما علية ومعلولية، ولا معلوليتهما لواحد ثالث.
ولا إمكان بالقياس بين موجودين، لأن الشئ المقيس إما واجب بالذات
مقيس إلى ممكن أو بالعكس وبينهما علية ومعلولية، وإما ممكن مقيس إلى ممكن
آخر وهما ينتهيان إلى الواجب بالذات.
نعم، للواجب بالذات إمكان بالقياس إذا قيس إلى واجب آخر مفروض أو
إلى معلولاته من خلقه، حيث ليست بينهما علية ومعلولية، ولا هما معلولان لواحد
ثالث. ونظير الواجبين بالذات المفروضين، الممتنعان بالذات إذا قيس أحدهما
إلى الآخر أو إلى ما يستلزمه الآخر. وكذا الإمكان بالقياس بين الواجب بالذات
والممكن المعدوم، لعدم بعض شرائط وجوده، فإنه معلول انعدام علته التامة التي
يصير الواجب بالذات على الفرض جزءا من أجزائها غير موجب للممكن
المفروض، فللواجب بالذات إمكان بالقياس إليه وبالعكس.
وقد تبين بما مر:
أولا: أن الواجب بالذات لا يكون واجبا بالغير ولا ممتنعا بالغير، وكذا الممتنع
بالذات لا يكون ممتنعا بالغير ولا واجبا بالغير. ويتبين به أن كل واجب بالغير فهو
ممكن، وكذا كل ممتنع بالغير فهو ممكن.
وثانيا: أنه لو فرض واجبان بالذات لم تكن بينهما علاقة لزومية، وذلك
لأنها إنما تتحقق بين شيئين أحدهما علة للآخر أو هما معلولا علة ثالثة (1)، ولا

(1) اعلم أن حصر العلاقة اللزومية في العلاقة العلية من مذهب الشيخ الرئيس في الشفاء،
فراجع الفصل السادس من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء. ثم تبعه صدر المتألهين في
تعليقته عليه ص 32، وكذا المصنف هاهنا.
65

سبيل للمعلولية إلى واجب بالذات.
الفصل الثالث
في أن واجب الوجود بالذات ماهيته إنيته
واجب الوجود بالذات ماهيته إنيته بمعنى أن لا ماهية له وراء وجوده الخاص به.
والمسألة بينة بالعطف على ما تقدم (1) من أن الإمكان لازم الماهية، فكل
ماهية فهي ممكنة، وينعكس إلى أن ما ليس بممكن فلا ماهية له، فلا ماهية
للواجب بالذات وراء وجوده الواجبي.
وقد أقاموا عليه مع ذلك حججا (2).
أمتنها: أنه لو كان للواجب بالذات ماهية وراء وجوده الخاص به كان
وجوده زائدا عليها عرضيا لها، وكل عرضي معلل، فكان وجوده معلولا إما
لماهيته أو لغيرها، والثاني - وهو المعلولية للغير - ينافي وجوب الوجود بالذات،
والأول - وهو معلوليته لماهيته - يستوجب تقدم ماهيته على وجوده بالوجود،
لوجوب تقدم العلة على معلولها بالوجود بالضرورة، فلو كان هذا الوجود المتقدم
عين وجود المتأخر لزم تقدم الشئ على نفسه وهو محال، ولو كان غيره لزم أن
توجد ماهية واحدة بأكثر من وجود واحد، وقد تقدمت استحالته (3). على أنا

(1) في الأمر الأول من الأمور المذكورة في الفصل الأول من المرحلة الرابعة.
(2) راجع الفصل الرابع من المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء، والتحصيل ص 571،
والتلويحات ص 34 - 35، والمقاومات ص 175، والمطارحات ص 398 - 399، وشرح
الإشارات ج 3 ص 35 و 39 و 58، والمبدأ والمعاد لصدر المتألهين ص 27 - 29، والأسفار
ج 1 ص 96 - 113، و ج 6 ص 48 - 57، وشرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 283 - 288، وللميبدي ص 167، و شوارق الالهام ص 99 - 108، وشرح التجريد للقوشجي ص 52، وشرح المنظومة ص 21 - 22، وقواعد المرام في علم الكلام ص 45 - 46، ومصباح الأنس ص 67 - 69، والرسالة العرشية للشيخ الرئيس ص 4.
(3) في الفصل الخامس من المرحلة الأولى.
66

ننقل الكلام إلى الوجود المتقدم فيتسلسل.
واعترض عليه (1): بأنه لم لا يجوز أن تكون ماهيته علة مقتضية لوجوده،
وهي متقدمة عليه تقدما بالماهية، كما أن أجزاء الماهية علل قوامها وهي متقدمة
عليها تقدما بالماهية لا بالوجود؟
ودفع (2): بأن الضرورة قائمة على توقف المعلول في نحو وجوده على وجود
علته، فتقدم العلة في نحو ثبوت المعلول غير أنه أشد، فإن كان ثبوت المعلول
ثبوتا خارجيا كان تقدم العلة عليه في الوجود الخارجي، وإن كان ثبوتا ذهنيا
فكذلك.
وإذ كان وجود الواجب لذاته حقيقيا خارجيا وكانت له ماهية هي علة موجبة
لوجوده كان من الواجب أن تتقدم ماهيته عليه في الوجود الخارجي لا في
الثبوت الماهوي، فالمحذور على حاله.
حجة أخرى (3): كل ماهية فإن العقل يجوز بالنظر إلى ذاتها أن تتحقق لها وراء
ما وجد لها من الأفراد أفراد أخر إلى ما لا نهاية له. فما لم يتحقق من فرد
فلامتناعه بالغير، إذ لو كان لامتناعه بذاته لم يتحقق منه فرد أصلا.
فإذا فرض هذا الذي له ماهية واجبا بالذات كانت ماهيته كلية لها وراء ما
وجد من أفراده في الخارج أفراد معدومة جائزة الوجود بالنظر إلى نفس الماهية
وإنما امتنعت بالغير، ومن المعلوم أن الامتناع بالغير لا يجامع الوجوب بالذات،
وقد تقدم أن كل واجب بالغير وممتنع بالغير فهو ممكن (4)، فإذن الواجب بالذات
لا ماهية له وراء وجوده الخاص

(1) والمعترض فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 37 - 38، والمطالب العالية
ج 1 ص 309، وشرحي الإشارات ج 1 ص 203.
(2) هكذا دفعه المحقق الطوسي في شرح الإشارات ج 3 ص 38 - 40، وشرحي الإشارات ج
1 ص 203.
(3) وهذه ما أفاده شيخ الاشراق في التلويحات ص 34 - 35. وتعرض لها أيضا صدر
المتألهين في الأسفار ج 1 ص 103. (4) راجع الفصل الثاني من المرحلة الرابعة.
67

واعترض عليه (1): بأنه لم لا يجوز أن يكون للواجب بالذات حقيقة وجودية
غير زائدة على ذاته بل هو عين ذاته، ثم العقل يحلله إلى وجود ومعروض له
جزئي شخصي غير كلي هو ماهيته؟
ودفع (2): بأنه مبني على ما هو الحق من أن التشخص بالوجود لا غير (3)،
وسيأتي في مباحث الماهية (4).
فقد تبين بما مر، أن الواجب بالذات حقيقة وجودية لا ماهية لها تحدها، هي
بذاتها واجبة الوجود من دون حاجة إلى انضمام حيثية تعليلية أو تقييدية، وهي
الضرورة الأزلية. وقد تقدم في المرحلة الأولى (5) أن الوجود حقيقة عينية مشككة
ذات مراتب مختلفة، كل مرتبة من مراتبها تجد الكمال الوجودي الذي لما دونها
وتقومه وتتقوم بما فوقها، فاقدة بعض ما له من الكمال وهو النقص والحاجة، إلا
المرتبة التي هي أعلى المراتب التي تجد كل كمال، ولا تفقد شيئا منه، وتقوم بها
كل مرتبة، ولا تقوم بشئ وراء ذاتها.
فتنطبق الحقيقة الواجبية على القول بالتشكيك على المرتبة التي هي أعلى
المراتب التي ليست وراءها مرتبة تحدها، ولا في الوجود كمال تفقده، ولا في
ذاتها نقص أو عدم يشوبها، ولا حاجة تقيدها، وما يلزمها من الصفات السلبية
مرجعها إلى سلب السلب وانتفاء النقص والحاجة وهو الايجاب.
وبذلك يندفع وجوه من الاعتراض أوردوها (6) على القول بنفي الماهية عن

(1) هذا الاعتراض تعرض له صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 104، وشرح الهداية
الأثيرية ص 286.
(2) كذا دفعه صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 104، وشرح الهداية الأثيرية ص 286 - 287.
(3) كما صرح به المعلم الثاني، كذا في شرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 286.
(4) راجع الفصل الثالث من المرحلة الخامسة.
(5) راجع الفصل الثالث من المرحلة الأولى.
(6) والمعترض فخر الدين الرازي، فراجع المباحث المشرقية ج 1 ص 31 - 35. وقال في
شرح عيون الحكمة ج 3 ص 117: (لا يجوز أن تكون حقيقة واجب الوجود عين وجوده، ويدل عليه وجوه...). وتعرض لها وللإجابة عليها في الأسفار ج 1 ص 108 - 112، وفي
شرح المقاصد ج 1 ص 65.
68

الواجب بالذات.
منها: أن حقيقة الواجب بالذات لا تساوي حقيقة شئ مما سواها، لأن حقيقة
غيره تقتضي الإمكان وحقيقته تنافيه، ووجوده يساوي وجود الممكن في أنه
وجود، فحقيقته غير وجوده وإلا كان وجود كل ممكن واجبا.
ومنها: أنه لو كان وجود الواجب بالذات مجردا عن الماهية فحصول هذا
الوصف له إن كان لذاته كان وجود كل ممكن واجبا لاشتراك الوجود، وهو محال،
وإن كان لغيره لزمت الحاجة إلى الغير ولازمه الإمكان، وهو خلف.
ومنها: أن الواجب بالذات مبدأ للممكنات، فعلى تجرده عن الماهية إن كانت
مبدئيته لذاته لزم أن يكون كل وجود كذلك، ولازمه كون كل ممكن علة لنفسه
ولعلله، وهو بين الاستحالة، وإن كانت (1) لوجوده مع قيد التجرد لزم تركب المبدأ
الأول بل عدمه، لكون أحد جزئيه - وهو التجرد - عدميا، وإن كانت (2) بشرط
التجرد لزم جواز أن يكون كل وجود مبدءا لكل وجود، إلا أن الحكم تخلف عنه
لفقدان الشرط وهو التجرد.
ومنها: أن الواجب بذاته إن كان نفس الكون في الأعيان - وهو الكون
المطلق - لزم كون كل موجود واجبا، وإن كان هو الكون مع قيد التجرد عن الماهية
لزم تركب الواجب، مع أنه معنى عدمي لا يصلح أن يكون جزءا للواجب، وإن
كان هو الكون بشرط التجرد لم يكن الواجب بالذات واجبا بذاته، وإن كان غير
الكون في الأعيان فإن كان بدون الكون لزم أن لا يكون موجودا، فلا يعقل وجود
بدون الكون، وإن كان الكون داخلا لزم التركب، والتوالي المتقدمة كلها ظاهرة
البطلان، وإن كان الكون خارجا عنه فوجوده خارج عن حقيقته وهو المطلوب،
إلى غير ذلك من الاعتراضات.
ووجه اندفاعها أن المراد بالوجود المأخوذ فيها إما المفهوم العام البديهي وهو

(1 و 2) أي مبدئيته.
69

معنى عقلي اعتباري غير الوجود الواجبي الذي هو حقيقة عينية خاصة بالواجب،
وإما طبيعة كلية مشتركة متواطئة متساوية المصاديق، فالوجود العيني حقيقة
مشككة مختلفة المراتب، أعلى مراتبها الوجود الخاص بالواجب بالذات.
وأيضا التجرد عن الماهية ليس وصفا عدميا، بل هو في معنى نفي الحد الذي
هو من سلب السلب الراجع إلى الايجاب.
وقد تبين أيضا أن ضرورة الوجود للواجب بالذات ضرورة أزلية، لا ذاتية
ولا وصفية، فإن من الضرورة ما هي أزلية، وهي ضرورة ثبوت المحمول
للموضوع بذاته من دون أي قيد وشرط كقولنا: (الواجب موجود بالضرورة).
ومنها ضرورة ذاتية، وهي ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع مع الوجود لا
بالوجود، سواء كانت ذات الموضوع علة للمحمول، كقولنا: (كل مثلث فإن زواياه
الثلاث مساوية لقائمتين بالضرورة)، فإن ماهية المثلث علة للمساواة إذا كانت
موجودة، أو لم تكن ذات الموضوع علة لثبوت المحمول، كقولنا: (كل إنسان
إنسان بالضرورة أو حيوان أو ناطق بالضرورة)، فإن ضرورة ثبوت الشئ لنفسه
بمعنى عدم الانفكاك حال الوجود من دون أن تكون الذات علة لنفسه. ومنها
ضرورة وصفية، وهي ضرورة ثبوت المحمول للموضوع بوصفه مع الوجود لا
بالوجود، كقولنا: (كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبا)، وقد تقدمت
إشارة إليها) (1).
الفصل الرابع
في أن واجب الوجود بالذات واجب الوجود
من جميع الجهات
واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات (2).

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة الرابعة.
(2) قال الرازي في شرح عيون الحكمة ج 3 ص 115: (معناه أنه ممتنع التغير في صفة من صفاته). وقال الميبدي في شرح الهداية الأثيرية ص 72: (أي ليست له حالة منتظرة
غير حاصلة).
70

قال صدر المتألهين رحمه الله: (المقصود من هذا أن الواجب الوجود ليس فيه جهة
إمكانية، فإن كل ما يمكن له بالإمكان العام فهو واجب له.
ومن فروع هذه الخاصة أنه ليست له حالة منتظرة، فإن ذلك أصل يترتب
عليه هذا الحكم. وليس هذا عينه كما زعمه كثير من الناس، فإن ذلك هو الذي يعد
من خواص الواجب بالذات دون هذا، لاتصاف المفارقات النورية به، إذ لو كانت
للمفارق حالة منتظرة كمالية يمكن حصولها فيه لاستلزم تحقق الإمكان
الاستعدادي فيه والانفعال عن عالم الحركة والأوضاع الجرمانية، وذلك يوجب
تجسمه وتكدره مع كونه مجردا نوريا، هذا خلف) (1) - انتهى.
والحجة فيه (2): أنه لو كان للواجب بالذات المنزه عن الماهية بالنسبة إلى
صفة كمالية من الكمالات الوجودية جهة إمكانية، كانت ذاته في ذاته فاقدة لها،
مستقرا فيها عدمها، فكانت مركبة من وجود وعدم، ولازمه تركب الذات، ولازم
التركب الحاجة، ولازم الحاجة الإمكان، والمفروض وجوبه، وهذا خلف.
حجة أخرى (3): إن ذات الواجب بالذات لو لم تكن كافية في وجوب شئ من
الصفات الكمالية التي يمكن أن تتصف بها كانت محتاجة فيه إلى الغير، وحينئذ لو
اعتبرنا الذات الواجبة بالذات في نفسها مع قطع النظر عن ذلك الغير وجودا وعدما
فإن كانت واجبة مع وجود تلك الصفة لغت علية ذلك الغير وقد فرض علة، هذا
خلف، وإن كانت واجبة مع عدم تلك الصفة لزم الخلف أيضا.
وأورد عليها (4) أن عدم اعتبار العلة بحسب اعتبار العقل لا ينافي تحققها في
نفس الأمر، كما أن اعتبار الماهية من حيث هي هي وخلوها بحسب هذا الاعتبار

(1) راجع الأسفار ج 1 ص 122.
(2) وتعرض لها في الأسفار ج 1 ص 123.
(3) احتج بها أثير الدين الأبهري في الهداية الأثيرية، فراجع شرح الهداية الأثيرية لصدر
المتألهين ص 294. وتعرض لها أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 123.
(4) تعرض له صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 124 - 125.
71

عن الوجود والعدم والعلة الموجبة لهما لا ينافي اتصافها في الخارج بأحدهما
وحصول علته.
ورد (1) بأنه قياس مع الفارق، فإن حيثية الماهية من حيث هي غير حيثية
الواقع، فمن الجائز أن يعتبرها العقل ويقصر النظر إليها من حيث هي من دون
ملاحظة غيرها من وجود وعدم وعلتهما. وهذا بخلاف الوجود العيني، فإن حيثية
ذاته عين حيثية الواقع ومتن التحقق، فلا يمكن اعتباره بدون اعتبار جميع ما
يرتبط به من علة وشرط.
ويمكن تقرير الحجة بوجه آخر، وهو أن عدم كفاية الذات في وجوب صفة
من صفاته الكمالية يستدعي حاجته في وجوبها إلى الغير، فهو العلة الموجبة،
ولازمه أن يتصف الواجب بالذات بالوجوب الغيري، وقد تقدمت استحالته (2).
وأورد (3) على أصل المسألة بأنه منقوض بالنسب والإضافات اللاحقة للذات
الواجبية من قبل أفعاله المتعلقة بمعلولاته الممكنة الحادثة، فإن النسب
والإضافات قائمة بأطرافها تابعة لها في الإمكان كالخلق والرزق والإحياء
والإماتة وغيرها.
ويندفع (4) بأن هذه النسب والإضافات والصفات المأخوذة منها - كما سيأتي
بيانه (5) - معان منتزعة من مقام الفعل لا من مقام الذات.
نعم، لوجود هذه النسب والإضافات ارتباط واقعي به (تعالى)، والصفات
المأخوذة منها للذات واجبة بوجوبها. فكونه (تعالى) بحيث يخلق وكونه بحيث

(1) كذا رده صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 125.
(2) في الفصل الثاني من المرحلة الأولى.
(3) والظاهر أن ممن توهم ورود هذا الايراد هو الميبدي في شرحه للهداية الأثيرية
ص 172، فإنه تعرض للإيراد ونسبه إلى (قيل) ولم يدفعه، فراجع وتأمل.
(4) هكذا دفعه صدر المتألهين في شرحه للهداية الأثيرية: ص 295 - 296، والأسفار: ج 1
ص 127 - 128.
(5) راجع الفصل التاسع والفصل العاشر من المرحلة الثانية عشرة.
72

يرزق، إلى غير ذلك، صفات واجبة، ومرجعها إلى الإضافة الإشراقية. وسيأتي
تفصيل القول فيه فيما سيأتي إن شاء الله تعالى (1).
وقد تبين بما مر:
أولا: أن الوجود الواجبي وجود صرف لا ماهية له ولا عدم معه (2)، فله كل
كمال في الوجود.
وثانيا: أنه واحد وحدة الصرافة، وهي المسماة ب‍ (الوحدة الحقة) بمعنى أن
كل ما فرضته ثانيا له امتاز عنه بالضرورة بشئ من الكمال ليس فيه، فتركبت
الذات من وجود وعدم، وخرجت عن محوضة الوجود وصرافته، وقد فرض
صرفا، هذا خلف، فهو في ذاته البحتة بحيث كلما فرضت له ثانيا عاد أولا. وهذا
هو المراد بقولهم: (إنه واحد لا بالعدد) (3).
وثالثا: أنه بسيط لا جزء له، لا عقلا ولا خارجا، وإلا خرج عن صرافة
الوجود وقد فرض صرفا، هذا خلف.
ورابعا: أن ما انتزع عنه وجوبه هو بعينه ما انتزع عنه وجوده، ولازمه أن كل
صفة من صفاته - وهي جميعا واجبة - عين الصفة الأخرى، وهي جميعا عين
الذات المتعالية.
وخامسا: أن الوجوب من شؤون الوجود الواجبي كالوحدة غير خارج من
ذاته، وهو تأكد الوجود الذي مرجعه صراحة مناقضته لمطلق العدم وطرده له،
فيمتنع طرو العدم عليه.
والوجود الامكاني أيضا وإن كان مناقضا للعدم مطاردا له، إلا أنه لما كان
رابطا بالنسبة إلى علته التي هي الواجب بالذات بلا واسطة أو معها، وهو قائم بها

(1) راجع الفصل التاسع والفصل العاشر من المرحلة الثانية عشرة.
(2) راجع التلويحات ص 35.
(3) راجع النجاة ص 234، والمبدأ والمعاد للشيخ الرئيس ص 17، حيث قال الشيخ فيهما:
(فإذا واجب الوجود واحد لا بالنوع فقط أو بالعدد...).
73

غير مستقل عنها بوجه، لم يكن محكوما بحكم في نفسه إلا بانضمام علته إليه، فهو
واجب بإيجاب علته التي هي الواجب بالذات يأبى العدم ويطرده بانضمامها إليه.
الفصل الخامس
الشئ ما لم يجب لم يوجد (1)، وفيه بطلان القول بالأولوية
قد تقدم (2) أن الماهية في مرتبة ذاتها ليست إلا هي، لا موجودة ولا معدومة
ولا أي شئ آخر، مسلوبة عنها ضرورة الوجود وضرورة العدم سلبا تحصيليا،
وهو (الإمكان)، فهي عند العقل متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، فلا يرتاب
العقل في أن تلبسها بواحد من الوجود والعدم لا يستند إليها لمكان استواء النسبة،
ولا أنه يحصل من غير سبب، بل يتوقف على أمر وراء الماهية يخرجها من حد
الاستواء ويرجح لها الوجود أو العدم، وهو (العلة). وليس ترجيح جانب الوجود
بالعلة إلا بإيجاب الوجود، إذ لولا الايجاب لم يتعين الوجود لها، بل كانت جائزة
الطرفين، ولم ينقطع السؤال أنها لم صارت موجودة مع جواز العدم لها؟ فلا يتم
من العلة إيجاد إلا بإيجاب الوجود للمعلول قبل ذلك (3).
والقول في علة العدم وإعطائها الامتناع للمعلول نظير القول في علة الوجود
وإعطائها الوجوب

(1) وقال صدر المتألهين في عنوان الفصل: (في إبطال كون الشئ أولى الوجود أو العدم،
أولوية غير بالغة حد الوجوب) انتهى كلامه في الأسفار ج 1 ص 199. والأصح أن يقال:
(في إبطال كون الشئ أولى له الوجود أو العدم، أولوية غير بالغة حد الوجوب أو الامتناع).
والوجه في ذلك أنه كما ليس ترجيح جانب الوجود بالعلة إلا بإيجاب الوجود كذلك ليس
ترجيح جانب العدم بالعلة إلا إذا كانت العلة بحيث تفيد امتناع معلولها، وما ذكر ه قدس سره في
عنوان الفصل لا يشمل جميع جوانب البحث.
ومن هنا يظهر قصور كلام المصنف قدس سره في عنوان الفصل حيث قال: (الشئ ما لم يجب
لم يوجد) لأن لا وجه لتخصيص الوجود بالذكر، لما عرفت.
(2) في الفصل الثاني من المرحلة الأولى. (3) أي قبل الوجود.
74

فعلة الوجود لا تتم علة إلا إذا صارت موجبة، وعلة العدم لا تتم علة إلا إذا
كانت بحيث تفيد امتناع معلولها، فالشئ ما لم يجب لم يوجد، وما لم يمتنع لم
يعدم.
وأما قول بعضهم (1): (إن وجوب وجود المعلول يستلزم كون العلة على
الاطلاق موجبة - بفتح الجيم - غير مختارة، فيلزم كون الواجب (تعالى) موجبا
في فعله غير مختار، وهو محال).
فيدفعه: أن هذا الوجوب الذي يتلبس به المعلول وجوب غيري، ووجوب
المعلول منتزع من وجوده لا يتعداه، ومن الممتنع أن يؤثر المعلول في وجود علته
وهو مترتب عليه (2)، متأخر عنه (3) قائم به (4).
وقد ظهر بما تقدم بطلان القول بالأولوية على أقسامها. توضيحه: أن قوما من
المتكلمين (5) - زعما منهم أن القول باتصاف الممكن بالوجوب في ترجح أحد
جانبي الوجود والعدم له، يستلزم كون الواجب في مبدئيته للإيجاد فاعلا وموجبا
- بفتح الجيم - (تعالى عن ذلك وتقدس)، ذهبوا إلى أن ترجح أحد الجانبين له
بخروج الماهية عن حد الاستواء إلى أحد الجانبين بكون الوجود أولى له أو العدم
أولى له من دون أن يبلغ أحد الجانبين فيخرج به من حد الإمكان، فقد ترجح
الموجود من الماهيات بكون الوجود أولى له من غير وجوب، والمعدوم منها
بكون العدم أولى له من غير وجوب.
وقد قسموا الأولوية إلى ذاتية تقتضيها الماهية بذاتها أو لا تنفك عنها وغير
ذاتية تفيدها العلة الخارجة، وكل من القسمين إما كافية في وقوع المعلول وإما

(1) أي بعض المتكلمين، وهم المعتزلة.
(2 و 3 و 4) الضمير في قوله: (عليه) و (منه) و (به)، راجع إلى وجود علته، فالتذكير باعتبار
الوجود.
(5) وهم المعتزلة. قال المحقق الطوسي في شرح الإشارات ج 3 ص 131: (وهؤلاء يقولون
بتخصصه على سبيل الأولوية لا الوجوب).
75

غير كافية (1).
ونقل (2) عن بعض القدماء (3) أنهم اعتبروا أولوية الوجود في بعض
الموجودات، وأثرها أكثرية الوجود أو شدته وقوته أو كونه أقل شرطا للوقوع،
واعتبروا أولوية العدم في بعض آخر، وأثرها أقلية الوجود أو ضعفه أو كونه أكثر
شرطا للوقوع.
ونقل (4) عن بعضهم اعتبارها في طرف العدم بالنسبة إلى طائفة من

(1) راجع شرح المنظومة للحكيم السبزواري ص 75، حيث قال:
لا يوجد الشئ بأولوية غيرية تكون أو ذاتية
كافية أو لا على الصواب لا بد في الترجيح من إيجاب
وراجع تعليقاته على الأسفار ج 1 ص 200 الرقم (1).
وأقول: أما الأولوية الذاتية الكافية فلا قائل بها، لأنها توجب انسداد باب إثبات الصانع،
هكذا قال الحكيم السبزواري في تعليقته على شرح المنظومة ص 75، وقال صدر المتألهين
في الأسفار ج 1 ص 200 - 201: (فأما تجويز كون نفس الشئ مكون نفسه ومقرر ذاته مع
بطلانه الذاتي، فلا يتصور من البشر تجشم في ذلك ما لم يكن مريض النفس). والوجه في
ذلك أنه يلزم أن لا تكون الأولوية أولوية بل تكون وجوبا ويلزم الانقلاب. وأما القائل
بالأولوية الذاتية الغير الكافية هو بعض المتكلمين، راجع تعليقة السبزواري على شرح
المنظومة ص 75. وأما القائل بالأولوية الغيرية هو أكثر المتكلمين على ما في الأسفار ج 1
ص 222، ومنهم المحقق الشريف فإنه قال: (قد يمنع الاحتياج إلى مرجح، لم لا يكتفي في
وقوع الطرف الراجح رجحانه الحاصل من تلك العلة الخارجية؟، وليس هذا بممتنع بديهة،
إنما الممتنع بديهة وقوع أحد المتساويين أو المرجوح). انتهى كلامه على ما نقله عنه في
شوارق الالهام ص 93، وتعليقة الهيدجي على المنظومة وشرحها ص 221، وتعليقة
السبزواري على الأسفار ج 1 ص 222.
(3) والناقل صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 203 - 204.
(3) قال صدر المتألهين - بعد التعرض لهذا القول والأقوال الآتية - ما لفظه: (والمتقولون بهذه
الأقاويل كانوا من المنتسبين إلى الفلسفة فيما قدم من الزمان قبل تصحيح الحكمة
وإكمالها). انتهى كلامه، فراجع الأسفار ج 1 ص 204.
(4) والناقل صاحب المواقف وشارحه، فراجع شرح المواقف ص 141. ونقله أيضا صدر
المتألهين في الأسفار ج 1 ص 204.
76

الموجودات فقط (1).
ونقل (2) عن بعضهم إعتبار أولوية العدم بالنسبة إلى جميع الموجودات
الممكنة، لكون العدم أسهل وقوعا (3).
هذه أقوالهم على اختلافها (4). وقد بان بما تقدم فساد القول بالأولوية من
أصله، فإن حصول الأولوية في أحد جانبي الوجود والعدم لا ينقطع به جواز وقوع
الطرف الآخر. والسؤال في تعين الطرف الأولى مع جواز الطرف الآخر على
حاله، وإن ذهبت الأولويات إلى غير النهاية حتى ينتهى إلى ما يتعين به الطرف
الأولى وينقطع به جواز الطرف الآخر وهو الوجوب.
على أن في القول بالأولوية إبطالا لضرورة توقف الماهيات الممكنة في
وجودها وعدمها على علة، إذ يجوز عليه أن يقع الجانب المرجوح مع حصول
الأولوية للجانب الآخر وحضور علته التامة. وقد تقدم أن الجانب المرجوح
الواقع يستحيل تحقق علته حينئذ، فهو في وقوعه لا يتوقف على علة، هذا خلف.
ولهم في رد هذه الأقوال وجوه أخر أوضحوا بها فسادها (5)، أغمضنا عن
إيرادها بعد ظهور الحال بما تقدم.
وأما حديث استلزام الوجوب الغيري - أعني وجوب المعلول بالعلة لكون العلة

(1) أي الموجودات الممكنة السيالة كالحركة والزمان والصوت. كذا في شرح المواقف
ص 141، وشرح المقاصد ج 1 ص 127.
(2) والناقل صاحب المواقف وشارحه، فراجع شرح المواقف ص 141. ونقله أيضا صدر
المتألهين في الأسفار ج 1 ص 204.
(3) قال شارح المواقف: (وهو مردود بأن سهولة عدمها بالنظر إلى غيرها لا يقتضي أولويته
لذاتها)، انتهى كلامه في شرح المواقف ص 141.
(4) وفي المقام أقوال أخر ذكرها شارح المواقف في شرح المواقف ص 141.
(5) راجع شرح المقاصد ج 1 ص 127 - 129، والمسألتين الثالثة والعشرين، والرابعة
والعشرين من الفصل الأول من شوارق الالهام، والمباحث المشرقية ج 1 ص 132، والأسفار
ج 1 ص 221 - 223، والمحصل ص 53.
77

موجبة - بفتح الجيم - فواضح الفساد كما تقدم، لأن هذا الوجوب انتزاع عقلي عن
وجود المعلول غير زائد على وجوده، والمعلول بتمام حقيقته أمر متفرع على علته،
قائم الذات بها، متأخر عنها، وما شأنه هذا لا يعقل أن يؤثر في العلة ويفعل فيها.
ومن فروع هذه المسألة أن القضايا التي جهتها الأولوية ليست ببرهانية، إذ لا
جهة إلا الضرورة والإمكان، اللهم إلا أن يرجع المعنى إلى نوع من التشكيك.
تنبيه:
ما مر من وجوب الوجود للماهية، وجوب بالغير، سابق على وجودها، منتزع
عنه، وهناك وجوب آخر لاحق يلحق الماهية الموجودة، ويسمى: (الضرورة
بشرط المحمول)، وذلك أنه لو أمكن للماهية المتلبسة بالوجود ما دامت متلبسة
أن يطرأها العدم الذي يقابله ويطرده لكان في ذلك إمكان اقتران النقيضين، وهو
محال، ولازمه استحالة انفكاك الوجود عنها ما دام التلبس ومن حيثه، وذلك وجوب
الوجود من هذه الحيثية. ونظير البيان يجري في الامتناع اللاحق للماهية المعدومة.
فالماهية الموجودة محفوفة بوجوبين والماهية المعدومة محفوفة بامتناعين.
وليعلم أن هذا الوجوب اللاحق وجوب بالغير، كما أن الوجوب السابق كان
بالغير، وذلك لمكان انتزاعه من وجود الماهية من حيث اتصاف الماهية به، كما أن
الوجوب السابق منتزع منه من حيث انتسابه إلى العلة الفياضة له.
الفصل السادس
في حاجة الممكن إلى العلة وأن علة حاجته إلى
العلة هو الإمكان دون الحدوث
حاجة الممكن - أي توقفه في تلبسه بالوجود أو العدم - إلى أمر وراء ماهيته،
من الضروريات الأولية التي لا يتوقف التصديق بها على أزيد من تصور
78

موضوعها ومحمولها (1)، فإنا إذا تصورنا الماهية بما أنها ممكنة تستوي نسبتها
إلى الوجود والعدم وتوقف ترجح أحد الجانبين لها وتلبسها به على أمر وراء
الماهية لم نلبث دون أن نصدق به، فاتصاف الممكن بأحد الوصفين - أعني
الوجود والعدم - متوقف على أمر وراء نفسه، ونسميه: (العلة) لا يرتاب فيه عقل
سليم. وأما تجويز اتصافه - وهو ممكن مستوي النسبة إلى الطرفين - بأحدهما لا
لنفسه ولا لأمر وراء نفسه فخروج عن الفطرة الإنسانية (2).
وهل علة حاجته إلى العلة هي الإمكان أو الحدوث (3)؟
قال جمع من المتكلمين (4) بالثاني.
والحق هو الأول، وبه قالت الحكماء، واستدلوا عليه (5) بأن الماهية باعتبار
وجودها ضرورية الوجود وباعتبار عدمها ضرورية العدم، وهاتان ضرورتان
بشرط المحمول، والضرورة مناط الغنى عن العلة والسبب. والحدوث هو كون

(1) هكذا في المطالب العالية ج 1 ص 83 - 84، والأسفار ج 1 ص 207، وشرح المواقف
ص 134، وشرح المنظومة ص 70. (2) كما في الأسفار ج 1 ص 208.
(3) وقيل: (علة الحاجة هي الإمكان مع الحدوث شطرا). وقيل: (إنها الإمكان مع الحدوث
شرطا). راجع الأسفار ج 1 ص 206، وشرح التجريد للقوشجي ص 38، وكشف المراد ص
53، وشرح المقاصد ج 1 ص 126، وغيرها. فالأقوال فيها أربعة. ذهب إلى كل منها طائفة،
قال ابن ميثم البحراني في قواعد المرام في علم الكلام ص 48: (علة حاجة الممكن إلى
المؤثر هي إمكانه، وعند أبي هاشم هي الحدوث، وعند أبي الحسين البصري هي المركب
منهما، وعند الأشعري الإمكان بشرط الحدوث). وقريب منه ما في إرشاد الطالبين ص 79.
(4) نسبه إليهم في شرح المقاصد ج 1 ص 127، وكشف الفوائد ص 8. ونسبه الشيخ الرئيس
إلى ضعفاء المتكلمين في النجاة ص 213. ونسبه اللاهيجي إلى قدماء المتكلمين في
الشوارق ص 89 - 90، وكذا العلامة في أنوار الملكوت ص 58. ونسبه صدر المتألهين إلى
قوم من المتسمين بأهل النظر وأولياء التميز في الأسفار ج 1 ص 206. ونسبه ابن ميثم إلى
أبي هاشم من المتكلمين في قواعد المرام في علم الكلام ص 48. فالمراد من قوله: (جمع
من المتكلمين) هو قدماء المتكلمين، وأما المتأخرين منهم فذهبوا إلى خلاف ذلك.
(5) راجع شرح المنظومة ص 72.
79

وجود الشئ بعد عدمه، وإن شئت فقل: هو ترتب إحدى الضرورتين على
الأخرى، والضرورة - كما عرفت - مناط الغنى عن السبب، فما لم تعتبر الماهية
بإمكانها لم يرتفع الغنى ولم تتحقق الحاجة، ولا تتحقق الحاجة إلا بعلتها وليس لها
إلا الإمكان.
حجة أخرى: الحدوث - وهو كون الوجود مسبوقا بالعدم - صفة الوجود
الخاص، فهو مسبوق بوجود المعلول لتقدم الموصوف على الصفة، والوجود
مسبوق بإيجاد العلة، والإيجاد مسبوق بوجوب المعلول، ووجوبه مسبوق
بإيجاب العلة - على ما تقدم (1) -، وإيجاب العلة مسبوق بحاجة المعلول، وحاجة
المعلول مسبوقة بإمكانه، إذ لو لم يكن ممكنا لكان إما واجبا وإما ممتنعا،
والوجوب والامتناع مناط الغنى عن العلة، فلو كان الحدوث علة للحاجة والعلة
متقدمة على معلولها بالضرورة لكان متقدما على نفسه بمراتب، وهو محال (2).
فالعلة هي الإمكان، إذ لا يسبقها مما يصلح للعلية غيره، والحاجة تدور معه
وجودا وعدما.
والحجة تنفي كون الحدوث مما يتوقف عليه الحاجة بجميع احتمالاته من
كون الحدوث علة وحده، وكون العلة هي الإمكان والحدوث جميعا، وكون
الحدوث علة والإمكان شرطا، وكون الإمكان علة والحدوث شرطا أو عدم
الحدوث مانعا.
وقد استدلوا (3) على نفي علية الإمكان وحده للحاجة بأنه لو كانت علة
الحاجة إلى العلة هي الإمكان من دون الحدوث جاز أن يوجد القديم الزماني،

(1) في الفصل الخامس من هذه المرحلة.
(2) هكذا في المباحث المشرقية ج 1 ص 135، وشرحي الإشارات ج 1 ص 219، وشرح
الإشارات للمحقق الطوسي ج 3 ص 75، والأسفار ج 1 ص 207 و ج 3 ص 252،
والمحصل ص 54، وشرح المنظومة ص 74. والوجه في استحالته هو الدور كما في كشف
الفوائد ص 8. (3) أي المتكلمون.
80

وهو الذي لا يسبقه عدم زماني، وهو محال، فإنه لدوام وجوده لا سبيل للعدم إليه
حتى يحتاج في رفعه إلى علة تفيض عليه الوجود، فدوام الوجود يغنيه عن العلة.
ويدفعه: أن موضوع الحاجة هو الماهية بما أنها ممكنة دون الماهية بما أنها
موجودة، والماهية بوصف الإمكان محفوظة مع الوجود الدائم كما أنها محفوظة
مع غيره، فالماهية القديمة الوجود تحتاج إلى العلة بما هي ممكنة، كالماهية
الحادثة الوجود، والوجود الدائم مفاض عليها كالوجود الحادث، وأما الماهية
الموجودة بما أنها موجودة فلها الضرورة بشرط المحمول، والضرورة مناط الغنى
عن العلة بمعنى أن الموجودة (1) بما أنها موجودة لا تحتاج إلى موجودية
أخرى تطرأ عليها. على أن مرادهم من الحدوث الذي اشترطوه في الحاجة
الحدوث الزماني الذي هو كون الوجود مسبوقا بعدم زماني. فما ذكروه منتقض
بنفس الزمان، إذ لا معنى لكون الزمان مسبوقا بعدم زماني. مضافا إلى أن إثبات
الزمان قبل كل ماهية إمكانية إثبات للحركة الراسمة للزمان، وفيه إثبات متحرك
تقوم به الحركة، وفيه إثبات الجسم المتحرك والمادة والصورة. فكلما فرض
وجود لماهية ممكنة كانت قبله قطعة زمان، وكلما فرضت قطعة زمان كانت عندها
ماهية ممكنة، فالزمان لا يسبقه عدم زماني.
وأجاب بعضهم (2) عن النقض بأن الزمان أمر اعتباري وهمي لا بأس بنسبة
القدم عليه، إذ لا حقيقة له وراء الوهم.
وفيه: أنه هدم لما بنوه من إسناد حاجة الممكن إلى حدوثه الزماني، إذ
الحادث والقديم عليه واحد.
وأجاب آخرون (3) بأن الزمان منتزع عن وجود الواجب (تعالى)، فهو من

(1) أي الماهية الموجودة.
(2) ولعل مراده من (بعضهم) هو بعض من المتكلمين القائلين بالزمان المتوهم الذي لا فرد
يحاذيه ولا منشأ لانتزاعه. وتعرض لهذا القول الحكيم السبزواري في شرح المنظومة
وتعليقته عليه ص 82، وفي تعليقته على الأسفار ج 3 ص 142.
(3) ولعل مراده هو المتكلمون القائلون بالزمان الموهوم الذي لا فرد يحاذيه وإن كان منشأ لانتزاعه ويكون منشأ انتزاعه هو بقاء الواجب بالذات. وتعرض لهذا القول أيضا الحكيم
السبزواري في شرح المنظومة وتعليقته عليه ص 82، وفي تعليقته على الأسفار ج 3 ص
142. ونسبه إلى الأشاعرة في حاشية شرح المنظومة ص 148. وكذا تعرض له المصنف رحمه الله
في تعليقته على الأسفار ج 7 ص 298.
81

صقع المبدأ (تعالى)، لا بأس بقدمه.
ورد (1) بأن الزمان متغير بالذات وانتزاعه من ذات الواجب بالذات مستلزم
لتطرق التغير على ذاته (تعالى وتقدس).
ودفع (2) ذلك بأن من الجائز أن لا يطابق المعنى المنتزع المصداق المنتزع منه
من كل جهة، فيباينه.
وفيه: أن تجويز مباينة المفهوم المنتزع للمنتزع منه سفسطة، إذ لو جازت
مباينة المفهوم للمصداق لانهدم بنيان التصديق العلمي من أصله.
تنبيه:
قد تقدم في مباحث العدم أن العدم بطلان محض لا شيئية له ولا تمايز فيه (3)،
غير أن العقل ربما يضيفه إلى الوجود، فيحصل له ثبوت ما ذهني وحظ ما من
الوجود، فيتميز بذلك عدم من عدم، كعدم البصر المتميز من عدم السمع وعدم
الإنسان المتميز من عدم الفرس، فيرتب العقل عليه ما يراه من الأحكام
الضرورية، ومرجعها بالحقيقة تثبيت ما يحاذيها من أحكام الوجود.
ومن هذا القبيل حكم العقل بحاجة الماهية الممكنة في تلبسها بالعدم إلى علة
هي عدم علة الوجود. فالعقل إذا تصور الماهية من حيث هي الخالية من التحصل
واللا تحصل، ثم قاس إليها الوجود والعدم، وجد بالضرورة أن تحصلها بالوجود

(1) هكذا يستفاد مما ذكره الحكيم السبزواري في الرد على القائلين بالزمان الموهوم. راجع
تعليقته على شرح المنظومة ص 82، وتعليقته على الأسفار ج 3 ص 142. وتعرض له أيضا
المصنف رحمه الله في تعليقته على الأسفار ج 7 ص 298.
(2) هكذا دفعه المتكلمون القائلون بالزمان الموهوم، على ما في تعليقة المصنف رحمه الله على
الأسفار ج 7 ص 298. (3) راجع الفصل الرابع من المرحلة الأولى.
82

متوقف على علة موجودة، ويستتبعه أن علة وجودها لو لم توجد لم توجد الماهية
المعلولة، فيتم الحكم بأن الماهية الممكنة لإمكانها تحتاج في اتصافها بشئ من
الوجود والعدم إلى مرجح يرجح ذلك، ومرجح الوجود وجود العلة ومرجح العدم
عدمها، أي لو انتفت العلة الموجدة لم توجد الماهية المعلولة، وحقيقته أن وجود
الماهية الممكنة متوقف على وجود علتها.
الفصل السابع
الممكن محتاج إلى العلة بقاء
كما أنه محتاج إليها حدوثا (1)
وذلك لأن علة حاجته إلى العلة هي إمكانه اللازم لماهيته - كما تقدم
بيانه (2) -، والماهية محفوظة معه بقاء، كما أنها محفوظة معه حدوثا، فله حاجة
إلى العلة الفياضة لوجوده حدوثا وبقاء، وهو المطلوب.
حجة أخرى: الهوية العينية لكل شئ هي وجوده الخاص به، والماهية
اعتبارية منتزعة منه - كما تقدم بيانه (3) -، ووجود الممكن المعلول وجود رابط
متعلق الذات بعلته، متقوم بها، لا استقلال له دونها، لا ينسلخ عن هذه الشأن - كما
سيجئ بيانه إن شاء الله (4) - فحاله في الحاجة إلى العلة حدوثا وبقاء واحد،
والحاجة ملازمة له.
والفرق بين الحجتين أن الأولى تثبت المطلوب من طريق الإمكان الماهوي
- بمعنى استواء نسبة الماهية إلى الوجود والعدم -، والثانية من طريق الإمكان
الوجودي - بمعنى الفقر الوجودي المتقوم بغنى العلة -.

(1) بخلاف جمهور المتكلمين حيث ذهبوا إلى أن الفعل يستغني عن الفاعل في بقائه. هكذا
شرحي الإشارات ج 1 ص 215، وشرح الإشارات للمحقق الطوسي ج 3 ص 68 - 69.
(2) في الفصل السابق. (3) في الفصل الثاني من المرحلة الأولى.
(4) راجع الفصل الأول من المرحلة الثامنة.
83

الفصل الثامن
في بعض أحكام الممتنع بالذات
لما كان الامتناع بالذات هو ضرورة العدم بالنظر إلى ذات الشئ المفروضة،
كان مقابلا للوجوب بالذات الذي هو ضرورة الوجود بالنظر إلى ذات الشئ
العينية، يجري فيه من الأحكام ما يقابل أحكام الوجوب الذاتي.
قال في الأسفار - بعد كلام له في أن العقل كما لا يقدر أن يتعقل حقيقة
الواجب بالذات لغاية مجده وعدم تناهي عظمته وكبريائه، كذلك لا يقدر أن
يتصور الممتنع بالذات بما هو ممتنع بالذات لغاية نقصه ومحوضة بطلانه ولا
شيئيته -: (وكما تحقق أن الواجب بالذات لا يكون واجبا بغيره، فكذلك الممتنع
بالذات لا يكون ممتنعا بغيره بمثل ذلك البيان، وكما لا يكون لشئ واحد وجوبان
بذاته وبغيره، أو بذاته فقط، أو بغيره فقط، فلا يكون لأمر واحد امتناعان كذلك.
فإذن قد استبان أن الموصوف بما بالغير من الوجوب والامتناع ممكن بالذات.
وما يستلزم الممتنع بالذات فهو ممتنع لا محالة من جهة بها يستلزم الممتنع،
وإن كانت له جهة أخرى إمكانية، لكن ليس الاستلزام للممتنع إلا من الجهة
الإمتناعية، مثلا كون الجسم غير متناهي الأبعاد يستلزم ممتنعا بالذات، هو كون
المحصور غير محصور، الذي مرجعه إلى كون الشئ غير نفسه مع أنه عين نفسه،
فأحدهما محال بالذات والآخر محال بالغير، فلا محالة يكون ممكنا باعتبار غير
اعتبار علاقته مع الممتنع بالذات، على قياس ما علمت في استلزام الشئ للواجب
بالذات، فإنه ليس من جهة ماهيته الإمكانية بل من جهة وجوب وجوده الامكاني.
وبالجملة فكما أن الاستلزام في الوجود بين الشيئين لا بد له من علاقة علية
ومعلولية بين المتلازمين، فكذلك الاستلزام في العدم والامتناع بين شيئين لا ينفك
عن تعلق ارتباطي بينهما.
وكما أن الواجبين لو فرضنا لم يكونا متلازمين بل متصاحبين بحسب البخت
84

والاتفاق، كذلك التلازم الاصطلاحي لا يكون بين ممتنعين بالذات، بل بين ممتنع
بالذات وممتنع بالغير، وهو لا محالة ممكن بالذات كما مر.
وبهذا يفرق الشرطي اللزومي عن الشرطي الاتفاقي، فإن الأول يحكم فيه
بصدق التالي وضعا ورفعا على تقدير صدق المقدم وضعا ورفعا لعلاقة ذاتية
بينهما. والثاني يحكم فيه كذلك من غير علاقة لزومية، بل بمجرد الموافاة الاتفاقية
بين المقدم والتالي.
فما فشى عند عامة الجدليين في أثناء المناظرة عند فرض أمر مستحيل
ليتوصل به إلى استحالة أمر من الأمور بالبيان الخلفي أو الإستقامي أن يقال: (إن
مفروضك مستحيل، فجاز أن يستلزم نقيض ما ادعيت استلزامه إياه، لكون المحال
قد يلزم منه محال آخر)، واضح الفساد، فإن المحال لا يستلزم أي محال كان، بل
محالا إذا قدر وجودهما يكون بينهما تعلق سببي ومسببي) (1) انتهى (2).
فإن قيل: الممتنع بالذات ليس إلا ما يفترضه العقل ويخبر عنه بأنه ممتنع
بالذات، فما معنى عدم قدرته على تعقله؟
قيل: إن المراد بذلك أن لا حقيقة عينية له حتى يتعلق به علم، حتى أن الذي
نفرضه ممتنعا بالذات ونحكم عليه بذلك ممتنع بالذات بالحمل الأولي محكوم
عليه بالامتناع، وصورة علمية ممكنة موجودة بالحمل الشائع.
وهذا نظير ما يقال (3): - في دفع التناقض المترائي في قولنا: (المعدوم المطلق
لا يخبر عنه)، حيث يدل على نفي الأخبار عن المعدوم المطلق، وهو بعينه إخبار
عنه - إن نفي الأخبار عن المعدوم المطلق بالحمل الشائع، إذ لا شيئية له حتى يخبر
عنه بشئ، وهذا بعينه إخبار عن المعدوم المطلق بالحمل الأولي الذي هو موجود
ممكن ذهني.

(1) راجع الأسفار ج 1 ص 236 - 237.
(2) ولمزيد التوضيح راجع أيضا كلامه في الأسفار ج 6 ص 387.
(3) والقائل صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 345 - 347.
85

وإن قيل: إن الذي ذكر - من أن الممتنعين بالذات ليس بينهما إلا الصحابة
الاتفاقية -، ممنوع لأن المعاني التي يثبت العقل امتناعها على الواجب بالذات -
كالشريك والماهية والتركيب وغير ذلك - يجب أن تكون صفات له ممتنعة عليه
بالذات، إذ لو كانت ممتنعة بالغير كانت ممكنة له بالذات - كما تقدم (1) -. ولا صفة
إمكانية فيه (تعالى)، لما بين أن الواجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع
الجهات (2).
ثم الحجج القائمة على نفي هذه الصفات الممتنعة - على ما أشير إليه في أول
الكتاب (3) - براهين إنية تسلك من طريق الملازمات العامة. فللنتائج - وهي
امتناع هذه الصفات - علاقة لزومية مع المقدمات، فهي جميعا معلولة لما وراءها
ممتنعة بغيرها، وقد بين أنها ممتنعة بذاتها، هذا خلف.
أجيب عنه: بأن الصفات الممتنعة التي تنفيها البراهين الإنية عن الواجب
بالذات مرجعها جميعا إلى نفي الوجوب الذاتي الذي هو عين الواجب بالذات،
فهي واحدة بحسب المصداق المفروض لها وإن تكثرت مفهوما، كما أن الصفات
الثبوتية التي للواجب بالذات هي عين الوجود البحت الواجبي مصداقا وإن كانت
متكثرة مفهوما.
فعدم الانفكاك بين هذه الصفات والسلوك البرهاني من بعضها إلى بعض،
لمكان وحدتها بحسب المصداق المفروض، وإن كان في صورة التلازم بينهما
بحسب المفهوم، كما أن الأمر في الصفات الثبوتية كذلك، ويعبر عنه بأن الصفات
الذاتية كالوجوب الذاتي مثلا بالذات وباقتضاء من الذات، ولا اقتضاء ولا علية
بين الشئ ونفسه. وهذا معنى ما قيل (4): (إن الدليل على وجود الحق المبدع إنما

(1) في كلام صدر المتألهين.
(2) راجع الفصل الرابع مما تقدم في هذه المرحلة.
(3) راجع الأمر الخامس مما تقدم في مقدمة الكتاب.
(4) والقائل صدر المتألهين حيث قال: (وهناك برهان شبيه باللمي)، راجع الأسفار ج 6 ص 29.
86

يكون بنحو من البيان الشبيه بالبرهان اللمي) (1).
فامتناع الماهية التي سلكنا إلى بيانه من طريق امتناع الإمكان عليه (تعالى)
مثلا، هو وامتناع الإمكان جميعا يرجعان إلى بطلان الوجوب الذاتي الممتنع عليه
(تعالى)، وقد استحضره العقل بعرض الوجوب الذاتي المنتزع عن عين الذات.
واعلم أنه كما تمتنع الملازمة بين ممتنعين بالذات كذلك يمتنع استلزام
الممكن لممتنع بالذات، فإن جواز تحقق الملزوم الممكن مع امتناع اللازم بالذات،
وقد فرضت بينهما ملازمة، يستلزم تحقق الملزوم مع عدم اللازم، وفيه نفي
الملازمة، هذا خلف (2).
وقد أورد عليه (3): بأن عدم المعلول الأول وهو ممكن، يستلزم عدم الواجب
بالذات وهو ممتنع بالذات. فمن الجائز أن يستلزم الممكن ممتنعا بالذات، كما أن
من الجائز عكس ذلك، كاستلزام عدم الواجب عدم المعلول الأول.
ويدفعه (4): أن المراد بالممكن هو الماهية المتساوية النسبة إلى جانبي
الوجود والعدم. ومن المعلوم أنه لا ارتباط لذاتها بشئ وراء ذاتها الثابتة لذاتها
بالحمل الأولي، فماهية المعلول الأول لا ارتباط بينها وبين الواجب بالذات.
نعم، وجودها مرتبط بوجوده واجب بوجوبه، وعدمها مرتبط عقلا بعدمه ممتنع

(1) البرهان اللمي هو الذي يسلك فيه من العلة بالمعلول وإذ لا علة لوجود الواجب (تعالى)
وليس هو (تعالى) معلولا فلا يمكن إثبات الصانع بالبرهان اللمي.
وقال الحكيم السبزواري فيما علق على الأسفار: (لا يلتزم أنه برهان لمي بل شبيه
باللمي لكن على أنه فوق اللمي لا أنه دونه. أما أنه ليس بلمي حقيقة فهو ظاهر إذ ليس هو
(تعالى) معلولا. وأما أن الاستدلال من حقيقة الوجود على الوجوب فوق اللم فلأن كل لم
مستعير في الإنارة من نور حقيقة الوجود...) راجع تعليقته على الأسفار ج 6 ص 29 الرقم (3).
(2) راجع الأسفار ج 1 ص 191 - 196، وحاشية المحقق الدواني على شرح التجريد
القوشجي ص 34.
(3) والمورد هو المحقق الطوسي على ما نقل عنه في الأسفار ج 1 ص 191. وتعرض له أيضا
الحكيم السبزواري في تعليقته على الأسفار ج 1 ص 190 الرقم (1).
(4) كما في الأسفار ج 1 ص 192 - 193.
87

بامتناع عدمه، وليس شئ منهما ممكنا بمعنى المتساوي النسبة إلى الوجود والعدم.
وأما عدهم وجود الممكن ممكنا، فالإمكان فيه بمعنى الفقر والتعلق الذاتي
لوجود الماهية بوجود العلة، دون الإمكان بمعنى استواء النسبة إلى الوجود
والعدم، ففي الإشكال مغالطة بوضع الإمكان الوجودي موضع الإمكان الماهوي.
خاتمة:
قد اتضح من الأبحاث السابقة أن الوجوب والإمكان والامتناع كيفيات
للنسب في القضايا، لا تخلو عن واحد منها قضية (1)، وأن الوجوب والإمكان
أمران وجوديان (2)، لمطابقة القضايا الموجهة بهما بما أنها موجهة بهما للخارج
مطابقة تامة.
فهما موجودان في الخارج لكن بوجود موضوعهما، لا بوجود منحاز
مستقل (3)، فهما من الشؤون الوجودية الموجودة لمطلق الموجود كالوحدة
والكثرة والحدوث والقدم وسائر المعاني الفلسفية المبحوث عنها في الفلسفة،
بمعنى كون الاتصاف بها في الخارج وعرضها في الذهن، وهي المسماة ب‍
(المعقولات الثانية الفلسفية). وأما الامتناع فهو أمر عدمي.
هذا كله بالنظر إلى اعتبار العقل الماهيات والمفاهيم موضوعات للأحكام.
وأما بالنظر إلى كون الوجود العيني هو الموضوع لها بالحقيقة لأصالته، فالوجوب
نهاية شدة الوجود الملازم لقيامه بذاته واستقلاله بنفسه، والإمكان فقره في نفسه
وتعلقه بغيره بحيث لا يستقل عنه بذاته، كما في وجود الماهيات الممكنة، فهما
شأنان قائمان بالوجود غير خارجين عنه.

(1) بخلاف صاحب المواقف حيث ذهب إلى أن الوجوب والإمكان والامتناع في الأبحاث
السابقة غير الوجوب والإمكان والامتناع التي هي جهات القضايا وموادها. فراجع شرح
المواقف ص 131.
(2) بخلاف الشيخ الإشراقي، فإنه قد وضع قاعدة لكونهما وأشباههما أوصافا عقلية لا صورة
لها في الأعيان. هكذا قال في الأسفار ج 1 ص 172. وراجع حكمة الاشراق ص 71 - 72.
(3) كما توهمه الحكماء المشاؤون من أتباع المعلم الأول، فراجع الأسفار ج 1 ص 139.
88

المرحلة الخامسة
في الماهية وأحكامها
وفيها سبعة فصول
89

الفصل الأول
في أن الماهية في حد ذاتها لا موجودة ولا لا موجودة
الماهية (1)، وهي: (ما يقال في جواب ما هو؟)، لما كانت - من حيث هي
وبالنظر إلى ذاتها في حد ذاتها - لا تأبى أن تتصف بأنها موجودة أو معدومة،
كانت في حد ذاتها لا موجودة ولا لا موجودة، بمعنى أن الموجود واللا موجود
ليس شئ منهما مأخوذا في حد ذاتها بأن يكون عينها أو جزءها، وإن كانت لا
تخلو عن الاتصاف بأحدهما في نفس الأمر بنحو الاتصاف بصفة خارجة عن
الذات. وبعبارة أخرى: الماهية بحسب الحمل الأولي ليست بموجودة ولا لا
موجودة، وإن كانت بحسب الحمل الشائع إما موجودة وإما لا موجودة. وهذا هو
المراد بقولهم: (إن ارتفاع الوجود والعدم عن الماهية من حيث هي من ارتفاع
النقيضين عن المرتبة، وليس ذلك بمستحيل، وإنما المستحيل ارتفاعهما عن الواقع
مطلقا وبجميع مراتبه) (2). يعنون به أن نقيض الوجود المأخوذ في حد الذات ليس

(1) الماهية مشتقة عما هو، والياء فيها للنسبة أي المنسوبة إلى ما هو.
(2) راجع الأسفار ج 2 ص 4 - 5، والقبسات ص 21 - 22. وقال الحكيم السبزواري في شرح
المنظومة ص 93: (وارتفاع النقيضين عن المرتبة جائز، لأن معناه أن كل واحد منهما ليس
عينا للماهية ولا جزءا منها، وإن لم يخل عن أحدهما في الواقع).
91

هو العدم المأخوذ في حد الذات، بل عدم الوجود المأخوذ في حد الذات بأن يكون
حد الذات - وهو المرتبة - قيدا للوجود لا للعدم، أي رفع المقيد دون الرفع المقيد.
ولذا قالوا: (إذا سئل عن الماهية من حيث هي بطرفي النقيضين، كان من
الواجب أن يجاب بسلب الطرفين مع تقديم السلب على الحيثية حتى يفيد سلب
المقيد دون السلب المقيد. فإذا سئل: هل الماهية من حيث هي موجودة أو ليست
بموجودة؟ فالجواب: ليست الماهية من حيث هي بموجودة ولا لا موجودة، ليفيد
أن شيئا من الوجود والعدم غير مأخوذ في حد ذات الماهية) (1).
ونظير الوجود والعدم في خروجهما عن الماهية من حيث هي سائر المعاني
المتقابلة التي في قوة النقيضين، حتى ما عدوه من لوازم الماهيات، فليست
الماهية من حيث هي لا واحدة ولا كثيرة ولا كلية ولا جزئية ولا غير ذلك من
المتقابلات، وليست الأربعة من حيث هي زوجا ولا فردا.
الفصل الثاني
في اعتبارات الماهية
للماهية بالنسبة إلى ما يقارنها من الخصوصيات اعتبارات ثلاث، وهي:
أخذها بشرط شئ، وأخذها بشرط لا، وأخذها لا بشرط. والقسمة حاصرة.
أما الأول: فأن تؤخذ الماهية بما هي مقارنة لما يلحق بها من الخصوصيات،
فتصدق على المجموع، كأخذ ماهية الإنسان بشرط كونها مع خصوصيات زيد
فتصدق عليه.
وأما الثاني: فأن تؤخذ وحدها، وهذا على وجهين (2): (أحدهما) أن يقصر

(1) راجع الفصل الأول من المقالة الخامسة من إلهيات الشفاء، والمباحث المشرقية ج 1 ص
48 - 49، والفصل السابع من المقالة الثالثة من الفن الأول من طبيعيات الشفاء، وشرح
التجريد للقوشجي ص 76، وكشف المراد ص 84، وغيرها من الكتب المطولة.
(2) يريد أن الماهية بشرط لا يستعمل عندهم في معنيين: أحدهما: أن يعتبر تجرد الماهية عن جميع الأمور الزائدة عليها، عارضة كانت أو لازمة إياها، وهذا هو المستعمل في مقابل
الماهية المخلوطة والمطلقة في مباحث الماهية. وثانيهما: أن يعتبر انضمام شئ آخر إليها
من حيث هو أمر زائد عليها وقد حصل منهما مجموع لا يصدق هي عليها بهذا الاعتبار،
وهذا هو المستعمل في مورد المادة في مقابل الجنس.
والمعنى الأول هو المشهور بين المتأخرين، كما في شرح المقاصد ج 1 ص 100.
والمعنى الثاني هو الذي ذكره الشيخ الرئيس في الفرق بين الجنس والمادة في الشفاء،
ولخصه المحقق الطوسي في شرح الإشارات، فراجع الفصل الثالث من المقالة الخامسة من
إلهيات الشفاء، وشرح الإشارات ج 1 ص 76 - 78.
92

النظر في ذاتها مع قطع النظر عما عداها، وهذا هو المراد من (بشرط لا) في مباحث
الماهية. و (الآخر) أن تؤخذ وحدها بحيث لو قارنها أي مقارن مفروض كان زائدا
عليها غير داخل فيها، فتكون موضوعة للمقارن المفروض غير محمولة عليه.
وأما الثالث: فأن لا يشترط معها شئ من المقارنة واللا مقارنة، بل تؤخذ
مطلقة من غير تقييد بنفي أو إثبات.
وتسمى الماهية بشرط شئ (مخلوطة)، والبشرط لا (مجردة)، واللا بشرط
(مطلقة).
والمقسم للأقسام الثلاث الماهية، وهي الكلي الطبيعي، وتسمى (اللا بشرط
المقسمي)، وهي موجودة في الخارج لوجود بعض أقسامها فيه كالمخلوطة.
والموجود من الكلي في كل فرد غير الموجود منه في فرد آخر بالعدد. ولو
كان الموجود منه في الأفراد الخارجية واحدا بالعدد كان الواحد كثيرا بعينه، وهو
محال، وكان الواحد متصفا بصفات متقابلة، وهو محال. وهذا معنى قولهم (1): (إن
نسبة الماهية إلى أفرادها كنسبة الآباء الكثيرين إلى أولادهم، لا كنسبة الأب
الواحد إلى أولاده الكثيرين) (2). فالماهية كثيرة في الخارج بكثرة أفرادها، نعم

(1) هكذا قال صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 8. وقال السبزواري في شرح المنظومة ص 99:
(ليس الطبيعي مع الأفراد كالأب بل أبا مع الأولاد)
(2) والقائل بأن نسبة الماهية إلى أفرادها كنسبة الأب الواحد إلى أولاده الكثيرين هو الرجل
الهمداني. راجع شرح المنظومة ص 99.
93

هي بوصف الكلية والاشتراك واحدة في الذهن - كما سيأتي (1) -
الفصل الثالث
في الكلي والجزئي
لا ريب أن الماهية الكثيرة الأفراد تصدق على كل واحد من أفرادها وتحمل
عليه، بمعنى أن الماهية التي في الذهن كلما ورد فيه فرد من أفرادها وعرض عليها
اتحدت معه وكانت هي هو. وهذه الخاصة هي المسماة بالكلية، وهي المراد
باشتراك الأفراد في الماهية. فالعقل لا يمتنع من تجويز صدق الماهية على كثيرين
بالنظر إلى نفسها، سواء كانت ذات أفراد كثيرين في الخارج أم لا.
فالكلية خاصة ذهنية تعرض الماهية في الذهن، إذ الوجود الخارجي العيني
مساوق للشخصية، مانع عن الاشتراك. فالكلية من لوازم الوجود الذهني للماهية
كما أن الجزئية والشخصية من لوازم الوجود الخارجي.
فما قيل (2): (إن الكلية والجزئية في نحو الادراك بمعنى أن الحس لقوة
إدراكه ينال الشئ نيلا كاملا بحيث يمتاز عما سواه مطلقا ويتشخص، والعقل
لضعف إدراكه يناله نيلا هينا يتردد ما ناله بين أمور ويقبل الانطباق على كثيرين،
كالشبح المرئي من بعيد بحيث لا يتميز كل التميز، فيتردد بين أن يكون - مثلا - هو
زيدا أو عمرا أو خشبة منصوبة أو غير ذلك، وليس إلا واحدا من المحتملات،
وكالدرهم الممسوح المردد بين الدراهم المختلفة وليس إلا واحدا منها). فاسد،
إذ لو كان الأمر كذلك لم يكن مصداق الماهية في الحقيقة إلا واحد من الأفراد

(1) في الفصل الآتي.
(2) والقائل هو المحقق الدواني وسيد المدققين على ما نقل عنهما في شوارق الالهام
ص 164، وتعليقة الهيدجي على شرح المنظومة ص 270، ودرر الفوائد ص 332. قال
المحقق الدواني في حاشية شرح التجريد للقوشجي ص 96: (فالاختلاف بالكلية والجزئية
لاختلاف نحو الادراك...).
94

ولكذبت القضايا الكلية، كقولنا: (كل ممكن فله علة)، و (كل أربعة زوج)، و (كل
كثير فإنه مؤلف من آحاد)، والضرورة تدفعه. فالحق أن الكلية والجزئية لازمتان
لوجود الماهيات، فالكلية لوجودها الذهني والجزئية لوجودها الخارجي.
وكذا ما قيل (1): (إن الماهية الموجودة في الذهن جزئية شخصية، كالماهية
الموجودة في الخارج، فإنها موجودة في ذهن خاص قائمة بنفس جزئية.
فالماهية الإنسانية الموجودة في ذهن زيد - مثلا - غير الماهية الإنسانية
الموجودة في ذهن عمرو، والموجودة منها في ذهن زيد اليوم غير الموجودة في
ذهنه بالأمس، وهكذا). فاسد، فإن الماهية المعقولة من الحيثية المذكورة - أعني
كونها قائمة بنفس جزئية ناعتة لها، وكذا كونها كيفية من الكيفيات النفسانية وكمالا
لها - هي من الموجودات الخارجية الخارجة من بحثنا، وكلامنا في الماهية
بوجودها الذهني الذي لا تترتب عليها فيه آثارها الخارجية، وهي من هذه الجهة
لا تأبى الصدق على كثيرين.
ثم إن الأشياء المشتركة في معنى كلي يتميز بعضها من بعض بأحد أمور ثلاثة،
فإنها إن اشتركت في عرضي خارج من الذات فقط تميزت بتمام الذات، كالنوعين
من مقولتين من المقولات العرضية المشتركين في العرضية، وإن اشتركت في ذاتي
فإن كان في بعض الذات، ولا محالة هو الجنس، تميزت ببعض آخر وهو الفصل،
كالإنسان والفرس المشتركين في الحيوانية المتميزين بالنطق والصهيل، وإن كان
في تمام الذات تميزت بعرضي مفارق، إذ لو كان لازما لم يخل عنه فرد، فلازم
النوع لازم لجميع أفراده.
وزاد بعضهم (2) على هذه الأقسام الثلاثة قسما رابعا، وهو: التميز بالتمام

(1) والظاهر أن القائل به هو فخر الدين الرازي في شرح عيون الحكمة ج 3 ص 7 و ص 100،
حيث قال: (إن الموجود في الأذهان هو أيضا موجود في الأعيان، لأن الموجود الذهني
صورة جزئية إدراكية موجودة في نفس شخصية معينة. وتعرض لهذا القول قطب الدين
الراوندي في رسالة (تحقيق الكليات)، على ما في حاشية شرح المطالع ص 48.
(2) وهو الشيخ الإشراقي في حكمة الاشراق حيث قال: (وأما الفارق بين أشخاصها فليس بفصلي، فإن جواب (ما هو؟) لا يتغير فيها، ولا هو عارض، بل قسم ثالث هو الكمالية
والنقص)، فراجع كلام الماتن في شرح حكمة الاشراق ص 234.
95

والنقص والشدة والضعف في نفس الطبيعة المشتركة، وهو التشكيك. والحق (1) أن
الماهية بما أنها هي لا تقبل التشكيك، وإنما التشكيك في الوجود.
هذا كله في الكلية، وأنها خاصة ذهنية للماهية. وأما الجزئية وهي امتناع
الشركة في الشئ، وتسمى: (الشخصية)، فالحق أنها بالوجود كما ذهب إليه
الفارابي رحمه الله وتبعه صدر المتألهين (2) رحمه الله. قال في الأسفار: (والحق أن تشخص
الشئ - بمعنى كونه ممتنع الشركة فيه بحسب نفس تصوره - إنما يكون بأمر زائد
على الماهية مانع بحسب ذاته من تصور الاشتراك فيه. فالمشخص للشئ - بمعنى
ما به يصير ممتنع الاشتراك فيه - لا يكون بالحقيقة إلا نفس وجود ذلك الشئ، كما
ذهب إليه المعلم الثاني، فإن كل وجود متشخص بنفس ذاته، وإذا قطع النظر عن
نحو الوجود الخاص للشئ فالعقل لا يأبى عن تجويز الاشتراك فيه وإن ضم إليه
ألف مخصص، فإن الامتياز في الواقع غير التشخص، إذ الأول للشئ بالقياس إلى
المشاركات في أمر عام، والثاني باعتباره في نفسه حتى أنه لو لم يكن له مشارك
لا يحتاج إلى مميز زائد مع أن له تشخصا في نفسه. ولا يبعد أن يكون التميز
يوجب للشئ استعداد التشخص، فإن النوع المادي المنتشر ما لم تكن المادة
متخصصة الاستعداد لواحد منه لا يفيض وجوده عن المبدأ الأعلى) (3)، انتهى.
ويتبين به:
أولا: أن الأعراض المشخصة التي أسندوا التشخص إليها - وهي عامة
الأعراض كما هو ظاهر كلام بعضهم (4)، وخصوص الوضع ومتى وأين كما صرح

(1) كما في تعليقات شرح حكمة الاشراق لصدر المتألهين، فراجع شرح حكمة الاشراق
ص 234 و 237.
(2) نسب إليهما في شرح المنظومة ص 106 ونسب إلى الفارابي وغيره في حاشية شرح
التجريد القوشجي للمحقق الدواني، فراجع حاشيته عليه ص 96.
(3) راجع الأسفار ج 2 ص 10.
(4) كالشيخ الرئيس في الشفاء حيث قال: (ثم تخالطه معان وأسباب أخر يتحصل بها واحد الفياض لكل وجود)، وكذا قول بعضهم (7): (إن تشخص العرض واحد من الأشخاص الإنسانية ويتميز بها شخص عن شخص، مثل أن يكون هذا قصيرا
وذاك طويلا وهذا أبيض وذاك أسود. ولا يكون شئ من هذه بحيث لو لم يكن موجودا لذات
الشخص وكان بدله غيره لزم منه أن يفسد لأجله، بل هذه أمور تتبع وتلزم، وإنما تكون
حقيقة وجوده بالإنسانية، فتكون ماهية كل شخص هي بإنسانيته، لكن إنيته الشخصية
تتحصل من كيفية وكمية وغير ذلك). راجع الفصل الخامس من المقالة الأولى من الفن
الأول من منطق الشفاء.
وقال أيضا: (والشخص إنما يصير شخصا بأن تقترن بالنوع خواص عرضية لازمة وغير
لازمة). راجع الفصل الثاني عشر من المقالة الأولى من الفن الأول من منطق الشفاء.
96

به بعض آخر (1)، وخصوص الزمان كما قال به آخرون (2) - وكذا ما قيل (3): (إنه
المادة) أمارات للتشخص ومن لوازمه (4).
وثانيا: أن قول بعضهم (5): (إن المشخص للشئ هو فاعله القريب المفيض
لوجوده)، وكذا قول بعضهم (6): (إن المشخص هو فاعل الكل وهو الواجب
(تعالى)

(1) كالفارابي والشيخ الرئيس في تعليقاتهما، حيث قالا: (التشخص هو أن يكون للمتشخص
معاني لا يشاركه فيها غيره. وتلك المعاني هي الوضع والأين والزمان، فأما ساير الصفات
واللوازم ففيها شركة كالسواد والبياض) فراجع التعليقات للفارابي ص 14 - 15، والتعليقات
للشيخ الرئيس ص 107.
(2) والقائل الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 334 - 335.
(3) والقائل فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 76 - 77. ونسب إلى بعض أهل
العلم في الأسفار ج 2 ص 12، وشرح الهداية الأثيرية ص 224. وقال المحقق الطوسي:
(وقد يستند إلى المادة المتشخصة بالأعراض الخاصة الحالة فيها). راجع كشف المراد ص 97.
(4) هكذا في شرح المنظومة ص 106.
(5) وتعرض صدر المتألهين لهذا القول من دون إشارة إلى قائله، فراجع الأسفار ج 2 ص 12،
وشرح الهداية الأثيرية ص 224. ولم نعثر على قائله.
(6) والقائل شارح المقاصد ج 1 ص 113، حيث قال: (بل التشخص يستند عندنا إلى القادر
المختار كسائر الممكنات بمعنى أنه الموجد لكل فرد على ما شاء من التشخص).
(7) والقائل هو المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد، فراجع كشف المراد ص 143، وشرح
التجريد للقوشجي ص 140 - 141.
97

بموضوعه) لا يخلو عن استقامة. غير أنه من الإسناد إلى السبب البعيد، والسبب
القريب الذي يستند إليه التشخص هو نفس وجود الشئ، إذ الوجود العيني
للشئ بما هو وجود عيني يمتنع وقوع الشركة فيه، فهو المتشخص بذاته، والماهية
متشخصة به، وللفاعل أو الموضوع دخل في التشخص من جهة أنهما من علل
الوجود، لكن أقرب الأسباب هو وجود نفس الشئ، كما عرفت.
وثالثا: أن جزئية المعلوم المحسوس ليست من قبل نفسه بما أنه مفهوم
ذهني، بل من قبل الاتصال الحسي بالخارج وعلم الإنسان بأنه نوع تأثر له من
العين الخارجي، وكذا جزئية الصورة الخيالية من قبل الاتصال بالحس، كما إذا
أحضر صورة خيالية مخزونة عنده من جهة الحس أو ركب مما عنده من الصور
الحسية المخزونة صورة فرد خيالي، فافهم.
الفصل الرابع
في الذاتي والعرضي
المفاهيم المعتبرة في الماهيات - وهي التي تؤخذ في حدودها وترتفع الماهيات
بارتفاعها - تسمى: (ذاتيات). وما سوى ذلك مما يحمل عليها - وهي خارجة من
الحدود كالكاتب من الإنسان والماشي من الحيوان - تسمى (عرضيات).
والعرضي قسمان، فإنه إن توقف انتزاعه وحمله على انضمام، كتوقف انتزاع
الحار وحمله على الجسم على انضمام الحرارة إليه، سمي: (محمولا بالضميمة)،
وإن لم يتوقف على انضمام شئ إلى الموضوع، سمي: (الخارج المحمول)
كالعالي والسافل.
هذا هو المشهور، وقد تقدم (1) أن العرض من مراتب وجود الجوهر.

(1) في الفصل الثالث من المرحلة الثانية، حيث قال: (ويتبين بما مر أن وجود الأعراض من شؤون وجود الجواهر التي هي موضوعاتها).
98

ويتميز الذاتي من غير الذاتي بخواصه التي هي لوازم ذاتيته، وهي كونه
ضروري الثبوت لذي الذاتي لضرورية ثبوت الشئ لنفسه، وكونه غنيا عن
السبب، فالسبب الموجد لذي الذاتي هو السبب الموجد للذاتي لمكان العينية،
وكونه متقدما على ذي الذاتي تقدما بالتجوهر، كما سيجئ إن شاء الله (1).
وقد ظهر مما تقدم أن الحمل بين الذات وبين أجزائه الذاتية حمل أولي.
وبه يندفع الإشكال في تقدم أجزاء الماهية عليها بأن مجموع الأجزاء عين
الكل، فتقدم المجموع على الكل تقدم الشئ على نفسه، وهو محال.
وذلك (2) أن الذاتي، سواء كان أعم وهو الجنس أو أخص وهو الفصل، عين
الذات، والحمل بينهما أولي، وإنما سمي: (جزءا) لوقوعه جزءا من الحد.
على أن إشكال تقدم الأجزاء على الكل مدفوع بأن التقدم للأجزاء بالأسر
على الكل، وبين الاعتبارين تغاير.
الفصل الخامس
في الجنس والفصل والنوع وبعض ما يلحق بذلك
الماهية التامة التي لها آثار خاصة حقيقية تسمى من حيث هي كذلك (نوعا)
كالإنسان والفرس والغنم. وقد بين في المنطق (3) أن من المعاني الذاتية للأنواع
الواقعة في حدودها ما يشترك فيه أكثر من نوع واحد كالحيوان الذي يشترك فيه
الإنسان والفرس وغيرهما، كما أن منها ما يختص بنوع واحد كالناطق المختص
بالإنسان، ويسمى الجزء المشترك فيه (جنسا) والجزء المختص (فصلا).

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة العاشرة.
(2) أي الاندفاع. واعلم أنهم اختلفوا في التفصي عن هذا الإشكال ولهم عبارات مختلفة
تعرض لها المحقق اللاهيجي في المسألة الخامسة من الفصل الثاني من المقصد الأول من
شوارق الالهام، فراجع.
(3) راجع الكتب المنطقية، باب الكليات الخمسة.
99

وينقسم الجنس والفصل إلى قريب وبعيد، وأيضا ينقسم الجنس والنوع إلى
عال ومتوسط وسافل، كل ذلك مبين في محله (1).
ثم إنا إذا أخذنا معنى الحيوان الموجود في أكثر من نوع واحد مثلا، وعقلناه
بأنه الجوهر الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة، جاز أن نعقله وحده
بحيث يكون كل ما يقارنه من المعاني كالناطق، زائدا عليه خارجا من ذاته،
ويكون ما عقلناه من المعنى مغايرا للمجموع منه ومن المقارن، غير محمول عليه،
كما أنه غير محمول على المقارن. فالمفهوم المعقول من الحيوان غير مفهوم
الحيوان الناطق وغير مفهوم الناطق، كان المعنى المعقول على هذا الوجه مادة
بالنسبة إلى المعنى الزائد المقارن، وعلة مادية بالنسبة إلى المجموع منه ومن
المقارن. وجاز أن نعقله مقيسا إلى عدة من الأنواع التي تشترك فيه، كأن نعقل
معنى الحيوان المذكور آنفا - مثلا - بأنه الحيوان الذي هو إما إنسان وإما فرس
وإما غنم وإما غير ذلك من أنواع الحيوان، فيكون المعنى المعقول على هذا النحو
ماهية ناقصة غير محصلة حتى ينضم إليها الفصل المختص بأحد تلك الأنواع
فيحصلها ماهية تامة فتكون ذلك النوع بعينه، كأن ينضم فصل الإنسان مثلا - وهو
الناطق - إلى الحيوان، فيكون الحيوان هو الناطق بعينه، وهو نوع الإنسان، ويسمى
الذاتي المشترك فيه المأخوذ بهذا الاعتبار (جنسا) والذي يحصله (فصلا).
والاعتباران المذكوران الجاريان في الجزء المشترك - أعني أخذه بشرط لا،
ولا بشرط - يجريان في الجزء المختص. فيكون بالاعتبار الأول صورة للجزء
الآخر المقارن، وعلة صورية للمجموع، ولا يحمل على شئ منها، وبالاعتبار
الثاني فصلا يحصل الجنس ويتمم النوع ويحمل عليه حملا أوليا.
فقد تحصل أن الجزء الأعم في الماهيات - وهو الجنس - متقوم بالجزء

(1) راجع شرح المنظومة (قسم المنطق) ص 26، وشرح المطالع ص 82، وشرح الشمسية
ص 36 - 61، وجوهر النضيد 12 - 17، والبصائر النصيرية ص 13 - 14، وشرح الإشارات
ج 1 ص 82.
100

الأخص الذي هو الفصل بحسب التحليل العقلي.
قال في الأسفار في كيفية تقوم الجنس بالفصل: (هذا التقويم ليس بحسب
الخارج، لاتحادهما في الوجود، والمتحدان في ظرف لا يمكن تقوم أحدهما
بالآخر وجودا، بل بحسب تحليل العقل الماهية النوعية إلى جزئين عقليين
وحكمه بعلية أحدهما للآخر، ضرورة احتياج أجزاء ماهية واحدة بعضها إلى
بعض، والمحتاج إليه والعلة لا يكون إلا الجزء الفصلي لاستحالة أن يكون الجزء
الجنسي علة لوجود الجزء الفصلي، وإلا لكانت الفصول المتقابلة لازمة له، فيكون
الشئ الواحد مختلفا متقابلا، هذا ممتنع. فبقي أن يكون الجزء الفصلي علة لوجود
الجزء الجنسي، ويكون مقسما للطبيعة الجنسية المطلقة وعلة للقدر الذي هو حصة
النوع وجزءا للمجموع الحاصل منه ومما يتميز به عن غيره) (1)، انتهى.
فإن قيل (2): إن الفصل إن كان علة لمطلق الجنس لم يكن مقسما له، وإن كان
علة للحصة التي في نوعه وهو المختص به فلا بد أن يفرض التخصص أولا حتى
يكون الفصل علة له، لكنه إذا تخصص دخل في الوجود واستغنى بذلك عن العلة.
قيل (3): إن الخصوصية التي بها يصير الجنس المبهم حصة خاصة بالنوع من
شؤون تحصله الوجودي الجائي إليه من ناحية علته التي هي الفصل، والعلة متقدمة
بالوجود على معلولها، فالتخصص حاصل بالفصل، وبه يقسم الجنس الفاقد له في
نفسه. ولا ضير في علية فصول متعددة لماهية واحدة جنسية لضعف وحدتها (4).
فإن قيل: التحصل الذي يدخل به الجنس في الوجود هو تحصله بالوجود

(1) راجع الأسفار ج 2 ص 29 - 30.
(2) هذا الاعتراض تعرض له في المباحث المشرقية ج 1 ص 68، والأسفار ج 2 ص 30.
(3) هكذا أجاب عنه الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 68. وتعرض له أيضا صدر
المتألهين في الأسفار ج 2 ص 30. وأجاب عنه أيضا ملا إسماعيل في حاشية شوارق الالهام
بما ذكر.
(4) هكذا في الأسفار ج 2 ص 31. وقال الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 71: (ليس
يمتنع أن يكون للشئ الواحد فصول مرتبة، لصحة أن تكون للشئ علل مرتبة).
101

الفردي، فما لم يتلبس بالوجود الخارجي لم يتم ولم يكن له شئ من الشؤون
الوجودية، فما معنى عد الفصل علة له؟
قيل (1): المراد بتحصله بالفصل ثبوته التعقلي و كينونته ماهية تامة نوعية،
والذي يكتسبه بالوجود الفردي هو تحقق الماهية التامة تحققا تترتب عليه الآثار
الخارجية. فالذي يفيده الفصل هو تحصل الماهية المبهمة الجنسية وصيرورتها
ماهية نوعية تامة، والذي يفيده الوجود الفردي هو تحصل الماهية التامة
وصيرورتها حقيقة خارجية تترتب عليها الآثار.
فتبين بما مر:
أولا: أن الجنس هو النوع مبهما، والفصل هو النوع محصلا، والنوع هو الماهية
التامة من غير نظر إلى إبهام أو تحصل.
وثانيا: أن كلا من الجنس والفصل محمول على النوع حملا أوليا، وأما النسبة
بين الجنس والفصل أنفسهما فالجنس عرض عام للفصل والفصل خاصة للجنس،
والحمل بينهما حمل شائع.
وثالثا: أن من الممتنع تحقق أكثر من جنس واحد في مرتبة واحدة في ماهية
نوعية واحدة (2)، وكذا تحقق أكثر من فصل واحد في مرتبة واحدة في ماهية
نوعية واحدة (3)، لاستلزامه كون الواحد بعينه كثيرا، وهو محال.
ورابعا: أن الجنس والمادة متحدان ذاتا ومختلفان اعتبارا، فالمادة إذا أخذت
لا بشرط كانت (جنسا)، والجنس إذا أخذ بشرط لا كان (مادة). وكذلك الفصل
والصورة متحدان ذاتا ومختلفان اعتبارا، فالفصل بشرط لا صورة، كما أن الصورة

(1) كما يستفاد مما ذكره قطب الدين الراوندي في شرح المطالع ص 92، حيث قال: (ثم ليس
مراده أن الفصل علة لوجود الجنس...).
(2) راجع كشف المراد ص 94 - 95.
(3) راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 71. وقال الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 100:
وليس فصلان ولا جنسان في مرتبة لواحدها تعرف
102

لا بشرط فصل (1).
وهذا في الجواهر المادية المركبة ظاهر، فإن المادة والصورة موجودتان فيها
خارجا، فيؤخذ منهما معنى المادة والصورة، ثم يؤخذان لا بشرط، فيكونان
جنسا وفصلا.
وأما الأعراض فهي بسائط خارجية غير مركبة من مادة وصورة، فما به
الاشتراك فيها عين ما به الامتياز. لكن العقل يجد فيها مشتركات ومختصات
فيعتبرها أجناسا وفصولا لها ثم يعتبرها بشرط لا، فتعود مواد وصورا عقلية لها.
والأمر في الجواهر المجردة أيضا على هذه الوتيرة.
الفصل السادس
في بعض ما يرجع إلى الفصل
يستعمل لفظ الفصل في كلماتهم في معنيين (2):
أحدهما: أخص اللوازم التي تعرض النوع وأعرفها، وهو إنما يعد فصلا
ويوضع في الحدود موضع الفصول الحقيقية لصعوبة الحصول على الفصول الحقيقية
التي تقوم الأنواع أو لعدم وجود اسم دال عليها بالمطابقة في اللغة، كالناطق
المأخوذ فصلا للإنسان، فإن المراد بالنطق إما التكلم وهو بوجه من الكيفيات
المسموعة (3)، وإما إدراك الكليات وهو عندهم من الكيفيات النفسانية، والكيفية
كيفما كانت من الأعراض، والأعراض لا تقوم الجواهر، ويسمى: (فصلا منطقيا).
والثاني: ما يقوم النوع ويحصل الجنس حقيقة، وهو مبدأ الفصل المنطقي،

(1) راجع الأسفار ج 2 ص 16 - 18، و ج 5 ص 287.
(2) راجع شرح المنظومة ص 100. وللشيخ الرئيس كلام في المقام، راجع الفصل الثالث عشر
من المقالة الأولى من الفن الأول من منطق الشفاء، والفصل الرابع من المقالة الخامسة من
إلهيات الشفاء.
(3) كما في التعليقات للفارابي ص 20، والتعليقات للشيخ الرئيس ص 137.
103

ككون الإنسان ذا نفس ناطقة فصلا للنوع الإنساني، ويسمى: (فصلا اشتقاقيا).
ثم إن الفصل الأخير (1) تمام حقيقة النوع (2)، لأنه محصل الجنس الذي
يحصله ويتممه نوعا. فما أخذ في أجناسه وفصوله الأخر على وجه الابهام مأخوذ
فيه على وجه التحصيل.
ويتفرع عليه أن نوعية النوع محفوظة بالفصل، ولو تبدلت بعض أجناسه، ولذا
لو تجردت صورته - التي هي الفصل بشرط لا - عن المادة - التي هي الجنس
بشرط لا - في المركبات المادية، كالإنسان تتجرد نفسه فتفارق البدن، كانت
حقيقة النوع محفوظة بالصورة.
ثم إن الفصل غير مندرج تحت جنسه الذي يحصله (3) - بمعنى أن الجنس غير
مأخوذ في حده أخذ الجنس في النوع -، ففصول الجواهر ليست بجواهر. وذلك
لأنه لو اندرج تحت جنسه افتقر إلى فصل يقومه، وننقل الكلام إلى فصله،
ويتسلسل بترتب فصول غير متناهية، وتحقق أنواع غير متناهية في كل فصل،
ويتكرر الجنس بعدد الفصول، وصريح العقل يدفعه (4).
على أن النسبة بين الجنس والفصل تنقلب إلى العينية، ويكون الحمل بينهما
حملا أوليا، ويبطل كون الجنس عرضا عاما للفصل، والفصل خاصة للجنس.
ولا ينافي ذلك وقوع الحمل بين الجنس وفصله المقسم، كقولنا: (كل ناطق
حيوان) و (بعض الحيوان ناطق)، لأنه حمل شائع بين الخاصة والعرض العام
- كما تقدمت الإشارة إليه (5) -، والذي نفيناه هو الحمل الأولي. فالجوهر مثلا

(1) وهو الفصل القريب، كالناطق للإنسان.
(2) راجع شرح المنظومة ص 101، والأسفار ج 2 ص 35 - 36.
(3) كما في الأسفار ج 2 ص 39 - 40، و ج 4 ص 253 - 263.
(4) وقد ناقش فيه الشيخ الإشراقي والفخر الرازي بوجوه عديدة، فراجع حكمة الاشراق ص
86 - 87، والمطارحات ص 228 و 233 و 290، والمباحث المشرقية ج 1 ص 66. وأجاب
عنها صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 253 - 263.
(5) في الفصل السابق.
104

صادق على فصوله المقسمة له من غير أن تندرج تحته، فيكون جزءا من ماهيتها.
فإن قلت: ما تقدم من عدم دخول فصل النوع تحت جنسه ينافي قولهم - في
تقسيم الجوهر على العقل والنفس والهيولي والصورة الجسمية والجسم - بكون
الصورة الجسمية والنفس نوعين من الجوهر، ولازم كون الشئ نوعا من مقولة
اندراجه ودخوله تحتها. ومن المعلوم أن الصورة الجسمية هي فصل الجسم
مأخوذا بشرط لا، ففي كونه نوعا من الجوهر دخول الفصل الجوهري تحت
جنس الجوهر وأخذ الجوهر في حده. ونظير البيان جار في عدهم النفس نوعا من
الجوهر، على أنهم بينوا بالبرهان أن النفس الإنسانية جوهر مجرد باق بعد مفارقة
البدن، والنفس الناطقة صورة الإنسان، وهي بعينها مأخوذة لا بشرط فصل
للماهية الإنسانية (1).
قلت: يختلف حكم المفاهيم باختلاف الاعتبار العقلي الذي يطرؤها، وقد
تقدم في بحث الوجود لنفسه ولغيره (2) أن الوجود في نفسه هو الذي ينتزع عنه
ماهية الشئ. وأما اعتبار وجوده لشئ فلا ينتزع عنه ماهية، وإن كان وجوده
لغيره عين وجوده في نفسه. والفصل مفهوم مضاف إلى الجنس، حيثيته أنه مميز
ذاتي للنوع وجوده للجنس، فلا ماهية له من حيث إنه فصل. وهذا معنى قولهم (3):
(إن لازم كون الجنس عرضا عاما للفصل والفصل خاصة له أن ليست فصول
الجواهر جواهر بمعنى كونها مندرجة تحت معنى الجواهر اندراج الأنواع تحت
جنسها، بل كاندراج الملزومات تحت لازمها الذي لا يدخل في ماهيتها) (4).
وأما الصورة من حيث إنها صورة مقومة للمادة فحيث كانت بشرط لا بالنسبة
إلى المادة لم يكن بينهما حمل أولي فلا اندراج لها تحت الجنس، وإلا كانت نوعا
بينه وبين الجنس عينية وحمل أولي، هذا خلف. وإن كان بينها وبين المادة حمل

(1) راجع الأسفار ج 2 ص 41. (2) راجع الفصل الثالث من المرحلة الثانية.
(3) أي قول الحكماء. (4) راجع الأسفار ج 2 ص 39 - 40.
105

شائع بناء على التركيب الاتحادي بين المادة والصورة (1).
نعم، لما كانت الصورة تمام ماهية النوع كما عرفوها بأنها ما به الشئ هو هو
بالفعل، كانت فصول الجواهر جواهر، لأنها عين حقيقة النوع وفعليته، لكن لا
يستوجب ذلك دخولها تحت جنس الجوهر بحيث يكون الجوهر مأخوذا في
حدها بينه وبينها حمل أولي.
فتبين بما تقدم، أن الفصول بما أنها فصول بسائط غير مركبة من الجنس
والفصل، ممحضة في أنها مميزات ذاتية، وكذلك الصور المادية التي هي في
ذاتها مادية موجودة للمادة بسائط في الخارج غير مركبة من المادة والصورة،
وبسائط في العقل غير مركبة من الجنس والفصل، وإلا كانت الواحدة منها أنواعا
متسلسلة كما تقدمت الإشارة إليها (2).
وأما النفس المجردة فهي باعتبار أنها فصل للنوع حيثيتها حيثية الوجود
الناعتي وقد عرفت (3) أن لا ماهية للوجود الناعتي، وأما من حيث تجردها في
ذاتها فإن تجردها مصحح وجودها لنفسها، كما أنها موجودة في نفسها، وهي
تمام حقيقة النوع، فيصدق عليه الجوهر، فتكون هي النوع الجوهري الذي كانت
جزءا صوريا له، وليست بصورة، ولا ينافيه كون وجودها للمادة أيضا، فإن هذا
التعلق إنما هو في مقام الفعل دون الذات، فهي مادية في فعلها لا في ذاتها.
هذا على القول بكون النفس المجردة روحانية الحدوث والبقاء كما
عليه المشاؤون (4). وأما على القول بكونها جسمانية الحدوث روحانية

(1) والقول بكون التركيب اتحاديا قول السيد السند (صدر الدين الشيرازي) وصدر المتألهين.
قال الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 105: (إن بقول السيد السناد، أي القوي،
وهو صدر الدين الشيرازي المشهور بالسيد السند، وقد تبعه في ذلك صدر المتألهين، تركيب
أجزاء عينية اتحادي). ثم قال: (لكن قول الحكماء العظام من قبله التركيب الإنضمامي).
وراجع الأسفار ج 5 ص 282. (2) في السطور السابقة.
(3) في الفصل الأول من المرحلة الثانية.
(4) نسب إليهم في حواشي شرح المنظومة للسبزواري، فراجع شرح المنظومة ص 302.
106

البقاء (1) فهي تتجرد في ذاتها أولا، وهي بعد متعلقة بالمادة فعلا ثم تتجرد عنها في
فعلها أيضا بمفارقة البدن.
الفصل السابع
في بعض أحكام النوع
النوع هو الماهية التامة التي لها في الوجود آثار خاصة. وينقسم إلى ما لا
يتوقف في ترتب آثاره عليه إلا على الوجود الخارجي الذي يشخصه فردا
كالإنسان - مثلا - ويسمى: (النوع الحقيقي)، وإلى ما يتوقف في ترتب آثاره عليه
على لحوق فصل أو فصول به، فيكون جنسا بالنسبة إلى أنواع دونه، وإن كان نوعا
بالنظر إلى تمام ماهيته، كالأنواع العالية والمتوسطة، كالجسم الذي هو نوع من
الجوهر عال ثم هو جنس للأنواع النباتية والجمادية، والحيوان الذي هو نوع
متوسط من الجوهر وجنس للإنسان وسائر الأنواع الحيوانية، ويسمى: (النوع
الإضافي).
ثم إن الماهية النوعية توجد أجزاؤها في الخارج بوجود واحد هو وجود
النوع، لأن الحمل بين كل منها وبين النوع حمل أولي، والنوع موجود بوجود
واحد، وأما في الذهن فبينها تغاير بالإبهام والتحصل، ولذلك كان كل من الجنس
والفصل عرضيا للآخر كما تقدم (2).
ومن هنا ما ذكروا (3) أنه لا بد في المركبات الحقيقية - وهي الأنواع المادية -
أن يكون بين أجزائها فقر وحاجة من بعضها إلى بعض حتى ترتبط وتتحد حقيقة

(1) هذا مذهب صدر المتألهين، فراجع الأسفار ج 8 ص 347 وحاشية شرح حكمة الاشراق
ص 245. وتبعه الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 303.
(2) في الفصل الخامس من هذه المرحلة.
(3) كما قال المحقق الطوسي: (ولا بد من حاجة ما لبعض الأجزاء إلى البعض). راجع كشف
المراد ص 91.
107

واحدة (1). وقد عدوا المسألة ضرورية (2).
ويمتاز المركب الحقيقي من غيره بالوحدة الحقيقية. وذلك بأن يحصل من
تألف الأجزاء أمر آخر وراءها له أثر جديد خاص وراء آثار الأجزاء، لا مثل
المركبات الاعتبارية التي لا أثر لها وراء آثار الأجزاء، كالعسكر المركب من
أفراد، والبيت المركب من اللبن والجص وغيرها.
ومن هنا يترجح القول بأن التركيب بين المادة والصورة تركيب اتحادي لا
انضمامي - كما سيأتي إن شاء الله (3) -.
ثم إن الماهيات النوعية منها ما هو كثير الأفراد كالأنواع التي لها تعلق ما
بالمادة، كالعنصر، وكالإنسان. ومنها ما هو منحصر في فرد، كالنوع المجرد عن
المادة ذاتا وفعلا وهو العقل. وذلك أن الكثرة إما أن تكون تمام ذات الماهية
النوعية أو بعضها أو خارجة منها لازمة أو مفارقة، وعلى التقادير الثلاثة الأول
يمتنع أن يتحقق لها فرد، إذ كل ما فرض فردا لها وجب كونه كثيرا، وكل كثير مؤلف
من آحاد، وكل واحد مفروض يجب أن يكون كثيرا، وكل كثير فإنه مؤلف من
آحاد وهكذا، فيذهب الأمر إلى غير النهاية، ولا ينتهي إلى واحد، فلا يتحقق
الواحد، فلا يتحقق لها فرد، وقد فرض كثير الأفراد، وهذا خلف، وعلى التقدير
الرابع، كانت الكثرة بعرض مفارق يعرض النوع تتحقق بانضمامه إليه وعدم
انضمامه الكثرة، وكل عرض مفارق يتوقف عرضه على سبق إمكان حامله المادة،
فيكون النوع ماديا بالضرورة، فكل نوع كثير الأفراد فهو مادي، وينعكس بعكس
النقيض إلى أن كل نوع مجرد فهو منحصر في فرد، وهو المطلوب.

(1) وحدة حقيقية كالإنسان، لا وحدة اعتبارية كالعشرة.
(2) راجع شرح المقاصد ج 1 ص 104، وشرح المواقف ص 119، وشرح المنظومة ص 104،
والمباحث المشرقية ج 1 ص 56. (3) راجع الفصل الرابع عشر من المرحلة الثامنة.
108

المرحلة السادسة
في المقولات العشر
وهي الأجناس العالية التي إليها تنتهي الماهيات بالتحليل
وفيها واحد وعشرون فصلا
109

الفصل الأول
في المقولات وعددها
لا ريب أن للموجود الممكن ماهية هي ذاته التي تستوي نسبتها إلى الوجود
والعدم، وهي ما يقال في جواب (ما هو؟)، وأن في هذه الماهيات مشتركات
ومختصات - أعني الأجناس والفصول -، وأن في الأجناس ما هو أعم وما هو
أخص، أي إنها قد تترتب متصاعدة من أخص إلى أعم، فلا محالة تنتهي السلسلة
إلى جنس لا جنس فوقها لاستحالة ذهابها إلى غير النهاية المستلزم لتركب ذات
الممكن من أجزاء غير متناهية، فلا يمكن تعقل شئ من هذه الماهيات بتمام
ذاتياتها، على أن هذه الأجناس باعتبار أخذها بشرط لا مواد خارجية أو عقلية،
والمادة من علل القوام، وهي متناهية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى (1) -.
فتحصل أن هناك أجناسا عالية ليس فوقها جنس، وهي المسماة
ب‍ (المقولات).
ومن هنا يظهر:
أولا: أن المقولات بسائط غير مركبة من جنس وفصل، وإلا كان هناك جنس

(1) في الفصل الخامس عشر من المرحلة الثامنة.
111

أعلى منها، هذا خلف.
وثانيا: أنها متباينة بتمام ذواتها البسيطة، وإلا كان بينها مشترك ذاتي وهو
الجنس، فكان فوقها جنس، هذا خلف.
وثالثا: أن الماهية الواحدة لا تندرج تحت أكثر من مقولة واحدة، فلا يكون
شئ واحد جوهرا وكما معا، ولا كما وكيفا معا، وهكذا. ويتفرع عليه أن كل معنى
يوجد في أكثر من مقولة واحدة فهو غير داخل تحت المقولة، إذ لو دخل تحت ما
يصدق عليه لكان مجنسا بجنسين متباينين أو أجناس متباينة، وهو محال. ومثله
ما يصدق من المفاهيم على الواجب والممكن جميعا، وقد تقدمت الإشارة إلى
ذلك (1).
ورابعا: أن الماهيات البسيطة كالفصول الجوهرية - مثلا - وكالنوع المفرد - إن
كان - خارجة عن المقولات، وقد تقدم في مرحلة الماهية (2).
وخامسا: أن الواجب والممتنع خارجان عن المقولات، إذ لا ماهية لهما،
والمقولات ماهيات جنسية.
ثم إن جمهور المشائين (3) على أن المقولات عشر، وهي الجوهر والكم
والكيف والوضع والأين والمتى والجدة والإضافة وأن يفعل وأن ينفعل.
والمعول فيما ذكروه على الاستقراء (4)، ولم يقم برهان على أن ليس فوقها

(1) في المرحلة الرابعة. (2) في الفصل السادس من المرحلة الخامسة.
(3) كالمعلم الأول في كتابه الموسوم ب‍ (قاطيغورياس) أي المقولات، فراجع الجزء الأول من
منطق أرسطو ص 35، وكذا في كتابه الموسوم ب‍ (طوبيقا) أي الجدل، فراجع الجزء الثاني
من منطق أرسطو ص 502. ونسب إليه أيضا في المعتبر ج 3 ص 14. وذهب إليه الشيخ
الرئيس في قاطيغورياس من منطق الشفاء، وصدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 3، والشواهد
الربوبية ص 21، وفخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 164، وشرح عيون
الحكمة ج 1 ص 97 - 98، والحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 136 - 137.
(4) هكذا في شرح المواقف ص 193. وقال المحقق اللاهيجي في مقدمة الفصل الخامس من
المقصد الثاني من شوارق الالهام (وبالجملة فالذي استقر عليه رأي المتأخرين أن هذا
الحصر استقرائي. ولا يخفى أن هذا الاستقراء أيضا ضعيف جدا).
112

مقولة هي أعم من الجميع أو أعم من البعض (1). وأما مفهوم الماهية والشئ
والموجود وأمثالها الصادقة على العشر جميعا، ومفهوم العرض والهيئة والحال
الصادقة على التسع غير الجوهر، والهيئة النسبية الصادقة على السبع الأخيرة
المسماة بالأعراض النسبية، فهي مفاهيم عامة منتزعة من نحو وجودها خارجة
من سنخ الماهية. فماهية الشئ هو ذاته المقول عليه في جواب ما هو، ولا هوية
إلا للشئ الموجود، وشيئية الشئ موجود، فلا شيئية لما ليس بموجود، وعرضية
الشئ كون وجوده قائما بالغير، وقريب منه كونه هيئة وحالا، ونسبية الشئ كون
وجوده في غيره غير خارج من وجود الغير. فهذه مفاهيم منتزعة من نحو الوجود
محمولة على أكثر من مقولة واحدة، فليست من المقولات كما تقدم (2).
وعن بعضهم (3): (أن المقولات أربع، بإرجاع المقولات النسبية إلى مقولة
واحدة، فهي الجوهر والكم والكيف والنسبة).
ويدفعه ما تقدم (4) [من] أن النسبة مفهوم غير ماهوي منتزع من نحو الوجود،
ولو كفى مجرد عموم المفهوم في جعله مقولة فليرد المقولات إلى مقولتين:
(الجوهر والعرض) (5)، لصدق مفهوم العرض على غير الجوهر من المقولات، بل إلى مقولة واحدة هي الماهية أو الشئ.
.

(1) راجع مقدمة الفصل الخامس من المقصد الثاني من شوارق الالهام، والفصل الأول والثالث
والرابع والخامس من المقالة الثانية من الفن الثاني من منطق الشفاء.
(2) في السطور السابقة.
(3) قيل: (هو عمر بن سهلان الساوجي (الساوي) صاحب البصائر النصيرية)، فراجع شرح
الهداية الأثيرية لصدر المتألهين 264، وشرح المنظومة ص 137. وقال الإيجي في
المواقف: (وقد احتج ابن سينا على الحصر بما خلاصته أنه ينقسم إلى كم وكيف ونسبة كما
مر، وغيرها الجوهر) انتهى كلامه على ما في شرح المواقف ص 195.
(4) في السطور السابقة.
(5) قال الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 284: (ويكفي تقسيم الماهيات إلى جوهر
وهيئة). وقال السيد الداماد في القبسات ص 40: (فإذن المقولات الجائزات جنسان
أقصيان...).
113

وعن شيخ الاشراق: (أن المقولات خمس، الجوهر والكم والكيف والنسبة
والحركة) (1).
ويرد عليه ما يرد على سابقه مضافا إلى أن الحركة أيضا مفهوم منتزع من نحو
الوجود، وهو الوجود السيال غير القار الثابت، فلا مساغ لدخولها في المقولات.
الفصل الثاني
في تعريف الجوهر (2) وأنه جنس لما تحته من الماهيات
تنقسم الماهية انقساما أوليا إلى الماهية التي إذا وجدت في الخارج وجدت
لا في موضوع مستغن عنها وهي ماهية الجوهر، وإلى الماهية التي إذا وجدت في
الخارج وجدت في موضوع مستغن عنها وهي المقولات التسع العرضية.
فالجوهر ماهية إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع مستغن عنها،
وهذا تعريف بوصف لازم للوجود من غير أن يكون حدا مؤلفا من الجنس
والفصل (3)، إذ لا معنى لذلك في جنس عال، كما أن تعريف العرض بالماهية التي

(1) راجع التلويحات ص 11.
(2) قدم البحث عن الجوهر على البحث عن العرض تبعا للمحقق الطوسي. والوجه في ذلك
- كما قال القوشجي في شرحه للتجريد ص 137 - أن وجود العرض متوقف على وجود
الجوهر فالجوهر مقدم بالطبع على العرض، فتقدمه بالذكر مناسب لتقدمه بالطبع.
ومنهم من قدم البحث عن العرض على البحث عن الجوهر، كفخر الدين الرازي في
المباحث المشرقية ج 1 ص 136. وتبعه صدر المتألهين في الأسفار حيث قال: (إن
الترتيب الطبيعي وإن استدعى تقديم مباحث الجواهر وأقسامها على مباحث الأعراض،
لكن أخرنا البحث عن الجواهر لوجهين: (أحدهما) أن أكثر أحوالها لا يبرهن إلا بأصول
مقررة في أحكام الأعراض. و (ثانيهما) أن معرفتها شديدة المناسبة لأن يقع في العلم الإلهي
وعلم المفارقات الباحث عن ذوات الأشياء وأعيانها دون أن يقع في الفلسفة الباحثة عن
الكليات والمفهومات العامة وأقسامها الأولية) راجع الأسفار ج 4 ص 2.
(3) ولذا قال الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 136: (الفريدة الأولى في رسم الجوهر). وقال الآملي في درر الفوائد ص 388: (إنما عبر بالرسم دون الحد، لأن الجوهر
الجنسي الذي هو من الأجناس العالية لا حد له، لأن الحد مشتمل على جنس الشئ وفصله،
والأجناس العالية لا جنس لها، وإلا لم يكن أجناسا عالية، وما لا جنس له لا فصل له).
114

إذا وجدت في الخارج وجدت في موضوع مستغن عنها، تعريف بوصف لازم
لوجود المقولات التسع العرضية وليس من الحد في شئ.
والتعريف تعريف جامع مانع، وإن لم يكن حدا، فقولنا: (ماهية) يشمل عامة
الماهيات ويخرج به الواجب بالذات حيث كان وجودا صرفا لا ماهية له، وتقييد
الماهية بقولنا: (إذا وجدت في الخارج)، للدلالة على أن التعريف لماهية الجوهر
الذي هو جوهر بالحمل الشائع، إذ لو لم يتحقق المفهوم بالوجود الخارجي لم يكن
ماهية حقيقية لها آثارها الحقيقية، ويخرج بذلك الجواهر الذهنية التي هي جواهر
بالحمل الأولي عن التعريف، فإن صدق المفهوم على نفسه حمل أولي لا يوجب
اندراج المفهوم تحت نفسه، وتقييد الموضوع ب‍ (كونه مستغنيا عنها)، للإشارة إلى
تعريف الموضوع بصفته اللازمة له، وهو أن يكون قائما بنفسه - أي موجودا
لنفسه -، فالجوهر موجود لا في موضوع - أي ليس وجوده لغيره كالأعراض، بل
لنفسه -.
وأما ما قيل (1): إن التقييد بالاستغناء لإدخال الصور الجوهرية الحالة في
المادة في التعريف، فإنها وإن وجدت في الموضوع، لكن موضوعها غير مستغن
عنها، بل مفتقرة إليها.
ففيه: أن الحق أن الصور الجوهرية ماهيات بسيطة غير مندرجة تحت مقولة
الجوهر، ولا مجنسة بجنس - كما تقدمت الإشارة إليه في مرحلة الماهية (2) -.

(1) والقائل هو محمد تقي الآملي في درر الفوائد ص 389، حيث قال: (الجوهر هو الماهية
التي حق وجودها العيني أن لا يكون في موضوع - أي في محل - مستغن عن الحال فيه، وإن
كان في المحل أي في محل مفتقر ذاك المحل إلى هذا الحال كالصورة الحالة في الهيولي
حيث إنها مع حلولها في الهيولي جوهر، إذ ليست حالة في محل مستغني عنها).
(2) في الفصل السادس من المرحلة الخامسة.
115

ووجود القسمين - أعني الجوهر والعرض - في الخارج ضروري في الجملة،
فمن أنكر وجود الجوهر فقد قال بجوهرية الأعراض من حيث لا يشعر. ومن
الأعراض ما لا ريب في عرضيته كالأعراض النسبية.
والجوهر جنس لما يصدق عليه من الماهيات النوعية، مقوم لها، مأخوذ في
حدودها (1)، لأن كون الماهيات العرضية مفتقرة في وجودها الخارجي إلى
موضوع مستغن عنها يستلزم وجود ماهية هي في ذاتها موضوعة لها مستغنية
عنها، وإلا ذهبت سلسلة الافتقار إلى غير النهاية، فلم تتقرر ماهية، وهو ظاهر.
وأما ما استدل (2) به على جنسية الجوهر لما تحته بأن كون وجود الجوهر لا
في موضوع وصف واحد مشترك بين الماهيات الجوهرية، حاصل لها على وجه
اللزوم مع قطع النظر عن الأمور الخارجة، فلو لم يكن الجوهر جنسا لها، بل كان
لازم وجودها وهي ماهيات متباينة بتمام الذات، لزم انتزاع مفهوم واحد من
مصاديق كثيرة متباينة بما هي كذلك، وهو محال. فبين هذه الماهيات الكثيرة
المتباينة جامع ماهوي واحد لازمه الوجودي كون وجودها لا في الموضوع.
ففيه: أن الوصف المذكور، معنى منتزع من سنخ وجود هذه الماهيات
الجوهرية لا من الماهيات، كما أن كون الوجود في الموضوع - وهو وصف واحد
لازم للمقولات التسع العرضية -، معنى واحد منتزع من سنخ وجود الأعراض
جميعا، فلو استلزم كون الوصف المنتزع من الجواهر معنى واحدا جامعا ماهويا
واحدا في الماهيات الجوهرية لاستلزم كون الوصف المنتزع من المقولات
العرضية معنى واحدا جامعا ماهويا واحدا في المقولات العرضية هو جنس لها،
وانتهت الماهيات إلى مقولتين هما الجوهر والعرض.
فالمعول في إثبات جنسية الجوهر لما تحته من الماهيات على ما تقدم من أن

(1) هذا مذهب أكثر الحكماء. والأقلون على خلافه، ومنهم فخر الدين الرازي في المباحث
المشرقية ج 1 ص 142 - 146.
(2) هكذا استدل عليه صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 260.
116

افتقار العرض إلى موضوع (1) يقوم به يستلزم ماهية قائمة بنفسها.
ويتفرع على ما تقدم أن الشئ الواحد لا يكون جوهرا وعرضا معا، وناهيك
في ذلك أن الجوهر وجوده لا في موضوع، والعرض وجوده في موضوع،
والوصفان لا يجتمعان في شئ واحد بالبداهة.
الفصل الثالث
في أقسام الجوهر الأولية (2)
قالوا (3): إن الجوهر إما أن يكون في محل، أو لا يكون فيه، والكائن في
المحل هو (الصورة المادية)، وغير الكائن فيه إما أن يكون محلا لشئ يقوم به
أو لا يكون، والأول هو (الهيولي)، والثاني لا يخلو إما أن يكون مركبا من الهيولي
والصورة أو لا يكون، والأول هو (الجسم)، والثاني إما أن يكون ذا علاقة انفعالية
بالجسم بوجه أو لا يكون، والأول هو (النفس) والثاني هو (العقل). فأقسام
الجوهر الأولية خمسة، هي: الصورة المادية والهيولي والجسم والنفس والعقل.
وليس التقسيم عقليا دائرا بين النفي والإثبات، فإن الجوهر المركب من الجوهر
الحال والجوهر المحل ليس ينحصر بحسب الاحتمال العقلي في الجسم، فمن
الجائز أن يكون في الوجود جوهر مادي مركب من المادة وصورة غير الصورة
الجسمية، لكنهم قصروا النوع المادي الأول في الجسم تعويلا على استقرائهم.
.

(1) كون وجود العرض لغيره (ناعتا لغيره) معنى سلبي لا اقتضاء للماهية العرضية بالنسبة
إليه، ولكن وجود الجوهر وجود لنفسه قائم بنفسه التي هي ماهيته، وهو معنى إيجابي
تقتضيه الماهية اقتضاء الماهية للوازمها، والمعنى الواحد لا ينتزع من ماهيات متباينة وقد
أشرنا إليه في قولنا قبلا: (وإلا لذهبت سلسلة الافتقار إلى غير النهاية...) (منه رحمه الله).
(2) أي الأقسام الأولية للجوهر.
(3) أي المشاؤون راجع الفصل الأول من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء، وتعليقة صدر
المتألهين عليه ص 47، وشرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 261، والأسفار ج 4
ص 234، وقواعد المرام ص 43، وشرح حكمة العين ص 212.
117

على أنك قد عرفت (1) أن الصورة الجوهرية ليست مندرجة تحت مقولة
الجوهر، وإن صدق عليها الجوهر صدق الخارج اللازم.
قال في الأسفار بعد الإشارة إلى التقسيم المذكور: (والأجود في هذا التقسيم
أن يقال: الجوهر إن كان قابلا للأبعاد الثلاثة فهو الجسم، وإلا فإن كان جزءا منه
هو به بالفعل سواء كان في جنسه أو في نوعه فصورة إما امتدادية أو طبيعية، أو
جزء هو به بالقوة فمادة، وإن لم يكن جزءا منه فإن كان متصرفا فيه بالمباشرة
فنفس، وإلا فعقل).
ثم قال مشيرا إلى وجه جودة هذا التقسيم: (وذلك لما سيظهر من تضاعيف
ما حققناه من كون الجوهر النفساني الإنساني مادة للصورة الإدراكية التي
يتحصل بها جوهرا آخر كماليا بالفعل من الأنواع المحصلة التي يكون لها نحو
آخر من الوجود غير الوجود الطبيعي الذي لهذه الأنواع المحصلة الطبيعية) (2) -
انتهى.
وما يرد على التقسيم السابق يرد على هذا التقسيم أيضا، على أن عطف
الصور الطبيعية - وهي متأخرة عن نوعية الجسم - على الصورة الإمتدادية، لا
يلائم كون الانقسام أوليا.
وكيف كان فالذي يهمنا هاهنا أن نبحث عن حقيقة الجسم وجزئيه - المادة
والصورة الجسمية -، وأما النفس فاستيفاء البحث عنها في علم النفس، وستنكشف
حقيقتها بعض الانكشاف في مرحلتي القوة والفعل (3)، والعاقل والمعقول (4)، وأما
العقل فيقع الكلام في حقيقته في الإلهيات بالمعنى الأخص، وستنكشف بعض الانكشاف في مرحلتي القوة والفعل (5)، والعاقل والمعقول إن شاء الله تعالى (6).

(1) في الفصل السابق.
(2) راجع الأسفار ج 4 ص 234.
(3 و 5) أي المرحلة التاسعة.
(4 و 6) أي المرحلة الحادية عشرة.
118

الفصل الرابع
في ماهية الجسم
لا ريب في وجود الجسم بمعنى الجوهر الذي يمكن أن يفرض فيه ثلاثة
خطوط متقاطعة على زوايا قوائم، وإن لم تكن موجودة فيه بالفعل كما في الكرة
والأسطوانة.
فحواسنا التي تنتهي إليها علومنا وإن لم يكن فيها ما ينال الموجود الجوهري
وإنما تدرك أحوال الأجسام وأوصافها العرضية، لكن أنواع التجربات تهدينا
هداية قاطعة إلى أن ما بين السطوح والنهايات من الأجسام مملوءة في الجملة
غير خالية عن جوهر ذي امتداد في جهاته الثلاث.
والذي يجده الحس من هذا الجوهر الممتد في جهاته الثلاث يجده متصلا
واحدا يقبل القسمة إلى أجزاء بالفعل، لا مجموعا من أجزاء بالفعل ذوات فواصل.
هذا بحسب الحس، وأما بحسب الحقيقة فاختلفوا فيه على أقوال (1).
أحدها: أنه مركب من أجزاء ذوات أوضاع لا تتجزى ولا تنقسم أصلا لا
خارجا ولا وهما ولا عقلا، وهي متناهية، وهو مذهب جمهور المتكلمين (2).
الثاني: أنه مركب كما في القول الأول، غير أن الأجزاء غير متناهية، ونسب
إلى النظام (3).

(1) وذكر الحكيم السبزواري وجها تضبط به الأقوال في ماهية الجسم، فراجع شرح المنظومة
ص 208 - 209.
(2) ومنهم أبو الهذيل العلاف والجبائي ومعمر بن عباد وهشام الفوطي على ما في مقالات
الإسلاميين ج 2 ص 13 - 14، ومذاهب الإسلاميين ج 1 ص 182. ونسب إلى جمهور
المتكلمين في شرح حكمة العين ص 215، وإيضاح المقاصد ص 24، والمباحث المشرقية
ج 2 ص 8، والأسفار ج 5 ص 16، والأربعين ج 2 ص 3، وشرح المنظومة ص 209. وذهب
إليه أيضا ابن ميثم البحراني في قواعد المرام ص 51 - 56.
(3) نسب إليه في مقالات الإسلاميين ج 2 ص 16، والتبصير في الدين ص 71، ومذاهب الإسلاميين ج 1 ص 223، والانتصار ص 33، وشرح المنظومة ص 209. ونسب إليه وإلى
القدماء من متكلمي المعتزلة في شرح حكمة العين ص 215. وقال العلامة في إيضاح
المقاصد ص 249: (هو مذهب المتكلمين ومذهب جماعة من الأوائل). وقال الرازي في
المباحث المشرقية ج 2 ص 9: (فهو مذهب النظام ومن الأوائل انكسافراطيس).
119

الثالث: أنه مركب من أجزاء بالفعل متناهية صغار صلبة لا تقبل القسمة
الخارجية لصغرها وصلابتها، ولكن تقبل القسمة الوهمية والعقلية، ونسب إلى
ذيمقراطيس (1).
الرابع: أنه متصل واحد كما في الحس ويقبل القسمة إلى أجزاء متناهية،
ونسب إلى الشهرستاني (2).
الخامس: أنه جوهر بسيط هو الاتصال والامتداد الجوهري الذي يقبل
القسمة خارجا ووهما وعقلا، ونسب إلى أفلاطون الإلهي (3).
السادس: أنه مركب من جوهر وعرض، وهما الجوهر والجسمية التعليمية
التي هي امتداد كمي في الجهات الثلاث، ونسب إلى شيخ الاشراق (4).

(1) نسب إليه في الأسفار ج 5 ص 17، والمباحث المشرقية ج 2 ص 10، وشرح المقاصد ج 1
ص 292، وشرح المنظومة ص 209. ونسب إليه وإلى أصحابه في شرح حكمة العين ص
215، وإيضاح المقاصد ص 246.
(2) نسب إليه في إيضاح المقاصد ص 249، والأسفار ج 5 ص 17، وشرح المنظومة ص 209،
وشرح التجريد للقوشجي ص 143. ونسب إليه وإلى فخر الدين الرازي في شرح حكمة
العين ص 215.
(3) قال صدر المتألهين في الأسفار ج 5 ص 17: (وهو رأي أفلاطون الإلهي ومذهب شيعته
المشهورين بالرواقيين ومن يحذو حذوهم وسلك منهاجهم كالشيخ الشهيد والحكيم السعيد
شهاب الدين يحيى السهروردي في كتاب حكمة الاشراق). ذهب إليه الشيخ الإشراقي في
حكمة الاشراق ص 80 و 88. ونسبه أيضا إلى أفلاطون والشيخ الإشراقي الحكيم المؤسس
آقا علي المدرس فيما علقه على شرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 24. وذهب إليه
أيضا المحقق الطوسي على ما في كشف المراد ص 150، وأبو البركات البغدادي في المعتبر
ج 3 ص 195.
(4) قال في الأسفار ج 5 ص 17: (وهو ما ذهب إليه الشيخ الإلهي في كتاب التلويحات اللوحية والعرشية) - انتهى. وراجع التلويحات ص 14.
لا يقال: الظاهر أن بين كلاميه تناقضا، حيث حكم ببساطة الجسم وجوهرية المقدار في
حكمة الاشراق ص 80 و 88، وحكم بتركب الجسم وعرضية المقدار في التلويحات ص 14.
لأنا نقول: قال صدر المتألهين في الأسفار ج 5 ص 17 - 18: (لكن الشارحين لكلامه
مثل محمد الشهرزوري صاحب تاريخ الحكماء وابن كمونة شارحي التلويحات والعلامة
الشيرازي شارح حكمة الاشراق كلهم اتفقوا على عدم المنافاة بين ما في الكتابين في
المقصود، قائلين أن الفرق يرجع إلى تفاوت اصطلاحية فيهما، ويتحقق ذلك بأن في الشمعة
حين تبدل أشكاله مقدارين: ثابت، وهو جوهر لا يزيد ولا ينقص بتوارد الأشكال عليه،
ومتغير، هو ذهاب المقادير في الجوانب وهو عرض في المقدار الذي هو جوهر،
ومجموعهما هو الجسم، والجوهر منهما هو الهيولي على مصطلح التلويحات، وذلك الامتداد
الجوهري هو الجسم على مصطلح حكمة الاشراق، وهو الذي يسمى - بالنسبة إلى الهيئات
والأنواع المحصلة - الهيولي. فلا مناقضة بين حكمه ببساطة الجسم وجوهرية المقدار في
أحد الكتابين وحكمه بتركب الجسم وعرضية المقدار في الآخر، فإن ذلك الجسم والامتداد
غير هذا الجسم والامتداد، فتوهم المناقضة إنما طرأ من اشتراك اللفظ)، انتهى كلامه. وراجع
أيضا شرح حكمة الاشراق ص 220.
120

السابع: أنه جوهر مركب من جوهرين: (أحدهما) المادة التي هي قوة كل
فعلية. و (الثاني) الاتصال الجوهري الذي هو صورتها. والصورة اتصال وامتداد
جوهري يقبل القسمة إلى أجزاء غير متناهية بمعنى لا يقف، فإن اختلاف العرضين
يقسمه، وكذا الآلة القطاعة تقسمه بالقطع، حتى إذا أعيت لصغر الجزء أو صلابته
أخذ الوهم في التقسيم، حتى إذا عجز عنه لنهاية صغر الجزء أخذ العقل في تقسيمه
على نحو كلي بأنه كلما قسم إلى أجزاء كان الجزء الجديد ذا حجم له جانب غير
جانب يقبل القسمة من غير أن يقف، فورود القسمة لا يعدم الجسم، وهو قول
أرسطو والأساطين من حكماء الإسلام (1).
هذا ما بلغنا من أقوالهم في ماهية الجوهر المسمى بالجسم (2). وفي كل منها

(1) وهم أصحاب المعلم الأول ومن يحذو حذوهم من حكماء الإسلام كالشيخين أبي نصر
الفارابي وأبي علي ابن سينا. راجع الأسفار ج 5 ص 17، وشوارق الالهام ص 286.
(2) وفي المقام قول آخر، هو: أن الجسم مؤلف من محض الأعراض من الألوان والطعوم والروائح وغير ذلك. وهذا منسوب إلى الحسين النجار وضرار بن عمرو من المعتزلة. راجع
الفرق بين الفرق ص 156 و 160، ومقالات الإسلاميين ج 2 ص 6 - 7 و 15 - 16،
وتلخيص المحصل ص 189، والتبصير في الدين ص 101 و 105. وتعرض له في الأسفار
ج 5 ص 67.
121

وجه أو وجوه من الضعف نشير إليها بما تيسر.
أما القول الأول المنسوب إلى المتكلمين، وهو: أن الجسم مركب من أجزاء لا
تتجزى أصلا، تمر الآلة القطاعة على فواصل الأجزاء، وهي متناهية تقبل الإشارة
الحسية.
ففيه: أن الجزء المفروض إن كان ذا حجم كان له جانب غير جانب بالضرورة،
فيجري فيه الانقسام العقلي وإن لم يمكن تقسيمه خارجا ولا وهما لنهاية صغره،
وإن لم يكن له حجم امتنع أن يحصل من اجتماعه مع غيره جسم ذو حجم.
وأيضا لنفرض جزءا لا يتجزى بين جزئين كذلك، فإن كان يحجز عن مماسة
الطرفين انقسم، فإن كلا من الطرفين يلقى منه غير ما يلقاه الآخر (1)، وإن لم يحجز
عن مماستهما استوى وجود الوسط وعدمه (2). ومثله كل وسط مفروض، فلم
يحجب شئ شيئا، وهو ضروري البطلان.
وأيضا لنفرض جزءا لا يتجزى فوق جزئين كذلك وعلى ملتقاهما، فإن لقى
بكله أو ببعضه كل كليهما تجزى، وإن لقى بكله كل أحدهما فقط فليس على
الملتقى وقد فرض عليه، وإن لقى بكله أو ببعضه من كل منهما شيئا انقسم وانقسما
جميعا (3).
وقد أوردوا في بطلان الجزء الذي لا يتجزى وجوها من البراهين، وهي
كثيرة مذكورة في كتبهم (4).

(1) راجع شرح الإشارات ج 2 ص 12.
(2) هكذا في شرح حكمة العين ص 216.
(3) هذا، وأجاب عنه الشيخ الرئيس أيضا في النجاة ص 102 - 103.
(4) راجع شرح حكمة الاشراق ص 238 - 242، والفصل الثالث والرابع والخامس والسادس من المقالة الثالثة من الفن الأول من طبيعيات الشفاء، والتحصيل ص 322 - 331،
والمباحث المشرقية ج 2 ص 11 - 23، والمطالب العالية ج 6 ص 19 - 166، وشرح الهداية
الأثيرية لصدر المتألهين ص 12 - 24، والأسفار ج 5 ص 29 - 56، وشرح المقاصد ج 1
ص 293 - 304، وشرح المواقف ص 357 - 366، وإيضاح المقاصد ص 249 - 256،
وشرح عيون الحكمة ج 2 ص 101 - 118، وشرح المنظومة ص 222 - 227، وأنوار
الملكوت في شرح الياقوت ص 19، وكشف المراد ص 143 - 149، وشرح الإشارات ج 2
ص 19 - 32. وذهب إلى إثباته بعض من المتكلمين، فراجع نهاية الأقدام ص 505 - 507،
وقواعد المرام ص 52 - 55، والأربعين ج 2 ص 4 - 17.
122

وأما القول الثاني المنسوب إلى النظام، وهو أن الجسم مركب من أجزاء لا
تتجزى غير متناهية.
فيرد عليه ما يرد على القول الأول، مضافا إلى أن عدم تناهي الأجزاء على
تقدير كونها ذوات حجم يوجب كون الجسم المتكون من اجتماعها غير متناهي
الحجم بالضرورة، والضرورة تدفعه (1).
وأما القول الثالث المنسوب إلى ذيمقراطيس، وهو أن الجسم مركب من
أجزاء صغار صلبة لا تتجزى خارجا، وإن جاز أن تتجزى وهما وعقلا.
ففيه: أن هذه الأجزاء لا محالة جواهر ذوات حجم، فتكون أجساما ذوات
اتصال جوهري تتألف منها الأجسام المحسوسة، فالذي يثبته هذا القول أن هاهنا
أجساما أولية هي مبادئ هذه الأجسام المحسوسة، على أن هذا القول لا يتبين به
نفي الهيولي وإبطال تركب الجسم منها ومن الصورة الجسمية، وسيأتي إثباتها في
الفصل التالي (2)، فيؤول إلى إثبات الصورة الجسمية للأجسام الأولية التي هي
مبادئ هذه الأجسام المحسوسة، وإليها تنتهي بالتجزئة.
وأما القول الرابع المنسوب إلى الشهرستاني، وهو كون الجسم متصلا واحدا
كما في الحس يقبل القسمة إلى أجزاء متناهية.

(1) هذا، وأجاب عنه أيضا الشيخ الرئيس في النجاة ص 104، والفصل الرابع من المقالة
الثالثة من الفن الأول من طبيعيات الشفاء.
(2) راجع الفصل التالي.
123

ففيه: أن لازمه وقوف القسمة العقلية، وهو ضروري البطلان.
وأما القول الخامس المنسوب إلى أفلاطون، وهو كون الجسم جوهرا بسيطا
وهو الاتصال الجوهري القابل للقسمة إلى غير النهاية.
ففيه: منع كون الجسم بسيطا، لما سيوافيك من إثبات الهيولي للجسم (1)، على
أن في كون الاتصال الجوهري الذي للجسم هو ما يناله الحس من الأجسام
المحسوسة كلاما سيأتي إن شاء الله (2).
وأما القول السادس المنسوب إلى شيخ الاشراق، وهو: كون الجسم مركبا من
جوهر وعرض، وهما المادة والجسم التعليمي الذي هو من أنواع الكم المتصل.
ففيه: أولا: أن لا معنى لتقويم العرض للجوهر مع ما فيه من تألف ماهية
حقيقية من مقولتين، وهما الجوهر والكم، والمقولات متباينة بتمام الذات.
وثانيا: أن الكم عرض محتاج إلى الموضوع حيثما كان، فهذا الامتداد
المقداري الذي يتعين به طول الجسم وعرضه وعمقه كم محتاج إلى موضوع يحل
فيه، ولولا أن في موضوعه اتصالا ما يقبل أن يوصف بالتعين لم يعرضه ولم يحل
فيه، فلو أخذنا مقدارا من شمعة وسويناها كرة ثم اسطوانيا ثم مخروطا ثم مكعبا
وهكذا، وجدنا الأشكال متغيرة متبدلة، وللشمعة اتصال باق محفوظ في الأشكال
المختلفة المتبدلة. فهناك اتصالان: اتصال مبهم غير متعين في نفسه، لولاه لم يكن
شمعة واتصال وامتداد متعين لو بطل لم يبطل به جسم الشمعة. والأول هو صورة
الجسم، والثاني عرض يعرض الجسم، والانقسام يعرض الجسم من حيث عرضه
هذا، وأما من حيث اتصاله الذاتي المبهم فله إمكان أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة.
قال الشيخ في الشفاء: (فالجسمية بالحقيقة صورة الاتصال القابل لما قلناه
من فرض الأبعاد الثلاثة، وهذا المعنى غير المقدار وغير الجسمية وغير الجسمية التعليمية فأن

(1) في الفصل التالي.
(2) في آخر هذا الفصل، حيث قال: (لا حجة تدل على كون الجسم في اتصاله كما هو عليه
عند الحس، فخطأ الحس غير مأمون).
124

هذا الجسم من حيث له هذه الصورة لا يخالف جسما آخر بأنه أكبر أو أصغر، ولا
يناسبه بأنه مساو أو معدود به أو عاد له أو مشارك أو مباين، وإنما ذلك له من
حيث هو مقدر، ومن حيث جزء منه يعده، وهذا الاعتبار غير اعتبار الجسمية التي
ذكرناها) (1)، انتهى.
وبالجملة فأخذ الامتداد الكمي العرضي في ماهية الجوهر - على ما فيه من
الفساد - خلط بين الاتصال الجوهري والامتداد العرضي الذي هو الجسم
التعليمي.
وأما القول السابع المنسوب إلى أرسطو، وهو تركب الجسم من الهيولي
والصورة الجسمية، وهي الاتصال الجوهري على ما عند الحس، وهو كون الشئ
بحيث يمكن أن يفرض فيه امتدادات ثلاثة متقاطعة على قوائم تقبل القسمة إلى
أجزاء غير متناهية. أما الهيولي فسيجئ إثباتها (2)، وأما الصورة الجسمية التي
هي الاتصال فقد تقدم توضيحه.
ففيه: أن كون الجسم مركبا من مادة واتصال جوهري يقبل القسمة إلى غير
النهاية، لا غبار عليه، لكن لا حجة تدل على كون الجسم في اتصاله كما هو عليه
عند الحس، فخطأ الحس غير مأمون.
وقد اكتشف علماء الطبيعية أخيرا بعد تجارب دقيقة فنية أن الأجسام مؤلفة
من أجزاء ذرية لا تخلو من جرم، بينها من الفواصل أضعاف ما لأجرامها من
الامتداد، فلينطبق هذا القول على ما اكتشفوه من الأجسام الذرية التي هي مبادئ
تكون الأجسام المحسوسة، وليكن وجود الجسم بهذا المعنى أصلا موضوعا لنا.
نعم، لو سلم ما يقال: (إن المادة - يعنون بها الأجسام الذرية الأول - قابلة
التبدل إلى الطاقة وإنها مجموعة من ذرات الطاقة المتراكمة)، كان من الواجب في
البحث الحكمي أخذ الطاقة نوعا عاليا مترتبا على الجوهر قبل الجسم ثم ترتيب

(1) راجع الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء. وتعرض له صدر المتألهين في
الأسفار ج 5 ص 21.
(2) في الفصل التالي.
125

الأبحاث المتفرقة على ما يناسب هذا الوضع، فليتأمل.
الفصل الخامس
في ماهية المادة وإثبات وجودها
لا ريب أن الجسم في أنه جوهر يمكن أن يفرض فيه الإمتدادات الثلاثة
أمر بالفعل، وفي أنه يمكن أن يوجد فيه كمالات أخر أولية مسماة بالصورة
النوعية التي تكمل جوهره، وكمالات ثانية من الأعراض الخارجة عن جوهره،
أمر بالقوة. وحيثية الفعل غير حيثية القوة، لما أن الفعل لا يتم إلا بالوجدان، والقوة
تلازم الفقدان. فالذي يقبل من ذاته هذه الكمالات الأولى والثانية الممكنة فيه
ويتحد بها، أمر غير صورته الاتصالية التي هو بها بالفعل، فإن الاتصال الجوهري
- من حيث هو - اتصال جوهري لا غير، وأما حيثية قوة الكمالات اللاحقة
وإمكانها فأمر خارج عن الاتصال المذكور مغاير له، فللجسم وراء اتصاله
الجوهري جزء آخر حيثية ذاته حيثية قبول الصور والأعراض اللاحقة، وهو
الجزء المسمى ب‍ (الهيولي والمادة) (1).
فتبين أن الجسم جوهر مركب من جزئين جوهريين: المادة التي إنيتها قبول
الصور المتعلقة نوع تعلق بالجسم والأعراض المتعلقة بها، والصورة الجسمية، وأن
المادة جوهر قابل للصور والأعراض الجسمانية، وأن الامتداد الجوهري صورة لها.
لا يقال (2): لا ريب أن الصور والأعراض الحادثة اللاحقة بالأجسام يسبقها

(1) قال صدر المتألهين فيما علقه على حكمة الاشراق وشرحه: (وهذه الحجة مما ذكره
المصنف رحمه الله - أي الشيخ الإشراقي - في المطارحات)، فراجع شرح حكمة الاشراق
ص 218. ولكن لم أجدها في المطارحات. ونسبها الرازي إلى الشيخ الرئيس في المطالب
العالية ج 6 ص 202.
(2) وهذا الاعتراض مستفاد من كلام الرازي في شرح عيون الحكمة ج 3 ص 23، حيث قال:
(والثاني أن الهيولي...) ويستفاد أيضا مما نقله صدر المتألهين عن بعض المحققين، فراجع
الأسفار ج 5 ص 160.
126

إمكان في المحل واستعداد وتهيؤ فيه لها، وكلما قرب الممكن من الوقوع زاد
الاستعداد اختصاصا واشتد حتى إذا صار استعدادا تاما وجد الممكن بإفاضة من
الفاعل. فما المانع من إسناد القبول إلى الجسم - أعني الاتصال الجوهري - بواسطة
قيام الاستعداد به عروضا من غير حاجة إلى استعداد وقبول جوهري نثبتها جزءا
للجسم؟، على أن القبول والاستعداد مفهوم عرضي قائم بالغير، فلا يصلح أن
يكون حقيقة جوهرية (1). على أن من الضروري أن الاستعداد يبطل مع تحقق
المستعد له، فلو كان هناك هيولى - هي استعداد وقبول جوهري وجزء للجسم
- لبطلت بتحقق الممكن المستعد له، وبطل الجسم ببطلان جزئه وانعدم بانعدامه،
وهو خلاف الضرورة (2).
فإنه يقال: مغايرة الجسم - بما أنه اتصال جوهري لا غير - مع كل من الصور
النوعية تأبى أن يكون موضوعا للقبول والاستعداد لها، بل يحتاج إلى أمر آخر لا
يأبى أن يتحد مع كل من الصور اللاحقة، فيكون في ذاته قابلا لكل منها وتكون
الاستعدادات الخاصة التي تتوسط بينه وبين الصور الممكنة أنحاء تعينات القبول
الذي له في ذاته، فنسبة الاستعدادات المتفرقة المتعينة إلى الاستعداد المبهم الذي
للمادة في ذاتها نسبة الأجسام التعليمية والإمتدادات المقدارية التي هي تعينات
للإمتداد والاتصال الجوهري إلى الاتصال الجوهري. ولو كان الجسم - بما أنه
اتصال جوهري - هو الموضوع للاستعداد والجسم من الحوادث التي يسبقها
إمكان، لكان حاملا لإمكان نفسه، فكان متقدما على نفسه بالزمان.
وأما ما قيل (3): إن المفهوم من القبول معنى عرضي قائم بالغير، فلا معنى
للقول بكون المادة قبولا بذاته وهو كون القبول جوهرا.

(1) تعرض له صدر المتألهين في الأسفار ج 5 ص 71 نقلا عن الشيخ الإشراقي في أوائل
طبيعيات كتابه.
(2) وتعرض له أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 5 ص 74 نقلا عن الشيخ الإشراقي.
(3) والقائل الشيخ الإشراقي على ما نقل عنه في الأسفار ج 5 ص 71.
127

فيدفعه: أن البحث حقيقي، والمتبع في الأبحاث الحقيقية البرهان دون
الألفاظ بمفاهيمها اللغوية ومعانيها العرفية.
وأما حديث بطلان الاستعداد بفعلية تحقق المستعد له المقوي عليه، فلا ضير
فيه، فإن المادة هي في ذاتها قوة كل شئ من غير تعين شئ منها، وتعين هذه
القوة المستتبع لتعين المقوي عليه عرض موضوعه المادة، وبفعلية الممكن المقوي
عليه تبطل القوة المتعينة والاستعداد الخاص، والمادة على ما هي عليه من كونها
قوة على الصور الممكنة.
وبالجملة: إن كان مراد المستشكل بقوله: (إن الاستعداد يبطل بفعلية الممكن
المستعد له) هو مطلق الاستعداد الذي للمادة فممنوع، وإن كان مراده هو
الاستعداد الخاص الذي هو عرض قائم بالمادة فمسلم، لكن بطلانه لا يوجب
بطلان المادة.
لا يقال (1): الحجة - أعني السلوك إلى إثبات المادة بمغايرة القوة والفعل -
منقوضة بالنفس الإنسانية، فإنها بسيطة مجردة من المادة ولها آثار بالقوة كسنوح
الإرادات والتصورات وغير ذلك، فهي أمر بالفعل في ذاتها المجردة وبالقوة من
حيث كمالاتها الثانية. فإذا جاز كونها على بساطتها بالفعل وبالقوة معا فليجز في
الجسم أن يكون متصفا بالفعلية والقوة من غير أن يكون مركبا من المادة والصورة.
فإنه يقال (2): النفس ليست مجردة تامة ذاتا وفعلا، بل هي متعلقة بالمادة
فعلا، فلها الفعلية من حيث تجردها والقوة من حيث تعلقها بالمادة.
لا يقال (3): الحجة منقوضة بالنفس الإنسانية من جهة أخرى، وهو أنهم

(1) كما قال بعض شيعة الأقدمين. راجع شرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 46،
والأسفار ج 5 ص 114. وتعرض له أيضا فيما علق على شرح حكمة الاشراق ص 218 ولم
ينسب إليه. وهذا النقض يظهر من كلام الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 496 - 497.
(2) هكذا أجاب عنه صدر المتألهين في كتبه، فراجع الأسفار ج 5 ص 115، وشرحه للهداية
الأثيرية ص 46، وتعليقاته على شرح حكمة الاشراق ص 218.
(3) هذا الاعتراض مما خطر ببال المصنف رحمه الله، ثم أجاب عنه بقوله: (فإنا نقول...).
128

ذكروا - وهو الحق - أن النفس الإنسانية العقلية مادة للمعقولات المجردة، وهي
مجردة كلما تعقلت معقولا صارت هي هو.
فإنا نقول: خروج النفس المجردة من القوة إلى الفعل باتحادها بعقل بعد عقل
ليس من باب الحركة المعروفة التي هي كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة،
وإلا استلزم قوة واستعدادا وتغيرا وزمانا، وكل ذلك ينافي التجرد الذي هو الفعلية
التامة العارية من القوة.
بل المراد بكون النفس مادة للصور المعقولة اشتداد وجودها المجرد من غير
تغير وزمان باتحادها بالمرتبة العقلية التي فوق مرتبة وجودها بإضافة المرتبة
العالية، وهي الشرط في إفاضة المرتبة التي هي فوق ما فوقها.
وبالجملة مادية النفس للصور المجردة المعقولة غير المادية بالمعنى الذي في
عالم الأجسام نوعا، وناهيك في ذلك عدم وجود خواص المادة الجسمانية هناك.
لا يقال (1): الحجة منقوضة بنفس المادة، فإنها في نفسها جوهر موجود بالفعل
ولها قوة قبول الأشياء، فيلزم تركبها من صورة تكون بها بالفعل ومادة تكون بها
بالقوة، وننقل الكلام إلى مادة المادة وهلم جرا فيتسلسل، وبذلك يتبين أن
الاشتمال على القوة والفعل لا يستلزم تركبا في الجسم.
لأنه يقال - كما أجاب عنه الشيخ (2) -: إن المادة متضمنة للقوة والفعل، لكن
قوتها عين فعليتها وفعليتها عين قوتها، فهي في ذاتها محض قوة الأشياء، لا فعلية

(1) وهذا الاعتراض أيضا مما نقله صدر المتألهين عن لسان بعض شيعة الأقدمين في شرحه
للهداية الأثيرية ص 46. وتعرض له أيضا في الأسفار ج 5 ص 116، وتعليقاته على شرح
حكمة الاشراق ص 218. وكذا تعرض له الشيخ الرئيس في الفصل الثاني من المقالة الثانية
من إلهيات الشفاء، والفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 2 ص 44.
(2) راجع الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء، حيث قال: (فنقول: إن جوهر
الهيولي وكونها بالفعل هيولى ليس شيئا آخر إلا أنه جوهر مستعد لكذا...) وراجع الأسفار
ج 5 ص 116، وشرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 47، وتعليقاته على شرح حكمة
الاشراق ص 218.
129

لها إلا فعلية أنها قوة الأشياء.
لا يقال (1): الحجة منقوضة بالعقل، فإنه مؤثر فيما دونه، متأثر عما فوقه، ففيه
جهتا فعل وانفعال، فيلزم على قولكم تركبه من مادة وصورة حتى يفعل بالصورة
وينفعل بالمادة.
فإنه يقال (2): إن الانفعال والقبول هناك غير الانفعال والقبول المبحوث عنه
في الأجسام، فانفعال العقل وقبوله الوجود مما فوقه ليس إلا مجرد وجوده
الفائض عليه، من غير سبق قوة واستعداد يقرب موضوعه من الفعلية، وإنما العقل
يفرض للعقل ماهية يعتبرها قابلة للوجود والعدم، فيعتبر تلبسها بالوجود قبولا
وانفعالا، فالقبول كالإنفعال مشترك بين المعنيين، والذي يستلزم التركب هو القبول
بمعنى الاستعداد والقوة السابقة، دون القبول بمعنى فيضان الوجود، فالعقل يفعل
بعين ما يقبل وينفعل به.
الفصل السادس
في أن المادة لا تفارق الجسمية والجسمية لا تفارق
المادة أي أن كل واحدة منهما لا تفارق صاحبتها
أما أن المادة لا تتعرى عن الصورة فلأنها في ذاتها وجوهرها قوة الأشياء،
لا نصيب لها من الفعلية إلا فعلية أنها لا فعلية لها، ومن الضروري أن الوجود
يلازم الفعلية المقابلة للقوة. فهي - أعني المادة - في وجودها مفتقرة إلى موجود
فعلي محصل الوجود تتحد به فتحصل بتحصله، وهو المسمى (صورة).
وأيضا لو وجدت المادة مجردة عن الصورة لكانت لها فعلية في وجودها،

(1) وتعرض لهذا الاعتراض صدر المتألهين في الأسفار ج 5 ص 116، وفي تعليقاته على شرح
حكمة الاشراق ص 218. والظاهر أنه أورده الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 497.
(2) هكذا أجاب عنه صدر المتألهين في الأسفار ج 5 ص 116.
130

وهي قوة الأشياء محضا، وفيه اجتماع المتنافيين في ذات واحدة، وهو محال.
ثم إن المادة لما كانت متقومة الوجود بوجود الصورة فللصورة جهة الفاعلية
بالنسبة إليها، غير أنها ليست تامة الفاعلية لتبدل الصور عليها، والمعلول الواحد لا
تكون لها إلا علة واحدة، فللمادة فاعل أعلى وجودا من المادة والماديات، يفعل
المادة (1) ويحفظ وجودها باتحاد صورة عليها بعد صورة، فالصورة شريكة العلة
للمادة (2).
لا يقال (3): المادة - على ما قالوا (4) - واحدة بالعدد، وصورة ما واحدة
بالعموم، والواحد بالعدد أقوى وجودا من الواحد بالعموم، فلازم علية صورة ما
للمادة كون ما هو أقوى وجودا معلولا للأضعف وجودا، وهو محال.
فإنه يقال (5): إن المادة وإن كانت واحدة بالعدد لكن وحدتها مبهمة ضعيفة،
لإبهام وجودها وكونها محض القوة، ووحدة الصورة - وهي شريكة العلة التي هي
المفارق - مستظهرة بوحدة المفارق. فمثل إبقاء المفارق وحفظ المادة بصورة ما
مثل السقف يحفظ من الانهدام بنصب دعامة بعد دعامة (6).
وسيأتي في مباحث الحركة الجوهرية إن شاء الله (7) ما ينكشف به حقيقة
الحال في كثرة هذه الصور المتعاقبة على المادة.
وقد تبين بما تقدم أن كل فعلية وتحصل تعرض المادة فإنما هي بفعلية

(1) أي يؤثر هذا الفاعل في المادة.
(2) كما قال به بهمنيار في التحصيل ص 341.
(3) تعرض لهذا الإشكال الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء.
وأشار إليه أيضا في الإشارات حيث قال: (وها هنا سر آخر) فراجع شرح الإشارات ج 2
ص 125 - 126.
(4) والقائل به الشيخ الرئيس في التعليقات ص 57.
(5) كما قال به الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء، وتعرض له
المحقق الطوسي في شرح الإشارات ج 2 ص 125 - 126.
(6) هكذا في شرح المقاصد ج 1 ص 315. وشرح الإشارات ج 2 ص 126.
(7) راجع الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
131

الصورة، لما أن تحصلها بتحصل الصورة، وأن الصورة شريكة العلة للمادة، وأن
الصورة متقدمة على المادة وجودا وإن كانت المادة متقدمة عليها زمانا.
وأما أن الصورة الجسمية لا تتعرى عن المادة فلأن الجسم أيا ما كان لا يخلو
عن عوارض مفارقة تتوارد عليه من أقسام الحركات والكم والكيف والأين
والوضع وغيرها، وكذلك الصور النوعية المتعاقبة عليه، وهي جميعا تتوقف على
إمكان واستعداد سابق لا حامل له إلا المادة، فلا جسم إلا في مادة.
وأيضا الجسم بما أنه جوهر قابل للأبعاد الثلاثة طبيعة نوعية تامة واحدة،
وإن كانت تحته أنواع، وليس كمفهوم الجوهر الذي ليس له إلا أن يكون ماهية
جنسية، لا حكم له إلا حكم أنواعه المندرجة تحته. فإذا كان طبيعة نوعية فهو
بطبيعته وفي ذاته إما أن يكون غنيا عن المادة غير مفتقر إليها أو مفتقرا إليها، فإن
كان غنيا بذاته استحال أن يحل المادة، لأن الحلول عين الافتقار، لكنا نجد بعض
الأجسام حالا في المادة، فليس بغني عنها، وإن كان مفتقرا إليها بذاته، ثبت
الافتقار، وهو الحلول في كل جسم.
لا يقال (1): لم لا يجوز أن يكون غنيا عنها بحسب ذاته وتعرضه المقارنة في
بعض الأفراد لسبب خارج عن الذات كعروض الأعراض المفارقة للطبائع
النوعية؟.
لأنه يقال (2): مقارنة الجسم للمادة - كما أشير إليه (3) - بحلوله فيها. وبعبارة

(1) هذا دخل مقدر يستفاد مما ذكره بهمنيار في التحصيل ص 347، حيث قال: (ولا تصح أن
تكون حاجة الصورة إلى مثل هذا الموضوع أو المحل بسبب من خارج...) أشار إليه أيضا
الشيخ الرئيس في الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء، حيث قال: (واللواحق
الخارجية لا تغنيها عن الحاجة إلى المادة بوجه من الوجوه).
(3) هكذا أجاب عنه بهمنيار في التحصيل ص 347، حيث قال: (فإن الغني بذاته عن المادة لا
يدخل عليه ما يحوجه إلى المادة إلا بانقلاب عينه، وهو محال).
(3) حيث قال: (لكنا نجد بعض الأجسام حالا في المادة).
132

أخرى: بصيرورة وجوده للمادة ناعتا لها (1)، فمعنى عروض الافتقار له بسبب
خارج بعد غناه عنها في ذاته صيرورة وجوده لغيره بعد ما كان لنفسه، وهو محال
بالضرورة.
واعلم أن المسألة وإن عقدت في تجرد الصورة الجسمية لكن الدليل يجري
في كل صورة في إمكانها أن تلحقها كمالات طارئة.
وسيأتي في بحث الحركة الجوهرية (2) أن الجوهر المادي متحرك في صورها
حتى يتخلص إلى فعلية محضة لا قوة معها، وذلك باللبس بعد اللبس لا بالخلع
واللبس، فبناء عليه تكون استحالة تجرد الصورة المادية عن المادة مقيدة بالحركة
دون ما إذا تمت الحركة وبلغت الغاية.
ويتأيد ذلك بما ذكره الشيخ (3) وصدر المتألهين (4) [من] أن المادة غير
داخلة في حد الجسم دخول الأجناس في حدود أنواعها. فماهية الجسم - وهي
الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة - لا خبر فيها عن المادة التي هي الجوهر الذي فيه
قوة الأشياء، لكن الجسم مثلا مأخوذ في حد الجسم النامي والجسم النامي مأخوذ
في حد الحيوان والحيوان مأخوذ في حد الإنسان.
وقد بينه صدر المتألهين (5) بأنها لو كانت داخلة في ماهية الجسم لكانت بينة
الثبوت له على ما هو خاصة الذاتي، لكنا نشك في ثبوتها للجسم في بادئ النظر،
ثم نثبتها له بالبرهان، ولا برهان على ذاتي.
ولا منافاة بين القول بخروجها عن ماهية الجسم والقول باتحادها مع الصورة
الجسمية على ما هو لازم اجتماع ما بالقوة مع ما بالفعل، لأن الاتحاد المدعى إنما

(1) قال قطب الدين الرازي في تعليقته على شرح الإشارات ج 2 ص 103: (ولا معنى
للحلول إلا الإختصاص الناعت).
(2) راجع الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
(3) في آخر الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء، حيث قال: (وأما الجسمية التي
نتكلم فيها...).
(4) في الأسفار ج 5 ص 136.
(5) راجع الأسفار ج 5 ص 136.
133

هو في الوجود لا في الماهية.
ولازم ذلك أن لو تجرد بعض الأنواع المادية عن المادة لم يلزم انقلاب بتغير
الحد، وأن المادة من لوازم وجوده لا جزء ماهيته.
الفصل السابع
في إثبات الصور النوعية (1) وهي الصور الجوهرية
المنوعة لجوهر الجسم المطلق
إنا نجد في الأجسام اختلافا من حيث صدق مفاهيم عليها هي بينة الثبوت لها
ممتنعة الانفكاك عنها، فإنا لا نقدر أن نتصور جسما دون أن نتصوره مثلا عنصرا أو
مركبا معدنيا أو شجرا أو حيوانا وهكذا، وتلبس الجسم بهذه المفاهيم على هذا
النحو أمارة كونها من مقوماته، ولما كان كل منها أخص من الجسم فهي مقومة
لجوهر ذاته، فيحصل بانضمام كل منها إليه نوع منه، ولا يقوم الجوهر إلا جوهر،
فهي صور جوهرية منوعة (2).
لا يقال (3): لا نسلم أن الجوهر لا يقومه إلا جوهر، فكثيرا ما يوجد الشئ

(1) هذا مذهب الحكماء المشائين على ما نقل عنهم في الأسفار ج 5 ص 157. وخالفهم
الشيخ الإشراقي تبعا للأقدمين، حيث قال في المطارحات ص 284: (وأما الصورة فالقدماء
يرون أن كل ما ينطبع في شئ هو عرض، ويتأبون عن تسمية المنطبع في المحل جوهرا).
وقال في حكمة الاشراق ص 88: (والحق مع الأقدمين في هذه المسألة).
وقال صدر المتألهين في شرحه للهداية الأثيرية ص 65 - بعد تحرير محل النزاع -:
(فيه خلاف بين أتباع المعلم الأول من المشائين ومنهم الشيخ الرئيس ومن في طبقته وبين
الأقدمين من اليونانيين كهرمس وفيثاغورس وأفلاطون وحكماء الفرس والرواقيين ومن
تابعهم كصاحب حكمة الاشراق).
(2) هذه ثانية الحجج المنقولة في الأسفار ج 5 ص 166.
(3) هذا الإشكال أورده الشيخ الإشراقي على حجة أخرى قريبة المأخذ من هذه الحجة،
وهي: أن في الماء والنار والأرض والهواء ونحوها أمورا تغير جواب ما هو، فيكون صورا.
فراجع المطارحات ص 288، وشرح حكمة الاشراق ص 231. وتعرض لها صدر المتألهين
في الأسفار ج 5 ص 171، وشرحه للهداية الأثيرية ص 70.
134

ويقال عليه الجوهر في جواب (ما هو؟) ثم ينضم إليه شئ من الأعراض ويتغير
به جواب السؤال عنه ب‍ (ما هو؟) كالحديد الذي هو جوهر، فإذا صنع منه السيف
بضم هيئات عرضية إليه وسئل عنه ب‍ (ما هو؟) كان الجواب عنه غير الجواب عنه
وهو حديد، وكالطين والحجر وهما جوهران، فإذا بني منهما بناء وقع في جواب
السؤال عنه ب‍ (ما هو؟) البيت ولم ينضم إليها إلا هيئات عرضية.
فإنه يقال (1): فيه خلط بين الأنواع الحقيقية التي هي مركبات حقيقية تحصل
من تركبها هوية واحدة وراء الأجزاء، لها آثار وراء آثار الأجزاء كالعناصر
والمواليد، وبين المركبات الاعتبارية التي لا يحصل من تركب أجزائها أمر وراء
الأجزاء ولا أثر وراء آثارها كالسيف والبيت من الأمور الصناعية وغيرها.
وبالجملة المركبات الاعتبارية لا يحصل منها أمر وراء نفس الأجزاء،
والمركب من جوهر وعرض لا جوهر ولا عرض، فلا ماهية له حتى يقع في
جواب ما هو، كل ذلك لتباين المقولات بتمام ذواتها البسيطة، فلا يتكون من أكثر
من واحدة منها ماهية.
ولا يقال: كون الصور النوعية جواهر ينافي قولهم: (إن فصول الجواهر غير
مندرجة تحت جنس الجوهر).
فإنه يقال: قد تقدم البحث عنه في مرحلة الماهية (2) واتضح به أن معنى
جوهرية فصول الجواهر - وهي الصور النوعية مأخوذة بشرط لا - أن جنس
الجوهر صادق عليها صدق العرض العام على الخاصة، فهي مقومات للأنواع
عارضة على الجنس.

(1) هكذا أجاب عنه صدر المتألهين في الأسفار ج 5 ص 175 - 179، وشرحه للهداية
الأثيرية ص 70، وتعليقاته على شرح حكمة الاشراق ص 231.
(2) راجع الفصل السادس من المرحلة الخامسة
135

حجة أخرى (1): إنا نجد الأجسام مختلفة بحسب الآثار القائمة بها من
العوارض اللازمة والمفارقة. واختصاص كل من هذه المختلفات الآثار بما
اختص به من الآثار ليس إلا لمخصص بالضرورة. ومن المحال أن يكون
المخصص هو الجسمية المشتركة لاشتراكها بين جميع الأجسام، ولا المادة
المشتركة لأن شأنها القبول والاستعداد دون الفعل والاقتضاء، ولا موجود مفارق
لاستواء نسبته إلى جميع الأجسام. ويمتنع أن يكون المخصص هو بعض
الأعراض اللاحقة بأن يتخصص أثر بأثر سابق، فإنا ننقل الكلام إلى الأثر السابق
فيتسلسل أو يدور أو ينتهي إلى أمر غير خارج عن جوهر الجسم الذي عنده
الأثر، والأولان محالان، فيبقى الثالث - وهو استناد الآثار إلى أمر غير خارج من
جوهر الجسم - فيكون مقوما له، ومقوم الجوهر جوهر. وإذ كان هذا المقوم
الجوهري أخص من الجسم المطلق فهو صورة جوهرية منوعة له. ففي الأجسام
على اختلافها صور نوعية جوهرية هي مباد للآثار المختلفة باختلاف الأنواع.
لا يقال (2): إن في أفراد كل نوع من الأنواع الجسمانية آثارا مختصة
وعوارض مشخصة، لا يوجد ما هو عند فرد منها عند غيره من الأفراد، ويجري
فيها ما سبقتموه من الحجة، فهلا أثبتم بعد الصور التي سميتموها صورا نوعية
صورا شخصية مقومة لماهية النوع.
لأنه يقال (3): الأعراض المسماة (عوارض مشخصة) لوازم التشخص

(1) هذه الحجة مما ذكره الشيخ الرئيس في الإشارات، فراجع شرح الإشارات ج 2 ص 101.
وتعرض له بهمنيار في التحصيل ص 336 - 337. وهذه أولى الحجج المنقولة في الأسفار ج
5 ص 157 - 166، وشرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 65.
(2) هذا الإشكال أورده الشيخ الإشراقي في حكمة الاشراق، فراجع شرح حكمة الاشراق
(كلام الماتن) ص 227، حيث قال: (والطبائع النوعية اعترفتم بأنها أتم وجودا من
الأجناس، ولا يتصور فرض وجودها دون المخصصات، فإن كانت مخصصات الجسم صورا
وجوهرا لأجل أن الجسم لا يتصور دون مخصص فمخصصات الأنواع أولى بأن يكون
جوهرا، وليس كذا، فيجوز أن يكون المخصص عرضا).
(3) هكذا أجاب عنه صدر المتألهين في تعليقات شرح حكمة الاشراق ص 227.
136

وليست بمشخصة، وإنما التشخص بالوجود - كما تقدم في مرحلة الماهية (1) -،
وتشخص الأعراض بتشخص موضوعاتها، إذ لا معنى لعموم العرض القائم
بالموضوع المشخص والأعراض الفعلية اللاحقة بالفرد مبدؤها الطبيعة النوعية
التي في الفرد تقتضي من الكم والكيف والوضع وغيرها عرضا عريضا. ثم الأسباب
والشرائط الخارجية الاتفاقية تخصص ما تقتضيه الطبيعة النوعية، وبتغير تلك
الأسباب والشرائط ينتقل الفرد من عارض يتلبس به إلى آخر من نوعه أو جنسه.
خاتمة للفصل
لما كانت الصورة النوعية مقومة لمادتها الثانية التي هي الجسم المؤلف من
المادة والصورة الجسمية، كانت علة فاعلية للجسم متقدمة عليه كما أن الصورة
الجسمية شريكة العلة للمادة الأولى.
ويتفرع عليه:
أولا: أن الوجود أولا للصورة النوعية وبوجودها توجد الصورة الجسمية ثم
الهيولي بوجودها الفعلي.
وثانيا: أن الصور النوعية لا تحفظ الجسمية إلى بدل، بل توجد بوجودها
الجسمية، ثم إذا تبدلت إلى صورة أخرى تخالفها نوعا بطل ببطلانها الجسم، ثم
حدثت جسمية أخرى بحدوث الصورة التالية.
الفصل الثامن
في الكم (2) وهو من المقولات العرضية
قد تقدم (3) أن العرض ماهية إذا وجدت في الأعيان وجدت في موضوع

(1) راجع الفصل الثالث من المرحلة الخامسة.
(2) قال المحقق الشريف في وجه تقديمه على سائر المقولات: (لكونه أعم وجودا من الكيف،
فإن أحد قسميه - أعني العدد - يعم المقارنات والمجردات، وأصح وجودا من الأعراض
النسبية التي لا تقرر لها في ذوات موضوعاتها)، انتهى كلامه في شرح المواقف ص 203.
(3) راجع الفصل الثاني من هذه المرحلة.
137

مستغن عنه، وأن العرضية كعرض عام لتسع من المقولات هي أجناس عالية لا
جنس فوقها، ولذا كان ما عرف به كل واحدة منها تعريفا بالخاصة لا حدا حقيقيا
ذا جنس وفصل.
وقد عرف الشيخان - الفارابي (1) وابن سينا (2) - الكم ب‍ (أنه العرض الذي
بذاته يمكن أن يوجد فيه شئ واحد يعده). وهو أحسن ما أورد له من التعريف (3).
وأما تعريفه ب‍ (أنه العرض الذي يقبل القسمة لذاته) (4)، فقد أورد عليه (5)
بأنه تعريف بالأخص، لاختصاص قبول القسمة بالكم المتصل، وأما المنفصل فهو
ذو أجزاء بالفعل.
وكذا تعريفه ب‍ (أنه العرض الذي يقبل المساواة) (6) فقد أورد عليه (7) بأنه

(1) راجع المنطقيات للفارابي ج 1 ص 44.
(2) راجع آخر الفصل الرابع من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء، حيث قال: (فالكمية بالجملة
حدها هي أنها التي يمكن أن يوجد فيها شئ منها يصح أن يكون واحدا عادا).
(3) واستحسنه الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 178، وصدر المتألهين في الأسفار
ج 4 ص 10.
(4) هكذا عرفه الميبدي في شرحه للهداية الأثيرية ص 161، وقطب الدين الرازي في
تعليقته على شرح الإشارات ج 2 ص 154، والكاتبي في حكمة العين، وشارح حكمة العين
في شرح حكمة العين ص 259. ونسب إلى الجمهور في شرح التجريد للقوشجي ص 221.
(5) هذا الإشكال أورده عليه فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ح 1 ص 178. وقال
التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 183: (وأرى أنه بنى ذلك على أن قبول الشئ
عبارة عن إمكان حصوله من غير حصول بالفعل. ولا شك أن الانقسام في الكم المنفصل
حاصل بالفعل. وأما إذا أريد بالقبول أعم من ذلك - أعني إمكان فرض شئ غير شئ - فلا
خفاء في شموله المتصل والمنفصل. ولذا قال الإمام: إن قبول القسمة من عوارض المتصل
دون المنفصل، إلا إذا أخذ القبول باشتراك الاسم).
(6) هكذا عرفه الشيخ الرئيس في عيون الحكمة، فراجع شرح عيون الحكمة ج 1 ص 107.
وتبعه أثير الدين الأبهري في الهداية الأثيرية (راجع كلام الماتن في شرح الهداية الأثيرية
لصدر المتألهين ص 265)، وابن سهلان الساوجي أيضا في البصائر النصيرية ص 26.
(7) هذا الإشكال أورده الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 234 حيث قال: (والكمية قابلة لذاتها المساواة واللا مساواة - أي التفاوت والتجزي واللا تجزي -. وهذا قد يوردونه رسما
وإن كانت المساواة لا تعرف إلا بأنه اتفاق في الكمية، فعرفوا الشئ بما يعرف بالشئ).
وأورده أيضا فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 177، ثم أجاب عنه وقال:
(ويمكن أن يجاب عنه بأن المساواة واللا مساواة مما يدرك بالحس، والكم لا يناله الحس،
بل إنما يناله مع المتكمم تناولا واحدا، ثم إن العقل يجتهد في تمييز أحد المفهومين عن
الآخر، فلهذا يمكن تعريف ذلك المعقول بهذا المحسوس)، انتهى كلامه في المباحث
المشرقية ج 1 ص 178.
138

تعريف دوري، لأن المساواة هي الاتحاد في الكم.
وكيف كان، فما تشتمل عليه هذه التعاريف خواص ثلاثة للكم، وهي العد
والانقسام والمساواة.
الفصل التاسع
في انقسامات الكم
ينقسم الكم انقساما أوليا إلى المتصل والمنفصل:
والمتصل هو: الكم الذي يمكن أن يفرض فيه أجزاء تتلاقى على حدود
مشتركة (1). والحد المشترك هو: الذي يمكن أن يجعل بداية لجزء، كما يمكن أن
يجعل نهاية لآخر، كالخط إذا فرض انقسامه إلى ثلاثة أجزاء، فإن القسم المتوسط
يمكن أن يجعل بداية لكل من الجانبين ونهاية له، فيكون القسمان قسما واحدا
والخط ذا قسمين.
وعرف المتصل - أيضا - بما يقبل الانقسام إلى غير النهاية (2).
والمنفصل خلاف المتصل، وهو: العدد (3) الحاصل من تكرر الواحد، فإنه

(1) هكذا عرفه المشهور من الحكماء، فراجع الأسفار ج 4 ص 13، والمباحث المشرقية ج 1
ص 178، وشرح المواقف ص 205، والمطارحات ص 235، وكشف المراد ص 203، والفصل
الرابع من المقالة الثالثة من الفن الثاني من منطق الشفاء، وغيرها من الكتب الفلسفية.
(2) تعرض له فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 178.
(3) مثلوا للكم المنفصل بالعدد قط، لأن الكم المنفصل منحصر في العدد، كما قال الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الثالثة من الفن الثاني من منطق الشفاء: (وأما المنفصلة
فلا يجوز أن تكون غير العدد).
139

منقسم إلى أجزاء بالفعل، وليس بينها حد مشترك، فإن الخمسة مثلا إذا قسم إلى
اثنين وثلاثة فإن كان بينهما حد مشترك من الأجزاء كانت أربعة أو من خارج
كانت ستة.
والمتصل ينقسم إلى قسمين: قار وغير قار. والقار هو: الثابت المجتمع
الأجزاء بالفعل كالسطح. وغير القار هو: الذي لا تجتمع أجزاؤه المفروضة بالفعل
كالزمان، فإن كل جزء منه بالفعل قوة للجزء التالي، فلا يجتمعان بالفعل، إذ فعلية
الشئ لا تجامع قوته.
والقار ينقسم إلى الجسم التعليمي (1) وهو: القابل للانقسام في جهاته الثلاث:
العرض والطول والعمق، والسطح وهو: القابل للانقسام في الجهتين: العرض
والطول، والخط وهو: القابل للانقسام في جهة واحدة.
والكم المنفصل - وهو العدد - موجود في الخارج بالضرورة (2). والكم المتصل
غير القار - وهو الزمان -، سيأتي إثبات وجوده في مباحث القوة والفعل (3).
وأما الكم المتصل القار، فالجسم التعليمي والسطح موجودان في الخارج (4)،
لأن هناك أجساما طبيعية منفصلا بعضها عن بعض متعينة متناهية، ولازم تعينها

(1) قال شمس الدين محمد بن مباركشاه المروي في شرح حكمة العين ص 270: (وإنما
سمي تعليميا لأنه المبحوث عنه في العلوم التعليمية أي الرياضية).
(2) هذا مذهب الحكماء، فراجع الفصل الخامس من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء،
والتحصيل ص 375. خلافا للمتكلمين، فإنهم أنكروا العدد، فراجع كشف المراد: ص 105،
وشرح المقاصد ج 1 ص 185، وشرح المواقف ص 207 - 209.
(3) راجع الفصل الحادي عشر من المرحلة التاسعة.
(4) هذا مذهب الحكماء، راجع الفصل الرابع من المقالة
الثالثة من إلهيات الشفاء، والتحصيل
ص 375. وأما المتكلمون فأنكروا المقدار الذي هو الجسم التعليمي والسطح، راجع شرح
المقاصد ج 1 ص 185 - 186، وشرح المواقف ص 209 - 210، وكشف المراد ص 207.
140

الجسم التعليمي، ولازم تناهيها السطح.
وأما الخط، فهو موجود في الخارج إن ثبتت أجسام لها سطوح متقاطعة
كالمكعب والمخروط والهرم ونحوها.
ثم إن كل مرتبة من مراتب العدد غير المتناهية نوع خاص منه مباين
لسائرها (1)، لاختصاصها بخواص عددية لا تتعداها إلى غيرها.
والزمان نوع واحد وإن كان معروضه أنواع الحركات الجوهرية والعرضية لما
أن بين أفرادها عادا مشتركا.
والأجسام التعليمية التي لا عاد مشتركا بينها كالكرة والمخروط والمكعب
ونحوها أنواع متباينة، وكذا السطوح التي لا عاد مشتركا بينها كالسطح المستوي
وأقسام السطوح المحدبة والمقعرة، وكذا الخطوط التي لا عاد مشتركا بينها - إن
كانت موجودة - كالخط المستقيم وأنواع الأقواس. وأما الأجسام والسطوح
والخطوط غير المنتظمة، فليست بأنواع، بل مركبة من أنواع شتى.
الفصل العاشر
في أحكام مختلفة للكم
قد تقدمت الإشارة إلى أن من خواص الكم المساواة والمفاوتة، ومنها
الانقسام خارجا كما في العدد أو وهما كما في غيره، ومنها وجود عاد منه يعده (2).
وهناك أحكام أخر أوردوها:
أحدها: أن الكم المنفصل - وهو العدد - يوجد في الماديات والمجردات
جميعا. وأما المتصل غير القار منه - وهو الزمان - فلا يوجد إلا في الماديات. وأما
المتصل القار - وهو الجسم التعليمي والسطح والخط - فلا يوجد في المجردات إلا
* (هامش) (1) كذا قال أرسطو في منطق أرسطو ج 1 ص 43، والشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة
الثالثة من إلهيات الشفاء. ونسبه صدر المتألهين إلى الجمهور، فراجع الأسفار ج 2 ص 99.
(2) راجع الفصل الثامن من هذه المرحلة. (*)
141

عند من يثبت عالما مقداريا مجردا له آثار المادة دون نفس المادة (1).
الثاني: أن العدد لا تضاد فيه، لأن من شروط التضاد غاية الخلاف بين
المتضادين، وليست بين عددين غاية الخلاف، إذ كل مرتبتين مفروضتين من
العدد فإن الأكثر منهما يزيد بعدا من الأقل بإضافة واحد عليه (2).
وأما الإحتجاج عليه (3): بأن كل مرتبة من العدد متقوم بما هو دونه، والضد لا
يتقوم بالضد.
ففيه (4): أن المرتبة من العدد لو تركبت مما دونها من المراتب كانت المراتب
التي تحتها في جواز تقويمها على السواء، كالعشرة - مثلا - يجوز فرض تركبها من
تسعة وواحدة، وثمانية واثنين، وسبعة وثلاثة، وستة وأربعة، وخمسة وخمسة،
وتعين بعضها للجزئية ترجح بلا مرجح، وهو محال. وقول الرياضيين: (إن العشرة
مجموع الثمانية والاثنين) (5)، معناه مساواة مرتبة من العدد لمرتبتين، لا كون
المرتبة - وهي نوع واحد - عين المرتبتين - وهما نوعان اثنان -.
ونظير الكلام يجري في الكم المتصل مطلقا.
وكذا لا يضاد الجسم التعليمي سطحا ولا خطا، ولا سطح خطا (6)، إذ لا

(1) راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 186، والأسفار ج 4 ص 18.
(2) راجع منطق أرسطو ج 1 ص 45، والأسفار ج 4 ص 18 - 19، والمباحث المشرقية ج 1
ص 188 - 190، وكشف المراد ص 205، وشرح المنظومة ص 138، والفصل الثاني من
المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء، والمطارحات ص 240 - 242، وشرح
المقاصد ج 1 ص 184.
(3) كذا احتج عليه فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 188. وتبعه كثير ممن
تأخر عنه كالمحقق الطوسي والعلامة الحلي في كشف المراد ص 205، وصدر المتألهين في
الأسفار ج 4 ص 18، وابن سهلان الساوجي في البصائر النصيرية ص 28.
(4) هذا الإشكال أورده الحكيم السبزواري في حاشية شرح المنظومة ص 138. وتعرض له
المحقق الآملي في درر الفوائد ص 399.
(5) قال الشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء: (ولهذا ما قال
الفيلسوف المقدم: لا تحسبن أن ستة ثلاثة وثلاثة، بل هو ستة مرة واحدة).
(6) أي ولا يضاد سطح خطا.
142

موضوع واحدا هناك يتعاقبان عليه ولا يتصور هناك غاية الخلاف.
الثالث: أن الكم لا يوجد فيه التشكيك بالشدة والضعف، وهو ضروري أو
قريب منه، نعم يوجد فيه التشكيك بالزيادة والنقص كأن يكون خط أزيد من خط
في الطول إذا قيس إليه وجودا، لا في أن له ماهية الخط، وكذا السطح يزيد
وينقص من سطح آخر من نوعه، وكذا الجسم التعليمي (1).
الرابع: قالوا: (إن الأبعاد متناهية) (2)، واستدلوا عليه بوجوه (3)، من أوضحها
أنا نفرض خطا غير متناه وكرة خرج من مركزها خط مواز لذلك الخط غير
المتناهي، فإذا تحركت الكرة تلاقي الخطان بمصادرة أقليدس (4)، فصار الخط
الخارج من المركز مسامتا للخط غير المتناهي المفروض بعد ما كان موازيا له.
ففي الخط غير المتناهي نقطة بالضرورة هي أول نقط المسامتة، لكن ذلك محال، إذ
لا يمكن أن يفرض على الخط نقطة مسامتة إلا وفوقها نقطة يسامتها الخط قبلها.
وقد أقيم على استحالة وجود بعد غير متناه براهين أخر كبرهان التطبيق
والبرهان السلمي وغير ذلك (5).

(1) راجع التعليقات للشيخ الرئيس ص 93، والمباحث المشرقية ج 1 ص 190 - 191،
وكشف المراد ص 205، والأسفار ج 4 ص 20 - 21، والفصل الثاني من المقالة الرابعة من
الفن الثاني من منطق الشفاء، والمطارحات ص 242.
(2) هذا مذهب أكثر الحكماء والمتكلمين بخلاف حكماء الهند على ما في شرح المواقف
ص 451، وكشف المراد ص 167، والمحصل ص 193 - 194.
(3) راجع الفصلين السابع والثامن من المقالة الثالثة من الفن الأول من طبيعيات الشفاء، وشرح
الإشارات ج 2 ص 59 - 74، والمباحث المشرقية ج 1 ص 192 - 203، والأسفار ج 4 ص
21 - 30، وكشف المراد ص 167 - 168، وشرح عيون الحكمة ج 2 ص 49 - 64، وشرح
المنظومة ص 227 - 231، وشرح حكمة العين ص 273 - 281، وغيرها من المطولات.
(4) قال الشهرستاني في الملل والنحل ج 2 ص 114: (هو أول من تكلم في الرياضيات
وأفرده علما نافعا في العلوم). ومصادرته هي أن الخطين المتوازيين لا يتقاطعان وإن امتد
إلى غير النهاية، وإذا تقاطعا عن التوازي تقاطعا لا محالة.
(5) كبرهان حفظ النسبة، وبرهان الترسي. راجع شرح الإشارات ج 2 ص 73 - 74، والأسفار ج 4 ص 23، وشرح المنظومة ص 230 - 231، وشرح المواقف ص 452 - 455، والمباحث
المشرقية ج 1 ص 196 - 199.
143

الخامس: أن الخلاء - ولازمه قيام البعد بنفسه من دون معروض يقوم به -
محال (1)، وسيأتي الكلام فيه في بحث الأين (2).
السادس: أن العدد ليس بمتناه (3)، ومعناه أنه لا توجد مرتبة من العدد إلا
ويمكن فرض ما يزيد عليها، وكذا فرض ما يزيد على الزائد، ولا تقف السلسلة
حتى تنقطع بانقطاع الاعتبار، ويسمى غير المتناهي (اللا يقفى)، ولا يوجد من
السلسلة دائما بالفعل إلا مقدار متناه، وما يزيد عليه فهو في القوة. وأما ذهاب
السلسلة بالفعل إلى غير النهاية على نحو العدول دون السلب التحصيلي فغير
معقول، فلا كل ولا مجموع لغير المتناهي بهذا المعنى، ولا تحقق فيه لشئ من
النسب الكسرية كالنصف والثلث والربع، وإلا عاد متناهيا.
الفصل الحادي عشر
في الكيف وانقسامه الأولي
عرفوه ب‍ (أنه عرض لا يقبل القسمة ولا النسبة لذاته) (4) فيخرج ب‍ (العرض)

(1) هذا مذهب أكثر المحققين من الحكماء. راجع الأسفار ج 4 ص 48 - 57، والفصل الثامن
من المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء، وشرح عيون الحكمة ج 2 ص 83 -
100، وشرح الإشارات ج 2 ص 164 - 166، والمباحث المشرقية ج 1 ص 288 - 246
والدعاوي القلبية ص 7، والتحصيل ص 385 - 391. وأما المتكلمون فذهبوا إلى جواز
الخلاء، ومنهم فخر الدين الرازي في المحصل (تلخيص المحصل) ص 214، وأبو إسحاق
إبراهيم بن نوبخت في الياقوت في علم الكلام ص 331، وأبو البركات في المعتبر ج 2 ص
48 - 67، والجبائي وابنه وجماعة من متكلمي الحشوية وأهل الجبر والتشبيه على ما في
أوائل المقالات ص 81.
(2) في الفصل السابع عشر.
(3) راجع الفصل الخامس من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء.
(4) هكذا عرفه فخر الدين الرازي في المحصل ص 126. وتبعه الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 139. والمشهور أن الكيفية هيئة قارة لا يوجب تصورها تصور شئ خارج
عنها وعن حاملها، ولا يقتضي قسمة ولا نسبة. راجع تعليقة صدر المتألهين على الشفاء
ص 121. وزاد في الأسفار ج 4 ص 59 - كما في المباحث المشرقية ج 1 ص 257، وشرح
المقاصد ج 1 ص 200، والتحصيل ص 393 - قوله: (في أجزاء حاملها).
والرازي أورد على هذا التعريف، ثم قال: (ولعل الأقرب أن يقال: الكيف هو العرض
الذي لا يتوقف تصوره على تصور غيره ولا يقتضي القسمة واللاقسمة في محله اقتضاء
أوليا)، راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 261.
وقال الشيخ الرئيس في الفصل الأول من المقالة الخامسة من الفن الثاني من منطق
الشفاء: (إن الكيفية هي كل هيئة قارة في الموصوف بها، لا توجب تقديره أو لا تقتضيه،
ويصلح تصورها من غير أن يحوج فيها إلى التفات إلى نسبة تكون إلى غير تلك الهيئة).
وقال في عيون الحكمة: (هو كل هيئة غير الكمية مستقرة لا نسبة فيها). ثم الرازي أورد
عليه، فراجع شرح عيون الحكمة ج 1 ص 108 - 110.
144

الواجب لذاته والجوهر، وبقيد (عدم قبول القسمة) الكم، وبقيد (عدم قبول النسبة)
المقولات السبع النسبية، ويدخل بقيد (لذاته) ما تعرضه قسمة أو نسبة بالعرض.
قال صدر المتألهين: (المقولات لما كانت أجناسا عالية ليس فوقها جنس، لم
يمكن أن يورد لها حد، ولذلك كان ما يورد لها من التعريفات رسوما ناقصة يكتفي
فيها بذكر الخواص لإفادة التمييز، ولم يظفر في الكيف بخاصة لازمة شاملة إلا
المركب من العرضية والمغايرة للكم والأعراض النسبية، فعرف بما محصله: (أنه
عرض يغاير الكم والأعراض النسبية). لكن هذا التعريف تعريف للشئ بما
يساويه في المعرفة والجهالة، لأن الأجناس العالية ليس بعضها أجلى من البعض،
ولو جاز ذلك لجاز مثله في سائر المقولات، بل ذلك أولى، لأن الأمور النسبية لا
تعرف إلا بعد معروضاتها التي هي الكيفيات، فعدلوا عن ذكر كل من الكم
والأعراض النسبية إلى ذكر الخاصة التي هي أجلى) (1) - انتهى ملخصا.
وينقسم الكيف انقساما أوليا إلى أربعة أقسام كلية هي: الكيفيات المحسوسة،
والنفسانية، والمختصة بالكميات، والإستعدادية. وتعويلهم في حصرها في الأربعة

(1) راجع الأسفار ج 4 ص 58 - 59.
145

على الاستقراء (1).
الفصل الثاني عشر
في الكيفيات المحسوسة (2)
ومن خاصتها أن فعلها بطريق التشبيه - أي جعل الغير شبيها بنفسها -، كما
تجعل الحرارة مجاورها حارا، وكما يلقي السواد مثلا شبحه - أي مثاله - على
العين. والكيفيات المحسوسة تنقسم إلى المبصرات، والمسموعات، والمذوقات،
والمشمومات، والملموسات.
والمبصرات: منها الألوان، فالمشهور أنها كيفيات عينية موجودة في خارج
الحس، وأن البسيط منها البياض والسواد، وباقي الألوان حاصلة من تركبهما
أقساما من التركيب (3).
وقيل (4): (الألوان البسيطة التي هي الأصول خمسة: السواد، والبياض،
والحمرة، والصفرة، والخضرة، وباقي الألوان مركب منها).
وقيل (5): (اللون كيفية خيالية لا وجود لها وراء الحس، كالهالة وقوس قزح
وغيرهما، وهي حاصلة من أنواع اختلاط الهواء بالأجسام المشفة أو انعكاس منها).

(1) كما في الأسفار ج 4 ص 61، وشرح المواقف ص 234، وشرح المقاصد ج 1 ص 201.
وقد ذكر في بيان وجه الحصر في الأربعة طرق أربعة: الأول ما ذكره الرازي في المباحث
المشرقية ج 1 ص 362 - 263. والثاني والثالث والرابع ما ذكره الشيخ الرئيس في الفصل
الأول من المقالة الخامسة من الفن الثاني من منطق الشفاء، فراجع. وتعرض لها صدر
المتألهين في الأسفار ج 4 ص 62 - 64، ثم قال: (والكل ضعيفة متقاربة).
(2) قال شارح المواقف في وجه تقديمها على سائر الأقسام: (لأنها أظهر الأقسام الأربعة)،
راجع شرح المواقف ص 235.
(3) راجع كشف المراد ص 217 - 218.
(4) والقائل هم المعتزلة على ما نقل في المحصل ص 232.
(5) والقائل بعض القدماء على ما نقل في شرح المواقف ص 253. وتعرض له وللإجابة عليه
الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الثالثة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء.
146

ومن المبصرات النور، وهو غني عن التعريف (1)، وربما يعرف ب‍ (أنه الظاهر
بذاته المظهر لغيره) (2) وينبغي أن يراد به إظهاره الأجسام للبصر، ولو أطلق
الإظهار كان ذلك خاصة للوجود. وكيف كان، فالمعروف من مذهبهم: (أنه كيفية
مبصرة توجد في الأجسام النيرة بذاتها أو في الجسم الذي يقابل نيرا من غير أن
ينتقل من النير إلى المستنير)، ويقابله الظلمة مقابلة العدم للملكة (3). وقيل (4): (إن
النور جوهر جسماني). وقيل (5): (أنه ظهور اللون).
والمسموعات: هي الأصوات، والصوت كيفية حاصلة من قرع عنيف
أو قلع عنيف مستتبع لتموج الهواء الحامل للأصوات، فإذا بلغ التموج
الهواء المجاور لصماخ الأذن أحس الصوت (6). وليس الصوت هو

(1) كما كان اللون غنيا عن التعريف، لظهورهما، فإن الاحساس بجزئياتهما قد اطلعنا على
ماهيتهما اطلاعا لا يفي به ما يمكننا من تعريفاتهما على تقدير صحتها.
وعرفه الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 301 ب‍ (أنه الكيفية التي لا يتوقف
الإبصار بها على الإبصار بشئ آخر). وزيفه صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 90 بأنه
تعريف بما هو أخفى.
(2) هكذا عرفه الشيخ الإشراقي في حكمة الاشراق، فراجع شرح حكمة الاشراق (كلام
الماتن) ص 295.
(3) اعلم أن في تقابل الظلمة والنور مذاهب ثلاثة: أحدها: ما ذهب إليه الإشراقيون، وهو تقابل
السلب والإيجاب. وثانيها: ما ذهب إليه المشاؤون، وهو تقابل العدم والملكة، كما قال الشيخ
الرئيس في الفصل الأول من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء: (فإن
الظلمة عدم الضوء فيما من شأنه أن يستنير). وثالثها: ما ذهب إليه المتكلمون، وهو تقابل
التضاد.
(4) والقائل بعض الحكماء الأقدمين على ما نقل في شرح المواقف ص 256. وراجع الفصل
الثاني من المقالة الثالثة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء. وأشار إلى بطلانه في كشف
المراد ص 219.
(5) تعرض له وللإجابة عليه الشيخ الرئيس في الفصلين الثاني والثالث من المقالة الثالثة من
الفن السادس من طبيعيات الشفاء. وصدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 91 - 94.
(6) هذا ما ذهب إليه الفلاسفة في تعريف الصوت فراجع الفصل الخامس من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء، وكشف المراد ص 220، والأسفار ج 4 ص 98،
والمباحث المشرقية ج 1 ص 305.
وأما المتكلمون فقال صاحب المواقف - على ما في شرح المواقف ص 260 -: (والحق
أن ماهيته بديهية مستغنية عن التعريف). وقال التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 216:
(والصوت عندنا يحدث بمحض خلق الله تعالى من غير تأثير لتموج الهواء والقرع والقلع
كسائر الحوادث).
147

التموج (1)، ولا نفس القلع والقرع (2). وليس الصوت المحسوس خيالا في الحس
معدوما في خارج الحس (3).
والمذوقات: هي الطعوم المدركة بالذائقة، وقد عدوا بسائطها تسعة (4)، وهي:
الحرافة، والملاحة، والمرارة، والدسومة، والحلاوة، والتفه، والعفوصة، والقبض،
والحموضة، وما عدا هذه الطعوم طعوم مركبة منها.
والمشمومات أنواع الروائح المحسوسة بالشامة، وليس لأنواع الروائح التي
ندركها أسماء عندنا نعرفها بها إلا من جهة إضافتنا لها إلى موضوعاتها، كما نقول:
(رائحة المسك) و (رائحة الورد) أو من جهة موافقتها للطبع ومخالفتها له، كما
نقول: (رائحة طيبة) و (رائحة منتنة)، أو من جهة نسبتها إلى الطعم كما نقول:
(رائحة حلوة) و (رائحة حامضة). وهذا كله دليل ضعف الإنسان في شامته، كما
ذكره الشيخ (5).
والملموسات (6) أنواع الكيفيات المحسوسة بحس اللمس، وقد عدوا

(1 و 2) هكذا في شرح حكمة العين ص 298.
(3) راجع الفصل الخامس من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء.
(4) راجع شرح المقاصد ج 1 ص 221، وإيضاح المقاصد ص 194، وشرح حكمة العين
ص 302، والفصل الرابع من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء، والمحصل
ص 233.
(5) في الفصل الرابع من المقالة الثانية من الفن السادس من طبيعيات الشفاء، حيث قال:
(ويشبه أن يكون حال إدراك الروائح من الناس كحال إدراك أشباح الأشياء وألوانها من
الحيوانات الصلبة العين).
(6) والمحقق الطوسي قدم البحث عنها، وقال العلامة الحلي في وجه تقديمه: (لما كانت
الكيفيات الملموسة أظهر عند الطبيعة لعمومها بالنسبة إلى كل حيوان، قدم البحث عنها)
راجع كشف المراد ص 211.
148

بسائطها اثني عشر نوعا (1)، هي: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة،
واللطافة، والكثافة، واللزوجة، والهشاشة، والجفاف، والبلة، والثقل، والخفة (2)،
وقد ألحق بها بعضهم (3) الخشونة، والملاسة (4)، والصلابة، واللين (5)، والمعروف
أنها مركبة.

(1) راجع الأسفار ج 4 ص 67، والمباحث المشرقية ج 1 ص 269. بخلاف المحقق الطوسي،
فإنه عدها أربعة أنواع، حيث قال: (فمنها أوائل الملموسات، وهي الحرارة والبرودة
والرطوبة واليبوسة، والبواقي منتسبة إليها). فراجع كشف المراد ص 211.
وهذه يسمى (أوائل الملموسات). والوجه في تسميتها بأوائل الملموسات وجهان:
(أحدهما) أن القوة اللامسة تعم جميع الحيوانات ولا يخلو حيوان عن هذه القوة. و (ثانيهما)
أن الأجسام العنصرية قد تخلو عن الكيفيات المبصرة والمسموعة والمذوقة والمشمومة، ولا
تخلو عن الكيفيات الملموسة.
(2) والكاتبي فسر جميع هذه الكيفيات، فقال: (أما الحرارة والبرودة فغنيان عن التعريف.
وأما الرطوبة فهي الكيفية التي بها يصير الجسم سهل التشكل وسهل الترك له. وأما اليبوسة
هي التي بها يصير الجسم عسر التشكل وعسر الترك له. وأما اللطافة فيقال على رقة القوام
وقبول الانقسام وسرعة التأثر من الملاقي والشفافية، والكثافة على مقابلات هذه الأربعة.
واللزج هو الذي يسهل تشكيله ويصعب تفريقه، والهش بالعكس. والجسم الذي طبيعته لا
يقتضي الرطوبة فإن لم يلتصق به جسم رطب فهو الجاف، وإلا فهو المبتل. والزق المنفوخ
المسكن تحت الماء قسرا نجد فيه مدافعة صاعدة، والحجر المسكن في الجو قسرا نجد فيه
مدافعة هابطة والأولى هي الخفة والثانية هي الثقل)، انتهى كلامه ملخصا. فراجع شرح
حكمة العين ص 287 - 292. وفسرها الآملي أيضا في درر الفوائد ص 407.
(3) وهو الجمهور من الحكماء على ما في شرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 269.
(4) وأخرجهما عنها صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 84، وقال: (إنما يقع الاشتباه في مثل
هذه الأمور لعدم الفرق بين ما بالذات وما بالعرض...).
(5) وعدهما صدر المتألهين من الكيفيات الاستعدادية تبعا لأثير الدين الأبهري في الهداية
الأثيرية. فراجع الأسفار ج 4 ص 84، وشرحه للهداية الأثيرية ص 269.
149

الفصل الثالث عشر
في الكيفيات المختصة بالكميات
وهي الكيفيات العارضة للجسم بواسطة كميته، فيتصف بها الكم أولا ثم
الجسم لكميته (1)، كالإستدارة في الخط، والزوجية في العدد.
وهي ثلاثة أقسام بالاستقراء: (الأول) الشكل والزاوية. (الثاني) ما ليس
بشكل وزاوية، مثل الاستدارة والاستقامة من الكيفيات العارضة للخط والسطح
والجسم التعليمي. (الثالث) الكيفيات العارضة للعدد، مثل الزوجية والفردية
والتربيع والتجذير وغير ذلك.
وألحق بعضهم (2) بالثلاثة الخلقة، ومرادهم بها مجموع اللون والشكل. ويدفعه
أنها ليست لها وحدة حقيقية ذات ماهية حقيقية، بل هي من المركبات الاعتبارية،
ولو كانت ذات ماهية كان من الواجب أن تندرج تحت الكيفيات المبصرة
والكيفيات المختصة بالكميات، وهما جنسان متباينان، وذلك محال.
أما القسم الأول:
فالشكل هيئة حاصلة للكم من إحاطة حد أو حدود به إحاطة تامة، كشكل
الدائرة التي يحيط بها خط واحد، وشكل المثلث والمربع وكثير الأضلاع التي
تحيط بها حدود، والكرة التي يحيط بها سطح واحد، والمخروط والأسطوانة
والمكعب التي تحيط بها سطوح فوق الواحد.
والشكل من الكيفيات لصدق حد الكيف عليه، وليس هو السطح أو الجسم،

(1) هكذا عرفه الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 414. وتبعه صدر المتألهين في
الأسفار ج 4 ص 162.
(2) كالشيخ الرئيس في الفصلين الأول والثاني من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق
الشفاء، وفخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 415 و 428، والمحقق الطوسي
على ما في كشف المراد ص 255، والعلامة التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص
252 - 253، وصدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 162 - 163 و 183 - 184.
150

ولا الحدود المحيطة به، ولا المجموع، بل الهيئة الحاصلة من سطح أو جسم أحاط
به حدود خاصة.
والزاوية هي الهيئة الحاصلة من إحاطة حدين أو حدود متلاقية في حد
إحاطة غير تامة، كالزاوية المسطحة من إحاطة خطين متلاقيين في نقطة، والزاوية
المجسمة الحاصلة من إحاطة سطح المخروط المنتهي إلى نقطة الرأس، وزاوية
المكعب المحيط بها سطوح ثلاثة.
والكلام في كون الزاوية كيفا لا كما، نظير ما مر من الكلام في كون الشكل من
مقولة الكيف.
وجوز الشيخ (1) كون الهيئة الحاصلة من إحاطة السطحين - من المكعب مثلا -
المتلاقيين في خط زاوية، لانطباق خواص الزاوية عليها.
وأما القسم الثاني:
فالإستقامة في الخط، وتقابلها الاستدارة من مقولة الكيف دون الكم، وبينهما
تخالف نوعي (2).
أما أنهما من مقولة الكيف، فلأنا نعقل مفهومي الاستقامة والاستدارة، وهما
مفهومان ضروريان، ولا نجد فيهما معنى قبول الانقسام وإن كان لا يفارقان ذلك
وجودا لعروضهما للكم، ولو كان قبول الانقسام جزءا من حديهما أو من أعرف
خواصهما لم يخل عنه تعقلهما.
وأما كونهما نوعين متخالفين متباينين، فلأنهما لو كانا نوعا واحدا كان ما
يوجد فيهما من التخالف عرضيا غير جزء للذات ولا لازما لها، فكان من الجائز
عند العقل أن يزول وصف الاستقامة عن الخط المستقيم ويبقى أصل الخط ثم
يوصف بالاستدارة، لكن ذلك محال، لأن الخط نهاية السطح كما أن السطح نهاية
الجسم، ولا يمكن أن يتغير حال النهاية إلا بعد تغير حال ذي النهاية، فلو لم يتغير

(1) في الفصل الثاني من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق الشفاء.
(2) 0 راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 419، والأسفار ج 4 ص 168 - 169.
151

حال السطح في انبساطه وتمدده لم يتغير حال الخط في استقامته، ولو لم يتغير
حال الجسم في انبساطه وتمدده لم يتغير حال السطح في ذلك، والجسم التعليمي
يبطل بذلك ويوجد غيره، وكذا السطح الذي هو نهايته، وكذا الخط الذي هو نهايته،
فإذا بطل المعروض ووجد معروض آخر بالعدد كان العارض أيضا كذلك. فإذا
امتنع بقاء المستقيم من الخط مع زوال استقامته علم منه أن الاستقامة إما فصله أو
لازم فصله، فالمستقيم يغاير المستدير في نوعيته، وكذا السطح المستوي وغيره،
وأيضا غيره لما يخالفه، وكذا الأجسام التعليمية لما يخالفها.
ويتفرع على ما تقدم:
أولا: أن لا تضاد بين المستقيم والمستدير (1)، لعدم التعاقب على موضوع
واحد (2) ولعدم غاية الخلاف، وكذا ما بين الخط والسطح، وكذا ما بين السطح
والجسم التعليمي، وكذا ما بين السطوح أنفسها وبين الأجسام التعليمية أنفسها.
وثانيا: أن لا اشتداد وتضعف بين المستقيم والمستدير، إذ من الواجب في
التشكيك أن يشمل الشديد على الضعيف وزيادة، وقد تبين أن المستقيم لا يتضمن
المستدير وبالعكس.
وأما القسم الثالث:
فالزوجية والفردية العارضتان للعدد (3)، وكذا التربيع والتجذير والتكعيب وما
يناظرها. وهي من الكيفيات دون الكم، لصدق حد الكيف عليها، وهو ظاهر بالنظر
إلى أن كل مرتبة من مراتب العدد نوع منه مستقل في نوعيته مباين لغيره يشارك

(1) راجع الفصل الثالث من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق الشفاء، وشوارق الالهام
ص 451، والمباحث المشرقية ج 1 ص 419 - 420، والأسفار ج 4 ص 170.
(2) واعترض عليه الشارح القوشجي في شرحه للتجريد ص 286 بأن الدائرة سطح مستو،
وهي موضوع لمحيطها الذي هو خط مستدير، وكذا الخط المستقيم قد يوجد في السطح غير
المستوي، فإن محيط الاستوانة وكذا محيط المخروط غير مستو وقد يوجد فيهما خط
مستقيم. وأجاب عنه الشارح اللاهيجي في شوارق الالهام ص 451، فراجع.
(3) فليستا من الأمور الذاتية. راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 479، والأسفار ج 4 ص
187 - 188.
152

سائر المراتب في الانقسام، وكون الانقسام بمتساويين وعدم كونه كذلك نعت
للانقسام غير قابل في نفسه للانقسام وغير نسبي في نفسه، فليس بكم، ولا بواحد
من الأعراض النسبية، فليس شئ من الزوجية والفردية إلا كيفا عارضا للكم.
ونظير البيان يجري في سائر أحوال الأعداد من التربيع والتجذير وغير ذلك.
وبالتأمل فيما تقدم يظهر:
أولا: أن لا تضاد بين هذه الأحوال العددية، إذ لا موضوع مشتركا بين
الزوجية والفردية تتعاقبان عليه على ما هو شرط التضاد (1).
وثانيا: أن لا تشكيك بالشدة والضعف، ولا بالزيادة والنقيصة في هذه
الأحوال العددية. فكما لا يتبدل تقوس واستدارة إلى تقوس واستدارة أخرى إلا
مع بطلان موضوعه ووجود موضوع آخر غيره بالعدد، كذلك لا تتبدل زوجية
- مثلا - إلى زوجية زوج الزوج إلا مع بطلان موضوعه الذي هو المعدود ووجود
موضوع آخر غيره بالعدد (2). وفي ذلك بطلان الزوجية التي هي عرض ووجود
زوجية أخرى بالعدد، وليس ذلك من التشكيك في شئ.
وثالثا: يعلم - بالتذكر لما تقدم (3) - أن الكيفيات المختصة بالكميات توجد في
الماديات والمجردات المثالية جميعا بناء على تجرد المثال.
الفصل الرابع عشر
في الكيفيات الاستعدادية
وتسمى أيضا القوة واللاقوة (4)
والمعنى الجامع بينها - الذي هو بمنزلة النوع من مطلق الكيف وبمنزلة الجنس

(1) راجع الأسفار ج 4 ص 187.
(2) راجع الأسفار ج 4 ص 187.
(3) في الفصل العاشر من هذه المرحلة من أن الكم المنفصل يوجد في الماديات والمجردات
جميعا، ولازمه وجود الكيفيات المختصة به فيها.
(4) راجع الفصل الثاني من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء، والمباحث المشرقية ج 1
ص 315، والأسفار ج 4 ص 104.
153

لأنواعها الخاصة بها - أنها استعداد شديد جسماني نحو أمر خارج بمعنى أنه
الذي يترجح به حدوث أمر من خارج.
ولها نوعان: (أحدهما) الاستعداد الشديد على أن ينفعل، كالممراضية (1)
واللين. و (الثاني) الاستعداد الشديد على أن لا ينفعل، كالمصحاحية (2) والصلابة.
وألحق بعضهم (3) بالنوعين نوعا ثالثا، وهو الاستعداد الشديد نحو الفعل،
كالمصارعية (4).
ورده الشيخ (5) وتبعه صدر المتألهين، قال في الأسفار: (إنه لا خلاف في أن
القوة على الانفعال والقوة على المقاومة داخلتان تحت هذا النوع. وأما أن القوة
على الفعل هل هي داخلة تحت هذا النوع؟ فالمشهور أنها منه والشيخ أخرجها
منه، وهو الحق، كما سيظهر لك وجهه. فإذا أريد تلخيص معنى جامع للقسمين دون
الأمر الثالث، فيقال: إنه كيفية بها يترجح أحد جانبي القبول واللاقبول لقابلها.
وأما بيان أن القوة على الفعل لا تصلح أن تكون داخلة تحت هذا النوع - كما
ذهب إليه الشيخ -، فيحتاج أولا إلى أن نعرف أصلا كليا، وهو: أن جهات الفعل
دائما تكون من لوازم الذات، لأن كل ذات لها حقيقة، فلها اقتضاء أثر إذا خليت
وطبعها ولم يكن مانع تفعل ذلك الأثر، فلا تحتاج في فعلها إلى قوة زائدة عليها،
وإذا فرض إضافة قوة أخرى لها لم تكن تلك الذات بالقياس إليها فاعلة لها بل
قابلة إياها، وإذا اعتبرت الذات والقوة معا كان المجموع شيئا آخر، إن كان له فعل
كان فعله لازما من غير تراخي استعداد له لحصول ذلك الفعل، ولو فرض ذلك

(1) وهي كيفية تقتضي سهولة قبول المرض.
(2) وهي كيفية تقتضي عسر قبول المرض.
(3) نسب إلى المتقدمين في المباحث المشرقية ج 1 ص 316، وإلى الجمهور في شرح
المقاصد ج 1 ص 254، وإلى المشهور في الأسفار ج 4 ص 105.
(4) وهي بالفارسية: كشتي گرفتن.
(5) راجع الفصل الثالث من المقالة الخامسة مكحكحن؟؟ الفن الثاني من منطق الشفاء، حيث قال:
(وأيضا فالمتشكك أن يتشكك في أنه هل المصارعية في هذا الباب داخلة...). ورده أيضا
الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 316 - 318.
154

الاستعداد للفاعلية له كان يلزمه أولا قوة انفعالية لحصول ما يتم به كونه فاعلا،
فذلك الاستعداد المفروض لم يكن بالحقيقة لفاعليته، بل لانفعاله، فليس للفاعلية
استعداد، بل للمنفعلية أولا وبالذات وللفاعلية بالعرض.
فثبت مما بينا بالبرهان أن لا قوة ولا استعداد بالذات لكون الشئ فاعلا، بل
إنما القوة والاستعداد للإنفعال ولصيرورة الشئ قابلا لشئ بعد أن لم يكن) (1)،
انتهى.
وأما نفس الاستعداد، فقد قيل (2): (إنها من المضاف، إذ لا يعقل إلا بين شيئين
مستعد ومستعد له، فلا يكون نوعا من الكيف) ويظهر من بعضهم أنه كيف يلزمه
إضافة (3)، كالعلم الذي هو من الكيفيات النفسانية وتلزمه الإضافة بين موضوعه
ومتعلقه - أعني العالم والمعلوم - وكالقدرة والإرادة.
الفصل الخامس عشر
في الكيفيات النفسانية
الكيفية النفسانية، وهي - كما قال الشيخ (4) -: ما لا يتعلق بالأجسام على
الجملة، إن لم تكن راسخة سميت (حالا) وإن كانت راسخة سميت (ملكة)، وإذ
كانت النسبة بين الحال والملكة نسبة الضعف والشدة وهم يعدون المرتبتين من
الضعف والشدة نوعين مختلفين، كان لازمه عد الحال مغايرا للملكة نوعا ووجودا.
والكيفيات النفسانية كثيرة، وإنما أوردوا منها في هذا الباب بعض ما يهم
البحث عنه.
فمنها: الإرادة، قال في الأسفار: (يشبه أن يكون معناها واضحا عند العقل

(1) راجع الأسفار ج 4 ص 105 - 106.
(2) والقائل فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 316. ثم تبعه صدر المتألهين
في الأسفار ج 4 ص 105.
(3) فيكون من قبيل الكيفيات ذات الإضافة.
(4) راجع الفصل الثالث من المقالة الخامسة من الفن الثاني من منطق الشفاء.
155

غير ملتبس بغيرها، إلا أنه يعسر التعبير عنها بما يفيد تصورها بالحقيقة. وهي
تغاير الشهوة، كما أن مقابلها - وهو الكراهة - يغاير النفرة، ولذا قد يريد الإنسان ما
لا يشتهيه كشرب دواء كريه ينفعه، وقد يشتهي ما لا يريده كأكل طعام لذيذ
يضره) (1)، انتهى.
وبمثل البيان يظهر أن الإرادة غير الشوق المؤكد الذي عرفها به بعضهم (2).
وملخص القول - الذي يظهر به أمر الإرادة التي يتوقف عليها فعل الفاعل
المختار - هو: أن مقتضى الأصول العقلية أن كل نوع من الأنواع الجوهرية مبدأ
فاعلي للأفعال التي ينسب إليه صدورها، وهي كمالات ثانية للنوع، فالنفس
الإنسانية - التي هي صورة جوهرية مجردة متعلقة الفعل بالمادة - علة فاعلية
للأفعال الصادرة عن الإنسان، لكنها مبدأ علمي لا يصدر عنها إلا ما ميزته من
كمالاتها الثانية من غيره، ولذا تحتاج قبل الفعل إلى تصور الفعل والتصديق بكونه
كمالا لها، فإن كان التصديق ضروريا أو ملكة راسخة، قضت بكون الفعل كمالا ولم
تأخذ بالتروي، كالمتكلم الذي يتلفظ بالحرف بعد الحرف من غير ترو، ولو تروى
في بعضها لتبلد وتلكأ وانقطع عن الكلام، وإن لم يكن ضروريا مقضيا به توسلت
إلى التروي والفحص عن المرجحات، فإن ظفرت بما يقضي بكون الفعل كمالا
قضت به. ثم يتبع هذه الصورة العلمية - على ما قيل (3) - الشوق إلى الفعل لما أنه
كمال ثان معلول لها، ثم تتبع الشوق الإرادة، وهي - وإن كانت لا تعبير عنها يفيد
تصور حقيقتها لكن - يشهد لوجودها بعد الشوق ما نجده ممن يريد الفعل وهو
عاجز عنه، ولا يعلم بعجزه، فلا يستطيع الفعل وقد أراده، ثم تتبع الإرادة القوة

(1) راجع الأسفار ج 4 ص 113. وهذا بعينه ما قال التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 236.
(2) هكذا عرفها الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 184، حيث قال: (إن الإرادة فينا
شوق مؤكد يحصل عقيب داع). وقال في تعليقته على الأسفار ج 6 ص 323 الرقم (1):
(وذلك لأن الإرادة فينا هي الشوق الأكيد الشديد الموافي للمراد). ونسبه صدر المتألهين
إلى الأولين في الأسفار ج 4 ص 114.
(3) والقائل الشيخ الرئيس في التعليقات ص 16.
156

العاملة المحركة للعضلات، فتحرك العضلات، وهو الفعل.
فمبادئ الفعل الإرادي فينا هي العلم والشوق والإرادة والقوة العاملة
المحركة. هذا ما نجده من أنفسنا في أفعالنا الإرادية. وإمعان النظر في حال سائر
الحيوان يعطي أنها كالإنسان في أفعالها الإرادية.
فظهر بذلك:
أولا: أن المبدأ الفاعلي لأفعال الإنسان الإرادية بما أنها كمالاتها الثانية هو
الإنسان بما أنه فاعل علمي، والعلم متمم لفاعليته، يتميز به الكمال من غيره،
ويتبعه الشوق من غير توقف على شوق آخر أو إرادة، وتتبعه الإرادة بالضرورة
من غير توقف على إرادة أخرى وإلا لتسلسلت الإرادات. فعد الإرادة علة فاعلية
للفعل (1) في غير محله. وإنما الإرادة والشوق الذي قبلها من لوازم العلم المتمم
لفاعلية الفاعل.
وثانيا: أن أفعال الإنسان - مما للعلم دخل في صدوره - لا تخلو من إرادة
الفاعل حتى الفعل الجبري، وسيأتي في البحث عن أقسام الفاعل ما ينفع في
المقام (2).
وثالثا: أن الملاك في اختيارية الفعل تساوي نسبة الإنسان إلى الفعل والترك،
وإن كان بالنظر إليه - وهو تام الفاعلية - ضروري الفعل.
ومن الكيفيات النفسانية القدرة، وهي حالة في الحيوان، بها يصح أن يصدر
عنه الفعل إذا شاء ولا يصدر عنه إذا لم يشأ (3). ويقابلها العجز (4).

(1) قال الشيخ الرئيس في التعليقات ص 164: (والإرادة علة للكائنات).
(2) راجع الفصل السابع من المرحلة الثامنة.
(3) هذا تعريفها عند الفلاسفة. وأما المتكلمون فعرفوها بصحة الفعل ومقابله - أي الترك -،
راجع الأسفار ج 4 ص 112 و ج 6 ص 307 - 308.
(4) اعلم إنهم اختلفوا في أن التقابل بينهما هل هو تقابل الملكة والعدم أو تقابل التضاد؟ فيه
قولان: أحدهما: أن التقابل بينهما تقابل الملكة والعدم، لأن العجز عدم القدرة (عما من شأنه أن يكون قادرا)، وهذا مذهب أبي هاشم من المعتزلة، وتبعه المحقق الطوسي في تجريد
الاعتقاد ص 175، وراجع كشف المراد ص 250. وثانيهما: أن التقابل بينهما تقابل التضاد.
وهذا مذهب الأشاعرة وجمهور المعتزلة على ما نقل في شرح المواقف ص 299، وشرح
المقاصد ج 1 ص 243، وشوارق الالهام ص 442، وشرح التجريد للقوشجي ص 276،
وذهب إليه صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 112.
157

وأما القدرة المنسوبة إلى الواجب (تعالى) فإذ كان الواجب الوجود بالذات
واجب الوجود من جميع الجهات فهي مبدئيته الفعلية بذاته لكل شئ، وإذ كانت
عين الذات فلا ماهية لها، بل هي صرف الوجود.
ومن الكيفيات النفسانية - على ما قيل (1) - العلم. والمراد به العلم الحصولي
الذهني من حيث قيامه بالنفس قيام العرض بموضوعه، لصدق حد الكيف عليه.
وأما العلم الحضوري فهو حضور المعلوم بوجوده الخارجي عند العالم، والوجود
ليس بجوهر ولا عرض.
والعلم الذي هو من الكيف مختص بذوات الأنفس. وأما المفارقات فقد
تقدم (2) أن علومها حضورية غير حصولية، غير أن العلوم الحصولية التي في
معاليلها حاضرة عندها وإن كانت هي أيضا بما أنها من صنعها حاضرة عندها.
ومن هذا الباب الخلق، وهو الملكة النفسانية التي تصدر عنها الأفعال بسهولة
من غير روية (3). ولا يسمى خلقا إلا إذا كان عقلا عمليا هو مبدأ الأفعال الإرادية،
وليس هو القدرة على الفعل، لأن نسبة القدرة إلى الفعل والترك متساوية ولا نسبة
للخلق إلا إلى الفعل (4). وليس المراد به هو الفعل، وإن كان ربما يطلق عليه، لأنه

(1) والقائل كثير من المحققين، كفخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 319،
والمحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد ص 169، والتفتازاني في شرح المقاصد ج 1
ص 224، والكاتبي والعلامة في حكمة العين وإيضاح المقاصد ص 195 - 196.
(2) لم يقدم، بل سيأتي في الفصل الأول والحادي عشر من المرحلة الحادية عشرة.
(3) هكذا عرفه الجمهور من الفلاسفة والمتكلمين. راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 385،
وكشف المراد ص 250، والأسفار ج 4 ص 114.
(4) راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 385، والأسفار ج 4 ص 114 - 115.
158

الأمر الراسخ الذي يبتني عليه الفعل (1).
وللخلق انشعابات كثيرة تكاد لا تحصى الشعب الحاصلة منها، لكن أصول
الأخلاق الإنسانية نظرا إلى القوى الباعثة للإنسان نحو الفعل ثلاثة، وهي: قوى
الشهوة الباعثة له إلى جذب الخير والنافع الذي يلائمه، وقوى الغضب الباعثة له إلى
دفع الشر والضار، والعقل الذي يهديه إلى الخير والسعادة ويزجره عن الشر والشقاء.
فالملكة العاملة في المشتهيات إن لازمت الاعتدال بفعل ما ينبغي كما ينبغي
سميت: (عفة)، وإن انحرفت إلى حد الافراط سميت: (شرها)، وإن نزلت إلى
التفريط سميت: (خمودا).
وكذلك الملكة المرتبطة بالغضب لها اعتدال تسمى: (شجاعة)، وطرفا إفراط
يسمى: (تهورا)، وتفريط يسمى: (جبنا).
وكذلك الملكة الحاكمة في الخير والشر والنافع والضار إن لازمت وسط
الاعتدال فاشتغلت بما ينبغي كما ينبغي سميت (حكمة)، وإن خرجت إلى حد
الافراط سميت: (جربزة) أو إلى حد التفريط سميت: (غباوة).
والهيئة الحاصلة من اجتماع الملكات الثلاث - التي نسبتها إليها نسبة المزاج
إلى الممتزج وأثرها إعطاء كل ذي حق من القوى حقه - إذا اعتدلت سميت:
(عدالة)، وإن خرجت إلى حد الافراط سميت: (ظلما) أو إلى حد التفريط
سميت: (إنظلاما).
ووسط الاعتدال من هذه الملكات التي هي الأصول وما يتفرع عليها من
الفروع (فضيلة ممدوحة)، والطرفان - أعني طرفي الافراط والتفريط - (رذيلة
مذمومة). والبحث عن هذه الفضائل والرذائل موكول إلى غير هذه الصناعة (2).
وقد ظهر مما تقدم:
أولا: أن الخلق إنما يوجد في العالم الإنساني وغيره من ذوات الأنفس التي

(1) وهي صناعة الأخلاق.
159

تستكمل بالأفعال الإرادية على ما يناسب كمال وجوده، فلا خلق في المفارقات،
إذ لا عقل عمليا ولا استكمال إراديا فيها.
وثانيا: أن كلا من هذه الأخلاق التي هي من الكيفيات النفسانية بما أنها
ملكة راسخة تقابلها حال من تلك الكيفية كالشهوة والغضب والخوف والفزع
والحزن والهم والخجل والفرح والسرور والغم وغير ذلك. والبحث عن أسبابها
الطبيعية في الطب، وعن إصلاحها وتدبيرها بحيث يلائم السعادة الإنسانية في
صناعة الأخلاق.
ومن الكيفيات النفسانية اللذة والألم، واللذة على ما عرفوها (1) إدراك

هكذا عرفها الشيخ الرئيس في الفصل السابع من المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء، والنجاة
ص 245. وتبعه المشهور من المحققين. ولكن الشيخ عدل منه في الإشارات، فقال: (إن
اللذة هي إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث كذلك. والألم هو
إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر). وقال المحقق الطوسي: (وهذا أقرب إلى
التحصيل من قولهم: (اللذة إدراك الملايم، والألم إدراك المنافي). ولذلك عدل الشيخ منه
إلى ما ذكره في هذا الموضع). راجع شرح الإشارات ج 3 ص 337 - 339.
وقال التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 244: (وتصورهما بديهي كسائر
الوجدانيات. وقد يفسران قصدا إلى تعيين المسمى). وتبعه القوشجي في شرحه للتجريد
ص 277، والمحقق اللاهيجي في شوارق الالهام ص 443.
وفي المقام قول آخر منسوب إلى محمد بن زكريا الرازي الطبيب، وهو أن اللذة عبارة
عن الخروج عن الحالة الغير الطبيعية، والألم عبارة عن الخروج عن الحالة الطبيعية. راجع
المباحث المشرقية ج 1 ص 387، والأسفار ج 4 ص 117، وشرح المقاصد ج 1 ص 244.
وتعرض لهذا القول المحقق الطوسي - كما في كشف المراد ص 251 -، حيث
قال: (وليست اللذة خروجا عن الحالة الغير الطبيعية)، انتهى كلامه على ما في بعض نسخ
التجريد. والموجود في بعض آخر منها بهذه العبارة: (وليست اللذة خروجا عن الحالة
الطبيعية). ولما كان هذا الكلام ردا على الرازي فيستفاد منها أنه قال: (اللذة عبارة عن
الخروج عن الحالة الطبيعية والألم عبارة عن الخروج عن الحالة الغير الطبيعية)، ولذا نسب
شيخنا العلامة حسن زاده الآملي العبارة الأولى إلى التحريف، وأما المحقق اللاهيجي
والشارح القوشجي نسبا العبارة الثانية إلى سهو من القلم. راجع كلامهم في كشف المراد
ص 251 و 573، وشوارق الالهام ص 443 - 444، وشرح التجريد القوشجي ص 278.
160

الملائم بما أنه ملائم، والألم إدراك المنافي بما أنه مناف. فهما من الكيف بما
أنهما من سنخ الادراك. وينقسمان بانقسام الادراك فمنهما حسي وخيالي
وعقلي، فاللذة الحسية كإدراك النفس الحلاوة من طريق الذوق والرائحة الطيبة
من طريق الشم، واللذة الخيالية إدراكها الصورة الخيالية من بعض الملذات
الحسية، واللذة العقلية إدراكها بعض ما نالته من الكمالات الحقة العقلية، واللذة
العقلية أشد اللذائذ وأقواها لتجردها وثباتها. والألم الحسي والخيالي والعقلي
على خلاف اللذة في كل من هذه الأبواب.
واللذة على أي حال وجودية، والألم عدمي يقابلها تقابل العدم والملكة.
لا يقال (1): لا ريب في أن الألم شر بالذات، وإذ كان هو إدراك المنافي بما
أنه مناف كان أمرا وجوديا، لأن الادراك أمر وجودي، وبهذا ينفسخ قولهم: (إن
الشر عدم لا غير).
لأنه يقال (2): وجود كل شئ هو نفس ذلك الشئ ذهنيا كان أو خارجيا،
فحضور أي أمر عدمي عند المدرك هو نفس ذلك الأمر العدمي لاتحاد الوجود
والماهية والعلم والمعلوم، فالألم الموجود في ظرف الادراك مصداق للألم، وهو
بعينه الألم العدمي الذي هو شر بالذات.
تنبيه:
ما مر من القول في الكيف وأحكامه وخواصه هو المأثور من الحكماء
المتقدمين. وللمتأخرين من علماء الطبيعة خوض عميق فيما عده المتقدمون من

(1) هذا الإشكال أورده الفخر الرازي على الشيخ الرئيس في شرحه للإشارات، فراجع شرحي
الإشارات ج 2 ص 88 - 89 وتعرض له صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 126، و ج 7
ص 63، والحكيم السبزواري في شرح الأسماء الحسنى ص 253.
(2) والقائل صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 126، و ج 7 ص 63 - 66. وقد بسط الكلام
في الإشكال المذكور والجواب عنه الحكيم السبزواري في شرح الأسماء الحسنى
ص 253 - 258.
161

الكيف، عثروا فيه على أحكام وآثار جمة ينبغي للباحث المتدبر أن يراجعها
ويراعي جانبها في البحث.
الفصل السادس عشر
في الإضافة
وفيه أبحاث:
البحث الأول: [في معنى نسبية المقولات]
قد عرفت (1) أن سبعا من المقولات أعراض نسبية، وهي: الإضافة والأين
والمتى والوضع والجدة وأن يفعل وأن ينفعل، ومعنى نسبيتها أنها هيئات قائمة
بموضوعاتها من نسب موجودة فيها، لا أن هذه المقولات عين تلك النسب
الوجودية، وذلك أنك عرفت في بحث الوجود الرابط والمستقل (2) أن النسبة
رابطة موجودة في غيرها لا استقلال لها أصلا لا يحمل على شئ ولا يحمل عليها
شئ، فلا ماهية لها، لأن الماهية ما يقال على الشئ في جواب (ما هو؟)،
والمقولات ماهيات جنسية، فلا تكون النسبة مقولة ولا داخلة تحت مقولة.
على أن النسبة في بعض هذه المقولات متكررة متكثرة، ولا معنى لتكرر
الماهية، كمقولة الإضافة التي يجب فيها تكرر النسبة، ومقولة الوضع التي فيها
نسبة بعض أجزاء الشئ إلى بعض ونسبة المجموع إلى الخارج، وربما قامت على
نسب كثيرة جدا.
فتبين أن المقولة النسبية هي هيئة حاصلة للشئ من نسبة كذا وكذا قائمة به.
البحث الثاني: [في تعريف الإضافة]
أن الإضافة هيئة حاصلة من نسبة الشئ إلى شئ آخر منسوب إلى الشئ

(1). في الفصل الأول من هذه المرحلة.
(2) راجع الفصل الأول من المرحلة الثانية.
162

الأول المنسوب إليه (1) كهيئة الإضافة التي في الأخ، فإن فيها نسبة الأخ بالأخوة
إلى أخيه المنسوب إلى هذا الأخ المنسوب إليه بالأخوة.
[الفرق بينها وبين مطلق النسبة]
فالنسبة التي في مقولة الإضافة متكررة (2)، وهو الفرق بين ما فيها من النسبة
وبين مطلق النسبة، فإن وجود مطلق النسبة واحد قائم بالطرفين مطلقا، بخلاف
الحال في مقولة الإضافة، فإن النسبة فيها متكررة، لكل من المضافين نسبة غير ما
في الآخر، غير أنهما متلازمان لا تنفكان في ذهن ولا خارج.
وما أوردناه من تعريف الإضافة ليس بحد منطقي (3) - كما تقدمت الإشارة
إليه في نظائره (4) -، بل رسم إن كان أعرف من المعرف. ولعل المعقول من لفظ
(الإضافة) مشفعا ببعض ما له من الأمثلة أعرف عند العقل مما أوردناه من الرسم،
فلا كثير جدوى في إطالة البحث عن قيوده نقضا وإبراما، وكذا في سائر ما أوردوه
لها من التعاريف (5).
[والفرق بين المضاف الحقيقي والمشهوري]
ثم إنه ربما يطلق المضاف ويراد به نفس المقولة ويسمى عندهم ب‍ (المضاف
الحقيقي)، وربما يطلق ويراد به موضوع المقولة، وربما يطلق ويراد به الموضوع
والعرض جميعا ويسمى (المضاف المشهوري)، فإن العامة ترى أن المضاف إلى

(1) أي إلى شئ آخر.
(2) راجع الفصل الثالث من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء.
(3) قال صدر المتألهين في شرح الهداية الأثيرية ص 272: (واعلم أن معرفة الإضافة بديهية،
والتعريف للتنبيه، وإلا لكان دوريا).
(4) كالكم والكيف، راجع الفصلين الثامن والحادي عشر من هذه المرحلة.
(5) إن عباراتهم في تعريف الإضافة مختلفة. فراجع الفصل الثالث من المقالة الرابعة من الفن
الثاني من منطق الشفاء، والتحصيل ص 404، ومنطق أرسطو ج 1 ص 48، والمباحث
المشرقية ج 1 ص 434، وشرح المقاصد ص 280، والتعليقات للشيخ الرئيس ص 94،
وشرح المواقف ص 346، وشرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 271.
163

الابن - مثلا - هو الإنسان المتلبس بالبنوة، والحال أن التعلق من الجانبين إنما هو
للإضافة نفسها بالحقيقة.
البحث الثالث: [في أن الإضافة موجودة في الخارج]
الإضافة موجودة في الخارج (1) والحس يؤيد ذلك، لوقوعها على أنواع من
الإضافات الخارجية التي لها آثار عينية لا يرتاب فيها، كإضافة الأب والابن،
والعلو والسفل، والقرب والبعد، وغير ذلك.
وأما نحو وجودها، فالعقل ينتزع من الموضوعين الواجدين للنسبة المتكررة
المتلازمة وصفا ناعتا لهما انتزاعا من غير ضم ضميمة، فهي موجودة بوجود
موضوعها من دون أن يكون بإزائه وجود منحاز مستقل (2).
قال في الأسفار - بعد كلام له في هذا المعنى -: (وبالجملة إن المضاف - بما
هو مضاف - بسيط، ليس له وجود في الخارج مستقل مفرد، بل وجوده أن يكون
لاحقا بأشياء كونها بحيث يكون لها مقايسة إلى غيرها، فوجود السماء في ذاتها
وجود الجواهر، ووجودها بحيث إذا قيس إلى الأرض عقلت الفوقية وجود
الإضافات) (3) - انتهى.
البحث الرابع: [في بعض أحكام الإضافة]
من أحكام الإضافة أن المضافين متكافئان وجودا وعدما، وقوة وفعلا (4)،

(1) هذا مذهب أكثر الحكماء، كالشيخ الرئيس في الفصل العاشر من المقالة الثالثة من إلهيات
الشفاء. وذهب جمهور المتكلمين وبعض الحكماء إلى أنه لا تحقق لها في الخارج، بل إنها
من الاعتبارات الذهنية الكلية، ومنهم المحقق الطوسي، حيث قال: (وثبوته ذهني)
واستدل عليه بوجوه، راجع كشف المراد ص 258 - 260، وشرح التجريد للقوشجي ص
288، وشوارق الالهام ص 456 - 457.
(2) قال الشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء:
(وأما الإضافة نفسها فإنها تتحصل في العقل مع تحصيل موضوعها).
(3) راجع الأسفار ج 4 ص 204.
(4) راجع الفصلين الثالث والرابع من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء،
والأسفار ج 4 ص 192 - 195، وكشف المراد ص 257.
164

فإذا كان أحدهما موجودا كان الآخر موجودا، وكذا في جانب العدم، وإذا كان
أحدهما بالقوة فالآخر بالقوة، وكذا في جانب الفعل.
واعترض عليه: بأنه منقوض بالتقدم والتأخر في أجزاء الزمان، فإن المتقدم
والمتأخر منها مضافان مع أن وجود أحدهما يلازم عدم الآخر (1). ومنقوض أيضا
بعلمنا ببعض الأمور المستقبلة، فالعلم موجود في الحال والمعلوم معدوم لم يوجد
بعد مع أن العلم والمعلوم من المضافين (2).
وأجيب (3): أما عن أول النقضين: فبأن معية أجزاء الزمان ليست آنية بأن
يكون الجزءان موجودين في آن واحد، بل معيتهما اتصالهما في الوجود
الوحداني التدريجي الذي معيتهما فيه عين التقدم والتأخر فيه، كما أن وحدة العدد
عين كثرته.
وأما عن النقض الثاني (4): فبأن الإضافة إنما هي بين العلم وبين الصورة

(1) هذا الاعتراض تعرض له الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفن الثاني
من منطق الشفاء، والفصل الأخير من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء.
(2) هذا الاعتراض تعرض له الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفن الثاني
من منطق الشفاء. والعجب من الأستاذ المحقق مصباح اليزدي، حيث قال في تعليقة نهاية
الحكمة الرقم (193): (وأما الإشكال الثاني فلم يتعرض له الشيخ في الشفاء)، وهو لعدم
التفاته إلى أن الشيخ تعرض له في منطق الشفاء كما ذكرنا.
(3) والمجيب صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 202. وأجاب عنه أيضا الشيخ الرئيس في
الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء، والفصل الأخير من المقالة
الثالثة من إلهيات الشفاء. ورده صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 193 تبعا للرازي في
المباحث المشرقية ج 1 ص 432.
(4) والمجيب أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 194. وأجاب عنه أيضا الشيخ
الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء، حيث قال:
(وأما العلم بالقيامة فإنه إنما هو في حكم سيكون، فإن العلم بها أنها ستكون علم بحال من
أحوالها موجود في الذهن مع وجود العلم بأنها هي ستكون، لا عند ما تكون، بل قبل ذلك عندما هي معدومة في الأعيان موجودة في النفس...)، وتعرض له الفخر الرازي في
المباحث المشرقية ج 1 ص 432 من دون أن ينسبه إلى الشيخ الرئيس، ومن هنا زعم
الأستاذ المحقق مصباح اليزدي أن هذا الجواب مما أجاب به الفخر الرازي، فراجع تعليقته
على نهاية الحكمة الرقم (193).
165

الحاضرة من المعلوم عند العالم، وهو المعلوم بالذات دون المعلوم بالعرض الذي
هو عين خارجي، والأمور المستقبلة حاضرة بصورتها المعلومة بالذات عند العالم
وإن كانت غائبة بعينها الخارجية المعلومة بالعرض، على أن الحق أن العلم عين
المعلوم (1)، كما سيأتي في مرحلة العاقل والمعقول (2).
وكما يتكافأ المضافان وجودا وعدما وقوة وفعلا، كذلك يتكافئان عموما
وخصوصا، فالأبوة العامة تضايف البنوة العامة، والأبوة الشخصية تضايف البنوة
الشخصية.
ومن خواص الإضافة أنها تعرض جميع المعقولات حتى نفسها (3)، ففي
الجوهر كالأب والابن، وفي الكم المتصل كالعظيم والصغير، وفي الكم المنفصل
كالكثير والقليل، وفي الكيف كالأحر والأبرد، وفي الإضافة كالأقرب والأبعد،
وفي الأين كالعالي والسافل (4)، وفي المتى كالأقدم والأحدث، وفي الوضع
كالأشد انتصابا وانحناء، وفي الجدة كالأكسى والأعرى، وفي أن يفعل كالأقطع
والأصرم، وفي أن ينفعل كالأشد تسخنا والأضعف.
البحث الخامس:
تنقسم الإضافة إلى متشاكلة الأطراف، وهي التي لا اختلاف بين أطرافها

(1) قال الشيخ الرئيس في التعليقات ص 95: (المعلوم نفس العلم).
(2) راجع الفصل الثاني من المرحلة الحادية عشرة.
(3) راجع الأسفار ج 4 ص 209، والمباحث المشرقية ج 1 ص 441، وشرح المواقف
ص 348، وشرح المقاصد ج 1 ص 282.
(4) في شرح المواقف ص 348: (كالأعلى والأسفل).
166

كالقريب والقريب والأخ والأخ والجار والجار، ومختلفة الأطراف كالأب والابن،
والعالي والسافل.
وتنقسم أيضا إلى ما هو خارجي، كالأب والابن، وما هو ذهني كالكلي
والفرد والأعم والأخص.
الفصل السابع عشر
في الأين
وفيه أبحاث:
البحث الأول: [في تعريف الأين]
الأين هيئة حاصلة للجسم من نسبته إلى المكان (1).
والمكان بما له من الصفات المعروفة عندنا بديهي الثبوت، فهو الذي يصح أن
ينتقل الجسم عنه وإليه، وأن يسكن فيه، وأن يكون ذا وضع - أي مشارا إليه بأنه
هنا أو هناك -، وأن يكون مقدرا له نصف وثلث وربع، وأن يكون بحيث يمتنع
حصول جسمين في واحد منه. قال صدر المتألهين قدس سره: (هذه أربع أمارات
تصالح عليها المتنازعون لئلا يكون النزاع لفظيا) (2).
وقد اختلفوا في حقيقته على أقوال خمسة: (أحدها) أنه هيولى الجسم (3).
و (الثاني) أنه الصورة (4). و (الثالث) أنه سطح من جسم يلاقي المتمكن، سواء

(1) اعلم أن عباراتهم في تعريف الأين مختلفة. فراجع الفصل الخامس من المقالة السادسة
من الفن الثاني من منطق الشفاء، وشرح عيون الحكمة ج 1 ص 111، وشرح المنظومة
ص 143، وكشف المراد ص 261، والبصائر النصيرية ص 33.
(2) راجع الأسفار ج 4 ص 39.
(3 و 4) تعرض لهما الشيخ الرئيس في الفصل السادس والسابع من المقالة الثانية من الفن
الأول من طبيعيات الشفاء، ولم يشر إلى قائلهما. ونسبا إلى جماعة من الأوائل في شوارق
الالهام ص 300.
167

كان حاويا أو محويا له (1). و (الرابع) أنه السطح الباطن من الحاوي المماس
للسطح الظاهر من المحوي، وهو قول المعلم الأول (2) وتبعه الشيخان الفارابي (3)
وابن سينا (4). و (الخامس) أنه بعد يساوي أقطار الجسم المتمكن، فيكون بعدا
جوهريا مجردا عن المادة، وهو قول أفلاطون (5) والرواقيين (6)، واختاره المحقق
الطوسي (7) قدس سره وصدر المتألهين (8). فهذه أقوال خمسة. (سادسها) قول بعضهم
بإنكار المكان (9).

وقال صاحب المواقف - بعد التعرض للقول الأول -: (وهذا المذهب ينسب إلى أفلاطون.
ولعله أطلق الهيولي عليه باشتراك اللفظ). راجع كلام الماتن في شرح المواقف ص 220.
وقال شارح المواقف - بعد التعرض للقول الثاني -: (وهذا المذهب أيضا ينسب إلى
أفلاطون. قالوا: لما ذهب إلى أن المكان هو الفضاء والبعد المجرد سماه تارة بالهيولى لما
سبق من المناسبة، وأخرى بالصورة لأن الجواهر الجسمانية قابلة له بنفوذه فيها دون الجواهر
المجردة). راجع شرح المواقف ص 221.
(1) تعرض له أرسطو في كتابه (الطبيعيات)، راجع كتاب (طبيعيات أرسطو) بالفارسية ص 127.
(2) راجع كتاب (طبيعيات أرسطو) ص 139. ونسب إليه أيضا في شرح الهداية الأثيرية
لصدر المتألهين ص 77، والأسفار ج 4 ص 43.
(3) نسب إليه في الأسفار ج 4 ص 43.
(4) راجع الفصل السادس والتاسع من المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء.
(5) نسب إليه في شرح المواقف ص 224. وقال السيد الداماد: (إن البعد المفطور المكاني
المجرد قد أبطله أفلاطون بالبراهين، والشيخ الرئيس نقل ذلك عنه في الشفاء، وشارحا
الإشارات أمام المتشككين وخاتم المحققين نقلا عنه. ثم ينسب فريق من هؤلاء المختلفين
إثباته إليه)، راجع القبسات ص 164.
(6) نسب إليهم في الأسفار ج 4 ص 43، وبدائع الحكمة ص 11.
(7) راجع كلام الماتن في كشف المراد ص 152، وشرح التجريد للقوشجي ص 156،
وشوارق الالهام ص 301.
(8) راجع الأسفار ج 4 ص 43.
(9) هذا مذهب المتكلمين. قال الميبدي في شرح الهداية الأثيرية ص 61: (مذهب
الإشراقيين أن المكان موجود في الخارج. ومذهب المتكلمين أنه لا شئ بمعنى أنه
معدوم في الخارج). وتعرض له الخفري أيضا في تعليقاته عليه ص 63. وذكر الشيخ
الرئيس حججهم، ثم أجاب عنها في الفصل الخامس من المقالة الثانية من الفن الأول من
طبيعيات الشفاء.
168

وإذ كانت الأمارات الأربع المذكورة آنفا بديهية لا يرتاب فيها، فعلى
المنكرين أن يرجعوه إلى مقولة الوضع، فغيرها من الجوهر وسائر الأعراض لا
ينطبق عليه البتة. لكن يرد عليه: أن الجسم ربما ينتقل من مكان إلى مكان مع عدم
التغير في جوهره وسائر أعراضه غير الأين وربما يعرضه التغير فيه مع عدم
الانتقال، فالمكان غير الجميع حتى الوضع.
والقول بأنه الهيولي أو الصورة لا تنطبق عليه الأمارات السابقة، فإن المكان
يطلب بالحركة ويترك بالحركة، والهيولي وكذا الصورة لا تطلبان بالحركة ولا
تتركان بالحركة، وأيضا المركب ينسب إلى الهيولي فيقال: (باب خشبي) أو (من
حديد) ولا ينسب إلى المكان.
فالمعتمد هو القول بالسطح أو البعد الجوهري المجرد عن المادة. وللفريقين
احتجاجات ومشاجرات طويلة مذكورة في المطولات (1).
ومن أقوى ما يورد على القول بالسطح (2) أن لازمه كون الشئ ساكنا
ومتحركا في زمان واحد، فالطير الواقف في الهواء والسمك الواقف في الماء عند
ما يجري الهواء والماء عليهما يجب أن يكونا متحركين للتبدل السطح المحيط بهما
من الهواء والماء وهما ساكنان بالضرورة. وأيضا المكان متصف بالفراغ والامتلاء،
وذلك نعت البعد لا نعت السطح.
ومن أقوى ما يورد على القول بالبعد الجوهري المجرد (3) أن لازمه تداخل
المقدارين، وهو محال، فإن فيه حلول الجسم بمقداره الشخصي الذاهب في

(1) راجع الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع من المقالة الثانية من الفن الأول من
طبيعيات الشفاء، والمباحث المشرقية ج 1 ص 223 - 228، والأسفار ج 4 ص 42 - 48،
وشوارق الالهام ص 301 - 310، وشرح التجريد للقوشجي ص 156 - 160.
(2) هذا الايراد تعرض له الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة الثانية من الفن الأول
من طبيعيات الشفاء، ثم أجاب عنه في الفصل التاسع.
(3) هذا الايراد أورده الشيخ الرئيس على أصحاب البعد في الفصل السابع من المقالة الثانية
0 من الفن الأول من طبيعيات الشفاء.
169

الأقطار الثلاثة في المكان الذي هو مقدار شخصي يساويه، ورجوعهما مقدارا
شخصيا واحدا ولا ريب في امتناعه. اللهم إلا أن يمنع ذلك بأن من الجائز أن
يكون المانع هو الهيولي مع المقدار أو الصورة مع المقدار أو هما معه.
البحث الثاني: [في محل الكلام]
قد عرفت أن الأين هيئة حاصلة للشئ من نسبته إلى المكان. والكلام في
كونه هيئة حاصلة من النسبة، لا نفس وجود النسبة، نظير ما تقدم في الإضافة (1).
البحث الثالث: [في أقسام الأين]
قد يقسم الأين إلى أول حقيقي وثان غير حقيقي، فالأول كون الشئ في
مكانه الخاص به الذي لا يسعه فيه غيره معه ككون الماء في الكوز، والثاني نظير
قولنا: (فلان في البيت)، فليس البيت مشغولا به وحده، بل يسعه وغيره، وأبعد
منه كونه في الدار ثم في البلد وهكذا (2). والتقسيم غير حقيقي، والمقسم هو الأين
بحسب توسع العرف العام.
ويقرب منه تقسيمه إلى أين جنسي وهو الكون في المكان، وأين نوعي
كالكون في الهواء، وأين شخصي ككون هذا الشخص في هذا الوقت في مكانه
الحقيقي (3).
الفصل الثامن عشر
في المتى
وهو الهيئة الحاصلة للشئ من نسبته إلى الزمان.
سيأتي إن شاء الله (4) أن لكل حركة بما لها من الوجود السيال التدريجي

(1) في الفصل السابق.
(2 و 3) ولمزيد التوضيح راجع الفصل الخامس من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق
الشفاء، والمباحث المشرقية ج 1 ص 453، والأسفار ج 4 ص 217.
(4) في الفصل الحادي عشر من المرحلة التاسعة.
170

مقدارا غير قار يخصها ويغاير ما لغيرها من الامتداد غير القار، فلكل حركة
خاصة واحدة بالعدد زمان خاص واحد بالعدد، غير أن بعض هذه الأزمنة يقبل
الانطباق على بعض، والزمان العام المستمر الذي نقدر به الحركات زمان الحركة
اليومية المأخوذ مقياسا نقيس به الأزمنة والحركات، فيتعين به نسب بعضها إلى
بعض بالتقدم والتأخر والطول والقصر، وللحوادث بحسب ما لها من النسبة إلى
الزمان هيئة حاصلة لها هي المتى.
ويقرب الكلام في المتى من الكلام في الأين، فهناك متى يخص الحركة لا
يسع معها غيرها وهو المتى الأول الحقيقي، ومنه ما يعمها وغيرها ككون هذه
الحركة الواقعة في ساعة كذا، أو في يوم كذا، أو في شهر كذا، أو في سنة كذا، أو في
قرن كذا، وهكذا.
والفرق بين الأين والمتى في هذا الباب أن الزمان الخاص الواحد يشترك فيه
كثيرون بانطباقها عليه، بخلاف الأين الخاص الواحد فلا يسع إلا جسما واحدا (1).
وينقسم المتى نوع انقسام بانقسام الحوادث الزمانية، فمنها ما هو تدريجي
الوجود ينطبق على الزمان نفسه، ومنها ما هو آني الوجود ينتسب إلى طرف
الزمان كالوصولات والمماسات والإنفصالات.
وينقسم أيضا - كما قيل - إلى ما بالذات وما بالعرض، فما بالذات متى
الحركات المنطبقة على الزمان بذاتها، وما بالعرض متى المتحركات المنطبقة عليه
بواسطة حركاتها، وأما بحسب جوهر ذاتها فلا متى لها. وهذا مبني على منع
* (هامش) (1) وتعرض للفرق المذكور صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 219، ثم قال: (هكذا قيل).
أقول: والقائل بالفرق الشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة السادسة من الفن الثاني
من منطق الشفاء. وتبعه الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 454 - 455، والعلامة
الحلي في كشف المراد ص 257، والتفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 284، وابن سهلان
الساوجي في البصائر النصيرية ص 34. وخالفهم صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 219،
وشرحه للهداية الأثيرية ص 271. (*)
171

الحركة الجوهرية، وأما على القول به - كما سيأتي إن شاء الله (1) - فلا فرق بين
الحركة والمتحرك في ذلك.
وينقسم أيضا بانقسام المقولات الواقعة فيها الحركات (2).
الفصل التاسع عشر
في الوضع
الوضع هو الهيئة الحاصلة للشئ من نسبة بعض أجزائه إلى بعض والمجموع
إلى الخارج (3) كهيئة القيام والقعود والاستلقاء والانبطاح.
وينقسم الوضع إلى ما بالطبع وما لا بالطبع. أما الذي بالطبع فكاستقرار
الشجرة على أصلها وساقها، والذي لا بالطبع فكحال ساكن البيت من البيت (4).
وينقسم إلى ما بالفعل وما بالقوة (5).
قيل (6): الوضع مما يقع فيه التضاد والشدة والضعف. أما التضاد فمثل كون

(1) راجع الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
(2) المشهور بين القدماء من الحكماء أن المقولات التي تقع فيها الحركة أربع: الكيف والكم
والأين والوضع. سيأتي توضيحه في الفصل السابع من المرحلة التاسعة.
(3) هكذا عرفه الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفن الثاني من
منطق الشفاء، والتعليقات ص 43. وقال: الفخر الرازي في شرح عيون الحكمة ج 1
ص 113: (لفظ الشيخ في تعريف مقولة الوضع مضطرب في جميع كتبه).
(4) راجع الأسفار ج 4 ص 222.
(5) أما بالفعل قد يكون بالطبع كوضع الأرض من الفلك، وقد يكون لا بالطبع كحال ساكن
البيت من البيت، وأما بالقوة كما يتوهم قرب دائرة الرحى إلى قطبها ونسبته إلى دائرة القطب
ليست بالفعل إذ لا دائرة بالفعل، فلا وضع إلا بالتوهم أو بالقوة. راجع الأسفار ج 4 ص 222،
والتحصيل ص 415، والمقاومات 145، والمطارحات ص 276.
(6) والقائل كثير من الحكماء والمتكلمين، كفخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1
ص 455، وصدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 222 - 223، وبهمنيار في التحصيل
ص 415، والتفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 284 - 285.
172

الإنسان رأسه إلى السماء ورجلاه إلى الأرض مضادا لوضعه إذا كان معكوسا،
والوضعان معنيان وجوديان متعاقبان على موضوع واحد من غير أن يجتمعا فيه
وبينهما غاية الخلاف، وكذا الحال في الاستلقاء والإنبطاح، وأما الشدة فكالأشد
انتصابا أو الأكثر انحناء.
وفي تصوير غاية الخلاف في الوضع خفاء، فليتأمل.
تنبيه:
للوضع معنيان آخران غير المعنى المقولي (1).
(أحدهما) كون الشئ قابلا للإشارة الحسية. والإشارة - كما نقل عن
الشفاء - تعيين الجهة التي تخص الشئ من جهات هذا العالم، وعليه فكل جسم
وجسماني يقبل الوضع بهذا المعنى، فالنقطة ذات وضع بخلاف الوحدة.
و (ثانيهما) معنى أخص من الأول، وهو كون الكم قابلا للإشارة الحسية بحيث
يقال: أين هو من الجهات؟ وأين بعض أجزائه المتصلة به من بعض؟
لكن نوقش فيه (2): بأن الخط والسطح، بل الجسم التعليمي لا أين لها لولا
تعلقها بالمادة الجسمانية، فلا يكفي مجرد الاتصال الكمي في إيجاب قبول
الإشارة الحسية حتى يقارن المادة. نعم للصورة الخيالية المجردة من الكم إشارة
خيالية وكذا للصورة العقلية إشارة تسانخها.
الفصل العشرون
في الجدة
وتسمى أيضا (الملك) وهي: الهيئة الحاصلة من إحاطة شئ بشئ بحيث
ينتقل المحيط بانتقال المحاط. والموضوع هو المحاط، فالإحاطة التامة كإحاطة

(1) راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 455.
(2) هكذا ناقش فيه صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 221 - 222.
173

إهاب الحيوان به، والإحاطة الناقصة كما في التقمص والتنعل والتختم ونحو ذلك.
وتنقسم إلى جدة طبيعية كما في المثال الأول، وغير طبيعية كما في غيره من
الأمثلة.
قال في الأسفار: (وقد يعبر عن الملك بمقولة (له)، فمنه طبيعي ككون القوى
للنفس، ومنه اعتبار خارجي ككون الفرس لزيد. ففي الحقيقة الملك يخالف هذا
الاصطلاح، فإن هذا من مقولة المضاف لا غير) (1) - انتهى.
والحق أن الملك الحقيقي الذي في مثل كون القوى للنفس حيثية وجودية هي
قيام وجود شئ بشئ بحيث يختص به فيتصرف فيه كيف شاء، فليس معنى
مقوليا، والملك الاعتباري الذي في مثل كون الفرس لزيد إعتبار للملك الحقيقي
دون مقولة الإضافة، وسنشير إن شاء الله إلى هذا البحث في المرحلة العاقل
والمعقول (2).
الفصل الحادي والعشرون
في مقولتي أن يفعل وأن ينفعل
أما الأول فهو هيئة غير قارة حاصلة في الشئ المؤثر من تأثيره ما دام يؤثر،
كتسخين المسخن ما دام يسخن وتبريد المبرد ما دام يبرد.
وأما الثاني فهو هيئة غير قارة حاصلة في المتأثر ما دام يتأثر، كتسخن

(1) راجع الأسفار ج 4 ص 223. وقال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث من المقالة الثانية من
الفن الأول من طبيعيات الشفاء: (وأما مقولة الجدة فإني إلى هذه الغاية لم أتحققها). وقال
أيضا في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق الشفاء: (وأما مقولة
الجدة فلم يتفق لي إلى هذه الغاية فهمها، ولا أحد الأمور التي تجعل كالأنواع لها أنواعا لها
بل يقال عليها باشتراك من الاسم أو تشابه... ويشبه أن يكون غيري يعلم ذلك، فليتأمل هنا
لك من كتبهم). وقال بهمنيار في التحصيل ص 416: (أما مقولة الجدة فقد امتنع من أن يعد
في جملة المقولات).
(2) راجع الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة من المتن.
174

المتسخن ما دام يتسخن وتبرد المتبرد ما دام يتبرد.
ومن خاصة هاتين المقولتين: (أولا): كما يظهر من الأمثلة أنهما تعرضان
غيرهما من المقولات كالكيف والكم والوضع وغيرهما. و (ثانيا): أن معروضهما
- من حيث هو معروض - لا يخلو عن حركة، ولذا عبر عنهما بلفظ (أن يفعل) و
(أن ينفعل) الظاهرين في الحركة والتدرج، دون الفعل والانفعال اللذين ربما
يستعملان في التأثير والتأثر الدفعي غير التدريجي (1). وبالجملة المقولتان هيئتان
عارضتان لمعروضهما من جملة ما له من الحركة.
قال في الأسفار: (واعلم أن وجود كل منهما في الخارج ليس عبارة عن
نفس السلوك إلى مرتبة، فإنه بعينه معنى الحركة، ولا أيضا وجود كل منهما وجود
المقولات التي يقع بها التحريك والتحرك، كالكيف مثل السواد، والكم مثل مقدار
الجسم النامي، أو الوضع كالجلوس والانتصاب، ولا غير ذلك. بل وجودهما
عبارة عن وجود شئ من هذه المقولات ما دام يؤثر أو يتأثر، فوجود السواد أو
السخونة مثلا من حيث إنه سواد من باب مقولة الكيف، ووجود كل منهما من حيث
كونه تدريجيا يحصل منه تدريجي آخر أو يحصل من تدريجي آخر هو من مقولة
أن يفعل أو أن ينفعل.
وأما نفس سلوكه التدريجي - أي خروجه من القوة إلى الفعل - سواء كان في
جانب الفاعل أو في جانب المنفعل، فهو عين الحركة لا غير، فقد ثبت نحو
وجودهما في الخارج وعرضيتهما) (2) - انتهى.
وأما الإشكال (3) في وجود المقولتين بأن تأثير المؤثر يمتنع أن يكون وصفا

(1) كذا قال الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق
الشفاء.
(2) راجع الأسفار ج 4 ص 225.
(3) والمستشكل فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 456 - 457. وتعرض له
التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 285، وصدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 225 - 226،
وشرحه للهداية الأثيرية ص 275.
175

ثبوتيا زائدا على ذات المؤثر، وإلا افتقر إلى تأثير آخر في ذلك التأثير، وننقل
الكلام إليه، فيتسلسل ذاهبا إلى غير النهاية، وهو محصور بين حاصرين: المؤثر
والمتأثر.
ويجري نظير الإشكال (1) في زيادة تأثر المتأثر على ذات المتأثر، فلو كان
قبول الأثر زائدا على ذات القابل احتاج إلى قبول آخر، وننقل الكلام إليه،
فيتسلسل، وهو محصور بين حاصرين، فالتأثير والتأثر - سواء كانا دفعيين أو
تدريجيين - وصفان عدميان غير موجودين في الخارج.
فيدفعه (2) أنه إنما يتم فيما كان الأثر الثبوتي المفروض موجودا بوجود
منحاز، يحتاج إلى تأثير منحاز جديد يخصه. وأما لو كان ثابتا بثبوت أمر آخر
فهو مجعول بعين الجعل المتعلق بمتبوعه، والتأثير والتأثر التدريجيان موجودان
بعين إيجاد الكيف كالسواد في المسود والمتسود، ولا دليل على وجود الشئ
أقوى من صدق مفهومه على عين خارجي في قضية خارجية.

(1) والمستشكل أيضا فخر الدين الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 257.
(2) كما دفعه صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 228. ودفعه أيضا التفتازاني في شرح
المقاصد ج 1 ص 285، ولكن أورد عليه صدر المتألهين في شرحه للهداية الأثيرية ص
275، ثم دفعه بوجه آخر.
176

المرحلة السابعة
في الواحد والكثير
وفيها تسعة فصول
177

الفصل الأول
في أن مفهوم الوحدة والكثرة
بديهي غني عن التعريف
ينقسم الموجود إلى الواحد والكثير، فكل موجود إما واحد وإما كثير.
والحق أن الوحدة والكثرة من المفاهيم العامة الضرورية التصور المستغنية
عن التعريف كالوجوب والإمكان (1)، ولذا كان ما عرفوهما به من التعريف (2) لا
يخلو من دور، وتعريف الشئ بنفسه، كتعريف الواحد ب‍ (أنه الذي لا ينقسم من
الجهة التي يقال إنه واحد)، ففيه أخذ الانقسام الذي هو الكثرة في تعريف الواحد
مضافا إلى كونه تعريفا للواحد بالواحد. ثم تعريف الكثير ب‍ (أنه المجتمع من
الواحدات)، وفيه أخد الوحدة في تعريف الكثير وقد كانت الكثرة مأخوذة في حد
الواحد، وهو الدور، مضافا إلى كونه تعريفا للكثير بالمجتمع وهو الكثير بعينه.

(1) صرح بذلك كثير من الحكماء والمتكلمين. فراجع المباحث المشرقية ج 1 ص 83،
والأسفار ج 2 ص 82 - 83، وكشف المراد ص 100، والمطارحات ص 308، وشرح
المقاصد ج 1 ص 136، وإيضاح المقاصد ص 54.
(2) كقول القائل: (الواحد هو مبدأ العدد)، راجع المطارحات ص 246. وقد يقال: (الوحدة
عدم الانقسام إلى أمور متشابهة، والكثرة هي الانقسام إليها)، راجع شرح المقاصد ج 1 ص 136.
179

فالحق أن تعريفهما بما عرفا به تعريف لفظي يراد به التنبيه على معناهما
وتمييزه من بين المعاني المخزونة عند النفس (1). فالواحد هو: (الذي لا ينقسم من
حيث إنه لا ينقسم)، والتقييد بالحيثية ليندرج فيه الواحد غير الحقيقي الذي ينقسم
من بعض الوجوه (2)، والكثير هو: (الذي ينقسم من حيث إنه ينقسم).
فقد تحصل أن الموجود ينقسم إلى الواحد والكثير، وهما معنيان متباينان
تباين أحد القسمين للآخر.
تنبيه:
قالوا: (إن الوحدة تساوق الوجود) (3)، فكل موجود فهو واحد من جهة أنه
موجود، حتى أن الكثرة الموجودة - من حيث هي موجودة - كثرة واحدة، كما
يشهد بذلك عرض العدد لها والعدد مؤلف من آحاد، يقال: كثرة واحدة وكثرتان
وكثرات ثلاث، وعشرة واحدة وعشرتان وعشرات ثلاث، وهكذا.
وربما يتوهم (4) أن انقسام الموجود إلى الواحد والكثير ينافي كون الواحد
مساوقا للموجود، وذلك أن الكثير - من حيث هو كثير - موجود لمكان الانقسام
المذكور، والكثير - من حيث هو الكثير - ليس بواحد، ينتج أن بعض الموجود ليس
بواحد، وهو يناقض قولهم: (كل موجود فهو واحد).

(1) قال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء: (ثم يكون
تعريفنا الكثرة بالوحدة تعريفا عقليا، وهنا لك نأخذ الوحدة متصورة بذاتها ومن أوائل
التصور، ويكون تعريفنا الوحدة بالكثرة تنبيها). وتبعه في ذلك الفخر الرازي في المباحث
المشرقية ج 1 ص 84، وصدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 83.
(2) هكذا قال صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 83 - 84، وشرحه للهداية الأثيرية ص 225.
(3) راجع النجاة ص 198، وكشف المراد ص 99، وشوارق الالهام ص 169، وشرح المواقف
ص 151.
(4) هذا التوهم تعرض له صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 90 - 91، وتعليقاته على شرح
حكمة الاشراق ص 192 - 193.
180

ويدفعه (1): أن للواحد اعتبارين: إعتبار في نفسه من غير قياس بعض
مصاديقه إلى بعض، فيساوق الموجود، ويعم مصاديقه من واحد وكثير، واعتباره
بقياس بعض مصاديقه إلى بعض، فهناك مصاديق لا يوجد فيها من معنى عدم
الانقسام ما يوجد في مصاديق أخر، كالعشرة التي لا يوجد فيها من معنى عدم
الانقسام ما يوجد في الواحد وإن كان فيها ذلك إذا قيس إلى العشرات. فالكثير
الذي ليس بالواحد هو المقيس من حيث هو مقيس، والذي يقابله هو الواحد
بالاعتبار الثاني، وأما الواحد بالاعتبار الأول فهو يعم الواحد والكثير القسيمين
جميعا. ونظير ذلك انقسام مطلق الموجود إلى ما بالقوة وما بالفعل مع مساوقة ما
بالفعل لمطلق الموجود، وانقسام الوجود إلى ذهني وخارجي تترتب عليه الآثار
مع مساوقة الخارجي المترتب عليه الآثار لمطلق الوجود. فكل ذلك من
الاختلافات التشكيكية التي لحقيقة الوجود المشككة.
ونظير هذا التوهم ما ربما يتوهم (2) أن الوحدة من المعاني الإنتزاعية العقلية،
ولو كانت حقيقة خارجية لكانت لها وحدة ولوحدتها وحدة وهلم جرا فيتسلسل.
ويدفعه (3): أن وحدتها عين ذاتها، فهي واحدة بذاتها، نظير ما تقدم في
الوجود (4) أنه موجود بذاته من غير حاجة إلى وجود زائد على ذاته.

(1) كذا دفعه المصنف رحمه الله في تعليقته على الأسفار ج 2 ص 90. ثم قال في آخر كلامه: (وإلى
هذا يرجع آخر كلام المصنف). وراجع كلام صدر المتألهين في دفع هذا التوهم في الأسفار
ج 2 ص 91، وتعليقاته على شرح حكمة الاشراق ص 193.
(2) كما توهمه الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 385، وحكمة الاشراق ص 68. وتبعه
المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد على ما في شوارق الالهام ص 183، وكشف المراد
ص 100 - 101. وتعرض له الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 85.
(3) كذا دفعه الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 86. وتبعه صدر المتألهين في
الأسفار ج 2 ص 89.
(4) راجع الفصل الثاني من المرحلة الأولى من المتن.
181

الفصل الثاني
في أقسام الواحد
الواحد إما حقيقي وإما غير حقيقي، والحقيقي ما اتصف بالوحدة لذاته من
غير واسطة في العروض، كالإنسان الواحد، وغير الحقيقي بخلافه، كالإنسان
والفرس المتحدين في الحيوان وينتهي لا محالة إلى واحد حقيقي.
والواحد الحقيقي إما ذات هي عين الوحدة، وإما ذات متصفة بالوحدة.
والأول هو صرف الشئ الذي لا يتثنى ولا يتكرر، وتسمى وحدته: (وحدة
حقة)، والواحد والوحدة هناك شئ واحد والثاني ك‍ (الإنسان واحد).
والواحد بالوحدة غير الحقة إما واحد بالخصوص وإما واحد بالعموم. والأول
هو الواحد بالعدد الذي يفعل بتكرره العدد، والثاني كالنوع الواحد والجنس الواحد.
والواحد بالخصوص إما أن لا ينقسم من حيث طبيعته المعروضة للوحدة
أيضا كما لا ينقسم من حيث صفة وحدته أو ينقسم. والأول إما نفس مفهوم
الوحدة وعدم الانقسام، وإما غيره، وغيره إما وضعي كالنقطة الواحدة، وإما غير
وضعي كالمفارق وهو إما متعلق بالمادة بوجه، كالنفس المتعلقة بالمادة في فعلها،
وإما غير متعلق بها أصلا كالعقل. والثاني وهو الذي يقبل الانقسام بحسب طبيعته
المعروضة للوحدة إما أن يقبله بالذات كالمقدار الواحد، وإما أن يقبله بالعرض
كالجسم الطبيعي الواحد من جهة مقداره.
والواحد بالعموم إما واحد بالعموم المفهومي، وإما واحد بالعموم بمعنى السعة
الوجودية. والأول إما واحد نوعي كالإنسان، وإما واحد جنسي كالحيوان، وإما
واحد عرضي كالماشي والضاحك. والواحد بالعموم بمعنى السعة الوجودية
كالوجود المنبسط.
والواحد غير الحقيقي وهو ما اتصف بالوحدة بعرض غيره لاتحاده به نوعا
من الاتحاد كزيد وعمرو المتحدين في الإنسان، والإنسان والفرس المتحدين في
الحيوان. ويختلف أسماء الواحد غير الحقيقي باختلاف جهة الوحدة، فالاتحاد
182

في معنى النوع يسمى: (تماثلا)، وفي معنى الجنس (تجانسا)، وفي الكيف
(تشابها)، وفي الكم (تساويا)، وفي الوضع (توازيا) و (تطابقا).
ووجود كل من الأقسام المذكورة ظاهر، وكذا كون الوحدة واقعة على
أقسامها وقوع المشكك على مصاديقه بالاختلاف. كذا قرروا (1).
الفصل الثالث
في أن من لوازم الوحدة الهوهوية
ومن لوازم الكثرة الغيرية
من عوارض الوحدة الهوهوية، كما أن من عوارض الكثرة الغيرية.
والمراد بالهوهوية الاتحاد من جهة ما مع الاختلاف من جهة ما، ولازم ذلك
صحة الحمل بين كل مختلفين بينهما اتحاد ما، وإن اختص الحمل بحسب التعارف
ببعض أقسام الاتحاد.
واعترض عليه (2): بأن لازم عموم صحة الحمل في كل اتحاد ما من مختلفين
هو صحة الحمل في الواحد المتصل المقداري الذي له أجزاء كثيرة بالقوة موجودة
بوجود واحد بالفعل، بأن يحمل بعض أجزائه على بعض وبعض أجزائه على الكل
وبالعكس، فيقال: (هذا النصف من الذراع هو النصف الآخر، وهذا النصف هو
الكل أو كله هو نصفه)، وبطلانه ضروري.
والجواب - كما أفاده صدر المتألهين (3) قدس سره -: أن المتصل الوحداني ما لم
ينقسم بواحد من أنحاء القسمة خارجا أو ذهنا لم تتحقق فيه كثرة أصلا، فلم

(1) راجع كشف المراد ص 102 - 103، والأسفار ج 2 ص 83 - 87، وشرح المنظومة
ص 108 - 111، وشرح التجريد للقوشجي ص 100 - 102، والمباحث المشرقية ج 1
ص 88 - 89، وغيرها من المطولات.
(2) وهذا الاعتراض تعرض له في القبسات ص 201، والأسفار ج 2 ص 95.
(3) راجع الأسفار ج 2 ص 97. وأجاب عنه أيضا السيد الداماد في القبسات ص 201.
183

يتحقق شرط الحمل الذي هو وحدة ما مع كثرة ما، فلم يتحقق حمل، وإذا انقسم
بأحد أنحاء القسمة بطلت هويته الواحدة وانعدم الاتصال الذي هو جهة وحدته،
فلم يتحقق شرط الحمل الذي هو كثرة ما مع وحدة ما، فلم يتحقق حمل.
فقد تبين أن بين كل متخلفين من وجه متحدين من وجه حملا إذا جامع
الاتحاد الاختلاف، لكن التعارف العامي - كما أشرنا إليه (1) - خص الحمل على
موردين من الاتحاد مع الاختلاف:
(أحدهما): أن يتحد الموضوع والمحمول مفهوما مع اختلافهما بنوع من
الاعتبار، كالاختلاف بالإجمال والتفصيل في قولنا: (الإنسان حيوان ناطق)،
فإن الحد عين المحدود مفهوما وإنما يختلفان بالإجمال والتفصيل، والاختلاف
بالإبهام وغيره في قولنا: (الإنسان حيوان)، فإن الجنس هو النوع مبهما،
والاختلاف بالتحصيل وغيره في قولنا: (الإنسان ناطق)، فإن الفصل هو النوع
محصلا - كما مر في مباحث الماهية (2) -، وكالإختلاف بفرض الشئ مسلوبا عن
نفسه فيغاير نفسه نفسه ثم يحمل على نفسه لدفع توهم المغايرة فيقال مثلا:
(الإنسان إنسان). ولما كان هذا الحمل ربما يعتبر في الوجود العيني كان
الأصوب أن يعرف باتحاد الموضوع والمحمول ذاتا، ويسمى هذا الحمل: (حملا
أوليا ذاتيا) (3).
و (ثانيهما): أن يختلفا مفهوما ويتحدا وجودا كما في قولنا: (زيد إنسان)،
وقولنا: (القطن أبيض)، وقولنا: (الضاحك متعجب). ويسمى هذا الحمل: (حملا
شائعا صناعيا) (4).

(1) في ابتداء الفصل، حيث قال: (وإن اختص الحمل بحسب التعارف ببعض أقسام الاتحاد).
(2) راجع الفصل الخامس من المرحلة الخامسة.
(3) سمي ذاتيا، لكون المحمول فيه ذاتيا للموضوع، وأوليا، لأنه من الضروريات الأولية التي
لا يتوقف التصديق بها على أزيد من تصور الموضوع والمحمول. راجع تعليقات المصنف رحمه الله
على بداية الحكمة ص 101.
(4) سمي شائعا، لأنه الشائع في المحاورات، وصناعيا، لأنه المعروف والمستعمل في الصناعات والعلوم، راجع تعليقات المصنف رحمه الله على بداية الحكمة ص 102.
184

وهاهنا نكتة يجب التبيه عليها، وهي: أنه قد تقدم في المباحث السابقة (1)
أن الوجود ينقسم إلى ما في نفسه وما في غيره، وينقسم أيضا إلى ما لنفسه وما
لغيره وهو الوجود النعتي، وتقدم أيضا (2) امتناع أن توجد ماهيتان بوجود واحد
نفسي بأن يطرد وجود واحد العدم عن نفس ماهيتين متباينتين، وهو وحدة الكثير
المستحيلة عقلا.
ومن هنا يتبين أن الحمل - الذي هو اتحاد المختلفين بوجه - لا يتحقق في
وجود المختلفين النفسي، وإنما يتحقق في الوجود النعتي بأن يكون أحد
المختلفين ناعتا بوجوده للآخر والآخر منعوتا به. وبعبارة أخرى: أحد المختلفين
هو الذات بوجوده النفسي، والآخر هو الوصف بوجوده النفسي، واتحادهما في
الوجود النعتي الذي يعطيه الوصف للذات. وهذا معنى قول المنطقيين: (إن القضية
تنحل إلى عقدين: عقد الوضع، ولا يعتبر فيه إلا الذات، وما فيه من الوصف عنوان
مشير إلى الذات فحسب، وعقد الحمل، والمعتبر فيه الوصف فقط) (3).
وهاهنا نوع ثالث من الحمل، يستعمله الحكيم، مسمى بحمل الحقيقة
والرقيقة، مبني على اتحاد الموضوع والمحمول في أصل الوجود واختلافهما
بالكمال والنقص، يفيد وجود الناقص في الكامل بنحو أعلى وأشرف واشتمال
المرتبة العالية الوجود على كمال ما دونها من المراتب.
الفصل الرابع
في انقسام الحمل إلى هو هو وذي هو
ينقسم الحمل إلى حمل هو هو وحمل ذي هو.
والأول: ما يثبت فيه المحمول للموضوع بلا توقف على اعتبار أمر زائد،

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة الثانية.
(2) راجع الفصل الثالث من المرحلة الثانية.
(3) راجع شرح المطالع ص 135 - 136.
185

كقولنا: (الإنسان ضاحك)، ويسمى أيضا (حمل المواطاة). والثاني: أن يتوقف
ثبوت المحمول للموضوع على اعتبار أمر زائد كتقدير ذي أو الاشتقاق، كقولنا:
(زيد عدل) أي ذو عدل، أو (عادل).
وينقسم أيضا إلى بتي وغير بتي. والأول: ما كان لموضوعه أفراد محققة
يصدق عليها بعنوانه، كقولنا: (الإنسان كاتب) و (الكاتب متحرك الأصابع).
والثاني ما كان لموضوعه أفراد مقدرة غير محققة، كقولنا: (المعدوم المطلق لا
يخبر عنه)، وقولنا: (اجتماع النقيضين محال).
وينقسم أيضا إلى بسيط ومركب ويسميان (الهلية البسيطة) و (الهلية
المركبة). والهلية البسيطة ما كان المحمول فيها وجود الموضوع، كقولنا:
(الإنسان موجود). والهلية المركبة ما كان المحمول فيها أثرا من آثاره وعرضيا
من عرضياته، كقولنا: (الإنسان ضاحك)، فهي تدل على ثبوت شئ لشئ
بخلاف الهلية البسيطة حيث تدل على ثبوت الشئ.
وبذلك يندفع ما أورده بعضهم (1) على كلية قاعدة الفرعية القائلة: (إن ثبوت
شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له)، بانتقاضه بمثل قولنا: (الماهية موجودة)، حيث
إن ثبوت الوجود للماهية - بناء على ما تقتضيه قاعدة الفرعية - فرع ثبوت الماهية،
وننقل الكلام إلى ثبوتها فهو فرع ثبوتها قبل، وهلم جرا، فيتسلسل.
والجواب (2) - على ما تحصل -: أن القضية هلية بسيطة، والهلية البسيطة إنما
تدل على ثبوت الشئ لا على ثبوت شئ لشئ حتى تقتضي وجودا للماهية
قبل وجودها، هذا.

(1) تعرض لهذا الايراد صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 43، والمشعر الخامس من كتاب
المشاعر ص 27، ورسالة في اتصاف الماهية بالوجود المطبوعة ذيل رسائل صدر المتألهين
ص 110.
(2) كذا أجاب عنه صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 43، والمشعر الخامس من المشاعر
ص 27 (ورسائل صدر المتألهين) ص 115 - 116.
186

وأما ما أجاب به بعضهم (1) عن الإشكال - بتبديل الفرعية من الاستلزام، وأن
الحق أن ثبوت شئ لشئ مستلزم لثبوت المثبت له ولو بنفس هذا الثبوت،
وثبوت الوجود للماهية مستلزم لثبوت الماهية بنفس هذا الثبوت - فهو تسليم
للإشكال.
وأسوأ حالا منه قول بعضهم (2): (إن القاعدة مخصصة بثبوت الوجود
للماهية)، هذا.
الفصل الخامس
في الغيرية وأقسامها
قد تقدم (3) أن من عوارض الكثرة الغيرية، وتنقسم الغيرية إلى ذاتية وغير
ذاتية.
فالغيرية الذاتية، هي: أن يدفع أحد شيئين الآخر بذاته، فلا يجتمعان لذاتيهما،
كالمغايرة بين الوجود والعدم، وتسمى (تقابلا).
وقد عرفوا التقابل ب‍ (أنه امتناع اجتماع شيئين في محل واحد من جهة
واحدة في زمان واحد) (4) ونسبة امتناع الاجتماع إلى شيئين للدلالة على كونه

(1) وهو المحقق الدواني في حاشية شرح التجريد للقوشجي ص 59. ونقله عنه صدر
المتألهين في رسالة اتصاف الماهية بالوجود، فراجع رسائل صدر المتألهين ص 111.
(2) وهو الفخر الرازي على ما نقل عنه في تعليقات الحكيم السبزواري على الأسفار ج 1
ص 43. وقال المصنف رحمه الله في تعليقاته على بداية الحكمة ص 103: (وعن الإمام الرازي
أن القاعدة مخصصة بالهليلة البسيطة. وفيه: أنه تخصيص في القواعد العقلية).
(3) في الفصل السابق.
(4) هكذا عرفه صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 102، وتبعه الحكيم السبزواري في شرح
المنظومة ص 115.
والمشهور في الكتب في تعريف المتقابلين: (أن المتقابلين هما اللذان لا يجتمعان في
شئ واحد في زمان واحد من جهة واحدة). راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 99، وشرح المقاصد ج 1 ص 145، والمطارحات ص 313.
قال صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 103: (وإنما عدلنا عن التعريف المشهور في
الكتب لمفهوم المتقابلين إلى تعريف مفهوم التقابل لأن صيغة (اللذان) في قولهم:
(المتقابلان هما اللذان...) يشعر بما لهما ذات، والعدم والملكة، والإيجاب والسلب لا ذات
لهما).
وقال القوشجي في شرحه للتجريد ص 104 - تبعا للمحقق الشريف في شرح المواقف
ص 164 -: (وأما التقييد بوحدة الزمان فمستدرك، لأن الاجتماع لا يكون إلا في زمان
واحد). واعترض عليه اللاهيجي في شوارق الالهام ص 192 - تبعا للمحقق الدواني في
حاشية شرح القوشجي ص 104 - بأن قيد الاجتماع غير مغن عن الزمان، لصدقه على
المقارنة في الرتبة أو وصف آخر اصطلاحا.
والعجب من صدر المتألهين في شرح الهداية الأثيرية ص 227 حيث قال: (وقيد
الاجتماع مغن عن ذكر (في زمان واحد)، كما وقع في كلام بعضهم). فإن كلامه هذا ينافي
كلامه في الأسفار ج 2 ص 102 - 103، حيث قال: (فما قيل من أن التقييد بوحدة الزمان
مستدرك لأن الاجتماع لا يكون إلا في زمان واحد، غير صحيح). ويمكن أن يكون ما وقع
في شرح الهداية سهوا من قلم الناسخ بحذف كلمة (غير) من العبارة، والصواب هو هذه
العبارة: (وقيد الاجتماع غير مغن...).
187

لذاتيهما، والمراد بالمحل الواحد مطلق الموضوع، ولو بحسب فرض العقل، حتى
يشمل تقابل الايجاب والسلب، حيث إن متن القضية كالموضوع لهما، وتقييد
التعريف ب‍ (جهة واحدة) لإخراج ما اجتمع منهما في شئ واحد من جهتين،
ككون زيد أبا لعمرو وابنا لبكر، والتقييد ب‍ (وحدة الزمان)، ليشمل ما كان من
التقابل زمانيا، فليس عرض الضدين لموضوع واحد في زمانين مختلفين ناقضا
للتعريف.
ولا ينتقض التعريف بالمثلين الممتنع اجتماعهما عقلا، لأن أحد المثلين لا
يدفع الآخر بذاته التي هي الماهية النوعية المشتركة بينهما، وإنما يمتنع اجتماعهما
لاستحالة تكرر الوجود الواحد - كما تقدم في مباحث الوجود (1) -. ولا ينتقض
أيضا بنقيض اللازم وعين الملزوم، فإن نقيض اللازم إنما يعاند عين الملزوم

(1) راجع الفصل الخامس من المرحلة الأولى.
188

لمعاندته اللازم الذي هو نقيضه، فامتناع اجتماعه مع الملزوم بعرض نقيضه، لا
لذاته (1).
والغيرية غير الذاتية أن يكون الشيئان لا يجتمعان لأسباب أخر غير ذاتيهما،
كافتراق الحلاوة والسواد في السكر والفحم، وتسمى (خلافا). ويسمى أيضا
(الغير) بحسب التشخص والعدد.
والتقابل ينقسم إلى أربعة أقسام، وهي: تقابل التناقض، وتقابل العدم والملكة،
وتقابل التضايف، وتقابل التضاد. والأصوب في ضبط الأقسام أن يقال: (إن
المتقابلين إما أن يكون أحدهما عدما للآخر أو لا، وعلى الأول إما أن يكون هناك
موضوع قابل كالبصر والعمى فهو تقابل العدم والملكة، أو لا يكون كالإيجاب
والسلب وهو تقابل التناقض، وعلى الثاني - وهو كونهما وجوديين - فإما أن لا
يعقل أحدهما إلا مع الآخر وبالقياس إليه كالعلو والسفل وهو تقابل التضايف، أو
لا وهو تقابل التضاد) (2).
الفصل السادس
في تقابل التناقض
وهو تقابل الايجاب والسلب، كقولنا: (زيد أبيض، وليس زيد بأبيض)، أو ما
هو في معنى الايجاب والسلب من المفردات، ك‍ (الإنسان واللا إنسان) و (العمى
واللا عمى) و (المعدوم واللا معدوم).
والنقيضان لا يصدقان معا ولا يكذبان معا. وإن شئت فقل: لا يجتمعان ولا

(1) راجع شوارق الالهام ص 194.
(2) هذا وجه ضبط ذكره التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 146، والقوشجي في شرح
التجريد ص 104 - 105، واللاهيجي في شوارق الالهام ص 192 - 193، وصدر المتألهين
في الأسفار ج 2 ص 103. وذكر له وجوه أخر، فراجع المباحث المشرقية ج 1 ص 102 - 103،
وكشف المراد ص 107، وشرح المواقف ص 164.
189

يرتفعان. فمآل تقابل التناقض إلى قضية منفصلة حقيقية هي قولنا: (إما أن يصدق
الايجاب وإما أن يصدق السلب).
فالتناقض في الحقيقية بين الايجاب والسلب. ولا ينافي ذلك تحقق التناقض
بين المفردات. فكل مفهوم أخذناه في نفسه ثم أضفنا إليه معنى النفي، كالإنسان
واللا إنسان، والفرس واللا فرس، تحقق التناقض بين المفهومين. وذلك أنا إذا
أخذنا مفهومين متناقضين - كالإنسان واللا إنسان - لم نرتب أن التقابل قائم
بالمفهومين على حد سواء، فالإنسان يطرد بذاته اللا إنسان، كما أن اللا إنسان يطرد
بذاته الإنسان. وضروري أنه لو لم يعتبر الثبوت والوجود في جانب الإنسان لم
يطارد اللا إنسان ولم يناقضه، فالإنسان واللا إنسان إنما يتناقضان لأنهما في معنى
وجود الإنسان وعدم الإنسان، ولا يتم ذلك إلا باعتبار قيام الوجود بالإنسان
وكذا العدم، فالإنسان واللا إنسان إنما يتناقضان لانحلالهما إلى الهليتين
البسيطتين، وهما قضيتا (الإنسان موجود) و (ليس الإنسان بموجود).
ونظير الكلام يجري في المتناقضين: (قيام زيد)، و (لا قيام زيد)، فهما في
معنى وجود القيام لزيد وعدم القيام لزيد، وهما ينحلان إلى هليتين مركبتين، هما
قولنا: (زيد قائم)، وقولنا: (ليس زيد بقائم)، فتقابل التناقض بالحقيقة بين
الايجاب والسلب، وإن شئت فقل: بين الوجود والعدم، غير أنه سيأتي في
مباحث العاقل والمعقول (1) - إن شاء الله تعالى - أن العقل إنما ينال مفهوم الوجود
أولا معنى حرفيا في القضايا ثم يسبك منه المعنى الاسمي بتبديله منه وأخذه
مستقلا بعد ما كان رابطا، ويصور للعدم نظير ما جرى عليه في الوجود. فتقابل
التناقض بين الايجاب والسلب أولا وبالذات، وبين غيرهما بعرضهما.
فما في بعض العبارات من نسبة التناقض إلى القضايا، - كما في عبارة
التجريد: (إن تقابل السلب والإيجاب راجع إلى القول والعقد) (2) - انتهى -، أريد

(1) راجع الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشر.
(2) راجع كشف المراد ص 107، وشرح التجريد للقوشجي ص 104. وفي شوارق الالهام ص 192: (وهو راجع إلى القول والعقل) ثم فسر القول بالوجود اللفظي والعقل بالوجود
الذهني، فراجع.
190

به السلب والإيجاب من حيث الإضافة إلى مضمون القضية بعينه. وقد ظهر أيضا
أن قولهم: (نقيض كل شئ رفعه) (1)، أريد فيه بالرفع الطرد الذاتي، فالإيجاب
والسلب يطرد كل منهما بالذات ما يقابله.
وأما تفسير من فسر الرفع بالنفي والسلب (2) فصرح بأن نقيض الإنسان هو
اللا إنسان، ونقيض اللا إنسان اللا لا إنسان، وأما الإنسان فهو لازم النقيض وليس
بنقيض، فلازم تفسيره كون تقابل التناقض من جانب واحد دائما، وهو ضروري
البطلان.
ومن أحكام تقابل التناقض أن تقابل النقيضين إنما يتحقق في الذهن أو في
اللفظ بنوع من المجاز، لأن التقابل نسبة قائمة بطرفين، وأحد الطرفين في
المتناقضين هو العدم، والعدم اعتبار عقلي لا مصداق له في الخارج. وهذا بخلاف
تقابل العدم والملكة، فإن العدم فيه - كما سيأتي إن شاء الله (3) - عدم مضاف إلى
أمر موجود، فله حظ من الوجود، فالتقابل فيه قائم في الحقيقة بطرفين موجودين.
ومن أحكام هذا التقابل امتناع الواسطة بين المتقابلين به، فلا يخلو شئ من
الأشياء عن صدق أحد النقيضين، فكل أمر مفروض إما هو زيد مثلا أو ليس بزيد،
وإما هو أبيض أو ليس بأبيض، وهكذا، فكل نقيضين مفروضين يعمان جميع
الأشياء.
ومن أحكام هذا التقابل أن النقيضين لا يصدقان معا ولا يكذبان معا، على
سبيل القضية المنفصلة الحقيقية - كما تقدمت الإشارة إليه (4) - وهي قولنا: (إما أن
يصدق الايجاب أو يصدق السلب). وهي قضية بديهية أولية يتوقف عليها صدق
كل قضية مفروضة، ضرورية كانت أو نظرية. فليس يصدق قولنا: (الأربعة زوج)،

(1) راجع شرح المطالع ص 170.
(2) كذا يستفاد من كلام قطب الدين الشيرازي في شرح حكمة الاشراق ص 88.
(3) في الفصل الآتي.
(4) في ابتداء هذا الفصل.
191

مثلا، إلا إذا كذب قولنا: (ليست الأربعة بزوج). وليس يصدق قولنا: (العالم
حادث)، إلا إذا كذب قولنا: (ليس العالم بحادث). ولذا سميت قضية امتناع
اجتماع النقيضين وارتفاعهما ب‍ (أولى الأوائل).
ولذا كان الشك في صدق هذه المنفصلة الحقيقية مزيلا للعلم بكل قضية
مفروضة، إذ لا يتحقق العلم بصدق قضية إلا إذا علم بكذب نقيضها، والشك في
هذه المنفصلة الحقيقية يوجب الشك في كذب النقيض، ولازمه الشك في صدق
النقيض الآخر، ففي الشك فيها هلاك العلم كله وفساده من أصله، وهو أمر تدفعه
الفطرة الإنسانية، وما يدعيه السوفسطي من الشك دعوى لا تتعدى طور اللفظ
البتة، وسيأتي تفصيل القول فيه (1).
الفصل السابع
في تقابل العدم والملكة
ويسمى أيضا (تقابل العدم والقنية) (2)، وهما أمر وجودي عارض لموضوع
من شأنه أن يتصف به، وعدم ذلك الأمر الوجودي في ذلك الموضوع، كالبصر
والعمى الذي هو فقد البصر من موضوع من شأنه أن يكون بصيرا.
ولا يختلف الحال في تحقق هذا التقابل بين أن يؤخذ موضوع الملكة هو
الطبيعة الشخصية أو الطبيعة النوعية أو الجنسية، فإن الطبيعة الجنسية وكذا النوعية
موضوعان لوصف الفرد، كما أن الفرد موضوع له، فعدم البصر في العقرب - كما
قيل (3) - عمى وعدم ملكة، لكون جنسه - وهو الحيوان - من شأنه أن يكون بصيرا

(1) راجع الفصل التاسع من المرحلة الحادية عشرة.
(2) قال الحكيم السبزواري في شرح المنظومة (قسم المنطق) ص 52: (ومن عدول عدم
للقنية). وقال أيضا فيه (قسم الحكمة) ص 116: (فما اعتبرت فيه قابلية لما انتفى فعدم
وقنية).
(3) راجع شوارق الالهام ص 193، وشرح التجريد للقوشجي ص 104، وشرح المنظومة
ص 117، وشرح المواقف ص 166.
192

وإن لم تتصف به طبيعة العقرب النوعية، وكذا المرودة وعدم التحاء الإنسان قبل
أوان البلوغ عدم ملكة، لكون الطبيعة النوعية التي للإنسان من شأنها ذلك، وإن كان
صنف غير البالغ لا يتصف به، ويسمى تقابل العدم والملكة بهذا الاطلاق (حقيقيا).
وربما قيد بالوقت باشتراط أن يكون العدم في وقت الملكة، ويسمى التقابل
حينئذ ب‍ (المشهوري)، وعليه فمرودة الإنسان قبل أوان البلوغ ليست من عدم
الملكة في شئ، وكذا فقد العقرب للبصر ليس بعمى.
وهو أشبه بالاصطلاح، فلا يضر خروج الموارد التي يكون الموضوع فيها هو
الجنس أو النوع من تقابل العدم والملكة مع عدم دخولها في التقابلات الثلاثة
الباقية، وأقسام التقابل منحصرة في الأربعة.
الفصل الثامن
في تقابل التضايف
المتضايفان - كما تحصل من التقسيم - أمران وجوديان لا يعقل أحدهما إلا
مع تعقل الآخر، فهما على نسبة متكررة لا يعقل أحدهما إلا مع تعقل الآخر
المعقول به، ولذلك يمتنع اجتماعهما في شئ من جهة واحدة، لاستحالة دوران
النسبة بين الشئ ونفسه.
وقد أورد (1) على كون التضايف أحد أقسام التقابل الأربعة بأن مطلق التقابل
من أقسام التضايف، إذ المتقابلان بما هما متقابلان متضايفان، فيكون عد التضايف
من أقسام التقابل من قبيل جعل الشئ قسيما لقسمه.
وأجيب عنه (2): بأن مفهوم التقابل من مصاديق التضايف، ومصداق التضايف

(1) هذا الايراد نسبه العلامة إلى القدماء، فراجع إيضاح المقاصد ص 67. وتعرض له الفخر
الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 101، والتفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 148،
وصدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 110 وشرحه للهداية الأثيرية ص 227.
(2) كذا أجاب عنه صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 110 - 111، وشرح الهداية ص 277. وأجابوا عنه غيره من المحققين بوجوه أخر، فراجع المباحث المشرقية ج 1 ص 102،
وشرح المقاصد ج 1 ص 148، والتعليقات للشيخ الرئيس ص 92، وإيضاح المقاصد ص 67.
193

من أقسام التقابل ومصاديقه، فالقسم من التضايف هو مفهوم التقابل والقسيم له هو
مصداقه، وكثيرا ما يكون المفهوم الذهني فردا لمقابله كمفهوم الجزئي الذي هو
فرد للكلي ومقابل له باعتبارين، فلا إشكال.
ومن أحكام التضايف أن المتضايفين متكافئان وجودا وعدما وقوة وفعلا،
فإذا كان أحدهما موجودا فالآخر موجود بالضرورة، وإذا كان أحدهما معدوما
فالآخر معدوم بالضرورة، وإذا كان أحدهما بالقوة أو بالفعل فالآخر كذلك بالضرورة.
ولازم ذلك أنهما معان، لا يتقدم أحدهما على الآخر، لا ذهنا ولا خارجا.
الفصل التاسع
في تقابل التضاد
قد عرفت (1) أن المتحصل من التقسيم السابق أن المتضادين أمران وجوديان
غير متضائفين لا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد من جهة واحدة.
والمنقول عن القدماء (2) أنهم اكتفوا في تعريف التضاد على هذا المقدار، ولذلك
جوزوا وقوع التضاد بين الجواهر، وأن يزيد أطراف التضاد على اثنين.
لكن المشائين (3) أضافوا إلى ما يتحصل من التقسيم قيودا أخر، فرسموا
المتضادين ب‍ (أنهما أمران وجوديان غير متضائفين متعاقبان على موضوع
واحد داخلان تحت جنس قريب بينهما غاية الخلاف). ولذلك ينحصر التضاد
عندهم في نوعين أخيرين من الأعراض داخلين تحت جنس قريب بينهما غاية
الخلاف، ويمتنع وقوع التضاد بين أزيد من طرفين.

(1) في الفصل الخامس من هذه المرحلة.
(2) على ما نقل عنهم التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 147، حيث قال: (هو الذي أورده
قدماء الفلاسفة في أوائل المنطق).
(3) كما في الأسفار ج 2 ص 112 - 113.
194

بيان ذلك: أن كل ماهية من الماهيات بل كل مفهوم من المفاهيم منعزل بذاته
عن غيره من أي مفهوم مفروض، وليس ذلك من التضاد في شئ وإن كان يصدق
عليه سلب غيره، وكذا كل نوع تام بوجوده الخارجي وآثاره الخارجية مباين
لغيره من الأنواع التامة بما له ولآثاره من الوجود الخارجي، لا يتصادقان - بمعنى أن
يطرد الوجود الخاص به الطارد لعدمه عدم نوع آخر بعينه - فليس ذلك من التقابل
والتضاد في شئ. وإنما التضاد - وهو التقابل بين أمرين وجوديين - أن يكون كل
من الأمرين طاردا بماهيته الأمر الآخر، ناظرا إليه، آبيا للاجتماع معه وجودا.
ولازم ذلك أولا: أن يكون هناك أمر ثالث يوجدان له ويتحدان به، والأمر
الذي يوجد له الأمر الوجودي ويتحد به، هو مطلق الموضوع الأعم من محل
الجوهر وموضوع العرض، لكن الجواهر لا يقع فيها تضاد - كما سيجئ (1) -،
فالمتعين أن يكونا عرضين ذوي موضوع واحد.
وثانيا: أن يكون النوعان بما أن لكل منهما نظرا إلى الآخر متطاردين كل
منهما يطرد الآخر بفصله الذي هو تمام نوعيته. والفصل لا يطرد الفصل إلا إذا كانا
جميعا مقسمين لجنس واحد، أي أن يكون النوعان داخلين تحت جنس واحد
قريب، فافهم ذلك.
ولا يرد عليه (2): أن الفصل، لكونه جزء الماهية، غير مستقل في الحكم،
والحكم للنوع. لأن الفصل عين النوع محصلا، فحكمه حكم النوع بعينه (3)، على أن
الأجناس العالية من المقولات العشر لا يقع بينها تضاد، لأن الأكثر من واحد منها
يجتمع في محل واحد، كالكم والكيف وسائر الأعراض تجتمع في جوهر واحد
جسماني، وكذا بعض الأجناس المتوسطة الواقعة تحت بعضها مع بعض واقع تحت
آخر، وكذا الأنواع الأخيرة المندرجة تحت بعضها مع بعض الأنواع الأخيرة

(1) في السطور الآتية من هذا الفصل.
(2) هذا الايراد تعرض له في الأسفار ج 2 ص 115.
(3) كذا أجاب عنه صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 116.
195

المندرجة تحت بعض آخر. فالتضاد إنما يقع بالاستقراء في نوعين واقعين تحت
جنس قريب من المقولات العرضية، كالسواد والبياض المعدودين من الكيفيات
المبصرة عندهم، وكالتهور والجبن من الكيفيات النفسانية.
وأما اعتبار غاية الخلاف بين المتضادين فإنهم حكموا بالتضاد بين أمور، ثم
عثروا بأمور متوسطة بين المتضادين نسبية، كالسواد والبياض المتضادين، وبينهما
من الألوان الصفرة والحمرة والخضرة، وهي بالنسبة إلى السواد من البياض
وبالنسبة إلى البياض من السواد، وكالتهور والجبن المتوسط بينهما الشجاعة،
فاعتبروا أن يكون الضد في غاية الخلاف ونهاية البعد من ضده. وهذا هو الموجب
لنفيهم التضاد بين الجواهر، فإن الأنواع الجوهرية لا يوجد فيها ما هو نسبي مقيس
إلى طرفين، ولا نوعان متطرفان بينهما غاية الخلاف.
ومن أحكام التضاد أنه لا يقع بين أزيد من طرفين لأنه تقابل، والتقابل
نسبة، ولا تتحقق نسبة واحدة بين أزيد من طرفين. وهذا حكم عام لجميع أقسام
التقابل.
قال في الأسفار: (ومن أحكام التضاد - على ما ذكرناه من إعتبار غاية
التباعد - أن ضد الواحد واحد، لأن الضد على هذا الاعتبار هو الذي يلزم من
وجوده عدم الضد الآخر، فإذا كان الشئ وحدانيا وله أضداد، فإما أن تكون
مخالفتها مع ذلك الشئ من جهة واحدة أو من جهات كثيرة، فإن كانت مخالفتها
له من جهة واحدة فالمضاد لذلك الشئ بالحقيقة شئ واحد وضد واحد وقد
فرض أضدادا، وإن كانت المخالفة بينها وبينه من جهات عديدة فليس الشئ ذا
حقيقة بسيطة، بل هو كالإنسان الذي يضاد الحار من حيث هو بارد، ويضاد البارد
من حيث هو حار، ويضاد كثيرا من الأشياء لاشتماله على أضدادها. فالتضاد
الحقيقي إنما هو بين الحرارة والبرودة والسواد والبياض، ولكل واحد من الطرفين
ضد واحد. وأما الحار والبارد فالتضاد بينهما بالعرض) (1) انتهى.

(1) راجع الأسفار ج 2 ص 114.
196

ومن أحكامه أن المتضادين متعاقبان على الموضوع لاعتبار غاية الخلاف
بينهما، سواء كانت بينهما واسطة أو وسائط هي بالقياس إلى كل من الجانبين من
الجانب الآخر، وأثره أن لا يخلو الموضوع منهما معا، سواء تعاورا عليه واحدا
بعد واحد أو كان أحد الضدين لازما لوجوده كالبياض للثلج والسواد للقار.
ومن أحكامه أن الموضوع الذي يتعاقبان عليه يجب أن يكون واحدا
بالخصوص لا واحدا بالعموم، إذ لا يمتنع وجود ضدين في موضوعين وإن كانا
متحدين بالنوع أو الجنس.
خاتمة
اختلفوا في التمانع الذي بين الواحد والكثير، حيث لا يجتمعان في شئ
واحد من جهة واحدة أهو من التقابل بالذات أم لا؟ وعلى الأول أهو أحد أقسام
التقابل الأربعة أم قسم خامس غير الأقسام الأربعة المذكورة؟ وعلى الأول أهو
من تقابل التضايف أم من تقابل التضاد؟ ولكل من الاحتمالات المذكورة قائل
على ما فصل في المطولات (1).

(1) راجع الفصل السادس من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء، والتحصيل ص 369،
والمباحث المشرقية ج 1 ص 96 - 98، وشرح المقاصد ح 1 ص 150 - 153، والمطارحات
ص 318، والأسفار ج 2 ص 122 - 126.
وأما الشيخ فذهب إلى أن لا تقابل بينهما في ذاتيهما. وتبعه بهمنيار في التحصيل
ص 369، والفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 98، والعلامة في إيضاح المقاصد
ص 68 - 69.
وقال الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 318 - 318 بعد إبطال ما ذهب إليه بهمنيار
في التحصيل: (فيجب عليهم أن يجعلوا له قسما آخر، إلا أن المشهور في الكتب تقابل
الايجاب والسلب والمتضايفين والمتضادين والعدم والملكة). وتبعه صدر المتألهين في
الأسفار ج 2 ص 126.
وقال التفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 152: (فظهر أنه لا دليل على نفي تقابل
الايجاب والسلب من الوحدة والكثرة).
197

والحق أنه ليس من التقابل المصطلح في شئ، لأن قوام التقابل المصطلح
بالغيرية الذاتية التي هي تطارد الشيئين المتقابلين وتدافعهما بذاتيهما، ومن
المستحيل أن يرجع الاختلاف والتمانع الذاتي إلى الاتحاد والتآلف، والواحد
والكثير ليسا كذلك، إذ الواحد والكثير قسمان ينقسم إليهما الموجود من حيث هو
موجود، وقد تقدم (1) أن الوحدة مساوقة لوجود، فكل موجود - من حيث هو
موجود - واحد، كما أن كل واحد - من حيث هو واحد - موجود. فالواحد والكثير
كل منهما مصداق الواحد - أي إن ما به الاختلاف بين الواحد والكثير راجع إلى ما
به الاتحاد - وهذا شأن التشكيك دون التقابل.
فالوحدة والكثرة من شؤون تشكيك الوجود، ينقسم الوجود بذلك إلى
الواحد والكثير مع مساوقة الواحد للموجود المطلق، كما ينقسم إلى الوجود
الخارجي والذهني مع مساوقة الخارجي لمطلق الوجود، وينقسم إلى ما بالفعل
وما بالقوة مع مساوقة ما بالفعل لمطلق الوجود.
على أن واحدا من أقسام التقابل الأربعة بما لها من الخواص لا يقبل الانطباق
على الواحد والكثير، فإن النقيضين والعدم والملكة أحد المتقابلين فيهما عدم
للآخر، والواحد والكثير وجوديان، والمتضايفان متكافئان وجودا وعدما وقوة
وفعلا، وليس الواحد والكثير على هذه الصفة، والمتضادان بينهما غاية الخلاف،
ولا كذلك الواحد والكثير، فإن كل كثير عددي قوبل به الواحد العددي، فإن هناك
ما هو أكثر منه وأبعد من الواحد لعدم تناهي العدد، فليس بين الواحد والكثير شئ
من التقابلات الأربعة، والقسمة حاصرة، فلا تقابل بينهما أصلا.

(1) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
198

المرحلة الثامنة
في العلة والمعلول
وفيها خمسة عشر فصلا
199

الفصل الأول
في إثبات العلية والمعلولية وأنهما في الوجود
قد تقدم (1) أن الماهية في حد ذاتها لا موجودة ولا معدومة، فهي متساوية
النسبة إلى الوجود والعدم، فهي في رجحان أحد الجانبين لها محتاجة إلى غيرها
الخارج من ذاتها، وأما ترجح أحد الجانبين لا لمرجح من ذاتها ولا من غيرها
فالعقل الصريح يحيله.
وعرفت سابقا (2) أن القول بحاجتها في عدمها إلى غيرها نوع من التجوز،
حقيقته أن ارتفاع الغير - الذي يحتاج إليه في وجودها - لا ينفك عن ارتفاع
وجودها، لمكان توقف وجودها على وجوده، ومن المعلوم أن هذا التوقف على
وجود الغير، لأن المعدوم لا شيئية له.
فهذا الوجود المتوقف عليه نسميه: (علة)، والشئ الذي يتوقف على العلة
(معلولا) له (3).

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة الخامسة.
(2) راجع الفصل الرابع من المرحلة الأولى.
(3) اعلم أن عبارات الحكماء والمتكلمين في تعريف العلة والمعلول مختلفة. قال الشيخ الرئيس في رسالة الحدود: (إن العلة هي كل ذات يلزم منه أن يكون وجود
ذات أخرى إنما هو بالفعل من وجود هذا بالفعل، ووجود هذا بالفعل من وجود ذلك بالفعل)،
راجع رسائل ابن سينا ص 117.
وقال في عيون الحكمة: (السبب هو كل ما يتعلق به وجود الشئ من غير أن يكون ذلك
الشئ داخلا في وجوده أو محققا به وجوده).
وناقش فيهما فخر الدين الرازي في شرح عيون الحكمة ج 3 ص 45.
وقال المحقق الطوسي: (كل شئ يصدر عنه أمر إما بالاستقلال أو بالانضمام فإنه علة
لذلك الأمر والأمر معلول له). راجع كشف المراد ص 114. وأورد عليه القوشجي في
شرحه للتجريد ص 112، ثم قال: (فالصواب أن يقال: العلة ما يحتاج إليه أمر في وجوده).
ولهم في كتبهم عبارات شتى غير ما ذكر في تعريف العلة والمعلول، فراجع شرح
المنظومة ص 117، والأسفار ج 2 ص 127، وحكمة الاشراق ص 62، وشرح المقاصد ج 1
ص 152، وشرح المواقف ص 168.
201

ثم إن مجعول العلة والأثر الذي تضعه في المعلول هو إما وجود المعلول أو
ماهيته أو صيرورة ماهيته موجودة (1)، لكن يستحيل أن يكون المجعول هو
الماهية لما تقدم أنها اعتبارية (2)، والذي يستفيده المعلول من علته أمر أصيل

(1) فالأقوال في مجعول العلة ثلاثة:
الأول: أن مجعولها ماهية المعلول.
الثاني: أن مجعولها وجود المعلول.
الثالث: أن مجعولها صيرورة ماهية المعلول موجودة.
أما الأول، فذهب إليه الإشراقيون. قال الشيخ والإشراقي: (ولما كان الوجود اعتبارا
فللشئ من علته الفياضة هويته) راجع شرح حكمة الاشراق ص 416. ونسب هذا القول
إلى المحقق الدواني أيضا، فراجع الأسفار ج 1 ص 407 - 408.
وأما الثاني والثالث، فذهب إليهما الحكماء المشاء. قال الحكيم السبزواري في شرح
المنظومة ص 58: (لكن محققوهم مشوا إلى جانب مجعولية الوجود، وغيرهم إلى مجعولية
الاتصاف وصيرورة الماهية موجودة). وقال صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 398:
(فجمهور المشائين ذهبوا - كما هو المشهور - إلى أن الأثر الأول للجاعل هو الوجود المعلول.
وفسره المتأخرون بالموجودية، أي اتصاف ماهية المعلول بالوجود بالمعنى الذي ذكرناه، لا
أن الأثر الأول هو ماهية الاتصاف أو ذات المعلول أو نفس الوجود، لاستغناء الماهيات
بحقائقها التصورية عندهم من الجاعل).
(2) في الفصل الثاني من المرحلة الأولى.
202

على أن العلية والمعلولية رابطة عينية خاصة بين المعلول وعلته، وإلا لكان كل
شئ علة لكل شئ وكل شئ معلولا لكل شئ، والماهية لا رابطة بينها في ذاتها
وبين غيرها. ويستحيل أن يكون المجعول هو الصيرورة، لأن الأثر العيني الأصيل
حينئذ هو الصيرورة التي هو أمر نسبي قائم بطرفين، والماهية ووجودها
اعتباريان على الفرض، ومن المحال أن يقوم أمر عيني أصيل بطرفين اعتباريين.
وإذا استحال كون المجعول هو الماهية أو الصيرورة تعين أن المجعول هو الوجود،
وهو المطلوب.
فقد تبين مما تقدم:
أولا: أن هناك علة ومعلولا.
وثانيا: أن كل ممكن فهو معلول.
وثالثا: أن العلية والمعلولية رابطة وجودية بين المعلول وعلته، وأن هذه
الرابطة دائرة بين وجود المعلول ووجود العلة، وإن كان التوقف والحاجة والفقر
ربما تنسب إلى الماهية، فمستقر الحاجة والفقر بالأصالة هو وجود المعلول،
وماهيته محتاجة بتبعه.
ورابعا: أنه إذ كانت الحاجة والفقر بالأصالة للوجود المعلول، - وهو محتاج
في ذاته، وإلا لكانت الحاجة عارضة وكان مستغنيا في ذاته ولا معلولية مع
الاستغناء -، فذات الوجود المعلول عين الحاجة، أي إنه غير مستقل في ذاته قائم
بعلته التي هي المفيضة له.
ويتحصل من ذلك أن وجود المعلول بقياسه إلى علته وجود رابط موجود في
غيره، وبالنظر إلى ماهيته التي يطرد عنها العدم وجود في نفسه جوهري أو عرضي
على ما تقتضيه حال ماهيته.
203

الفصل الثاني
في انقسامات العلة (1)
تنقسم العلة إلى تامة وناقصة.
فالعلة التامة هي التي تشتمل على جميع ما يتوقف عليه المعلول بحيث لا
يبقى للمعلول معها إلا أن يتحقق.
والعلة الناقصة هي التي تشتمل على بعض ما يتوقف عليه المعلول في تحققه
لا على جميعه.
وتفترقان بأن العلة التامة يلزم من وجودها وجود المعلول - كما سيأتي (2) -
ومن عدمها عدمه، والعلة الناقصة لا يلزم من وجودها وجود المعلول، لكن يلزم
من عدمها عدمه، لمكان توقف المعلول عليها وعلى غيرها. وليعلم أن عدم العلة
- سواء كانت علة تامة أو ناقصة - علة تامة لعدم المعلول.
وتنقسم أيضا إلى الواحدة والكثيرة، لأن المعلول من لوازم وجود العلة
واللازم قد يكون أعم.
وتنقسم أيضا إلى بسيطة ومركبة، والبسيطة ما لا جزء لها، والمركبة خلافها.
والبسيطة قد تكون بسيطة بحسب الخارج، كالعقل والأعراض، وقد تكون بسيطة
بحسب العقل، وهي ما لا تركب فيه خارجا من مادة وصورة ولا عقلا من جنس
وفصل، وأبسط البسائط ما لا تركب فيه من وجود وماهية، وهو الواجب (تعالى).
وتنقسم أيضا إلى قريبة وبعيدة، فالقريبة ما لا واسطة بينها وبين معلولها،

(1) مطلقا، سواء كانت فاعلية أو مادية أو صورية أو غائية.
قال المحقق الطوسي: (والعلة مطلقا قد تكون بسيطة وقد تكون مركبة، وأيضا بالقوة أو
بالفعل، وكلية أو جزئية، وذاتية أو عرضية، وعامة أو خاصة، وقريبة أو بعيدة، ومشتركة أو
خاصة) - انتهى. وقد تصدى شارحوا كلامه لذكر أمثلتها، فراجع كشف المراد ص 130 - 132،
وشرح التجريد للقوشجي ص 134 - 135، وشوارق الالهام ص 251 - 254.
(2) في الفصل الآتي.
204

والبعيدة ما كانت بينها وبين معلولها واسطة كعلة العلة.
وتنقسم أيضا إلى داخلية وخارجية، فالداخلية هي المادة بالنسبة إلى
المركب منها ومن الصورة - وهي التي بها الشئ بالقوة - والصورة بالنسبة إلى
المركب - وهي التي بها الشئ بالفعل -، وتسميان (علتي القوام)، والخارجية هي
الفاعل - وهو الذي يصدر عنه المعلول - والغاية - وهي التي يصدر لأجلها
المعلول -، وتسميان: (علتي الوجود)، وسيأتي بيانها (1).
وتنقسم أيضا إلى علل حقيقية وعلل معدة. وشأن المعدات تقريب المادة إلى
إفاضة الفاعل بإعدادها لقبولها، كانصرام القطعات الزمانية المقربة للمادة إلى
حدوث ما يحدث فيها من الحوادث.
الفصل الثالث
في وجوب وجود المعلول عند وجود علته التامة (2)
ووجوب وجود العلة عند وجود معلولها
وهذا وجوب بالقياس، غير الوجوب الغيري الذي تقدم في مسألة: (الشئ
ما لم يجب لم يوجد) (3).
أما وجوب وجود المعلول عند وجود علته التامة، فلأنه لو لم يجب وجوده
عند وجود علته التامة لجاز عدمه، ولو فرض عدمه مع وجود العلة التامة، فإما أن
تكون علة عدمه - وهي عدم العلة - متحققة وعلة وجوده موجودة، كان فيه
اجتماع النقيضين وهما علة الوجود وعدمها، وإن لم تكن علة عدمه متحققة كان
في ذلك تحقق عدمه من غير علة، وهو محال

(1) في الفصل الحادي عشر من هذه المرحلة.
(2) وقد يعبر عنه ب‍ (امتناع تخلف وجود المعلول عن وجود العلة التامة).
(3) راجع الفصل الخامس من المرحلة الرابعة.
205

وكذا لو لم يجب عدمه عند عدم علته لجاز وجوده، ولو فرض وجوده مع
تحقق علة عدمه - وهي عدم علة الوجود - فإن كانت علة الوجود موجودة اجتمع
النقيضان وهما علة الوجود وعدمها الذي هو علة العدم، وإن لم تكن علة الوجود
موجودة لزم وجود المعلول مع عدم وجود علته.
برهان آخر: لازم توقف وجود المعلول على وجود العلة امتناع وجود
المعلول مع عدم العلة: وبتعبير آخر: كون عدم العلة علة موجبة لعدم المعلول
وتوقف هذا المعلول الذي هو عدم المعلول على علته التي هي عدم العلة، لازمه
امتناعه بانعدامها، أي وجوب وجود المعلول عند وجود علته، فافهم ذلك.
فإن قلت: الذي تستدعيه حاجة الممكن إلى المرجح وتوقف وجوده على
وجود علة تامة، استلزام وجود العلة التامة في أي وعاء كانت وجود المعلول في
أي وعاء كان. وأما كون المعلول والعلة معين في الوجود من غير انفكاك في
الوعاء فلا. فلم لا يجوز أن توجد العلة مستلزمة لوجود المعلول ولا معلول بعد ثم
تنعدم العلة ثم يوجد المعلول بعد برهة ولا علة في الوجود، أو تكون العلة التامة
موجودة ولا وجود للمعلول بعد ثم يسنح لها أن توجد المعلول فتوجده؟، وهذا
فيما كانت العلة التامة فاعلة بالاختيار بمكان من الوضوح.
قلت: لا معنى لتخلل العدم بين وجود العلة التامة ووجود معلولها بأي نحو
فرض، فقد تقدم (1) أن توقف وجود المعلول على وجود العلة إنما يتم برابطة
وجودية عينية يكون وجود المعلول معها وجودا رابطا قائم الذات بوجود العلة
التامة المستقل. ففرض وجود المعلول في وعاء وعلته التامة معدومة فيه فرض
تحقق الوجود الرابط ولا مستقل معه يقومه، وذلك خلف ظاهر. وفرض وجود
العلة التامة ولا وجود لمعلولها بعد فرض وجود مستقل مقوم بالفعل ولا رابط له
يقومه بعد، وذلك خلف ظاهر.

(1) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
206

وأما حديث الاختيار، فقد زعم قوم (1) أن الفاعل المختار كالإنسان - مثلا -
بالنسبة إلى أفعاله الاختيارية علة تستوي نسبتها إلى الفعل والترك، فله أن يرجح
ما شاء منهما من غير إيجاب، لتساوي النسبة.
وهو خطأ، فليس الإنسان الفاعل باختياره علة تامة للفعل، بل هو علة ناقصة،
وله علل ناقصة أخرى، كالمادة وحضورها واتحاد زمان حضورها مع زمان الفعل
واستقامة الجوارح الفعالة ومطاوعتها والداعي إلى الفعل والإرادة وأمور أخرى
كثيرة إذا اجتمعت صارت علة تامة يجب معها الفعل. وأما الإنسان نفسه فجزء من
أجزاء العلة التامة، نسبة الفعل إليه بالإمكان دون الوجوب، والكلام في إيجاب
العلة التامة لا مطلق العلة.
على أن تجويز استواء نسبة الفاعل المختار إلى الفعل وعدمه إنكار لرابطة
العلية، ولازمه تجويز علية كل شئ لكل شئ ومعلولية كل شئ لكل شئ.
فإن قلت: هب أن الإنسان الفاعل المختار ليس بعلة تامة، لكن الواجب (عز
اسمه) فاعل مختار، وهو علة تامة لما سواه، وكون العالم واجبا بالنسبة إليه ينافي
حدوثه الزماني. ولذلك اختار قوم (2) أن فعل المختار لا يحتاج إلى مرجح،
واختار بعضهم (3) أن الإرادة مرجحة بذاتها لا حاجة معها إلى مرجح آخر،
واختار جمع (4) أن الواجب (تعالى) عالم بجميع المعلومات، فما علم منه أنه

(1) وهو المتكلمون، فراجع شرح الإشارات ج 3 ص 131.
(2) وهو الأشاعرة من المتكلمين، كما قال الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 85:
(والأشعري النافي للمرجح). وراجع شرح الإشارات ج 3 ص 131.
(3) أي بعض الأشاعرة وهم جمهور المتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري. راجع شرح
المقاصد ج 1 ص 236، وشرح المواقف ص 290، وشرح العقائد النسفية ج 2 ص 100،
والملل والنحل ج 1 ص 94. ونسب إليهم أيضا في حوار بين الفلاسفة والمتكلمين ص
117 - 118، والأسفار ج 6 ص 320 - 321. وذهب إليه أيضا المتأخرون من المعتزلة على
ما نقل في تعليقة السبزواري على الأسفار ص 325.
(4) هذا القول هو الظاهر مما نسب إلى جمهور أهل السنة والجماعة من أن إرادته (تعالى) نافذة في جميع مراداته على حسب علمه بها، فما علم كونه أراد كونه في الوقت الذي علم
أنه يكون فيه، وما علم أنه لا يكون أراد أن لا يكون. راجع الفرق بين الفرق ص 259.
وقريب منه ما ينسب إلى الحسين بن محمد النجار الذي كان يقول: (إن الله لم يزل مريدا أن
يكون في وقته ما علم أنه يكون وقته، مريدا أن لا يكون ما علم أنه لا يكون). راجع
مقالات الإسلاميين ج 1 ص 315. وتعرض لهذا القول الفخر الرازي في المباحث المشرقية
ج 1 ص 479 من دون إشارة إلى قائله.
207

ممكن سيقع يفعله، وما علم منه أنه محال لا يقع لا يفعله، واختار آخرون (1) أن
أفعاله (تعالى) تابعة للمصالح وإن كنا غير عالمين بها، فما كان منها ذا مصلحة في
وقت تفوت لو لم يفعله في ذلك الوقت فعله في ذلك الوقت دون غيره (2).
قلت: معنى كونه (تعالى) فاعلا مختارا أنه ليس وراءه (تعالى) شئ يجبره
على فعل أو ترك فيوجبه عليه، فإن الشئ المفروض إما معلول له وإما غير
معلول، والثاني محال، لأنه واجب آخر أو فعل لواجب آخر وأدلة التوحيد
تبطله، والأول أيضا محال، لاستلزامه تأثير المعلول بوجوده القائم بالعلة المتأخر
عنها في وجود علته التي يستفيض عنها الوجود. فكون الواجب (تعالى) مختارا
في فعله لا ينافي إيجابه الفعل الصادر عن نفسه ولا إيجابه الفعل ينافي كونه
مختارا فيه.
وأما حدوث العالم - بمعنى ما سوى الواجب - حدوثا زمانيا، فمعنى حدوث
العالم حدوثا زمانيا كونه مسبوقا بقطعة من الزمان خالية من العالم ليس معه إلا
الواجب (تعالى) ولا خبر عن العالم بعد، والحال أن طبيعة الزمان طبيعة كمية

(1) وهم جمهور قدماء المعتزلة، كما قال الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 85:
(وقيل - القائل هو المعتزلي - إن المرجح علم ربنا (تعالى وتقدس) بالأصلح). ونسب
إليهم أيضا في شرح الإشارات ج 3 ص 131، والأسفار ج 6 ص 325، وشرح المواقف
ص 290، وشرح المقاصد ج 1 ص 236، وكشف الفوائد ص 47.
(2) وفي المقام قول آخر منسوب إلى أبي القاسم البلخي المعروف بالكعبي، وهو القول بأن
مخصص الحدوث ذات الوقت على سبيل الوجوب. راجع شرح الإشارات ج 3 ص 131،
وشرح المنظومة ص 85، والأسفار ج 6 ص 325.
208

ممكنة موجودة معلولة للواجب (تعالى) ومن فعله، فهو من العالم. ولا معنى لكون
العالم - وفيه الزمان - حادثا زمانيا مسبوقا بعدم زماني ولا قبل زمانيا خارجا من
الزمان.
وقد استشعر بعضهم (1) بالإشكال، فدفعه بدعوى أن الزمان أمر اعتباري
وهمي غير موجود.
وهو مردود بأن دعوى كونه اعتباريا وهميا اعتراف بعدم الحدوث الزماني
حقيقة.
ودفع الإشكال بعضهم (2) بأن الزمان حقيقة منتزعة من ذات الواجب (تعالى)
من حيث بقائه.
ورد (3) بأن لازمه التغير في ذات الواجب (تعالى وتقدس)، فإن المنتزع عين
المنتزع منه، وكون الزمان متغيرا بالذات ضروري.
وأجيب عنه (4) بأن من الجائز أن يخالف المنتزع المنتزع منه بعدم المطابقة.
وهو مردود بأن تجويز المغايرة بين المنتزع والمنتزع منه من السفسطة

(1) أي بعض المتكلمين. وهو القائلون بالزمان المتوهم الذي لا فرد يحاذيه ولا منشأ لانتزاعه.
وتعرض لهذا القول الحكيم السبزواري في شرح المنظومة وتعليقته عليه ص 82، وتعليقته
على الأسفار ج 3 ص 142.
(2) أي بعض آخر من المتكلمين. وهو القائلون بالزمان الموهوم الذي لا فرد يحاذيه وإن كان
منشأ لانتزاعه ويكون منشأ انتزاعه هو بقاء الواجب بالذات. وهذا القول تعرض له الحكيم
السبزواري في تعليقته على شرح المنظومة ص 82، وتعليقته على الأسفار ج 3 ص 142.
ونسبه إلى الأشاعرة في حاشية شرح المنظومة ص 148. وتعرض له أيضا آقا علي المدرس
فيما علق على قول اللاهيجي في شوارق الالهام: (فالحدوث الزماني)، راجع شوارق
الالهام ص 104، ط مكتبة الفارابي في طهران، سنة 1401 من الهجرة.
(3) هكذا رده الحكيم السبزواري في تعليقته على شرح المنظومة ص 82، وتعليقته على
الأسفار ج 3 ص 142. وتبعه الآملي في درر الفوائد ص 261.
(4) والمجيب هو المتكلمون القائلون بالزمان الموهوم. راجع تعليقة المصنف رحمه الله على الأسفار
ج 7 ص 298.
209

ويبطل معه العلم من رأس، على أن فيه اعترافا ببطلان أصل الدعوى.
وأما قول القائل (1) بجواز أن يختار الفاعل المختار أحد الأمرين المتساويين
دون الآخر لا لمرجح يرجحه، وقد مثلوا له (2) بالهارب من السبع إذا عن له
طريقان متساويان فإنه يختار أحدهما لا لمرجح.
ففيه: أنه دعوى من غير دليل، وقد تقدمت الحجة (3) أن الممكن المتساوي
الجانبين يحتاج في ترجح أحد الجانبين إلى مرجح (4).
فإن قيل (5): إن المرجح هو الفاعل مثلا بإرادته كما مر في مثال الهارب من
السبع.
أجيب: بأن مرجعه إلى القول الآتي، وسيأتي بطلانه (6). وأما مثال الهارب من
السبع فممنوع، بل الهارب المذكور على فرض التساوي من جميع الجهات يقف في
موضعه ولا يتحرك أصلا.
على أن جواز ترجح الممكن من غير مرجح ينسد به طريق إثبات الصانع
(تعالى) (7).
وأما قول القائل (8): (إن الإرادة مرجحة بذاتها يتعين بها أحد الأفعال

(1) والقائل بعض الأشاعرة كما مر.
(2) راجع شرح المواقف ص 290، ومثلوا له أيضا بقدحي العطشان، ورغيفي الجائع.
(3) راجع الفصلين الخامس والسادس من المرحلة الرابعة من المتن.
(4) هكذا أجابت عنه الفلاسفة. راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 480، والأسفار ج 2
ص 136، وتعليقة المصنف رحمه الله على الأسفار ج 7 ص 298.
(5) والقائل صاحب المواقف، حيث قال: (لا أقول لا يكون للفعل مرجح على عدمه، فإن
الهارب بإرادته مرجح إياه على عدمه، بل أقول لا يكون إليه - أي إلى الفعل - داع باعث
للفاعل عليه من اعتقاد النفع أو ميل تابع له).
(6) في السطور الآتية.
(7) هذا أول الوجهين اللذين ذكرهما الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 480،
وصدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 134.
(8) والقائل جمهور المتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري، كما مر.
210

المتساوية من غير حاجة إلى مرجح آخر). ففيه (1): أن الإرادة لو رجحت الفعل
فإنما ترجحه بتعلقها به، لكن أصل تعلقها بأحد الأمور المتساوية الجهات محال.
ودعوى أن من خاصة الإرادة ترجيح أحد الأفعال المتساوية، لا محصل لها،
لأنها صفة نفسانية علمية لا تتحقق إلا مضافة إلى متعلقها الذي رجحه العلم
السابق لها. فما لم يرجح العلم السابق متعلق الإرادة لم تتحقق الإرادة حتى
يترجح بها فعل.
وأما قول من قال (2): (إنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فما علم منها أنه
سيقع يفعله، وما علم منها أنه لا يقع لا يفعله). وبعبارة أخرى: (ما علم أنه
ممكن فعله، دون المحال). ففيه: أن الإمكان لازم الماهية، والماهية متوقفة في
انتزاعها على تحقق الوجود، ووجود الشئ متوقف على ترجيح المرجح، فالعلم
بالإمكان متأخر عن المرجح بمراتب فلا يكون مرجحا.
وأما قول من قال (3): (إن أفعاله (تعالى) غير خالية عن المصالح وإن كنا لا
نعلم بها فما كان منها ذا مصلحة في وقت يفوت لو لم يفعله في ذلك الوقت أخره
إلى ذلك الوقت). ففيه: - مضافا إلى ورود ما أورد على القول السابق عليه - أن
المصلحة المفروضة المرتبطة بالوقت الخاص لأي فعل من أفعاله كيفما فرضت
ذات ماهية ممكنة لا واجبة ولا ممتنعة، فهي نظيرة الأفعال ذوات المصلحة من
فعله (تعالى). فمجموع ما سواه (تعالى) من المصالح وذوات المصالح فعل له
(تعالى) لا يتعدى طور الإمكان، ولا يستغني عن علة مرجحة هي علة تامة،
وليس هناك وراء الممكن إلا الواجب (تعالى)، فهو العلة التامة الموجبة لمجموع
فعله لا مرجح له سواه. نعم لما كان العالم مركبا ذا أجزاء لبعضها نسب وجودية إلى بعض، جاز أن

(1) هكذا دفعه صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 134 - 135 و ص 260 - 261.
(2) لعل القائل به جمهور أهل السنة والجماعة والنجار، كما مر.
(3) والقائل جمهور قدماء المعتزلة، كما مر.
211

يقف وجود بعض أجزائه في موقف الترجيح لوجود بعض، لكن الجميع ينتهي إلى
السبب الواحد الذي لا سبب سواه ولا مرجح غيره وهو الواجب (عز اسمه).
فقد تحصل من جميع ما تقدم أن المعلول يجب وجوده عند وجود العلة التامة.
وبعض من لم يجد بدا من إيجاب العلة التامة لمعلولها قال (1) ب‍: (أن علة
العالم هي إرادة الواجب دون ذاته (تعالى). وهو أسخف ما قيل في هذا المقام،
فإن المراد بإرادته إن كانت هي الإرادة الذاتية كانت عين الذات وكان القول بعلية
الإرادة عين القول بعلية الذات، وهو يفرق بينهما بقبول أحدهما ورد الآخر. وإن
كانت هي الإرادة الفعلية - وهي من صفات الفعل الخارجة من الذات - كانت أحد
الممكنات وراء العالم ونستنتج منها وجود أحد الممكنات، هذا.
وأما مسألة وجوب وجود العلة عند وجود المعلول، فلأنه لو لم تكن العلة
واجبة الوجود عند وجود المعلول، لكانت ممكنة، إذ تقدير امتناعها يرتفع بأدنى
توجه، وإذ كانت ممكنة كانت جائزة العدم، والمعلول موجود قائم الوجود بها
ولازمه وجود المعلول بلا علة.
فإن قلت: المعلول محتاج إلى العلة حدوثا لا بقاء، فمن الجائز أن تنعدم العلة
بعد حدوث المعلول ويبقى المعلول على حاله.
قلت: هو مبني على ما ذهب إليه قوم (2) - من أن حاجة المعلول إلى العلة في
الحدوث دون البقاء، فإذا حدث المعلول بإيجاد العلة انقطعت الحاجة إليها، ومثلوا
له بالبناء والبناء، فإن البناء علة للبناء، فإذا بنى وقام البناء على ساق ارتفعت
حاجته إلى البناء ولم يضره عدمه -. وهو مردود بأن الحاجة إلى العلة خاصة
لازمة للماهية، لإمكانها في تلبسها بالوجود أو العدم، والماهية بإمكانها محفوظة
في حالة البقاء، كما أنها محفوظة في حالة الحدوث، فيجب وجود العلة في حالة

(1) لم أجد قائله.
(2) وهم جمهور المتكلمين، راجع شرحي الإشارات ج 1 ص 215، وشرح الإشارات للمحقق
الطوسي ج 3 ص 68 - 69.
212

البقاء كما يجب وجودها في حالة الحدوث.
على أنه قد تقدم (1) أن وجود المعلول بالنسبة إلى العلة وجود رابط قائم بها
غير مستقل عنها، فلو استغنى عن العلة بقاء كان مستقلا عنها غير قائم بها، وهذا خلف.
برهان آخر: قال في الأسفار: (وهذا - يعني كون علة الحاجة إلى العلة هي
الحدوث - أيضا باطل، لأنا إذا حللنا الحدوث بالعدم السابق والوجود اللاحق
وكون ذلك الوجود بعد العدم وتفحصنا عن علة الافتقار إلى الفاعل أهي أحد
الأمور الثلاثة أم أمر رابع مغاير لها؟ لم يبق من الأقسام شئ إلا القسم الرابع. أما
العدم السابق فلأنه نفي محض لا يصلح للعلية. وأما الوجود فلأنه مفتقر إلى
الايجاد المسبوق بالاحتياج إلى الوجود المتوقف على علة الحاجة إليه. فلو
جعلنا العلة هي الوجود لزم توقف الشئ على نفسه بمراتب. وأما الحدوث
فلافتقاره إلى الوجود لأنه كيفية وصفة له، وقد علمت افتقار الوجود إلى علة
الافتقار بمراتب. فلو كان الحدوث علة الحاجة يتقدم على نفسه بمراتب، فعلة
الافتقار زائدة على ما ذكرت) (2).
وقد اندفعت بما تقدم مزعمة أخرى لبعضهم (3)، وهي قولهم: (إن من شرط
صحة الفعل سبق العدم) (4). والمراد بالسبق السبق الزماني، ومحصله أن المعلول
بما أنه فعل لعلته يجب أن يكون حادثا زمانيا. وعللوه بأن دوام وجود الشئ لا
يجامع حاجته، ولازم هذا القول أيضا عدم وجود المعلول عند وجود العلة.
وجه الاندفاع (5): أن علة الحاجة إلى العلة هي الإمكان وهو لازم الماهية،
والماهية مع المعلول كيفما فرض وجودها، من غير فرق بين الوجود الدائم وغيره.

(1) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
(2) راجع الأسفار ج 2 ص 203 - 204.
(3) أي بعض المتكلمين على ما نقل في رسالة الحدوث لصدر المتألهين ص 15. وفي الأسفار
عبر عنهم بطائفة من الجدليين، فراجع الأسفار ج 2 ص 384.
(4) وقال الفخر الرازي: (لا يشترط في الفعل تقدم العدم عليه) ثم ذكر عشرة براهين عليه،
وبعد ذلك أجاب عن شبهات المخالفين. فراجع المباحث المشرقية ج 1 ص 485 - 494.
(5) كما في الأسفار ج 3 ص 18 - 19.
213

على أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى العلة قائم بها غير مستقل عنها، ومن
الممتنع أن ينقلب مستغنيا عن المستقل الذي يقوم به، سواء كان دائما أو منقطعا.
على أن لازم هذا القول خروج الزمان من أفق الممكنات، وقد تقدمت جهات فساده (1).
الفصل الرابع
في أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد (2)
والمراد بالواحد الأمر البسيط الذي ليس في ذاته جهة تركيبية مكثرة. فالعلة
الواحدة هي العلة البسيطة التي هي بذاتها البسيطة علة، والمعلول الواحد هو
المعلول البسيط الذي هو بذاته البسيطة معلول. فالمراد بالواحد ما يقابل الكثير
الذي له أجزاء أو آحاد متباينة لا ترجع إلى جهة واحدة.
بيانه (3): أن المبدأ الذي يصدر عنه وجود المعلول هو وجود العلة الذي هو

(1) راجع الفصل السادس من المرحلة الرابعة.
(2) هذا مذهب الحكماء والمعتزلة من المتكلمين على ما نقل في نقد المحصل ص 237،
وشوارق الالهام ص 206.
وأما الأشاعرة فذهبوا إلى خلاف ذلك. قال العلامة الإيجي في المواقف: (يجوز عندنا
- يعني الأشاعرة - استناد آثار متعددة إلى مؤثر واحد بسيط، وكيف لا ونحن نقول بأن جميع
الممكنات مستندة إلى الله تعالى). راجع كلام الماتن في شرح المواقف ص 172. وتبعهم
الفخر الرازي، فإنه نقل أربعة براهين على رأي الحكماء ثم ناقش في الجميع، فراجع
المباحث المشرقية ج 1 ص 460 - 468.
وقال صدر المتألهين في شرح الهداية الأثيرية ص 254 - بعد التعرض لشبهات
الرازي -: (والاشتغال بجواب أمثال هذه الشبهات تضييع للأوقات من دون فائدة، فإن
قائلها إما أن لا يقدر على إدراك...). وإن شئت تفصيل ما قالوا أساطين الحكمة في الرد على
شبهات الرازي فراجع الأسفار ج 2 ص 204 - 212 و ج 7 ص 192 - 244، والقبسات
ص 351 - 367، وشوارق الالهام ص 207 - 208، وشرح الإشارات ج 3 ص 122 - 127.
(3) هذا بيان جامع لأكثر البراهين. وادعى بعض المحققين بداهة المسألة كما قال المحقق
اللاهيجي في شوارق الالهام ص 210: (فالحق ما ذكره الشارح القديم من أن الحكم بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد بديهي لا يتوقف إلا على تصور طرفيه). وقال المحقق
الطوسي في شرح الإشارات ج 3 ص 122: (وكأن هذا الحكم قريبا من الوضوح).
214

نفس ذات العلة، فالعلة هي نفس الوجود الذي يصدر عنه وجود المعلول وإن قطع
النظر عن كل شئ. ومن الواجب أن يكون بين المعلول وعلته سنخية ذاتية هي
المخصصة لصدوره عنها، وإلا كان كل شئ علة لكل شئ وكل شئ معلولا لكل
شئ. فلو صدر عن العلة الواحدة التي ليس لها في ذاتها إلا جهة واحدة معاليل
كثيرة بما هي كثيرة متباينة لا ترجع إلى جهة واحدة، تقررت في ذات العلة جهات
كثيرة متباينة متدافعة، وقد فرضت بسيطة ذات جهة واحدة، وهذا خلف. فالواحد
لا يصدر عنه إلا الواحد، وهو المطلوب.
وقد اعترض عليه بالمعارضة (1): أن لازمه عدم قدرة الواجب (تعالى) على
إيجاد أكثر من واحد، وفيه تقييد قدرته، وقد برهن على إطلاق قدرته وأنها عين
ذاته المتعالية.
ويرده: أنه مستحيل بالبرهان، والقدرة لا تتعلق بالمحال، لأنه بطلان محض
لا شيئية له. فالقدرة المطلقة على إطلاقها، وكل موجود معلول له (تعالى) بلا
واسطة أو معلول معلوله، ومعلول المعلول معلول حقيقة.
ويتفرع عليه:
أولا: أن الكثير لا يصدر عنه الواحد. فلو صدر واحد عن الكثير، فإما أن
يكون الواحد واحدا نوعيا ذا أفراد كثيرة يستند كل فرد منها إلى علة خاصة،
كالحرارة الصادرة عن النار والنور والحركة وغيرها، أو تكون وحدته عددية
ضعيفة كالوحدة النوعية، فيستند وجوده إلى كثير كالهيولي الواحدة بالعدد المستند
وجودها إلى مفارق يقيم وجودها بالصور المتواردة عليها واحدة بعد واحدة على

(1) والمعترض هو الأشاعرة كالعلامة الإيجي والسيد الشريف في شرح المواقف ص 172 و
ص 485. واعترض عليه الغزالي أيضا، حيث قال: (إنهم قالوا: لا يصدر من الواحد إلا شئ
واحد، والمبدأ الواحد من كل وجه. والعالم مركب من مختلفات، فلا يتصور أن يكون فعلا لله
تعالى بموجب أصلهم)، راجع كلام الماتن في تهافت التهافت ص 292.
215

ما قالته الحكماء، وقد تقدم الكلام فيه (1). وإما أن تكون للكثير جهة وحدة يستند إليها المعلول، وإما أن يكون الكثير مركبا ذا أجزاء يفعل الواحد بواحد منها
فينسب إلى نفس المركب.
وثانيا: أن المعلول الواحد لا يفعل فيه علل كثيرة، سواء كان على سبيل
الاجتماع في عرض واحد، لأنه يؤدي إلى التناقض في ذات الواحد المؤدى إلى
الكثرة، أو كان على سبيل التوارد بقيام علة عليه بعد علة (2)، للزوم ما تقدم من
المحذور (3).
وثالثا: أنه لو صدر عن الواحد كثير وجب أن تكون فيه جهة كثرة وتركيب
يستند إليها الكثير غير جهة الوحدة المفروضة، كالإنسان الواحد الذي يفعل أفعالا
كثيرة من مقولات كثيرة متباينة بتمام الذات.
الفصل الخامس
في استحالة الدور والتسلسل في العلل
أما الدور فهو توقف وجود الشئ على ما يتوقف وجوده عليه، إما بلا
واسطة، كتوقف (أ) على (ب) وتوقف (ب) على (أ)، ويسمى: (دورا مصرحا)،
وإما مع الواسطة، كتوقف (أ) على (ب) و (ب) على (ج) و (ج) على (أ)، ويسمى:
(دورا مضمرا).
واستحالته قريبة من البداهة، فإنه يستلزم تقدم الشئ على نفسه بالوجود،
وهو ضروري الاستحالة (4).

(1) في الفصل السابع من المرحلة السادسة.
(2) قال المحقق اللاهيجي في شوارق الالهام ص 213: (وأما إذا لم يفرض اجتماعهما بل
فرض تبادلهما ابتداء أو تعاقبهما فالمشهور هو الجواز).
(3) حيث قال: (بيانه...).
(4) فإن تقدم الشئ على نفسه مستلزم لتخلل العدم بين الشئ ونفسه، وهو ضروري الاستحالة.
216

وأما التسلسل فهو ترتب شئ موجود على شئ آخر موجود معه بالفعل،
وترتب الثاني على ثالث كذلك، والثالث على رابع، وهكذا إلى غير النهاية. سواء
كان ذهاب السلسلة كذلك من الجانبين بأن يكون قبل كل قبل قبل وبعد كل بعد
بعد أو من جانب واحد. لكن الشرط على أي حال أن يكون لأجزاء السلسلة
وجود بالفعل وأن تكون مجتمعة في الوجود وأن يكون بينها ترتب. والتسلسل في
العلل ترتب معلول على علة وترتب علته على علة وعلة علته على علة، وهكذا
إلى غير النهاية.
والتسلسل في العلل محال (1).
والبرهان عليه: أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علته لا يقوم إلا بعلته،
والعلة هو المستقل الذي يقومه كما تقدم (2). وإذا كانت علته معلولة لثالث وهكذا،
كانت غير مستقلة بالنسبة إلى ما فوقها، فلو ذهبت السلسلة إلى غير النهاية ولم
تنته إلى علة غير معلولة تكون مستقلة غير رابطة، لم يتحقق شئ من أجزاء
السلسلة، لاستحالة وجود الرابط إلا مع مستقل.
برهان آخر: وهو المعروف ببرهان الوسط والطرف، أقامه الشيخ في الشفاء،
حيث قال: (إذا فرضنا معلولا وفرضنا له علة ولعلته علة، فليس يمكن أن يكون
لكل علة علة بغير نهاية، لأن المعلول وعلته وعلة علته إذا اعتبرت جملتها في
القياس الذي لبعضها إلى بعض كانت علة العلة علة أولى مطلقة للآخرين، وكان
للآخرين نسبة المعلولية إليها، وإن اختلفا في أن أحدهما معلول بالواسطة والآخر
معلول بلا واسطة، ولم يكونا كذلك لا الأخير ولا المتوسط، لأن المتوسط الذي هو
العلة المماسة للمعلول علة لشئ واحد فقط والمعلول ليس علة لشئ.
ولكل واحد من الثلاثة خاصية، فكانت خاصية الطرف المعلول أنه ليس علة

(1) بخلاف التسلسل في جانب المعلول، وهو بأن الشئ علة لآخر وهو لآخر وهكذا، ولا
ينتهي إلى معلول غير علة، فإنه ليس بمستحيل.
(2) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
217

لشئ، وخاصية الطرف الآخر أنه علة للكل غيره، وخاصية الوسط أنه علة
لطرف ومعلول لطرف سواء كان الوسط واحدا أو فوق واحد. وإن كان فوق واحد
فسواء ترتب ترتيبا متناهيا أو غير متناه، فإنه إن ترتب في كثرة متناهية كانت
جملة عدد ما بين الطرفين كواسطة واحدة تشترك في خاصية الواحدة بالقياس
إلى الطرفين فيكون لكل من الطرفين خاصية، وكذلك إن ترتب في كثرة غير
متناهية فلم يحصل الطرف كان جميع غير المتناهي في خاصية الواسطة، لأنك
أي جملة أخذت كانت علة لوجود المعلول الأخير وكانت معلولة، إذ كل واحد
منها معلول، والجملة متعلقة الوجود بها، ومتعلقة الوجود بالمعلول معلول، إلا أن
تلك الجملة شرط في وجود المعلول الأخير وعلة له، وكلما زدت في الحصر
والأخذ كان الحكم إلى غير النهاية باقيا.
فليس يجوز أن تكون جملة علل موجودة وليس فيها علة غير معلولة وعلة
أولى، فإن جميع غير المتناهي كواسطة بلا طرف، وهذا محال) (1).
برهان آخر: - وهو المعروف بالأسد الأخصر - للفارابي (2)، أنه إذ كان ما من
واحد من آحاد السلسلة الذاهبة بالترتيب بالفعل لا إلى نهاية إلا وهو كالواحد في
أنه ليس يوجد إلا ويوجد آخر وراءه من قبل، كانت الآحاد اللامتناهية بأسرها
يصدق عليها أنها لا تدخل في الوجود ما لم يكن شئ من ورائها موجودا من
قبل. فإذن بداهة العقل قاضية بأنه من أين يوجد في تلك السلسة شئ حتى
يوجد شئ ما بعده؟ (3).
وهناك حجج أخرى أقيمت على استحالة التسلسل (4) لا يخلو أكثرها من مناقشة.

(1) راجع الفصل الأول من المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء.
(2) نسب إليه في الأسفار ج 2 ص 166، وشرح المنظومة ص 136.
(3) راجع الأسفار ج 2 ص 166.
(4) وإن شئت تفصيل ما أقاموا على استحالة التسلسل فراجع الأسفار ج 2 ص 141 - 169، وشوارق الالهام ص 215 - 226، والمباحث المشرقية ج 1 ص 470 - 477، وشرح المنظومة
ص 134 - 136، وغيرها من المطولات. وصنف محمد عبد الحي اللكهنوي الأنصاري كتابا
موسوما ب‍ (الكلام المتين في تحرير البراهين)، وهو مشتمل على اثنين وخمسين برهانا
على إبطال التسلسل وهاهنا نكتفي بذكر بعضها إجمالا: 1 - برهان العروة الوثقى. 2 - برهان
المنصف والتضعيف. 3 - برهان العرشي. 4 - برهان الزوج والفرد. 5 - برهان الزيادة.
6 - برهان النسبة. 7 - برهان اختلاف النصفين. 8 - برهان التحرك. 9 - برهان خلو الحيز.
10 - برهان الطفرة. 11 - برهان المقاطعة. 12 - برهان الوصل. 13 - برهان السلمي.
14 - برهان عروض العدد. 15 - برهان حصر ما لا ينحصر. 16 - برهان الوسط والطرف.
17 - برهان تلاقي المتوازيين. 18 - برهان كثرة الأنصاف. 19 - برهان تحرك الكرتين.
وغيرها من البراهين المذكورة فيه. فراجع الكتاب المذكور.
218

تنبيه:
قال بعضهم (1): (إن معيار الحكم بالاستحالة في كل من البراهين التي أقيمت
على استحالة التسلسل هو استجماع شرطي الترتب والاجتماع في الوجود بالفعل
في جهة اللانهاية، ومقتضاها استحالة التسلسل في العلل في جهة التصاعد بأن
تترتب العلل إلى ما لا نهاية له، لا في جهة التنازل بأن يترتب معلول على علته، ثم
معلول المعلول على المعلول، وهكذا إلى غير النهاية.
والفرق بين الأمرين أن العلل مجتمعة في مرتبة وجود المعلول ومحيطة به.
وتقدمها عليه إنما هو بضرب من التحليل، بخلاف المعلولات، فإنها ليست في
مرتبة عللها، فذهاب السلسلة متصاعدة يستلزم اجتماع العلل المترتبة بوجوداتها
بالفعل في مرتبة المعلول الذي تبتدئ منه السلسلة مثلا، بخلاف ذهاب السلسلة
متنازلة، فإن المعلولات المترتبة المتنازلة لا تجتمع على العلة الأولى التي تبدأ
منها السلسلة مثلا) (2) - انتهى كلامه ملخصا.
وأنت خبير بأن البرهانين المتقدمين المنقولين عن الشيخ والفارابي جاريان
في صورتي التصاعد والتنازل جميعا فيما كانت السلسلة مؤلفة من علل تامة. وأما
العلل الناقصة فيجري البرهانان فيها إذا كانت السلسلة متصاعدة، لوجوب وجود

(1) وهو السيد الداماد.
(2) راجع القبسات ص 228.
219

العلة الناقصة عند وجود المعلول ومعه، بخلاف ما إذا كانت السلسلة متنازلة، لعدم
وجوب وجود المعلول عند وجود العلة الناقصة.
فما ذكره (1) - من أن معيار الاستحالة هو اجتماع اللامتناهي في جزء من
أجزاء السلسلة وهو متأت في صورة التصاعد دون التنازل - ممنوع.
تنبيه آخر:
تقدم (2) أن التسلسل إنما يستحيل فيما إذا كانت أجزاء السلسلة موجودة
بالفعل وأن تكون مجتمعة في الوجود وأن يترتب بعضها على بعض. فلو كان بعض
الأجزاء موجودة بالقوة كبعض مراتب العدد فليس بمستحيل، لأن الموجود منه
متناه دائما، وكذا لو كانت موجودة بالفعل لكنها غير مجتمعة في الوجود
كالحوادث الزمانية بعضها معدومة عند وجود بعض، لتناهي ما هو الموجود منها
دائما، وكذا لو كانت موجودة بالفعل مجتمعة في الوجود، لكن لا ترتب بينها، وهو
توقف البعض على البعض وجودا كعدد غير متناه من موجودات لا علية ولا
معلولية بينها.
والوجه في ذلك أنه ليس هناك مع فقد شئ من الشرائط الثلاث سلسلة
واحدة موجودة غير متناهية حتى يجري فيها براهين الاستحالة.
تنبيه آخر:
مقتضى ما تقدم من البرهان استحالة التسلسل في أقسام العلل كلها من العلل
الفاعلية والغائية والمادية والصورية، كما أن مقتضاها استحالته في العلل التامة،
لأن الملاك في الاستحالة ذهاب التوقف الوجودي إلى غير النهاية، وهو موجود
في جميع أقسام العلل.
ويتبين بذلك أيضا استحالة التسلسل في أجزاء الماهية، كأن يكون مثلا
للجنس جنس إلى غير النهاية أو للفصل فصل إلى غير النهاية، لأن الجنس والفصل

(1) أي السيد الداماد.
(2) في ابتداء هذا الفصل.
220

هما المادة والصورة مأخوذتين لا بشرط، على أن الماهية الواحدة لو تركبت من
أجزاء غير متناهية، استحال تعقلها، وهو باطل.
الفصل السادس
في العلة الفاعلية
قد تقدم (1) أن الماهية الممكنة في تلبسها بالوجود تحتاج إلى مرجح
لوجودها، ولا يرتاب العقل أن لمرجح الوجود شأنا بالنسبة إلى الوجود غير ما
للماهية من الشأن بالنسبة إليه. فللمرجح أو بعض أجزائه بالنسبة إليه شأن شبيه
بالإعطاء، نسميه: (فعلا) أو ما يفيد معناه، وللماهية شأن شبيه بالأخذ، نسميه:
(قبولا) أو ما يفيد معناه. ومن المحال أن تتصف الماهية بشأن المرجح، وإلا لم
تحتج إلى مرجح، أو يتصف المرجح بشأن الماهية، وإلا لزم الخلف. ومن المحال
أيضا أن يتحد الشأنان، فالشأن الذي هو القبول يلازم الفقدان، والشأن الذي هو
الفعل يلازم الوجدان.
وهذا المعنى واضح في الحوادث الواقعة التي نشاهدها في نشأة المادة، فإن
فيها عللا تحرك المادة نحو صور هي فاقدة لها، فتقبلها وتتصور بها، ولو كانت
واجدة لها لم تكن لتقبلها وهي واجدة، فالقبول يلازم الفقدان، والذي للعلل هو
الفعل المناسب لذاتها الملازم للوجدان.
فالحادث المادي يتوقف في وجوده إلى علة تفعله نسميها: (علة فاعلية)،
وإلى علة تقبله ونسميها: (العلة المادية)، وسيأتي (2) إثبات أن في الوجود
ماهيات ممكنة مجردة عن المادة، وهي لإمكانها تحتاج إلى علة مرجحة،
ولتجردها مستغنية عن العلة المادية، فلها أيضا علة فاعلية

(1) في ابتداء الفصل الأول من هذه المرحلة والفصل الأول من المرحلة الخامسة.
(2) في الفصل الرابع عشر من هذه المرحلة.
221

فلا غنى لوجود ممكن - سواء كان ماديا أو مجردا - عن العلة الفاعلية. فمن
رام قصر العلل في العلة المادية ونفي العلة الفاعلية فقد رام إثبات فعل لا فاعل له،
فاستسمن ذا ورم.
الفصل السابع
في أقسام العلة الفاعلية
ذكروا للفاعل أقساما (1)، أنهاها بعضهم إلى ثمانية (2). ووجه ضبطها على ما
ذكروا (3) أن الفاعل إما أن يكون له علم بفعله ذو دخل في الفعل أو لا، والثاني إما
أن يلائم فعله طبعه وهو (الفاعل بالطبع) أو لا يلائم فعله طبعه وهو (الفاعل
بالقسر). والأول - أعني الذي له علم بفعله ذو دخل فيه - إما أن لا يكون فعله
بإرادته وهو (الفاعل بالجبر)، أو يكون فعله بإرادته، وحينئذ إما أن يكون علمه
بفعله في مرتبة فعله بل عين فعله وهو (الفاعل بالرضا)، وإما أن يكون علمه بفعله
قبل فعله، وحينئذ إما أن يكون علمه بفعله مقرونا بداع زائد على ذاته وهو (الفاعل
بالقصد)، وإما أن لا يكون مقرونا بداع زائد بل يكون نفس العلم منشأ لصدور
المعلول، وحينئذ فإما أن يكون علمه زائدا على ذاته وهو (الفاعل بالعناية)، أو
غير زائد وهو (الفاعل بالتجلي)، والفاعل - كيف فرض - إن كان هو وفعله
المنسوب إليه فعلا لفاعل آخر كان (فاعلا بالتسخير).
فللعلة الفاعلية ثمانية أقسام:
الأول: الفاعل بالطبع، وهو الذي لا علم له بفعله مع كون الفعل ملائما لطبعه،

(1) وقد ذكر صدر المتألهين للفاعل ستة أقسام. راجع الأسفار ج 2 ص 220 - 225، والمبدأ
والمعاد ص 133 - 135.
(2) ومراده من قوله: (بعضهم)، هو الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 117، وتعليقته
على الأسفار ج 2 ص 222.
(3) راجع شرح المنظومة ص 117 - 119، وتعليقة الأسفار ج 2 ص 222.
222

كالنفس في مرتبة القوى الطبيعية البدنية، فهي تفعل أفعالها بالطبع.
الثاني: الفاعل بالقسر، وهو الذي لا علم له بفعله ولا فعله ملائم لطبعه،
كالنفس في مرتبة القوى الطبيعية البدنية عند انحرافها لمرض، فإن الأفعال عندئذ
تنحرف عن مجرى الصحة لعوامل قاسرة.
الثالث: الفاعل بالجبر، وهو الذي له علم بفعله وليس بإرادته، كالإنسان يكره
على فعل ما لا يريده.
الرابع: الفاعل بالرضا، وهو الذي له إرادة لفعله عن علم، وعلمه التفصيلي
بفعله عين فعله، وليس له قبل الفعل إلا علم إجمالي به بعلمه بذاته المستتبع لعلمه
الاجمالي بمعلوله، كالإنسان يفعل الصور الخيالية وعلمه التفصيلي بها عين تلك
الصور وله قبلها علم إجمالي بها لعلمه بذاته الفعالة لها، وكفاعلية الواجب (تعالى)
للأشياء عند الإشراقيين (1).
الخامس: الفاعل بالقصد، وهو الذي له علم وإرادة، وعلمه بفعله تفصيلي قبل
الفعل بداع زائد، كالإنسان في أفعاله الاختيارية، وكالواجب عند جمهور
المتكلمين (2).
السادس: الفاعل بالعناية، وهو الذي له علم سابق على الفعل، زائد على ذاته،
نفس الصورة العلمية منشأ لصدور الفعل من غير داع زائد، كالإنسان الواقع على
جذع عال، فإنه بمجرد توهم السقوط يسقط على الأرض، وكالواجب (تعالى) في
إيجاده الأشياء عند المشائين (3).

(1) نسب إليهم في شرح المنظومة ص 121، وشوارق الالهام ص 552، والأسفار ج 2
ص 224، والشواهد الربوبية ص 55.
(2) نسب إليهم في الأسفار ج 2 ص 224، والشواهد الربوبية ص 55، وشرح المنظومة
ص 121. وقال المحقق اللاهيجي في شوارق الالهام ص 552: (فاعلم أن الأشبه أن مراد
محققي المعتزلة من كون الإرادة عين الداعي الذي هو العلم بالأصلح إنما هو الذي ذهب إليه
الفلاسفة على ما ذكرنا، فيكون الواجب (تعالى) عندهم أيضا فاعلا بالعناية).
(3) راجع التعليقات للشيخ الرئيس ص 18 - 19، وشرح الإشارات ج 3 ص 151. ونسب إليهم في الأسفار ج 2 ص 224، وشرح المنظومة ص 120، وشوارق الالهام ص 550.
223

السابع: الفاعل بالتجلي، وهو الذي يفعل الفعل، وله علم تفصيلي به هو عين
علمه الاجمالي بذاته، كالنفس الإنسانية المجردة، فإنها لما كانت صورة أخيرة
لنوعها كانت على بساطتها مبدءا لجميع كمالاتها الثانية التي هي لعليتها واجدة لها
في ذاتها، وعلمها الحضوري بذاتها علم بتفاصيل كمالاتها وإن لم يتميز بعضها من
بعض، وكالواجب (تعالى) بناء على ما سيأتي إن شاء الله (1) أن له (تعالى) علما
إجماليا بالأشياء في عين الكشف التفصيلي.
الثامن: الفاعل بالتسخير، وهو الفاعل الذي هو وفعله لفاعل، فهو فاعل مسخر
في فعله، كالقوى الطبيعية والنباتية والحيوانية المسخرة في أفعالها للنفس
الإنسانية، وكالعلل الكونية المسخرة للواجب (تعالى).
وفي عد الفاعل بالجبر والفاعل بالعناية نوعين بحيالهما مباينين للفاعل
بالقصد، نظر. توضيحه: أنا ننسب الأعمال المكتنفة بكل نوع من الأنواع
المشهودة - أعني كمالاتها الثانية - إلى نفس ذلك النوع، فكل نوع علة فاعلية
لكمالاته الثانية. والأنواع في ذلك على قسمين: منها ما يصدر عنه أفعاله لطبعه من
غير أن يتوسط فيه العلم كالعناصر، ومنها ما للعلم دخل في صدور أفعاله عنه
كالإنسان. والقسم الثاني مجهز بالعلم، ولا ريب أنه إنما جهز به لتمييز ما هو كماله
من الأفعال مما ليس بكمال له ليفعل ما فيه كماله ويترك ما ليس فيه ذلك. كالصبي
يلتقم ما أخذه، فإن وجده صالحة للتغذي كالفاكهة أكله، وإن لم يجده كذلك تركه
ورمى به، فتوسيطه العلم لتشخيص الفعل الذي فيه كمال وتمييزه من غيره، والذي
يوسطه من العلم والتصديق إن كان حاضرا عنده غير مفتقر في التصديق به إلى
تروي فكر - كالعلوم الناشئة بالملكات ونحوها - لم يلبث دون أن يريد الفعل
فيفعله، وإن كان مشكوكا فيه مفتقرا إلى التصديق به أخذ في تطبيق العناوين
والأوصاف الكمالية على الفعل، فإن انتهى إلى التصديق بكونه كمالا فعله وإن

(1) راجع الفصل الحادي عشر من المرحلة الثانية عشرة.
224

انتهى إلى خلاف ذلك تركه. وهذا الميل والانعطاف إلى أحد الطرفين هو الذي
نسميه (اختيارا) ونعد الفعل الصادر عنه فعلا اختياريا.
فتبين أن فعل هذا النوع من الفاعل العلمي يتوقف على حضور التصديق
بوجوب الفعل، أي كونه كمالا وكون ما يقابله - أي الترك - خلاف ذلك، فإن كان
التصديق به حاضرا في النفس من دون حاجة إلى تعمل فكري لم يلبث دون أن
يأتي بالفعل، وإن لم يكن حاضرا احتاج إلى ترو وفكر حتى يطبق على الفعل
المأتي به صفة الوجوب والرجحان وعلى تركه صفة الاستحالة والمرجوحية، من
غير فرق بين أن يكون رجحان الفعل ومرجوحية الترك مستندين إلى طبع الأمر،
كمن كان قاعدا تحت جدار يريد أن ينقض عليه، فإنه يقوم خوفا من إنهدامه عليه،
أو كانا مستندين إلى إجبار مجبر، كمن كان قاعدا مستظلا بجدار فهدده جبار أنه
إن لم يقم هدم الجدار عليه، فإنه يقوم خوفا من انهدامه عليه. والفعل في الصورتين
إرادي، والتصديق على نحو واحد.
ومن هنا يظهر أن الفعل الإجباري لا يباين الفعل الاختياري ولا يتميز منه
بحسب الوجود الخارجي بحيث يصير الفاعل بالجبر قسيما للفاعل بالقصد.
فقصارى ما يضعه المجبر أنه يجعل الفعل ذا طرف واحد فيواجه الفاعل المكره
فعلا ذا طرف واحد ليس له إلا أن يفعله، كما لو كان الفعل بحسب طبعه كذلك.
نعم العقلاء في سننهم الاجتماعية فرقوا بين الفعلين حفظا لمصلحة الاجتماع،
ورعاية لقوانينهم الجارية المستتبعة للمدح والذم والثواب والعقاب. فانقسام الفعل
إلى الاختياري والجبري إنقسام اعتباري لا حقيقي.
ويظهر أيضا أن الفاعل بالعناية من نوع الفاعل بالقصد، فإن تصور السقوط
ممن قام على جذع عال - مثلا - علم واحد موجود في الخائف الذي أدهشه تصور
السقوط فيسقط، وفيمن اعتاد القيام عليه بتكرار العمل فلا يخاف ولا يسقط،
كالبناء - مثلا - فوق الأبنية والجدران العالية جدا.
فالصاعد فوق جدار عال القائم عليه يعلم أن من الممكن أن يثبت في مكانه
225

فيسلم أو يسقط منه فيهلك، غير أنه إن استغرقه الخوف والدهشة الشديدة وجذبت
نفسه إلى الاقتصار على تصور السقوط سقط، بخلاف المعتاد بذلك، فإن الصورتين
موجودتان عنده من دون خوف ودهشة، فيختار الثبات في مكانه، فلا يسقط.
وفقدان هذا الفعل العنائي للغاية الصالحة العقلائية لا يوجب خلوه من مطلق
الداعي، فالداعي أعم من ذلك - كما سيأتي في الكلام على اللعب والعبث (1) -.
الفصل الثامن
في أنه لا مؤثر في الوجود بحقيقة معنى الكلمة
إلا الله سبحانه
قد تقدم (2) أن العلية والمعلولية سارية في الموجودات، فما من موجود إلا
وهو علة ليست بمعلولة أو معلول ليس بعلة أو علة لشئ ومعلول لشئ. وتقدم (3)
أن سلسلة العلل تنتهي إلى علة ليست بمعلولة وهو الواجب (تعالى). وتقدم (4) أنه
(تعالى) واحد وحدة حقة لا يتثنى ولا يتكرر، وغيره من كل موجود مفروض
واجب به ممكن في نفسه. وتقدم (5) أن لا غنى للمعلول عن العلة الفاعلية، كما أنه
لا غنى له عن العلة التامة، فهو (تعالى) علة تامة للكل في عين أنه علة فاعلية.
وتقدم (6) أن العلية في الوجود، وهو (7) أثر الجاعل، وأن وجود المعلول رابط
بالنسبة إلى علته قائم بها، كما أن وجود العلة مستقل بالنسبة إليه مقوم له لا حكم
للمعلول إلا وهو لوجود العلة وبه.
فهو (تعالى) الفاعل المستقل في مبدئيته على الاطلاق والقائم بذاته في
إيجاده وعليته وهو المؤثر بحقيقة معنى الكلمة. لا مؤثر في الوجود إلا هو. ليس

(1) راجع الفصل الثاني عشر والثالث عشر من هذه المرحلة.
(2) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
(3) في الفصل الخامس من هذه المرحلة.
(4) في الفصل الرابع من المرحلة الرابعة.
(5) في الفصل السادس من هذه المرحلة.
(6) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
(7) أي الوجود.
226

لغيره من الاستقلال الذي هو ملاك العلية والإيجاد إلا الاستقلال النسبي. فالعلل
الفاعلية في الوجود معدات مقربة للمعاليل إلى فيض المبدأ الأول وفاعل الكل
(تعالى).
هذا بالنظر إلى حقيقة الوجود الأصيلة المتحققة بمراتبها في الأعيان، وأما
بالنظر إلى ما يعتبره العقل من الماهيات الجوهرية والعرضية المتلبسة بالوجود
المستقلة في ذلك، فهو (تعالى) علة تنتهي إليها العلل كلها، فما كان من الأشياء
ينتهي إليه بلا واسطة فهو علته، وما كان منها ينتهي إليه بواسطة فهو علة علته، وعلة
علة الشئ علة لذلك الشئ، فهو (تعالى) فاعل كل شئ، والعلل كلها مسخرة له.
الفصل التاسع
في أن الفاعل التام الفاعلية
أقوى من فعله وأقدم
أما أنه أقوى وجودا وأشد، فلأن الفعل - وهو معلوله - رابط بالنسبة إليه قائم
الهوية به، وهو (1) المستقل الذي يقومه ويحيط به. ولا نعني بأشدية الوجود إلا
ذلك. وهذا يجري في العلة التامة أيضا كما يجري في الفاعل المؤثر.
وقد عد صدر المتألهين رحمه الله المسألة بديهية، إذ قال: (البداهة حاكمة بأن العلة
المؤثرة هي أقوى لذاتها من معلولها فيما يقع به العلية، وفي غيرها لا يمكن الجزم
بذلك ابتداء) (2) - انتهى.
وأما أنه أقدم وجودا من فعله، فهو من الفطريات، لمكان توقف وجود الفعل
على وجود فاعله. وهذا أيضا كما يجري في الفاعل يجري في العلة التامة وسائر العلل.
والقول (3) ب‍ (أن العلة التامة مع المعلول، لأن من أجزائها المادة والصورة اللتين

(1) أي الفاعل التام الفاعلية.
(2) راجع الأسفار ج 2 ص 187.
(3) والقائل هو المحقق الشريف على ما نقل عنه في شوارق الالهام ص 98.
227

هما مع المعلول بل عين المعلول، فلا يتقدم عليه لاستلزامه تقدم الشئ على نفسه).
مدفوع بأن المادة - كما تقدم (1) - علة مادية لمجموع المادة والصورة الذي
هو الشئ المركب، وكذا الصورة علة صورية للمجموع منهما. وأما المجموع
الحاصل منهما فليس بعلة لشئ. فكل واحد منهما علة متقدمة، والمجموع معلول
متأخر، فلا إشكال.
وهذا معنى ما قيل (2): (إن المتقدم هو الآحاد بالأسر، والمتأخر هو المجموع
بشرط الاجتماع).
الفصل العاشر
في أن البسيط يمتنع أن يكون فاعلا وقابلا
المشهور من الحكماء عدم جواز كون الشئ الواحد من حيث هو واحد
فاعلا وقابلا مطلقا (3). واحترز بقيد (وحدة الحيثية) عن الأنواع المادية التي تفعل
بصورها وتقبل بموادها، كالنار تفعل الحرارة بصورتها وتقبلها بمادتها. وذهب
المتأخرون إلى جوازه مطلقا (4).
والحق (5) هو التفصيل بين ما كان القبول فيه بمعنى الانفعال والاستكمال
الخارجي فلا يجامع القبول الفعل في شئ واحد بما هو واحد، وما كان القبول فيه
بمعنى الاتصاف والانتزاع من ذات الشئ من غير انفعال وتأثر خارجي كلوازم

(1) راجع خاتمة الفصل السابع من المرحلة السادسة.
(2) والقائل هو المحقق اللاهيجي في شوارق الالهام ص 98 - 99.
(3) وبتعبير آخر: أن الفاعل من حيث هو فاعل لا يمكن أن يكون قابلا مطلقا، سواء كان مقبوله
هو مفعوله أو غيره. وهذا مذهب المشهور من قدماء الحكماء. وتبعهم المحقق الطوسي في
تجريد الاعتقاد ص 135.
(4) ومنهم الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 515 - 516. ونسب القول بالجواز
إلى الأشاعرة القائلين بأن لله صفات حقيقية زائدة على ذاته، راجع شرح المواقف ص 174.
(5) كما في الأسفار ج 2 ص 176.
228

الماهيات فيجوز اجتماعهما.
والحجة على ذلك أن القبول - بمعنى الانفعال والتأثر - يلازم الفقدان، والفعل
يلازم الوجدان، وهما جهتان متباينتان متدافعتان لا تجتمعان في الواحد من
حيث هو واحد. وأما لوازم الماهيات مثلا كزوجية الأربعة فإن تمام الذات فيها لا
يعقل خالية من لازمها حتى يتصور فيها معنى الفقدان، فالقبول فيها بمعنى مطلق
الاتصاف، ولا ضير في ذلك.
واحتج المشهور على الامتناع مطلقا بوجهين (1):
أحدهما: أن الفعل والقبول أثران متغايران، فلا يصدران عن الواحد من حيث
هو واحد.
الثاني: أن نسبة القابل إلى مقبوله بالإمكان ونسبة الفاعل التام الفاعلية إلى
فعله بالوجوب. فلو كان شئ واحد فاعلا وقابلا لشئ كانت نسبته إلى ذلك
بالإمكان والوجوب معا، وهما متنافيان، وتنافي اللوازم مستلزم لتنافي الملزومات.
والحجتان لو تمتا لم تدلا على أكثر من امتناع اجتماع الفعل والقبول - بمعنى
الانفعال والتأثر - في شئ واحد بما هو واحد. وأما القبول - بمعنى الاتصاف
كاتصاف الماهيات بلوازمها -، فليس أثرا صادرا عن الذات يسبقه إمكان.
والحجتان مع ذلك لا تخلوان من مناقشة.
أما الأولى، فلأن جعل القبول أثرا صادرا عن القابل يوجب كون القابل علة
فاعلية للقبول، فيرد الإشكال في قبول القابل البسيط للصورة حيث إنه يفعل
القبول ويصير جزءا من المركب، وهما أثران لا يصدران عن الواحد.
وأما الثانية، فلأن نسبة العلة الفاعلية - بما أنها إحدى العلل الأربع - إلى الفعل
ليست نسبة الوجوب، إذ مجرد وجود العلة الفاعلية لا يستوجب وجود المعلول ما
لم ينضم إليها سائر العلل. اللهم إلا أن يكون الفاعل علة تامة وحدها. ومجرد

(1) وتعرض لهما وللإجابة عليهما الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 515.
229

فرض الفاعل تام الفاعلية - والمراد به كونه فاعلا بالفعل بانضمام بقية العلل إليه -
لا يوجب تغير نسبته في نفسه إلى الفعل من الإمكان إلى الوجوب.
واحتج المتأخرون (1) على جواز كون الشئ الواحد من حيث هو واحد
فاعلا وقابلا بلوازم الماهيات سيما البسائط منها، فما منها إلا وله لازم أو لوازم
كالإمكان وكونه ماهية ومفهوما، وكذا المفاهيم المنتزعة من ذات الواجب (تعالى)
كوجوب الوجود والوحدانية، فإن الذات فاعل لها وقابل لها.
والحجة - كما عرفت - لا تتم إلا فيما كان القبول فيه بمعنى الاتصاف، فالقبول
والفعل فيه واحد. وأما ما كان القبول فيه انفعالا وتأثرا واستكمالا، فالقبول فيه
يلازم الفقدان، والفعل يلازم الوجدان، وهما متنافيان لا يجتمعان في واحد.
الفصل الحادي عشر
في العلة الغائية وإثباتها
سيأتي - إن شاء الله (2) - بيان أن الحركة كمال أول لما بالقوة من حيث إنه
بالقوة (3)، فهناك كمال ثان يتوجه إليه المتحرك بحركته المنتهية إليه، فهو الكمال
الأخير الذي يتوصل إليه المتحرك بحركته، وهو المطلوب لنفسه، والحركة مطلوبة
لأجله، ولذا قيل (4): (إن الحركة لا تكون مطلوبة لنفسها، وإنها لا تكون مما
تقتضيه ذات الشئ).
وهذا الكمال الثاني هو المسمى (غاية الحركة)، يستكمل بها المتحرك،
نسبتها إلى الحركة نسبة التمام إلى النقص، ولا تخلو عنها حركة وإلا انقلبت سكونا.

(1) هكذا احتج عليه الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 516.
(2) راجع الفصل الثالث من المرحلة التاسعة.
(3) كذا رسمها أرسطو على ما نقل عنه في المباحث المشرقية ج 1 ص 549.
(4) كما قال الشيخ الرئيس في التعليقات ص 108: (الغرض في الحركة الفلكية ليس هو نفس
الحركة بما هي هذه الحركة...).
230

ولما بين الغاية والحركة من الارتباط والنسبة الثابتة كان بينهما نوع من
الاتحاد، ترتبط به الغاية بالمحرك كمثل الحركة، كما ترتبط بالمتحرك كمثل الحركة.
ثم إن المحرك إذا كان هو الطبيعة وحركت الجسم بشئ من الحركات
العرضية الوضعية والكيفية والكمية والأينية مستكملا بها الجسم، كانت الغاية هو
التمام الذي يتوجه إليه المتحرك بحركته وتطلبه الطبيعة المحركة بتحريكها. ولولا
الغاية لم يكن من المحرك تحريك ولا من المتحرك حركة. فالجسم المتحرك مثلا
من وضع إلى وضع إنما يريد الوضع الثاني، فيتوجه إليه بالخروج من الوضع الأول
إلى وضع سيال يستبدل به فردا آنيا إلى فرد مثله حتى يستقر على وضع ثابت غير
متغير فيثبت عليه، وهو التمام المطلوب لنفسه، والمحرك أيضا يطلب ذلك.
وإذا كان المحرك فاعلا علميا لعلمه دخل في فعله كالنفوس الحيوانية
والإنسانية، كانت الحركة بما لها من الغاية التي هو التمام مرادة له، لكن الغاية هي
المرادة لنفسها والحركة تتبعها، لأنها لأجل الغاية كما تقدم (1)، غير أن الفاعل
العلمي ربما يتخيل ما يلزم الغاية أو يقارنها غاية للحركة فيأخذه منتهي إليه
للحركة ويوجد بينهما تخيلا فيحرك نحوه، كمن يتحرك إلى مكان ليلقى صديقه أو
يمشي إلى مشرعة لشرب الماء، وكمن يحضر السوق ليبيع ويشتري.
هذا كله فيما كان الفعل حركة عرضية طبيعية أو إرادية. وأما إذا كان فعلا
جوهريا، كالأنواع الجوهرية، فإن كان من الجواهر التي لها تعلق ما بالمادة
فسيأتي إن شاء الله (2) أنها جميعا متحركة بحركة جوهرية، لها وجودات سيالة
تنتهي إلى وجودات ثابتة غير سيالة تستقر عليها، فلها تمام هو وجهتها التي
توليها، وهو مراد عللها الفاعلة المحركة لنفسه، وحركاتها الجوهرية مرادة لأجله،
وإن كان الفعل من الجواهر المجردة ذاتا وفعلا عن المادة فهو لمكان فعلية وجوده
وتنزهه عن القوة لا ينقسم إلى تمام ونقص كغيره، بل هو تمام في نفسه، مراد

(1) في ابتداء هذا الفصل.
(2) في الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
231

لنفسه، مقصود لأجله، والفعل والغاية هناك واحد، بمعنى أن الفعل بحقيقته التي في
مرتبة وجود الفاعل غاية لنفسه التي هي الرقيقة، لا أن الفعل علة غائية لنفسه
متقدمة على نفسه، لاستحالة علية الشئ لنفسه.
فقد تبين أن لكل فاعل غاية في فعله، وهي العلة الغائية للفعل، وهو المطلوب.
وظهر مما تقدم أمور:
أحدها: أن غاية الفعل - وهي التي يتعلق بها اقتضاء الفاعل بالأصالة ولنفسه -
قد تتحد مع فعله - بمعنى كون الغاية هي حقيقة الفعل المتقررة في مرتبة وجود
الفاعل - ومرجعه إلى اتحاد الفاعل والغاية، كما إذا كان فعل الفاعل موجودا
مجردا في ذاته وفعله تام الفعلية في نفسه مرادا لنفسه، وقد لا تتحد مع الفعل، بل
يختلفان، كما فيما إذا كان الفعل من قبيل الحركات العرضية أو من الجواهر التي لها
نوع تعلق بالمادة كالنفوس والصور المنطبعة في المواد، فإن الفاعل يتوصل إلى
هذا القبيل من الغايات بالتحريك، والحركة غير مطلوبة لنفسها، فتتحقق الحركة
وتترتب عليها الغاية، سواء كانت الغاية راجعة إلى الفاعل، كمن يحزنه ضر ضرير
فيرفعه ابتغاء للفرح، أو راجعة إلى المادة، كمن يتحرك إلى وضع يصلح حاله، أو
راجعة إلى غيرهما، كمن يكرم يتيما ليفرح.
وثانيها: أن الغاية معلومة للفواعل العلمية قبل الفعل وإن كانت متحققة بعده
مترتبة عليه. وذلك أن هذا القبيل من الفواعل مريدة لفعلها، والإرادة - كيفما
كانت - مسبوقة بالعلم، فإن كان هناك تحريك كانت الحركة مرادة لأجل الغاية.
فالغاية مرادة للفاعل قبل الفعل وإن لم يكن هناك تحريك، وكان الفعل هو الغاية،
فإرادته والعلم به إرادة للغاية وعلم بها.
وأما قولهم (1): (إن الغاية قبل الفعل تصورا وبعده وجودا)، فإنما يتم في غير

(1) والقائل الشيخ الرئيس. فراجع الفصل الخامس من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء،
والتعليقات ص 128، والنجاة ص 212.
232

غاية الطبائع، لفقدانها العلم (1).
وأما قولهم (2): (إن العلة الغائية علة فاعلية لفاعلية الفاعل)، فكلام لا يخلو
عن مسامحة، لأن (3) الفواعل الطبيعية لا علم لها حتى تحضرها غاياتها حضورا
علميا يعطي الفاعلية للفاعل، وأما بحسب الوجود الخارجي فالغاية مترتبة
الوجود على وجود الفعل، والفعل متأخر وجودا عن الفاعل بما هو فاعل، فمن
المستحيل أن تكون الغاية علة لفاعلية الفاعل. والفواعل العلمية غير الطبيعية إما
غايتها عين فعلها والفعل معلول لفاعله، ومن المستحيل أن يكون المعلول علة
لعلته، وإما غايتها مترتبة الوجود على فعلها متأخرة عنه، ومن المستحيل أن تكون
علة لفاعل الفعل المتقدم عليه، وحضور الغاية حضورا علميا للفاعل قبل الفعل
وجود ذهني هو أضعف من أن يكون علة لأمر خارجي وهو الفاعل بما هو فاعل.
والحق - كما سيأتي تفصيله (4) - أن الفواعل العلمية بوجوداتها النوعية علل
فاعلية للأفعال المرتبطة بها الموجودة لها في ذيل نوعيتها. كما أن كل نوع من
الأنواع الطبيعية مبدأ فاعلي لما يوجد حولها ويصدر عنها من الأفعال، وإذ كانت
فواعل علمية، فحصول صورة الفعل العلمية عندها شرط متمم لفاعليتها تتوقف
عليه فعلية التأثير. وهذا هو المراد بكون العلة الغائية علة لفاعلية العلة الفاعلية،
وإلا فالفاعل بنوعيته علة فاعلية للأفعال الصادرة عنه القائمة به التي هي كمالات
ثانية له يستكمل بها.
وثالثها: أن الغاية وإن كانت بحسب النظر البدوي تارة راجعة إلى الفاعل

(1) هكذا اعترض عليه الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 540.
(2) والقائل الشيخ الرئيس: فراجع النجاة ص 213، وشرح الإشارات ج 3 ص 15 - 16،
والتعليقات ص 128، والفصل الحادي عشر من المقالة الأولى من الفن الأول من طبيعيات
الشفاء.
(3) هكذا اعترض عليه الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 540، وشرحي
الإشارات ج 1 ص 194، وأجاب عنه المحقق الطوسي في شرح الإشارات ج 3 ص 17.
(4) في الفصل الآتي.
233

وتارة إلى المادة وتارة إلى غيرهما، لكنها بحسب النظر الدقيق راجعة إلى الفاعل
دائما (1)، فإن من يحسن إلى مسكين ليسر المسكين بذلك يتألم من مشاهدة
ما يراه عليه من رثاثة الحال فهو يريد بإحسانه إزاحة الألم عن نفسه، وكذلك من
يسير إلى مكان ليستريح فيه يريد بالحقيقة إراحة نفسه من إدراك ما يجده ببدنه
من التعب.
وبالجملة، الفعل دائما مسانخ لفاعله ملائم له مرضي عنده، وكذا ما يترتب
عليه من الغاية فهو خير للفاعل كمال له.
وأما ما قيل (2): (إن العالي لا يستكمل بالسافل ولا يريده، لكونه علة، والعلة
أقوى وجودا وأعلى منزلة من معلولها).
فمندفع - كما قيل (3) - بأن الفاعل إنما يريده بما أنه أثر من آثاره، فالإرادة
بالحقيقة متعلقة بنفس الفاعل بالذات وبغاية الفعل المترتبة عليه بتبعه.
فالفاعل حينما يتصور الغاية الكمالية يشاهد نفسه بما لها من الاقتضاء
والسببية للغاية، فالجائع الذي يريد الأكل ليشبع به - مثلا - يشاهد نفسه بما لها من
الاقتضاء لهذا الفعل المترتب عليه الغاية، أي يشاهد نفسه ذات شبع بحسب
الاقتضاء، فيريد أن يصير كذلك بحسب الوجود الفعلي الخارجي.
فإن كان للفاعل نوع تعلق بالمادة كان مستكملا بفعلية الغاية التي هي ذاته بما
أنه فاعل. وأما الغاية الخارجة من ذاته المترتبة وجودا على الفعل فهو مستكمل
بها بالتبع. وإن كان مجردا عن المادة ذاتا وفعلا فهو كامل في نفسه غير مستكمل
بغايته التي هي ذاته التامة الفعلية التي هي في الحقيقة ذاته التامة.
فظهر مما تقدم:
أولا: أن غاية الفاعل في فعله إنما هي ذاته الفاعلة بما أنها فاعلة، وأما غاية

(1) كذا قال صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 270 - 279.
(2) والقائل الشيخ الرئيس في الإشارات، راجع شرح الإشارات ج 3 ص 149.
(3) والقائل صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 264.
234

الفعل المترتبة عليه فإنما هي غاية مرادة بالتبع.
وثانيا: أن الغاية كمال للفاعل دائما، فإن كان الفاعل متعلقا بالمادة نوعا من
التعلق كان مستكملا بالغاية التي هي ذاته الفاعلة بما أنها فاعلة، وإن كان مجردا
عن المادة مطلقا كانت الغاية عين ذاته التي هي كمال ذاته من غير أن يكون كمالا
بعد النقص وفعلية بعد القوة.
ومن هنا يتبين أن قولهم (1): (إن كل فاعل له في فعله غاية فإنه يستكمل
بغايته وينتفع به)، لا يخلو من مسامحة، فإنه غير مطرد إلا في الفواعل المتعلقة
بالمادة نوع تعلق.
تنبيه:
ذهب قوم من المتكلمين (2) إلى أن الواجب (تعالى) لا غاية له في أفعاله،
لغناه بالذات عن غيره، وهو معنى قولهم: (إن أفعال الله لا تعلل بالأغراض) (3).
وذهب آخرون منهم (4) إلى أن له (تعالى) في أفعاله غايات ومصالح عائدة
إلى غيره وينتفع بها خلقه.
ويرد الأول ما تقدم (5) أن فعل الفاعل لا يخلو من أن يكون خيرا مطلوبا له
بالذات أو منتهيا إلى خير مطلوب بالذات، وليس من لوازم وجود الغاية حاجة
الفاعل إليها، لجواز كونها عين الفاعل - كما تقدم (6) -.

(1) راجع الأسفار ج 2 ص 279، والمباحث المشرقية ج 1 ص 542 - 543.
(2) وهم الأشاعرة على ما نقل في كشف المراد ص 306، ومفتاح الباب ص 160 - 161،
والنافع يوم الحشر ص 29، وشرح المواقف ص 538، وشرح المقاصد ج 2 ص 156. وذهب
إليه الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 542 - 543، والمحصل (تلخيص المحصل)
ص 343. وذهب إليه أيضا بعض الفلاسفة كالشيخ الإشراقي في المطارحات ص 427.
(3) راجع شرح المواقف ص 538، وشرح المقاصد ج 2 ص 156.
(4) أي من المتكلمين، وهم المعتزلة. وتبعهم المحقق الطوسي والعلامة الحلي والفاضل
المقداد. راجع كشف المراد ص 306، والنافع يوم الحشر ص 29.
(5 و 6) في ابتداء هذا الفصل.
235

ويرد الثاني أنه وإن لم يستلزم حاجته (تعالى) إلى غيره واستكماله
بالغايات المترتبة على أفعاله وانتفاعه بها، لكن يبقى عليه لزوم إرادة العالي
للسافل وطلب الأشرف للأخس. فلو كانت غايته - التي دعته إلى الفعل وتوقف
عليها فعله، بل فاعليته - هي التي تترتب على الفعل من الخير والمصلحة لكان لغيره
شئ من التأثير فيه، وهو فاعل أول تام الفاعلية لا يتوقف في فاعليته على شئ.
بل الحق - كما تقدم (1) - أن الفاعل بما هو فاعل لا غاية لفعله بالحقيقة إلا ذاته
الفاعلة بما هي فاعلة، لا يبعثه نحو الفعل إلا نفسه، وما يترتب على الفعل من الغاية
غاية بالتبع، وهو (تعالى) فاعل تام الفاعلية وعلة أولى، إليها تنتهي كل علة، فذاته
(تعالى) بما أنه عين العلم بنظام الخير غاية لذاته الفاعلة لكل خير سواه، والمبدأ
لكل كمال غيره.
ولا يناقض قولنا: (إن فاعلية الفاعل تتوقف على العلة الغائية) الظاهر في
المغايرة بين المتوقف والمتوقف عليه، قولنا: (إن غاية الذات الواجبة هي عين
الذات المتعالية). فالمراد بالتوقف والاقتضاء في هذا المقام المعنى الأعم الذي هو
عدم الانفكاك. فهو - كما أشار إليه صدر المتألهين (2) - من المسامحات الكلامية
التي يعتمد فيها على فهم المتدرب في العلوم، كقولهم في تفسير الواجب بالذات:
(إنه الأمر الذي يقتضي لذاته الوجود. وإنه موجود واجب لذاته) الظاهر في كون
الذات علة لوجوده ووجوده عينه.
وبالجملة، فعلمه (تعالى) في ذاته بنظام الخير غاية لفاعليته التي هي عين
الذات، بل الامعان في البحث يعطي أنه (تعالى) غاية الغايات. فقد عرفت (3) أن
وجود كل معلول - بما أنه معلول - رابط بالنسبة إلى علته لا يستقل دونها. ومن
المعلوم أن التوقف لا يتم معناه دون أن يتعلق بمتوقف عليه لنفسه، وإلا لتسلسل.
وكذا الطلب والقصد والإرادة والتوجه وأمثالها لا تتحقق بمعناها إلا بالانتهاء إلى

(1) حيث قال: (فظهر مما تقدم أولا...).
(2) راجع الأسفار ج 2 ص 272.
(3) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
236

مطلوب لنفسه ومقصود لنفسه ومراد لنفسه ومتوجه إليه لنفسه. وإذ كان (تعالى) هو
العلة الأولى التي إليها ينتهي وجود ما سواه، فهو استقلال كل مستقل وعماد كل
معتمد، فلا يطلب طالب ولا يريد مريد إلا إياه، ولا يتوجه متوجه إلا إليه بلا
واسطة أو معها، فهو (تعالى) غاية كل ذي غاية.
الفصل الثاني عشر
في أن الجزاف والقصد الضروري والعادة وما يناظرها
من الأفعال لا تخلو عن غاية
قد يتوهم أن من الأفعال الإرادية ما لا غاية له (1)، كملاعب الأطفال،
والتنفس، وانتقال المريض النائم من جانب إلى جانب، واللعب باللحية، وأمثال
ذلك. فينتقض بذلك كلية قولهم: (إن لكل فعل غاية).
ويندفع ذلك بالتأمل في مبادئ أفعالنا الإرادية وكيفية ترتب غاياتها عليها.
فنقول: قالوا (2): إن لأفعالنا الإرادية وحركاتنا الاختيارية مبدأ قريبا مباشرا
للحركات المسماة أفعالا، وهو القوة العاملة المنبثة في العضلات المحركة إياها،
وقبل القوة العاملة مبدأ آخر هو الشوقية المنتهية إلى الإرادة والإجماع، وقبل
الشوقية مبدأ آخر هو الصورة العلمية من تفكر أو تخيل يدعو إلى الفعل لغايته،
فهذه مباد ثلاثة غير الإرادية.
أما القوة العاملة فهي مبدأ طبيعي لا شعور له بالفعل، فغايتها ما تنتهي إليه
الحركة كما هو شأن الفواعل الطبيعية.

(1) وإليه أشار الفارابي، حيث قال في رسالة في فضيلة العلوم ص 9: (لا تستنكر أن يحدث
في العالم أمور لها أسباب بعيدة جدا، فلا تضبط لبعدها، فيظن بتلك الأمور أنها اتفاقية).
(2) كذا قال الشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء. وثم
تبعه المتأخرون منه، فراجع المباحث المشرقية ج 1 ص 536 - 537، والأسفار ج 2
ص 251 - 253، وكشف المراد ص 130، وشوارق الالهام ص 242 - 244.
237

وأما المبدءان الآخران - أعني الشوقية والصورة العلمية -، فربما كانت غايتهما
غاية القوة العاملة، وهي ما تنتهي إليه الحركة وعندئذ تتحد المبادئ الثلاثة في
الغاية، كمن تخيل الاستقرار في مكان غير مكانه فاشتاق إليه فتحرك نحوه واستقر
عليه. وربما كانت غايتهما غير غاية القوة العاملة، كمن تصور مكانا غير مكانه
فانتقل إليه للقاء صديقه.
والمبدأ البعيد - أعني الصورة العلمية -، ربما كانت تخيلية فقط بحضور صورة
الفعل تخيلا من غير فكر، وربما كانت فكرية ولا محالة معها تخيل جزئي للفعل.
وأيضا ربما كانت وحدها مبدأ للشوقية، وربما كانت مبدأ لها بإعانة من الطبيعة كما
في التنفس، أو من المزاج كانتقال المريض النائم من جانب إلى جانب، أو من
الخلق والعادة كاللعب باللحية.
فإذا تطابقت المبادئ الثلاثة في الغاية - كالإنسان يتخيل صورة مكان
فيشتاق إليه فيتحرك نحوه ويسمى: (جزافا) - كان لفعله بما له من المبادئ غايته.
وإذا عقب المبدأ العلمي الشوقية - بإعانة من الطبيعة كالتنفس، أو من المزاج
كانتقال المريض من جانب أمله الاستقرار عليه إلى جانب ويسمى (قصدا
ضروريا)، أو بإعانة من الخلق كاللعب باللحية ويسمى الفعل حينئذ (عادة) - كان
لكل من مبادئ الفعل غايته.
ولا ضير في غفلة الفاعل وعدم التفاته إلى ما عنده من الصورة الخيالية للغاية
في بعض هذه الصور أو جميعها، فإن تخيل الغاية غير العلم بتخيل الغاية، والعلم
غير العلم بالعلم.
والغاية في جميع هذه الصور المسماة عبثا ليست غاية فكرية. ولا ضير فيه،
لأن المبدأ العلمي فيها صورة تخيلية غير فكرية، فلا مبدأ فكري فيها حتى تكون
لها غاية فكرية. وإن شئت فقل: إن فيها مبدأ فكريا ظنيا ملحوظا على سبيل
الاجمال، يلمح إليه الشوق المنبعث من تخيل صورة الفعل، فالطفل مثلا يتصور
الاستقرار على مكان غير مكانه، فينبعث منه شوق ما يلمح إلى أنه راجح ينبغي
238

أن يفعل، فيقضى إجمالا برجحانه، فيشتد شوقه، فيريد، فيفعل من دون أن يكون
الفعل مسبوقا بعلم تفصيلي يتم بالحكم بالرجحان، نظير المتكلم عن ملكة، فيلفظ
بالحرف بعد الحرف من غير تصور وتصديق تفصيلا، والفعل علمي اختياري.
وكذا لا ضير في انتفاء الغاية في بعض الحركات الطبيعية أو الإرادية المنقطعة
دون الوصول إلى الغاية، ويسمى الفعل حين ذاك (باطلا). وذلك أن انتفاء الغاية
في فعل أمر وانتفاء الغاية بانقطاع الحركة وبطلانها أمر آخر، والمدعى امتناع
الأول دون الثاني، وهو ظاهر.
وليعلم أن مبادئ الفعل الإرادي منا مترتبة على ما تقدم، فهناك قوة عاملة
يترتب عليها الفعل، وهي مترتبة على الإرادة، وهي مترتبة على الشوقية من غير
إرادة متخللة بينهما، والشوقية مترتبة على الصورة العلمية الفكرية أو التخيلية من
غير إرادة متعلقة بها، بل نفس العلم يفعل الشوق، كذا قالوا (1). ولا ينافيه إسنادهم
الشوق إلى بعض من الصفات النفسانية، لأن الصفات النفسانية تلازم العلم.
قال الشيخ في الشفاء: (لانبعاث هذا الشوق علة ما لا محالة، إما عادة، أو
ضجر عن هيئة وإرادة انتقال إلى هيئة أخرى، وإما حرص من القوى المحركة
والمحسة على أن يتجدد لها فعل تحريك أو إحساس. والعادة لذيذة، والانتقال
عن المملول لذيذ، والحرص على الفعل الجديد لذيذ - أعني بحسب القوة
الحيوانية والتخيلية -. واللذة هي الخير الحسي والحيواني والتخيلي بالحقيقة، وهي
المظنونة خيرا بحسب الخير الإنساني. فإذا كان المبدأ تخيليا حيوانيا فيكون خيره
لا محالة تخيليا حيوانيا، فليس إذن هذا الفعل خاليا عن خير بحسبه، وإن لم يكن
خيرا حقيقيا - أي بحسب العقل -) (2) انتهى.
ثم إن الشوق لما كان لا يتعلق إلا بكمال مفقود غير موجود كان مختصا
بالفاعل العلمي المتعلق بالمادة نوعا من التعلق، فالفاعل المجرد ليس فيه من

(1) راجع ما تقدم تحت قوله: (فنقول: قالوا:...).
(2) راجع الفصل الخامس من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء.
239

مبادئ الفعل الإرادي إلا العلم والإرادة، بخلاف الفاعل العلمي الذي له نوع تعلق
بالمادة، فإن له العلم والشوق والإرادة والقوة المادية المباشرة للفعل على ما تقدم،
كذا قالوا (1).
الفصل الثالث عشر
في نفي الاتفاق وهو انتفاء الرابطة بين الفاعل والغاية
ربما يتوهم (2) أن من الغايات المترتبة على الأفعال ما هو غير مقصود
لفاعلها، فليس كل فاعل له في فعله غاية. ومثلوا له بمن يحفر بئرا ليصل إلى الماء
فيعثر على كنز، فالعثور على الكنز غاية مترتبة على الفعل غير مرتبطة بالحافر ولا
مقصودة له، وبمن يدخل بيتا ليستظل فيه فينهدم عليه فيموت، وليس الموت غاية
مقصودة للداخل. ويسمى النوع الأول من الاتفاق (بختا سعيدا) والنوع الثاني
(بختا شقيا).
والحق أن لا اتفاق في الوجود. والبرهان عليه (3): أن الأمور الممكنة في
وقوعها على أربعة أقسام: دائمي الوقوع، والأكثري الوقوع، والمتساوي الوقوع
واللاوقوع، والأقلي الوقوع. أما الدائمي الوقوع والأكثري الوقوع، فلكل منهما
علة عند العقل بالضرورة، والفرق بينهما أن الأكثري الوقوع يعارضه في بعض
الأحيان معارض يمنعه من الوقوع، بخلاف الدائمي الوقوع حيث لا معارض له،
وإذ كان تخلف الأكثري في بعض الأحيان عن الوقوع مستندا إلى معارض
مفروض فهو دائمي الوقوع بشرط عدم المعارض بالضرورة، مثاله الوليد الإنساني

(1) راجع ما تقدم تحت قوله: (فنقول: قالوا:...).
(2) كما توهمه ذيمقراطيس وأنباذقلس من قدماء الحكماء. راجع الفصل الرابع عشر من
المقالة الأولى من الفن الأول من طبيعيات الشفاء.
(3) كما برهن عليه الشيخ الرئيس في الفصل الثالث عشر من المقالة الأولى من الفن الأول من
طبيعيات الشفاء.
240

يولد في الأغلب ذا أصابع خمس ويتخلف في بعض الأحيان فيولد وله إصبع
زائدة لوجود معارض يعارض القوة المصورة فيما تقتضيه من الفعل، فالقوة
المصورة بشرط عدم المعارض تأتي بخمس أصابع دائما.
ونظير الكلام يجري في الأقلي الوقوع، فإنه مع اشتراط المعارض الخاص
الذي يعارض السبب الأكثري دائمي الوقوع بالضرورة، كما في مثال الإصبع
الزائدة، فالقوة المصورة كلما صادفت في المحل مادة زائدة تصلح لصورة أصبع
على شرائطها الخاصة، فإنها تصور إصبعا دائما.
ونظير الكلام الجاري في الأكثري الوقوع والأقلي الوقوع يجري في
المتساوي الوقوع واللاوقوع كقيام زيد وقعوده.
فالأسباب الحقيقية دائمة التأثير من غير تخلف في فعلها ولا في غايتها.
والقول بالاتفاق من الجهل بالأسباب الحقيقية ونسبة الغاية إلى غير ذي الغاية.
فعثور الحافر للبئر على الكنز إذا نسب إلى سببها الذاتي - وهو حفر البئر بشرط
محاذاته للكنز الدفين تحته - غاية ذاتية دائمية، وليس من الاتفاق في شئ. وإذا
نسب إلى مطلق حفر البئر من غير شرط آخر كان اتفاقا وغاية عرضية منسوبة إلى
غير سببه الذاتي الدائمي. وكذا موت من انهدم عليه البيت وقد دخله للاستظلال إذا
نسب إلى سببه الذاتي - وهو الدخول في بيت مشرف على الانهدام والمكث فيه
حتى ينهدم - غاية ذاتية دائمية، وإذا نسب إلى مطلق دخول البيت للاستظلال كان
اتفاقا وغاية عرضية منسوبة إلى غير سببه الذاتي. والكلام في سائر الأمثلة
الجزئية للاتفاق على قياس هذين المثالين.
وقد تمسك القائلون بالاتفاق (1) بأمثال هذه الأمثلة الجزئية التي عرفت حالها.
وقد نسب إلى ذيمقراطيس (2) أن كينونة العالم بالاتفاق. وذلك أن الأجسام

(1) وهم ذيمقراطيس وأتباعه، وأنباذقلس وشيعته من قدماء الحكماء.
(2) قد نسب إليه الشيخ الرئيس في الفصل الرابع عشر من المقالة الأولى من الفن الأول من
طبيعيات الشفاء.
241

مؤلفة من أجرام صغار صلبة منبثة في خلاء غير متناه، وهي متشاكلة الطبائع
مختلفة الأشكال دائمة الحركة، فاتفق أن تصادفت منها جملة اجتمعت على هيئة
خاصة، فكان هذا العالم، ولكنه زعم أن كينونة الحيوان والنبات ليس باتفاق.
ونسب إلى أنباذقلس (1) أن تكون الأجرام الأسطقسية بالاتفاق، فما اتفق منها
أن اجتمعت على نحو صالح للبقاء والنسل بقى، وما اتفق أن لم يكن كذلك لم يبق
وتلاشى. وقد احتج على ذلك بعدة حجج (2).
الحجة الأولى: أن الطبيعة لا روية لها، فكيف تفعل فعلها لأجل غاية؟
وأجيب عنها (3): بأن الروية لا تجعل الفعل ذا غاية، وإنما تميز الفعل من غيره
وتعينه، ثم الغاية تترتب على الفعل لذاتها لا بجعل جاعل، فاختلاف الدواعي
والصوارف هو المحوج لأعمال الروية المعينة، ولولا ذلك لم يحتج إليها، كما أن
الأفعال الصادرة عن الملكات كذلك، فالمتكلم بكلام يأتي بالحرف بعد الحرف
على هيئاتها المختلفة من غير روية يتروى بها، ولو تروى لتبلد وانقطع عن الكلام.
وكذا أرباب الصناعات في صناعاتهم لو تروى في ضمن العمل واحد منهم لتبلد
وانقطع.
الحجة الثانية: أن في نظام الطبيعة أنواعا من الفساد والموت، وأقساما من
الشر والمساءة في نظام لا يتغير عن أسباب لا تتخلف، وهي غير مقصودة للطبيعة،
بل لضرورة المادة، فلنحكم أن أنواع الخير والمنافع المترتبة على فعل الطبيعة
أيضا على هذا النمط من غير قصد من الطبيعة ولا داع يدعوها إلى ذلك.
وأجيب عنها (4): بأن ما كان من هذه الشرور من قبيل عدم بلوغ الفواعل

(1) قد نسب إليه الشيخ الرئيس في الفصل الرابع عشر من المقالة الأولى من الفن الأول من
طبيعيات الشفاء.
(2) وتعرض لها الشيخ الرئيس في الفصل الرابع عشر من المقالة الأولى من طبيعيات الشفاء.
(3) والمجيب صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 257، وشرح الهداية الأثيرية ص 242.
(4) والمجيب أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 257 - 258، وشرح الهداية الأثيرية
ص 243.
242

الطبيعية غاياتها لانقطاع حركاتها، فليس من شرط كون الطبيعة متوجهة إلى غاية
أن تبلغها، وقد تقدم الكلام في الباطل. وما كان منها من قبيل الغايات التي هي
شرور - وهي على نظام دائمي، فهي أمور خيرها غالب على شرها - فهي غايات
بالقصد الثاني، والغايات بالقصد الأول هي الخيرات الغالبة اللازمة لهذه الشرور،
وتفصيل الكلام في هذا المعنى في بحث القضاء. فمثل الطبيعة في أفعالها التي
تنتهي إلى هذه الشرور مثل النجار يريد أن يصنع بابا من خشبة فيأخذ بالنحت
والنشر، فيركب ويصنع، ولازمه الضروري إضاعة مقدار من الخشبة بالنشر
والنحت، وهي مرادة له بالقصد الثاني بتبع إرادته لصنع الباب.
الحجة الثالثة: أن الطبيعة الواحدة تفعل أفعالا مختلفة مثل الحرارة، فإنها تحل
الشمع وتعقد الملح وتسود وجه القصار وتبيض وجه الثوب.
وأجيب عنها (1): بأن الطبيعة الواحدة لا تفعل إلا فعلا واحدا له غاية واحدة،
وأما ترتب آثار مختلفة على فعلها فمن التوابع الضرورية لمقارنة عوامل وموانع
متنوعة ومتباينة.
فقد تحصل من جميع ما تقدم أن الغايات المترتبة على أفعال الفواعل غايات
ذاتية دائمية لعللها وأسبابها الحقيقية. وأن الآثار النادرة التي تسمى إتفاقيات،
غايات بالعرض منسوبة إلى غير أسبابها الحقيقية وهي بعينها دائمية بنسبتها إلى
أسبابها الحقيقية. فلا مناص عن إثبات الرابطة الوجودية بينها وبين السبب الفاعلي
الحقيقي.
ولو جاز لنا أن نشك في ارتباط هذه الغايات بفواعلها مع ما ذكر من دوام
الترتب لجاز لنا أن نشك في ارتباط الفعل بالفاعل، ولهذا أنكر كثير من القائلين
بالاتفاق العلة الفاعلية كالغائية وحصروا العلة في العلة المادية، وقد تقدم الكلام
في العلة الفاعلية (2).

(1) والمجيب أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 258 - 259، وشرح الهداية الأثيرية
ص 244.
(2) في الفصل السادس من هذه المرحلة.
243

الفصل الرابع عشر
في العلة المادية والصورية
قد عرفت (1) أن الأنواع التي لها كمال بالقوة لا تخلو في جوهر ذاتها من
جوهر يقبل فعلية كمالاتها الأولى والثانية من الصور والأعراض. فإن كانت
حيثيته حيثية القوة من جهة وحيثية الفعلية من جهة، كالجسم الذي هو بالفعل من
جهة جسميته وبالقوة من جهة الصور والأعراض اللاحقة لجسميته، سمي: (مادة
ثانية). وإن كانت حيثيته حيثية القوة محضا، وهو الذي تنتهي إليه المادة الثانية
بالتحليل، وهو الذي بالقوة من كل جهة إلا جهة كونه بالقوة من كل جهة، سمي:
(هيولى) و (مادة أولى).
وللمادة علية بالنسبة إلى النوع المادي المركب منها ومن الصورة، لتوقف
وجوده عليها توقفا ضروريا. فهي بما أنها جزء للمركب علة له، وبالنسبة إلى
الجزء الآخر الذي يقبله - أعني الصورة - مادة لها ومعلولة لها، لما تقدم أن الصورة
شريكة العلة للمادة (2).
وقد حصر جمع من الطبيعيين (3) العلية في المادة فقط، منكرين للعلل الثلاث
الآخر.
ويدفعه أولا: أن المادة حيثية ذاتها القوة والقبول، ولازمها الفقدان، ومن
الضروري أنه لا يكفي لإعطاء الفعلية وإيجادها الملازم للوجدان، فلا يبقى
للفعلية إلا أن توجد من غير علة، وهو محال.
وثانيا: أنه قد تقدم أن الشئ ما لم يجب لم يوجد (4)، وإذ كانت المادة شأنها
الإمكان والقبول فهي لا تصلح لأن يستند إليها هذا الوجوب المنتزع من وجود

(1) في الفصل الخامس والسادس والسابع من المرحلة السادسة.
(2) في الفصل السادس وخاتمة الفصل السابع من المرحلة السادسة.
(3) وهم الماديون المنكرون لما وراء الطبيعة.
(4) راجع الفصل الخامس من المرحلة الرابعة.
244

المعلول، وحقيقته الضرورة واللزوم وعدم الانفكاك، فوراء المادة أمر لا محالة
يستند إليه وجوب المعلول ووجوده، وهو العلة الفاعلية المفيضة لوجود المعلول.
وثالثا: أن المادة ذات طبيعة واحدة لا تؤثر إن أثرت إلا أثرا واحدا متشابها،
وقد سلموا ذلك، ولازمه رجوع ما للأشياء من الاختلاف إلى ما للمادة من صفة
الوحدة ذاتا وصفة، وهو كون كل شئ عين كل شئ، وضرورة العقل تبطله.
وأما العلة الصورية، فهي: الصورة - بمعنى ما به الشئ هو ما هو بالفعل -
بالنسبة إلى الشئ المركب منها ومن المادة، لضرورة أن للمركب توقفا عليها. وأما
الصورة بالنسبة إلى المادة فليست علة صورية لها، لعدم كون المادة مركبة منها
ومن غيرها مفتقرة إليها في ذاتها، بل هي محتاجة إليها في تحصلها الخارج من
ذاتها، ولذا كانت الصورة شريكة العلة بالنسبة إليها ومحصلة لها كما تقدم بيانه (1).
واعلم أن الصورة المحصلة للمادة ربما كانت جزءا من المادة بالنسبة إلى
صورة لاحقة، ولذا ينتسب ما كان لها من الأفعال والآثار - نظرا إلى كونها صورة
محصلة للمادة - إلى الصورة التي صارت جزءا من المادة بالنسبة إليها، كالنبات
مثلا، فإن الصورة النباتية صورة محصلة للمادة الثانية التي هي الجسم، لها آثار
فعلية هي آثار الجسمية والنباتية. ثم إذا لحقت به صورة الحيوان كانت الصورة
النباتية جزءا من مادتها وملكت الصورة الحيوانية ما كان لها من الأفعال والآثار
الخاصة. وهكذا كلما لحقت بالمركب صورة جديدة عادت الصور السابقة عليها
أجزاء من المادة الثانية وملكت الصورة الجديدة ما كان للصور السابقة من
الأفعال والآثار، وقد تقدم أن الصورة الأخيرة تمام حقيقة النوع (2).
واعلم أيضا أن التركيب بين المادة والصورة ليس بإنضمامي كما ينسب إلى
الجمهور (3)، بل تركيب إتحادي كما يقضي به اجتماع المبهم والمحصل، والقوة

(1) في الفصل السادس وخاتمة الفصل السابع من المرحلة السادسة.
(2) راجع الفصل السادس من المرحلة الخامسة.
(3) نسب إليهم في الأسفار ج 5 ص 282، وشرح المنظومة ص 105.
245

والفعل، ولولا ذلك لم يكن التركيب حقيقيا ولا يحصل نوع جديد له آثار خاصة.
الفصل الخامس عشر
في العلة الجسمانية
العلل الجسمانية متناهية أثرا عدة ومدة وشدة، لأن الأنواع الجسمانية
متحركة بجواهرها وأعراضها. فما لها من الطبائع والقوى الفعالة منحلة منقسمة إلى
أبعاض كل منها محفوف بالعدمين السابق واللاحق محدود ذاتا وأثرا. وأيضا
العلل الجسمانية لا تفعل إلا مع وضع خاص بينها وبين المادة المنفعلة. قالوا:
(لأنها لما احتاجت إلى المادة في وجودها احتاجت إليها في إيجادها الذي هو
فرع وجودها، وحاجتها إلى المادة في إيجادها هو أن يحصل لها بسبب المادة
وضع خاص مع معلولها. ولذا كان للقرب والبعد والأوضاع الخاصة دخل في كيفية
تأثير العلل الجسمانية).
246

المرحلة التاسعة
في القوة والفعل
وفيها أربعة عشر فصلا
247

[مقدمة] (1)
وجود الشئ في الأعيان بحيث تترتب عليه آثاره المطلوبة منه يسمى
(فعلا)، ويقال: (إن وجوده بالفعل)، وإمكانه الذي قبل تحققه يسمى (قوة)،
ويقال: (إن وجوده بالقوة). مثال ذلك النطفة، فإنها ما دامت نطفة هي إنسان مثلا
بالقوة، فإذا تبدلت إنسانا صارت إنسانا بالفعل، له آثار الإنسانية المطلوبة من
الإنسان.
والأشبه أن تكون القوة في أصل الوضع بمعنى مبدأ الأفعال الشاقة الشديدة
- أعني كون الشئ بحيث تصدر عنه أفعال شديدة -، ثم توسع في معناها فأطلقت
على مبدأ الانفعالات الصعبة - أعني كون الشئ بحيث يصعب انفعاله بتوهم أن
الانفعال أثر موجود في مبدئه، كما أن الفعل والتأثير أثر موجود في الفاعل -، ثم
توسعوا فأطلقوا القوة على مبدأ الانفعال، ولو لم يكن صعبا، لما زعموا أن صعوبة
الانفعال وسهولته سنخ واحد تشكيكي، فقالوا: (إن في قوة الشئ الفلاني أن
يصير كذا) و (أن الأمر الفلاني فيه بالقوة). هذا ما عند العامة.

(1) وهي في معاني القوة والفعل، وكيفية انتقالها من بعض إلى بعض. ولمزيد التوضيح راجع
الفصل الثاني من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء، والتحصيل ص 471 - 474، والأسفار ج 3
ص 2 - 5.
249

ولما رأى الحكماء أن للحوادث الزمانية من الصور والأعراض إمكانا قبل
وجودها منطبقا على حيثية القبول التي تسميه العامة قوة، سموا الوجود الذي
للشئ في الإمكان (قوة)، كما سموا مبدأ الفعل (قوة)، فأطلقوا القوة على العلل
الفاعلية وقالوا: (القوى الطبيعية والقوى النفسانية). وسموا الوجود الذي يقابله
- وهو الوجود المترتب عليه الآثار المطلوبة منه - (وجودا بالفعل). فقسموا
الموجود المطلق إلى ما وجوده بالفعل وما وجوده بالقوة. والقسمان هما المبحوث
عنهما في هذه المرحلة، وفيها أربعة عشر فصلا.
الفصل الأول
كل حادث زماني فإنه مسبوق بقوة الوجود
وذلك لأنه قبل تحقق وجوده يجب أن يكون ممكن الوجود جائزا أن يتصف
بالوجود وأن لا يتصف، إذ لو لم يكن ممكنا قبل حدوثه لكان إما ممتنعا فاستحال
تحققه وقد فرض حادثا زمانيا، وهذا خلف، وإما واجبا فكان موجودا واستحال
عدمه لكنه ربما تخلف ولم يوجد.
وهذا الإمكان أمر موجود في الخارج وليس اعتبارا عقليا لاحقا بماهية
الشئ الممكن، لأنه يتصف بالشدة والضعف والقرب والبعد. فالنطفة التي فيها
إمكان أن يصير إنسانا - مثلا - أقرب إلى الإنسان الممكن من الغذاء الذي يمكن
أن يتبدل نطفة ثم يصير إنسانا، والإمكان في النطفة أيضا أشد منه في الغذاء مثلا.
ثم إن هذا الإمكان الموجود في الخارج ليس جوهرا قائما بذاته، وهو ظاهر،
بل هو عرض قائم بموضوع يحمله، فلنسمه: (قوة)، ولنسم الموضوع الذي يحمله:
(مادة)، فإذن لكل حادث زماني مادة سابقة عليه تحمل قوة وجوده. ويجب أن
تكون المادة غير ممتنعة عن الاتحاد بالفعلية التي تحمل إمكانها، وإلا لم تحمل
إمكانها، فهي في ذاتها قوة الفعلية التي تحمل إمكانها، إذ لو كانت ذات فعلية في
250

نفسها لامتنعت عن قبول فعلية أخرى، بل هي جوهر فعلية وجوده أنه قوة الأشياء،
لكنها لكونها جوهرا بالقوة قائمة بفعلية أخرى إذا حدث الممكن - وهو الفعلية التي
حملت المادة إمكانها - بطلت الفعلية السابقة وقامت الفعلية اللاحقة مقامها، كمادة
الماء - مثلا - تحمل قوة الهواء وهي قائمة بعد بالصورة المائية حتى إذا تبدل هواء
بطلت الصورة المائية وقامت الصورة الهوائية مقامها وتقومت المادة بها.
ومادة الفعلية الجديدة الحادثة والفعلية السابقة الزائلة واحدة، وإلا كانت
المادة حادثة بحدوث الفعلية الحادثة، فاستلزمت إمكانا آخر ومادة أخرى وننقل
الكلام إليهما، فكانت لحادث واحد إمكانات ومواد غير متناهية، وهو محال.
ونظير الإشكال لازم لو فرض للمادة حدوث زماني.
وقد تبين بما تقدم:
أولا: أن النسبة بين المادة والقوة التي تحملها نسبة الجسم الطبيعي والجسم
التعليمي، فقوة الشئ الخاص تعين قوة المادة المبهمة.
وثانيا: أن حدوث الحوادث الزمانية لا ينفك عن تغير في الصور إن كانت
جواهر، وفي الأحوال إن كانت أعراضا.
وثالثا: أن القوة تقوم دائما بفعلية والمادة تقوم دائما بصورة تحفظها. فإذا
حدثت صورة بعد صورة قامت الصورة الحديثة مقام القديمة وقومت المادة.
الفصل الثاني
في استيناف القول في معنى وجود الشئ بالقوة
ووجوده بالفعل وانقسام الوجود إليهما
إن ما بين أيدينا من الأنواع الجوهرية يقبل أن يتغير فيصير غير ما كان أولا،
كالجوهر غير النامي يمكن أن يتبدل إلى الجوهر النامي، والجوهر النامي يمكن أن
يتبدل فيصير حيوانا، وذلك مع تعين القابل والمقبول. ولازم ذلك أن تكون بينهما
251

نسبة موجودة ثابتة.
على أنا نجد هذه النسبة مختلفة بالقرب والبعد، والشدة والضعف، فالنطفة
أقرب إلى الحيوان من الغذاء، وإن كانا مشتركين في إمكان أن يصيرا حيوانا.
والقرب والبعد والشدة والضعف أوصاف وجودية لا يتصف بها إلا موجود،
فالنسبة المذكورة موجودة لا محالة.
وكل نسبة موجودة فإنها تستدعي وجود طرفيها في ظرف وجودها، لضرورة
قيامها بهما وعدم خروج وجودها من وجودهما وكون أحد طرفي النسبة للآخر.
وقد تقدم بيان ذلك كله في مرحلة انقسام الوجود إلى ما في نفسه وما في غيره (1).
وإذ كان المقبول بوجوده الخارجي - الذي هو منشأ لترتب آثاره عليه - غير
موجود عند القابل، فهو موجود عنده بوجود ضعيف لا يترتب عليه جميع آثاره.
وإذ كان كل من وجوديه الضعيف والشديد هو هو بعينه فهما واحد. فللمقبول
وجود واحد ذو مرتبتين: مرتبة ضعيفة لا يترتب عليه جميع آثاره، ومرتبة شديدة
بخلافها. ولنسم المرتبة الضعيفة: (وجودا بالقوة)، والمرتبة القوية: (وجودا بالفعل).
ثم إن المقبول بوجوده بالقوة معه بوجوده بالفعل موجود متصل واحد، وإلا
بطلت النسبة، وقد فرضت ثابتة موجودة، وهذا خلف. وكذا المقبول بوجوده بالقوة
مع القابل موجودان بوجود واحد، وإلا لم يكن أحد الطرفين موجودا للآخر
فبطلت النسبة، وهذا خلف. فوجود القابل ووجود المقبول بالقوة ووجوده بالفعل
جميعا وجود واحد ذو مراتب مختلفة يرجع فيه ما به الاختلاف إلى ما به الاتفاق،
وذاك من التشكيك.
هذا فيما إذا فرضنا قابلا واحدا مع مقبول واحد. وأما لو فرضنا سلسلة من
القوابل والمقبولات ذاهبة من الطرفين متناهية أو غير متناهية في كل حلقة من
حلقاتها إمكان الفعلية التالية لها وفعلية الإمكان السابق عليها على ما عليه سلسلة
الحوادث في الخارج، كان لجميع الحدود وجود واحد مستمر باستمرار السلسلة

(1) راجع الفصل الثالث من المرحلة الثانية.
252

ذو مراتب مختلفة. وكان إذا قسم هذا الوجود الواحد على قسمين كان في القسم
السابق قوة القسم اللاحق، وفي القسم اللاحق فعلية القسم السابق. ثم إذا قسم
القسم السابق مثلا على قسمين كان في سابقهما قوة اللاحق وفي لاحقهما فعلية
السابق. وكلما أمعن في التقسيم وجزئ ذلك الوجود الواحد المستمر، كان الأمر
على هذه الوتيرة، فالقوة والفعل فيه ممزوجان مختلطان.
فكل حد من حدود هذا الوجود الواحد المستمر كمال بالنسبة إلى الحد
السابق، ونقص وقوة بالنسبة إلى الحد اللاحق، حتى ينتهي إلى كمال لا نقص معه،
أي فعلية لا قوة معها، كما ابتدئ من قوة لا فعلية معها. فينطبق عليه حد الحركة،
وهو: أنها كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة.
فهذا الوجود الواحد المستمر وجود تدريجي سيال يجري على المادة
الحاملة للقوة والمختلفات هي حدود الحركة وصور المادة.
هذا كله في الجواهر النوعية. والكلام في الأعراض نظير ما تقدم في الجواهر،
وسيجئ تفصيل الكلام فيها (1).
فقد تبين مما تقدم أن قوة الشئ هي ثبوت ما له لا يترتب عليه بحسبه جميع
آثار وجوده الفعلي، وأن الوجود ينقسم إلى ما بالفعل وما بالقوة، وأنه ينقسم إلى
ثابت وسيال.
وتبين أن ما لوجوده قوة فوجوده سيال تدريجي وهناك حركة، وأن ما ليس
وجوده سيالا تدريجيا - أي كان ثابتا - فليس لوجوده قوة - أي لا مادة له -، وأن
ما له حركة فله مادة، وأن ما لا مادة له فلا حركة له، وأن للأعراض بما أن
وجوداتها لموضوعاتها حركة بتبع حركة موضوعاتها على ما سيأتي من
التفصيل (2).

(1) راجع الفصل السادس والفصل السابع والفصل الثامن من هذه المرحلة.
(2) راجع الأمر الثاني من الأمور المذكورة في الفصل الثامن من هذه المرحلة.
253

الفصل الثالث
في زيادة توضيح لحد الحركة وما تتوقف عليه
قد تقدم (1) أن الحركة نحو وجود يخرج به الشئ من القوة إلى الفعل تدريجا،
أي بحيث لا تجتمع الأجزاء المفروضة لوجوده. وبعبارة أخرى يكون كل حد من
حدود وجوده فعلية للجزء السابق المفروض وقوة للجزء اللاحق المفروض،
فالحركة خروج الشئ من القوة إلى الفعل تدريجا (2).
وحدها المعلم الأول ب‍ (أنها كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة) (3).
وتوضيحه: أن الجسم المتمكن في مكان - مثلا - إذا قصد التمكن في مكان آخر
ترك المكان الأول بالشروع في السلوك إلى المكان الثاني حتى يتمكن فيه،
فللجسم - وهو في المكان الأول -، كمالان هو (4) بالنسبة إليهما بالقوة، وهما
السلوك الذي هو كمال أول والتمكن في المكان الثاني الذي هو كمال ثان،
فالحركة - وهي السلوك - كمال أول للجسم الذي هو بالقوة بالنسبة إلى الكمالين،
لكن لا مطلقا، بل من حيث إنه بالقوة بالنسبة إلى الكمال الثاني، لأن السلوك متعلق
الوجود به.
وقد تبين بذلك أن الحركة متعلقة الوجود بأمور ستة: (الأول) المبدأ، وهو
الذي منه الحركة. و (الثاني) المنتهى، وهو الذي إليه الحركة، فالحركة تنتهي من

(1) في الفصل السابق.
(2) والتدريج معنى بديهي بإعانة الحس عليه. والتعريف ليس بحد حقيقي، لأن الحد للماهية،
والحركة نحو وجود، والوجود لا ماهية له - منه رحمه الله -.
(3) نسبه إليه الفخر الرازي في المباحث المشرقية، وصدر المتألهين في الأسفار. ونسبه العلامة
إلى الحكماء، ثم نسب القول ب‍ (أن الحركة هي حصول الجسم في مكان بعد آخر) إلى
المتكلمين، فراجع كشف المراد ص 261 - 262. وفي المقام أقوال أخر مذكورة في المطولات،
فراجع الأسفار ج 3 ص 24 - 31، والمباحث المشرقية ج 1 ص 549، والفصل الأول من
المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء، وشرح المنظومة ص 238 - 239.
(4) أي الجسم.
254

جانب إلى قوة لا فعل معها تحقيقا أو اعتبارا، ومن جانب إلى فعل لا قوة معها
تحقيقا أو اعتبارا على ما سيتبين إن شاء الله (1). و (الثالث) المسافة التي فيها
الحركة، وهي المقولة. و (الرابع) الموضوع الذي له الحركة، وهو المتحرك.
و (الخامس) الفاعل الذي به الحركة، وهو المحرك. و (السادس) المقدار الذي
تتقدر به الحركة، وهو الزمان.
الفصل الرابع
في انقسام التغير
قد عرفت (2) أن خروج الشئ من القوة إلى الفعل لا يخلو من تغير، إما في
ذاته، أو في أحوال ذاته. وإن شئت فقل: إما في ذاتيه كما في تحول نوع جوهري
إلى نوع آخر جوهري، أو في عرضيه كتغير الشئ في أحواله العرضية.
ثم التغير إما تدريجي وإما دفعي بخلافه. والتغير التدريجي - ولازمه إمكان
الانقسام إلى أجزاء لا قرار لها ولا اجتماع في الوجود - هي الحركة. والتغير
الدفعي - بما أنه يحتاج إلى موضوع يقبل التغير وقوة سابقة على حدوث التغير - لا
يتحقق إلا بحركة، لما عرفت (3) أن الخروج من القوة إلى الفعل كيفما فرض لا يتم
إلا بحركة، غير أنه لما كان تغيرا دفعيا كان من المعاني المنطبقة على أجزاء
الحركة الآنية كالوصول والترك والاتصال والانفصال. فالتغير كيفما فرض لا يتم
إلا بحركة.
ثم الحركة تعتبر تارة بمعنى كون الشئ المتحرك بين المبدأ والمنتهى بحيث
كل حد من حدود المسافة فرض، فهو ليس قبله وبعده فيه، وهي حالة بسيطة ثابتة
غير منقسمة، وتسمى: (الحركة التوسطية). وتعتبر تارة بمعنى كون الشئ بين
المبدأ والمنتهى بحيث له نسبة إلى حدود المسافة المفروضة التي كل واحد منها

(1) راجع الفصل الخامس من هذه المرحلة.
(2) في الفصل الثاني من هذه المرحلة.
(3) في الفصل السابق.
255

فعلية للقوة السابقة وقوة للفعلية اللاحقة، من حد يتركه ومن حد يستقبله، ولازم
ذلك الانقسام إلى الأجزاء والانصرام والتقضي تدريجا وعدم اجتماع الأجزاء في
الوجود، وتسمى: (الحركة القطعية).
والاعتباران جميعا موجودان في الخارج لانطباقهما عليه، بمعنى أن للحركة
نسبة إلى المبدأ والمنتهى، لا يقتضي ذلك انقساما ولا سيلانا ونسبة إلى المبدأ
والمنتهى، وحدود المسافة تقتضي سيلان الوجود والانقسام.
وأما ما يأخذه الخيال من صورة الحركة بأخذ الحد بعد الحد منها وجمعها
صورة متصلة مجتمعة الأجزاء، فهو أمر ذهني غير موجود في الخارج، لعدم جواز
اجتماع أجزاء الحركة لو فرضت لها أجزاء، وإلا كانت ثابتة لا سيالة، هذا خلف.
الفصل الخامس
في مبدأ الحركة ومنتهاها
قد تقدم (1) أن للحركة انقساما بذاتها، فليعلم أن انقسامها انقسام بالقوة لا
بالفعل، كما في الكم المتصل القار من الخط والسطح والجسم التعليمي، إذ لو كانت
منقسمة بالفعل فانفصلت الأجزاء بعضها من بعض، انتهت القسمة إلى أجزاء دفعية
الوقوع، وبطلت الحركة.
وأيضا لا يقف ما فيها من الانقسام على حد لا يتجاوزه، ولو وقف على حد لا
تتعداه القسمة كانت مؤلفة من أجزاء لا تتجزى، وقد تقدم بطلانها (2).
ومن هنا يظهر أن لا مبدأ ولا منتهى للحركة بمعنى الجزء الأول الذي لا ينقسم
من جهة الحركة والجزء الآخر الذي لا ينقسم كذلك، لما تبين أن الجزء بهذا المعنى
دفعي الوقوع، فلا ينطبق عليه حد الحركة التي هي سيلان الوجود وتدرجه.
وأما ما تقدم - من أن الحركة تنتهي من الجانبين إلى مبدأ ومنتهى (3) - فهو

(1) في الفصل السابق.
(2) في الفصل الرابع من المرحلة السادسة.
(3) راجع الفصل الثالث من هذه المرحلة.
256

تحديد لها بالخارج من نفسها.
فتنتهي حركة الجوهر من جانب البدء إلى قوة لا فعل معها إلا فعلية أنها قوة
لا فعل معها، وهو (المادة الأولى)، ومن جانب الختم إلى فعل لا قوة معها، وهو
(التجرد)، وسنزيد هذا توضيحا إن شاء الله (1).
وتنتهي الحركات العرضية من جانب البدء إلى مادة الموضوع، وهي التي
تقبل الحركة، ومن جانب الختم في الحركة الطبيعية إلى ما تقتضيه الطبيعة من
السكون. وفي الحركة القسرية إلى هيئة ينفد عندها أثر القسر. وفي الحركة
الإرادية إلى ما يراه المتحرك كمالا لنفسه يجب أن يستقر فيه.
الفصل السادس
في المسافة
وهي المقولة التي تقع فيها الحركة، كحركة الجسم في كمه بالنمو، وفي كيفه
بالاستحالة. من الضروري أن الذاتي لا يتغير، والمقولات التي هي أجناس عالية
لما دونها من الماهيات ذاتيات لها، والحركة تغير المتحرك في المعنى الذي
يتحرك فيه. فلو كانت الحركة الواقعة في الكيف - مثلا - تغيرا من المتحرك في
ماهية الكيف كان ذلك تغيرا في الذاتي، وهو محال.
فلا حركة في مقولة بمعنى التغير في وجودها الذي في نفسها الذي يطرد العدم
عنها، لأن وجود الماهية في نفسها هي نفسها.
فإن كانت في مقولة من المقولات حركة وتغير فهو في وجودها الناعت من
حيث إنه ناعت، فإن الشئ له ماهية باعتبار وجوده في نفسه. وأما باعتبار
وجوده الناعت لغيره كما في الأعراض أو لنفسه كما في الجوهر، فلا ماهية له، فلا
محذور في وقوع الحركة في مقولة.

(1) في الفصل التاسع من هذه المرحلة.
257

فالجسم الذي يتحرك في كمه أو كيفه - مثلا - لا تغير في ماهيته ولا تغير في
ماهية الكم أو الكيف اللذين يتحرك فيهما. وإنما التغير في المتكمم أو المتكيف
اللذين يجريان عليه.
وهذا معنى قولهم: (التشكيك في العرضيات دون الأعراض) (1).
ثم إن الوجود الناعت وإن كان لا ماهية له، لكنه لاتحاده مع الوجود في نفسه
ينسب إليه ما للوجود في نفسه من الماهية، ولازم ذلك أن يكون معنى الحركة في
مقولة أن يرد على المتحرك في كل آن من آنات حركته نوع من أنواع تلك المقولة
من دون أن يلبث نوع من أنواعها عليه أكثر من آن واحد، وإلا كان تغيرا في
الماهية، وهو محال.
الفصل السابع
في المقولات التي تقع فيها الحركة
المشهور بين قدماء الحكماء (2) أن المقولات التي تقع فيها الحركة أربع:
الكيف والكم والأين والوضع.
أما الكيف، فوقوع الحركة فيه في الجملة، وخاصة في الكيفيات المختصة

(1) هذا القول منسوب إلى المشائين، راجع الأسفار ج 1 ص 427 - 432، وتعليقات المصنف قدس سره
والحكيم السبزواري عليه. وحاصله أنه ليس التفاوت في نفس ذات طبيعة مبهمة بذاتها،
جوهرا كانت أو عرضا، بل التفاوت في العرضي المحمول عليها، فالتفاوت في العرضي
كالأسود لا في نفس ذات العرض كالسواد.
وقال المصنف قدس سره في تعليقته على الأسفار ج 1 ص 427: (والحق أن الفرق بين العرض
والعرضي في ذلك مع اشتمالهما جميعا على مفهوم غير مختلف في حد مفهوميته مستصعب
جدا).
(2) راجع الفصل الثالث من المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء، والنجاة
ص 107، والمباحث المشرقية ج 1 ص 569 - 582، وشرح المقاصد ج 1 ص 261 - 264،
وكشف المراد ص 265، وشرح المواقف ص 328.
258

بالكميات نظير الاستقامة والاستواء والاعوجاج، ظاهر، فإن الجسم المتحرك في
كمه يتحرك في الكيفيات القائمة بكمه البتة.
وأما الكم، فالحركة فيه تغير الجسم في كمه تغيرا متصلا منتظما متدرجا،
كالنمو الذي هو زيادة الجسم في حجمه زيادة متصلة بنسبة منتظمة تدريجا.
وقد اعترض عليه (1): أن النمو إنما يتحقق بانضمام أجزاء من خارج إلى
أجزاء الجسم. فالحجم الكبير اللاحق كم عارض لمجموع الأجزاء الأصلية
والمنضمة، والحجم الصغير السابق هو الكم العارض لنفس الأجزاء الأصلية،
والكمان متباينان غير متصلين لتباين موضوعيهما. فالنمو زوال لكم وحدوث لكم
آخر، لا حركة.
وأجيب عنه (2): بأن انضمام الضمائم لا شك فيه، لكن الطبيعة تبدل الأجزاء
المنضمة إلى صورة الأجزاء الأصلية، وتزيد به كمية الأجزاء الأصلية زيادة
متصلة منتظمة متدرجة، وهي الحركة كما هو ظاهر.
وأما الأين، فوقوع الحركة فيه ظاهر، كما في انتقالات الأجسام من مكان إلى
مكان، لكن كون الأين مقولة مستقلة في نفسها لا يخلو من شك.
وأما الوضع، فوقوع الحركة فيه أيضا ظاهر، كحركة الكرة على محورها، فإن
وضعها يتبدل بتبدل نسب النقاط المفروضة على سطحها إلى الخارج عنها تبدلا
متصلا تدريجيا.
قالوا (3): (ولا تقع في سائر المقولات - وهي الفعل والانفعال والمتى

(1) والمعترض الشيخ الإشراقي ومتابعوه، كما في الأسفار ج 3 ص 89. وتعرض له وللإجابة
عليه أيضا المحقق الآملي في درر الفوائد ص 211 - 212.
(2) راجع الأسفار ج 3 ص 88 - 93، ودرر الفوائد ص 212.
(3) والقائل أكثر من تقدم على صدر المتألهين، فراجع الفصل الثالث من المقالة الثانية من الفن
الأول من طبيعات الشفاء، والمباحث المشرقية ج 1 ص 593 - 594، وشرح المقاصد ج 1
ص 265 - 266، والنجاة ص 106 - 107، وكشف المراد ص 265 - 266.
259

والإضافة والجدة والجوهر - حركة.
أما الفعل والانفعال، فقد أخذ في مفهوميهما التدريج، فلا فرد آني الوجود
لهما، ووقوع الحركة فيهما يستدعي الانقسام إلى أجزاء آنية الوجود، وليس لهما
ذلك. على أنه يستلزم الحركة في الحركة.
وكذا الكلام في المتى، فإنه لما كان هيئة حاصلة من نسبة الشئ إلى الزمان
وهي تدريجية بتدرج الزمان فلا فرد آني الوجود له حتى تقع فيه الحركة المنقسمة
إلى الإنيات.
وأما الإضافة، فإنها انتزاعية تابعة لطرفيها، لا تستقل بشئ كالحركة.
وكذا الجدة، فإن التغير فيها تابع لتغير موضوعها، كتغير النعل أو القدم في
التنعل - مثلا - عما كانتا عليه.
وأما الجوهر، فوقوع الحركة فيه يستلزم تحقق الحركة من غير موضوع ثابت
باق ما دامت الحركة، ولازم ذلك تحقق حركة من غير متحرك).
ويمكن المناقشة فيما أوردوه من الوجوه.
أما فيما ذكروه في الفعل والانفعال والمتى، فبجواز وقوع الحركة في الحركة
على ما سنبينه إن شاء الله (1).
وأما الإضافة والجدة، فإنهما مقولتان نسبيتان كالوضع، وكونهما تابعين
لأطرافهما في الحركة لا ينافي وقوعها فيهما حقيقة، والاتصاف بالتبع غير
الاتصاف بالعرض.
وأما ما ذكروه في الجوهر، فانتفاء الموضوع في الحركة الجوهرية ممنوع، بل
الموضوع هو المادة، على ما تقدم بيانه (2)، وسيجئ توضيحه إن شاء الله (3).

(1) في الفصل الآتي.
(2) راجع الفصل الخامس من هذه المرحلة.
(3) في الفصل الآتي.
260

الفصل الثامن
في تنقيح القول بوقوع الحركة في مقولة الجوهر
والإشارة إلى ما يتفرع عليه من أصول المسائل
القول بانحصار الحركة في المقولات الأربع العرضية وإن كان هو المعروف
المنقول عن القدماء، لكن المحكي من كلماتهم لا يخلو عن الإشارة إلى وقوع
الحركة في مقولة الجوهر، غير أنهم لم ينصوا عليه (1).
وأول من ذهب إليه وأشبع الكلام في إثباته صدر المتألهين رحمه الله (2)، وهو الحق،
كما أقمنا عليه البرهان في الفصل الثاني (3). وقد احتج رحمه الله، على ما اختاره بوجوه
مختلفة (4). من أوضحها (5) أن الحركات العرضية بوجودها سيالة متغيرة، وهي
معلولة للطبائع والصور النوعية التي لموضوعاتها، وعلة المتغير يجب أن تكون
متغيرة، وإلا لزم تخلف المعلول بتغيره عن علته، وهو محال. فالطبائع والصور
الجوهرية التي هي الأسباب القريبة للأعراض اللاحقة التي فيها الحركة متغيرة في
وجودها متجددة في جوهرها، وإن كانت ثابتة بماهيتها قارة في ذاتها، لأن الذاتي
لا يتغير.
وأما ما وجهوا به (6) ما يعتري هذه الأعراض من التغير والتجدد مع ثبات

(1) منها ما حكى الشيخ الرئيس عن بعض الحكماء - من أن الجوهر أيضا منه قار ومنه
سيال -، راجع الفصل الثاني من المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء. ومنها
كلمات الشيخ الرئيس في التعليقات على ما حكى عنه صدر المتألهين في الأسفار ج 3
ص 118 - 120.
(2) وتبعه الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 246.
(3) راجع الفصل الثاني من هذه المرحلة.
(4) راجع الأسفار ج 3 ص 61 - 67 و ص 101 - 105.
(5) هذا أول البراهين التي أقامها على وجود الحركة في الجوهر، راجع الأسفار ج 3 ص 61 - 63.
(6) كذا وجهوا به الحكماء، كالشيخ الرئيس وغيره على ما في الأسفار ج 3 ص 65.
261

العلة التي هي الطبيعة أو غيرها بأن تغيرها وتجددها لسوانح تنضم إليها من خارج
كحصول مراتب البعد والقرب من الغاية في الحركات الطبيعية ومصادفة موانع
ومعدات قوية وضعيفة في الحركات القسرية وتجدد إرادات جزئية سانحة عند
كل حد من حدود المسافة في الحركات الإرادية.
ففيه (1): أنا ننقل الكلام إلى تجدد هذه الأمور الموجبة لتغير الحركة من أين
حصل؟ فلا بد أن ينتهي إلى ما هو متجدد بالذات.
فإن قيل (2): إنا نوجه صدور الحركة المتجددة عن العلة الثابتة بعين ما وجهتم
به ذلك، من غير حاجة إلى جعل الطبيعة متجددة بالذات، فالحركة متجددة
بالذات، ولا ضير في صدور المتجدد عن الثابت إذا كان التجدد ذاتيا له. فإيجاد
ذاته عين إيجاد تجدده كما اعترفتم به.
قيل (3): التجدد الذي في الحركة العرضية ليس تجدد نفس الحركة، فإن
المقولة العرضية ليس وجودها في نفسها لنفسها حتى يكون منعوتا بنفسها، فتكون
متجددة كما كانت تجددا. وإنما وجودها لغيرها الذي هو الموضوع الجوهري.
فحركة الجسم - مثلا - في لونه تغيره وتجدده في لونه الذي هو له، لا تجدد لونه.
وهذا بخلاف الجوهر، فإن وجوده في نفسه هو لنفسه، فهو تجدد ومتجدد بذاته،
فإيجاد هذا الجوهر إيجاد بعينه للمتجدد وإيجاد المتجدد إيجاد لهذا الجوهر، لا
إيجاد جوهر، ليصير متجددا، فافهم.
حجة أخرى (4): الأعراض من مراتب وجود الجواهر، لما تقدم (5) أن وجودها

(1) كما في الأسفار ج 3 ص 65، والشواهد الربوبية ص 85، وشرح المنظومة ص 250.
(2) هذا الايراد تعرض له الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 250، وتعليقاته على
الأسفار ج 3 ص 67.
(3) والقائل الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 250، وتعليقاته على الأسفار ج 3 ص 67.
(4) هذه الحجة ذكرها صدر المتألهين في الأسفار، وسماها بالبرهان المشرقي، فراجع الأسفار
ج 3 ص 103 - 104.
(5) راجع الفصل الثالث من المرحلة الخامسة، والفصل السابع من المرحلة السادسة.
262

في نفسها عين وجودها لموضوعاتها، فتغيرها وتجددها لا يتم إلا مع تغير
موضوعاتها الجوهرية وتجددها، فالحركات العرضية دليل حركة الجوهر.
ويتبين بما تقدم عدة أمور:
الأول: أن الصور الجوهرية المتبدلة المتواردة على المادة واحدة بعد واحدة
في الحقيقة صورة جوهرية واحدة سيالة تجري على المادة، وموضوعها المادة
المحفوظة بصورة ما - كما تقدم في مرحلة الجواهر والأعراض (1) -، ننتزع من كل
حد من حدودها مفهوما مغايرا لما ينتزع من حد آخر، نسميها: (ماهية نوعية)
تغاير سائر الماهيات في آثارها.
والحركة على الاطلاق وإن كانت لا تخلو من شائبة التشكيك، لما أنها
خروج من القوة إلى الفعل وسلوك من النقص إلى الكمال، لكن في الجوهر مع ذلك
حركة اشتدادية أخرى هي حركة المادة الأولي إلى الطبيعة ثم النبات ثم الحيوان
ثم الإنسان، ولكل من هذه الحركات آثار خاصة تترتب عليها حتى تنتهي الحركة
إلى فعلية لا قوة معها.
الثاني: أن للأعراض اللاحقة بالجواهر - أيا ما كانت - حركة بتبع الجواهر
المعروضة لها، إذ لا معنى لثبات الصفات مع تغير الموضوعات وتجددها. على أن
الأعراض اللازمة للوجود كلوازم الماهية مجعولة بجعل موضوعاتها جعلا بسيطا
من غير أن يتخلل جعل بينها وبين موضوعاتها. هذا في الأعراض اللازمة التي
نحسبها ثابتة غير متغيرة، وأما الأعراض المفارقة التي تعرض موضوعاتها
بالحركة - كما في الحركات الواقعة في المقولات الأربع: الأين والكم والكيف
والوضع - فالوجه أن تعد حركتها من الحركة في الحركة، وأن تسمى: (حركات
ثانية) ويسمى القسم الأول: (حركات أولى).
والإشكال (2) في إمكان تحقق الحركة في الحركة بأن من الواجب في الحركة

(1) راجع الفصل السادس من المرحلة السادسة.
(2) والمستشكل بهمنيار في التحصيل ص 429. وتبعه صدر المتألهين في - الأسفار ج 3 ص 76 - 79، وشرح الهداية الأثيرية ص 110، وكذا الحكيم السبزواري في شرح المنظومة
ص 246 - 247.
263

أن تنقسم بالقوة إلى أجزاء آنية الوجود، والمفروض في الحركة في الحركة أن
تتألف من أجزاء تدريجية منقسمة، فيمتنع أن تتألف منها حركة. على أن لازم
الحركة أن يكون ورود المتحرك في كل حد من حدودها إمعانا فيه، لا تركا له، فلا
تتم حركة.
يدفعه: أن الذي نسلمه أن تنقسم الحركة إلى أجزاء ينقطع به اتصالها
وامتدادها وأن ينتهي ذلك إلى أجزاء آنية، وأما الانتهاء إليها بلا واسطة فلا. فمن
الجائز أن تنقسم الحركة إلى أجزاء آنية غير تدريجية من سنخها، ثم تنقسم
الأجزاء إلى أجزاء آنية أخيرة. فانقسام الحركة وانتهاء انقسامها إلى أجزاء آنية،
كقيام العرض بالجوهر، فربما كان قيامه بلا واسطة، وربما كان مع الواسطة ومنتهيا
إلى الجوهر بواسطة أو أكثر، كقيام الخط بالسطح والسطح بالجسم التعليمي
والجسم التعليمي بالجسم الطبيعي.
وأما حديث الامعان في الحدود فإنما يستدعي حدوث البطؤ في الحركة،
ومن الجائز أن يكون سبب البطؤ هو تركب الحركة، وسنشير إلى ذلك فيما سيأتي
إن شاء الله (1).
الثالث: أن المادة الأولى - بما أنها قوة محضة - لا فعلية لها أصلا إلا فعلية
أنها قوة محضة، فهي في أي فعلية تعتريها تابعة للصورة التي تقيمها، فهي متميزة
بتميز الصورة التي تتحد بها متشخصة بتشخصها تابعة لها في وحدتها وكثرتها. نعم
لها وحدة مبهمة شبيهة بوحدة الماهية الجنسية.
فإذ كانت هي موضوع الحركة العامة الجوهرية، فعالم المادة برمتها حقيقة
واحدة سيالة متوجهة من مرحلة القوة المحضة إلى فعلية لا قوة معها.

(1) راجع الفصل الثاني عشر من هذه المرحلة.
264

الفصل التاسع
في موضوع الحركة
قد تبين أن الموضوع لهذه الحركات هو المادة. هذا إجمالا.
أما تفصيله فهو: أنك قد عرفت (1) أن في مورد الحركة مادة وصورة وقوة
وفعلا. وقد عرفت في مباحث الماهية (2) أن الجنس والفصل هما المادة والصورة
لا بشرط، وأن الماهيات النوعية قد تترتب متنازلة إلى السافل من نوع عال
ومتوسط وأخير، وقد تندرج تحت جنس واحد قريب أنواع كثيرة اندراجا
عرضيا لا طوليا، ولازم ذلك أن يكون في القسم الأول من الأنواع الجوهرية مادة
أولى متحصلة بصورة أولى، ثم هما معا مادة ثانية لصورة ثانية، ثم هما معا مادة
- وتسمى أيضا ثانية - لصورة لاحقة، وفي القسم الثاني مادة لها صور متعددة
متعاقبة عليها كلما حلت بها واحدة منها امتنعت من قبول صورة أخرى.
فإذا رجعت هذه التنوعات الجوهرية الطولية والعرضية إلى الحركة، ففي
القسم الثاني كانت المادة التي هي موضوع الحركة في بدئها هي الموضوع بعينه ما
تعاقبت الصور إلى آخر الحركة، سواء كانت هي المادة الأولى أو المادة الثانية،
وكذلك الحكم في الحركات العرضية - بفتح الراء -. وفي القسم الأول - وهو
الحركة الطولية - المادة الأولى موضوع للصورة الأولى، ثم هما معا موضوع
للصورة الثانية، لا بطريق الخلع واللبس كما في القسم الأول، بل بطريق اللبس بعد
اللبس. ولازم ذلك أن تكون الحركة اشتدادية لا متشابهة، وكون مادة الصورة
الأولى معزولة عن موضوعية الصورة الثانية، بل الموضوع لها هو المادة الأولى
والصورة الأولى معا، والمادة الأولى من المقارنات.
والصورة الثانية في هذه المرتبة هي فعلية النوع ولها الآثار المترتبة، إذ لا
حكم إلا للفعلية، ولا فعلية إلا واحدة، وهي فعلية الصورة الثانية.

(1) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
(2) راجع الفصل الخامس من المرحلة الخامسة.
265

وهذا معنى قولهم (1): (إن الفصل الأخير جامع لجميع كمالات الفصول
السابقة، ومنشأ لانتزاعها، وأنه لو تجرد عن المادة وتقرر وحده لم تبطل بذلك
حقيقة النوع، والأمر على هذا القياس في كل صورة لا حقة بعد صورة).
ومن هنا يظهر:
أولا: أن الحركة في القسم الثاني بسيطة. وأما في القسم الأول فإنها مركبة،
لتغير الموضوع في كل حد من الحدود، غير أن تغيره ليس ببطلان الموضوع
السابق وحدوث موضوع لاحق، بل بطريق الاستكمال، ففي كل حد من الحدود
تصير فعلية الحد وقوة الحد اللاحق معا قوة لفعلية الحد اللاحق.
وثانيا: أن لا معنى للحركة النزولية بسلوك الموضوع من الشدة إلى الضعف
ومن الكمال إلى النقص، لاستلزامها كون فعلية ما قوة لقوته كأن يتحرك الإنسان
من الإنسانية إلى الحيوانية ومن الحيوانية إلى النباتية، وهكذا. فما يتراءى منه
الحركة التضعفية حركة بالعرض تتبع حركة أخرى اشتدادية تزاحم الحركة
النزولية المفروضة كالذبول.
وثالثا: أن الحركة - أيا ما كانت - محدودة بالبداية والنهاية، فكل حد من
حدودها ينتهي من الجانبين إلى قوة لا فعلية معها وإلى فعل لا قوة معه، وحكم
المجموع أيضا حكم الابعاض. وهذا لا ينافي ما تقدم (2) أن الحركة لا أول لها ولا
آخر، فإن المراد به أن تبتدئ بجزء لا ينقسم بالفعل وأن تختم بذلك. فالجزء بهذا
المعنى لا يخرج من القوة إلى الفعل أبدا، ولا الماهية النوعية المنتزعة من هذا الحد
تخرج من القوة إلى الفعل أبدا.
الفصل العاشر
في فاعل الحركة وهو المحرك
ليعلم أن الحركة كيفما فرضت فالمحرك فيها غير المتحرك.

(1) راجع الأسفار ج 2 ص 35، والفصل السادس من المرحلة الخامسة من المتن.
(2) في الفصل الخامس من هذه المرحلة.
266

فإن كانت الحركة جوهرية والحركة في ذات الشئ وهو المتحرك بالحقيقة
- كما تقدم (1) - كان فرض كون المتحرك هو المحرك فرض كون الشئ فاعلا
موجدا لنفسه، واستحالته ضرورية. فالفاعل الموجد للحركة هو الفاعل الموجد
للمتحرك، وهو جوهر مفارق للمادة، يوجد الصورة الجوهرية، ويقيم بها المادة،
والصورة شريكة الفاعل على ما تقدم (2).
وإن كانت الحركة عرضية وكان العرض لازما للوجود، فالفاعل الموجد
للحركة فاعل الموضوع المتحرك بعين جعل الموضوع، من غير تخلل جعل آخر
بين الموضوع وبين الحركة، إذ لو تخلل الجعل وكان المتحرك - وهو مادي - فاعلا
في نفسه للحركة، كان فاعلا من غير توسط المادة. وقد تقدم في مباحث العلة
والمعلول (3) أن العلل المادية لا تفعل إلا بتوسط المادة وتخلل الوضع بينها وبين
معلولاتها، فهي إنما تفعل في الخارج من نفسها. ففاعل لازم الوجود فاعل
ملزومه، وهو جوهر مفارق للمادة جعل الصورة ولازم وجودها جعلا واحدا
وأقام بها المادة.
وإن كانت الحركة عرضية والعرض مفارقا، كان الفاعل القريب للحركة هو
الطبيعة، بناء على انتساب الأفعال الحادثة عند كل نوع جوهري إلى طبيعة ذلك
النوع.
وتفصيل القول أن الموضوع إما أن يفعل أفعاله على وتيرة واحدة أو لا على
وتيرة واحدة. والأول هو الطبيعة المعرفة بأنها مبدأ حركة ما هي فيه وسكونه.
والثاني هو النفس المسخرة لعدة طبائع وقوى تستعملها في تحصيل ما تريده من
الفعل. وكل منهما إما أن يكون فعلها ملائما لنفسها بحيث لو خليت ونفسها لفعلته
وهو (الحركة الطبيعية)، أو لا يكون كذلك كما يقتضيه قيام مانع مزاحم وهو
(الحركة القسرية).

(1) في الفصل الثامن من هذه المرحلة.
(2) راجع الفصل السادس من المرحلة السادسة.
(3) راجع الفصل الخامس عشر من المرحلة الثامنة.
267

وعلى جميع هذه التقادير فاعل الحركة هي الطبيعة (1). أما في الحركة
الطبيعية، فلأن الطبيعة إنما تنشئ الحركة عند زوال صورة ملائمة أو عروض هيئة
منافرة تفقد بذلك كمالا تقتضيه، فتطلب الكمال، فتسلك إليه بالحركة، ففاعلها
الصورة وقابلها المادة. وأما في الحركة القسرية، فلأن القاسر ربما يزول والحركة
القسرية على حالها، وقد بطلت فاعلية الطبيعة بالفعل، فليس الفاعل إلا الطبيعة
المقسورة (2). وأما في الحركة النفسانية، فلأن كون النفس مسخرة للطبائع والقوى
المختلفة لتستكمل بأفعالها، نعم الدليل على أن الفاعل القريب في الحركات
النفسانية هي الطبائع والقوى المغروزة في الأعضاء.
الفصل الحادي عشر
في الزمان
إنا نجد فيما عندنا حوادث متحققة بعد حوادث أخرى هي قبلها، لما أن للتي
بعد نحو توقف على التي قبل، توقفا لا يجامع معه القبل والبعد، على خلاف سائر
أنحاء التقدم والتأخر كتقدم العلة أو جزئها على المعلول، وهذه مقدمة ضرورية لا
نرتاب فيها.
ثم إن ما فرضناه قبل، ينقسم بعينه إلى قبل وبعد بهذا المعنى - أي بحيث لا
يجتمعان -، وكذا كل ما حصل من التقسيم وله صفة قبل، ينقسم إلى قبل وبعد من
غير وقوف للقسمة.
فهاهنا كم متصل غير قار، إذ لو لم يكن كم، لم يكن انقسام، ولو لم يكن

(1) راجع الشواهد الربوبية ص 90.
(2) ولما كان المحرك في الحركات القسرية هي الطبيعة المقسورة فلا وجه لما ذكره اللاهيجي
في شوارق الالهام ص 235 من الفرق بين الحركة الطبيعية والحركة القسرية بأن الجسم إن
كان محلا للقوة الجسمانية فتحريكها له بالطبع وإلا كان بالقسر. بل الحق أن يقال: إن الحركة
الحاصلة إما ملائمة للقوة الجسمانية أو لا، فالأول تحريك بالطبع والثاني تحريك بالقسر.
268

اتصال لم يتحقق البعد فيما هو قبل وبالعكس، بل انفصلا. وبالجملة لم يكن بين
الجزئين من هذا الكم حد مشترك، ولو لم يكن غير قار لاجتمع ما هو قبل وما هو
بعد بالفعل.
وإذ كان الكم عرضا فله موضوع هو معروضه، لكنا كلما رفعنا الحركة من
المورد ارتفع هذا المقدار وإذا وضعناها ثبت، وهذا هو الذي نسميه: (زمانا)،
فالزمان موجود، وماهيته أنه مقدار متصل غير قار عارض للحركة (1).
وقد تبين بما مر أمور:
الأول: أنه لما كان كلما وضعنا حركة أو بدلنا حركة من حركة ثبت هذا الكم
المسمى بالزمان، ثبت أن لكل حركة - أي حركة كانت - زمانا خاصا بها، متشخصا
بتشخصها، مقدرا لها، وإن كنا نأخذ زمان بعض الحركات مقياسا نقدر به حركات
أخرى، كما نأخذ زمان الحركة اليومية مقياسا نقدر به الحركات الأخرى التي
تتضمنها الحوادث الكونية الكلية والجزئية بتطبيقها على ما نأخذ لهذا الزمان من
الأجزاء، كالقرون والسنين والشهور والأسابيع والأيام والساعات والدقائق
والثواني وغير ذلك.
الثاني: أن نسبة الزمان إلى الحركة نسبة الجسم التعليمي إلى الجسم الطبيعي،
وهي نسبة المعين إلى المبهم.
الثالث: أنه كما تنقسم الحركة إلى أقسام لها حدود مشتركة وبينها فواصل
غير موجودة إلا بالقوة وهي الإنيات، كذلك الزمان ينقسم إلى أقسام لها حدود

(1) اعلم أن الناس قد اختلفوا في الزمان، فمنهم من قال: (إنه لا وجود له إلا بحسب الوهم)،
ومنهم من قال: (إنه جوهر مجرد)، ومنهم من قال: (إنه واجب الوجود)، ومنهم من قال: (إنه
جوهر جسماني هو الفلك الأعلى)، ومنهم من قال: (إنه عرض غير قار). وتفصيل هذه
المذاهب وأدلتهم مذكور في المطولات، فراجع الفصل العاشر والفصل الحادي عشر من
المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء، والمباحث المشرقية ج 1 ص 642 - 658،
والأسفار ج 3 ص 141 - 148، وشرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 102 - 110،
وشرح عيون الحكمة ج 2 ص 119 - 123.
269

مشتركة وبينها فواصل غير موجودة إلا بالقوة وهي الآنات. فالآن طرف الزمان،
كالنقطة التي هي طرف الخط، وهو أمر عدمي حظه من الوجود انتسابه إلى ما هو
طرف له.
ومن هنا يظهر أن تتالي الآنات ممتنع، فإن الآن ليس إلا فاصلة عدمية بين
قطعتين من الزمان، وما هذا حاله لا يتحقق منه اثنان إلا وبينهما قطعة من الزمان.
الرابع: أن الأشياء في انطباقها على الزمان مختلفة، فالحركة القطعية منطبقة
على الزمان بلا واسطة، واتصاف أجزاء هذه الحركة بالتقدم والتأخر ونحوهما بتبع
اتصاف أجزاء الزمان بذلك. وكل آني الوجود من الحوادث كالوصول والترك
والاتصال والانفصال منطبق على الآن، والحركة التوسطية منطبقة عليه بواسطة
القطعية.
وتبين أيضا أن تصوير التوسطي من الزمان - وهو المسمى بالآن السيال الذي
يرسم الامتداد الزماني - تصوير وهمي مجازي، كيف؟ والزمان كم منقسم بالذات.
وقياسه إلى الوحدة السارية التي ترسم بتكررها العدد والنقطة السارية التي ترسم
الخط، في غير محله، لأن الوحدة ليست بالعدد، وإنما ترسمه بتكررها لا بذاتها،
والنقطة نهاية عدمية، وتألف الخط منها وهمي.
الخامس: أن الزمان ليس له طرف موجود بالفعل - بمعنى جزء هو بدايته، أو
نهايته لا ينقسم في امتداد الزمان -، وإلا تألف المقدار من أجزاء لا قدر لها وهو
الجزء الذي لا يتجزى، وهو محال. وإنما ينفد الزمان بنفاد الحركة المعروضة من
الجانبين.
السادس: أن الزمان لا يتقدم عليه شئ إلا بتقدم غير زماني، كتقدم علة
الوجود وعلة الحركة وموضوعها عليه.
السابع: أن القبلية والبعدية الزمانيتين لا تتحققان بين شئ وشئ إلا وبينهما
زمان مشترك ينطبقان عليه.
ويظهر بذلك أنه إذا تحقق قبل زماني بالنسبة إلى حركة أو متحرك استدعى
270

ذلك تحقق زمان مشترك بينهما، ولازم ذلك تحقق حركة مشتركة، ولازمه تحقق
مادة مشتركة بينهما.
تنبيه:
إعتبار الزمان مع الحركات - والزمان مقدار متغير - يفيد تقدرها وما يترتب
عليه من التقدم والتأخر، وقد تعتبر الموجودات الثابتة مع المتغيرات فيفيد معية
الثابت مع المتغير وتسمى: (الدهر)، وقد يعتبر الموجود الثابت مع الأمور الثابتة
ويفيد معية الثابت مع الأمور الثابتة ويفيد معية الثابت الكلي مع ما دونه من
الثوابت وتسمى: (السرمد). وليس في الدهر والسرمد تقدم، ولا تأخر، لعدم التغير
والانقسام فيهما.
قال في الأسفار: (وأما الموجودات التي ليست بحركة ولا في حركة فهي لا
تكون في الزمان بل اعتبر ثباته مع المتغيرات، فتلك المعية تسمى ب‍ (الدهر).
وكذا معية المتغيرات مع المتغيرات لا من حيث تغيرها، بل من حيث ثباتها، إذ ما
من شئ إلا وله نحو من الثبات. وإن كان ثباته ثبات التغير، فتلك المعية أيضا
دهرية. وإن اعتبرت الأمور الثابتة مع الأمور الثابتة، فتلك المعية هي السرمد.
وليس بإزاء هذه المعية ولا التي قبلها تقدم وتأخر، ولا استحالة في ذلك، فإن شيئا
منهما ليس مضايفا للمعية حتى تستلزمها) (1) - انتهى.
الفصل الثاني عشر
في معنى السرعة والبطؤ
السرعة والبطؤ نعرفهما بمقايسة بعض الحركات إلى بعض، فإذا فرضنا
حركتين سريعة وبطيئة في مسافة، فإن فرضنا اتحاد المسافة اختلفتا في الزمان،
وكان زمان السريعة أقل وزمان البطيئة أكثر، وإن فرضنا اتحاد الزمان كانت

(1) راجع الأسفار ج 3 ص 182.
271

المسافة المقطوعة للسريعة أكثر ومسافة البطيئة أقل.
وهما من المعاني الإضافية التي تتحقق بالإضافة، فإن البطيئة تعود سريعة إذا
قيست إلى ما هو أبطأ منها، والسريعة تصير بطيئة إذا قيست إلى ما هو أسرع منها.
فإذا فرضنا سلسلة من الحركات المتوالية المتزائدة في السرعة كان كل واحد من
الأوساط - سوى الطرفين متصفا بالسرعة والبطؤ معا - سريعا بالقياس إلى أحد
الجانبين، بطيئا بالقياس إلى الآخر، فهما وصفان إضافيان غير متقابلين، كالطول
والقصر، والكبر والصغر.
وأما ما قيل (1): (إن البطؤ في الحركة بتخلل السكون)، فيدفعه ما تبين فيما
تقدم (2) أن الحركة متصلة لا تقبل الانقسام إلا بالقوة.
وربما قيل (3): (إنهما متضادان).
قال في الأسفار: (إن التقابل بين السرعة والبطؤ ليس بالتضايف، لأن
المضافين متلازمان في الوجودين وهما غير متلازمين في واحد من الوجودين.
وليس تقابلهما أيضا بالثبوت والعدم، لأنهما إن تساويا في الزمان كانت السريعة
قاطعة من المسافة ما لم تقطعها البطيئة، وإن تساويا في المسافة كان زمان البطيئة
أكثر، فلأحدهما نقصان المسافة وللآخر نقصان الزمان، فليس جعل أحدهما
عدميا أولى من جعل الآخر عدميا، فلم يبق من التقابل بينهما إلا التضاد لا
غير) (4) - انتهى.

(1) والقائل هو المتكلمون على ما نقل عنهم في شرح المقاصد ج 1 ص 275، وكشف المراد
ص 270، وشوارق الالهام ص 483، وشرح التجريد للقوشجي ص 304.
(2) في الفصل الخامس من هذه المرحلة.
(3) والقائل هو المتكلمون، كما ذهب إليه الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 605.
وتبعهم صدر المتألهين في الأسفار ج 3 ص 198. بخلاف المشهور من الحكماء حيث ذهبوا
إلى أن التقابل بينهما تقابل العدم والملكة.
(4) راجع الأسفار ج 3 ص 198.
272

وفيه (1): أنهم شرطوا في التضاد أن يكون بين طرفيه غاية الخلاف، وليس
ذلك بمحقق بين السرعة والبطؤ، إذ ما من سريع إلا ويمكن أن يفرض ما هو أسرع
منه، وما من بطئ إلا ويمكن أن يفرض ما هو أبطأ منه.
هذا في السرعة والبطؤ الإضافيين. وأما السرعة بمعنى الجريان والسيلان
فهي خاصة لمطلق الحركة لا يقابلها بطؤ.
الفصل الثالث عشر
في السكون
الحركة والسكون لا يجتمعان في جسم من جهة واحدة في زمان واحد،
فبينهما تقابل، والحركة وجودية، لما تقدم (2) أنها نحو الوجود السيال، لكن
السكون ليس بأمر وجودي، ولو كان وجوديا لكان هو الوجود الثابت وهو الذي
بالفعل من كل جهة، وليس الوجودات الثابتة وهي المجردة بسكون، ولا ذوات
سكون. فالحركة وجودية والسكون عدمي. فليس تقابلها تقابل التضايف
والتضاد. وليسا بمتناقضين، وإلا صدق السكون على كل ما ليس بحركة، كالعقول
المفارقة التي هي بالفعل من كل جهة وأفعالها. فالسكون عدم الحركة مما من شأنه
الحركة، فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة (3).
لكن ليعلم أن ليس للسكون مصداق في شئ من الجواهر المادية، لما
تقدم (4) أنها سيالة الوجود، ولا في شئ من أعراضها التابعة لموضوعاتها

(1) كذا أجاب عنه المصنف قدس سره في تعليقته على الأسفار ج 3 ص 198 - 199.
(2) في الفصل الثاني من هذه المرحلة.
(3) هذا رأي الحكماء، كالشيخ الرئيس في الفصل السابع من المقالة الرابعة والفصل الرابع من
المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء، والنجاة ص 114 - 115، وصدر المتألهين
في شرح الهداية الأثيرية ص 89. خلافا للمتكلمين القائلين بأن بينهما تقابل التضاد، وتبعهم
المحقق الطوسي كما في كشف المراد ص 271.
(4) في الفصل الثامن من هذه المرحلة.
273

الجوهرية في الحركة، لقيامها بها.
نعم هناك سكون نسبي للموضوعات المادية ربما تلبست به بالقياس إلى
الحركات الثانية التي في المقولات الأربع العرضية: الكم والكيف والأين والوضع.
الفصل الرابع عشر
في إنقسامات الحركة
تنقسم الحركة بانقسام الأمور الستة التي تتعلق بها ذاتها.
فانقسامها بانقسام المبدأ والمنتهى، كالحركة من أين كذا إلى أين كذا،
والحركة من القعود إلى القيام، والحركة من لون كذا إلى لون كذا، وحركة الجسم
من قدر كذا إلى قدر كذا.
وانقسامها بانقسام المقولة، كالحركة في الكيف، وفي الكم، وفي الأين، وفي
الوضع.
وانقسامها بانقسام الموضوع، كحركة النبات، وحركة الحيوان، وحركة الإنسان.
وانقسامها بانقسام الزمان، كالحركة الليلية، والحركة النهارية، والحركة
الصيفية، والحركة الشتوية.
وانقسامها بانقسام الفاعل، كالحركة الطبيعية، والحركة القسرية، والحركة
النفسانية.
قالوا: (إن الفاعل القريب في جميع هذه الصور هو الطبيعة، والتحريك
النفساني على نحو التسخير للقوى الطبيعية) (1)، كما تقدمت الإشارة إليه (2).
وقالوا: (إن المتوسط بين الطبيعة وبين الحركة هو مبدأ الميل الذي توجده الطبيعة
في المتحرك) (3)، وتفصيل القول في الطبيعيات (4).

(1) راجع الأسفار ج 3 ص 64 - 65 و ص 231 - 232.
(2) في الفصل العاشر من هذه المرحلة.
(3) راجع ما علق الحكيم السبزواري على الأسفار ج 3 ص 65.
(4) راجع شرح الإشارات ج 2 ص 208 - 226.
274

خاتمة:
كما تطلق القوة على مبدأ القبول كذلك تطلق على مبدأ الفعل، وخاصة إذا
كانت قوية شديدة، كما تطلق القوى الطبيعية على مبادئ الآثار الطبيعية وتطلق
القوى النفسانية على مبادئ الآثار النفسانية من إبصار وسمع وتخيل وغير ذلك.
وهذه القوة الفاعلة إذا قارنت العلم والمشية سميت: (قدرة الحيوان). وهي
علة فاعلة يتوقف تمام عليتها بحيث يجب معها الفعل إلى أمور خارجة، كحضور
المادة القابلة، واستقرار وضع مناسب للفعل، وصلاحية أدوات الفعل، وغير ذلك،
فإذا اجتمعت تمت العلية ووجب الفعل.
فبذلك يظهر فساد تحديد بعضهم (1) مطلق القدرة ب‍ (أنها ما يصح معه الفعل
والترك)، فإن نسبة الفعل والترك إلى الفاعل إنما تكون بالصحة والإمكان إذا كان
جزءا من العلة التامة. فإذا أخذ وحده وبما هو علة ناقصة ونسب إليه الفعل لم
يجب به. وأما الفاعل التام الفاعلية الذي هو وحده علة تامة كالواجب (تعالى)،
فلا معنى لكون نسبة الفعل والترك إليه بالإمكان، - أعني كون النسبتين
متساويتين -.
وأما الاعتراض عليه: بأن لازم كون فعله واجبا كونه (تعالى) موجبا - بالفتح -
مجبرا على الفعل، وهو ينافي القدرة.
فمندفع: بأن هذا الوجوب ملحق بالفعل من قبله (تعالى)، وهو أثره. ولا معنى
لكون أثر الشئ التابع له في وجوده مؤثرا في ذات الشئ الفاعل، وليس هناك
فاعل آخر يؤثر فيه (تعالى) بجعله مضطرا إلى الفعل.
وكذلك فساد قول بعضهم (2): (إن صحة الفعل تتوقف على كونه مسبوقا بالعدم
الزماني، فالفعل غير المسبوق بعدم زماني ممتنع).

(1) وهو المتكلمون.
(2) أي بعض المتكلمين كما نقل عنهم في رسالة الحدوث لصدر المتألهين ص 15. وفي
الأسفار عبر عنهم بطائفة من الجدليين، راجع الأسفار ج 2 ص 384.
275

وجه الفساد أنه مبني على القول بأن علة الحاجة إلى العلة هي الحدوث دون
الإمكان، وقد تقدم إبطاله في مباحث العلة والمعلول (1). على أنه منقوض بنفس
الزمان، فكون إيجاد الزمان مسبوقا بعدمه الزماني إثبات للزمان قبل نفسه،
واستحالته ضرورية.
وكذلك فساد قول من قال (2) ب‍: (أن القدرة إنما تحدث مع الفعل ولا قدرة
على فعل قبله).
وجه الفساد أنهم يرون أن القدرة هي صحة الفعل والترك، فلو ترك الفعل
زمانا ثم فعل، صدق عليه قبل الفعل أنه يصح منه الفعل والترك، وهي القدرة. على
أنه يناقض ما تسلموه أن الفعل متوقف على القدرة، فإن معية القدرة والفعل تنافي
توقف أحدهما على الآخر.

(1) راجع الفصل الثالث من المرحلة الثامنة، والفصل السادس من المرحلة الرابعة.
(2) والقائل هم الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة، بخلاف المعتزلة حيث ذهبوا إلى أن القدرة
قبل الفعل، راجع شرح المقاصد ج 1 ص 240.
276

المرحلة العاشرة
في السبق واللحوق والقدم والحدوث
وفيها ثمانية فصول
277

الفصل الأول
في السبق واللحوق وهما التقدم والتأخر
يشبه أن يكون أول ما عرف من معنى التقدم والتأخر ما كان منهما بحسب
الحس، كأن يفرض مبدأ يشترك في النسبة إليه أمران، ما كان لأحدهما من النسبة
إليه فللآخر، وليس كل ما كان للأول فهو للثاني، فيسمى ما للأول من الوصف
(تقدما)، وما للثاني (تأخرا)، كمحراب المسجد يفرض مبدأ فيشترك في النسبة
إليه الإمام والمأموم، فما للمأموم من نسبة القرب إلى المحراب فهو للإمام، ولا
عكس، فالإمام متقدم والمأموم متأخر. ومعلوم أن وصفي التقدم والتأخر يختلفان
باختلاف المبدأ المفروض، كما أن الإمام متقدم والمأموم متأخر في المثال
المذكور على تقدير فرض المحراب مبدأ، ولو فرض المبدأ هو الباب كان الأمر
بالعكس وكان المأموم متقدما والإمام متأخرا.
ولا يتفاوت الأمر في ذلك أيضا بين أن يكون الترتيب وضعيا اعتباريا كما
في المثال السابق، أو طبعيا كما إذا فرضنا مثلا الجسم ثم النبات ثم الحيوان ثم
الإنسان، فإن فرضنا المبدأ هو الجسم كان النبات متقدما والحيوان متأخرا، وإن
فرضنا المبدأ هو الإنسان كان الحيوان متقدما والنبات متأخرا، ويسمى هذا التقدم
والتأخر: (تقدما وتأخرا بحسب الرتبة).
279

ثم عمموا ذلك فاعتبروه في مورد الشرف والفضل والخسة وما يشبه ذلك مما
يكون فيه زيادة من المعنويات، كتقدم العالم على الجاهل، والشجاع على الجبان،
فباعتبار النوع بآثار كماله مبدأ مثلا يختلف في النسبة إليه العالم والجاهل،
والشجاع والجبان، ويسميان: (تقدما وتأخرا بالشرف).
وانتقلوا أيضا إلى التقدم والتأخر الزمانيين بما أن الجزئين من الزمان كاليوم
والأمس يشتركان في حمل قوة الأجزاء اللاحقة، لكن ما لأحدهما - وهو اليوم -
من القوة المحمولة محمولة للآخر - وهو الأمس -، ولا عكس، لأن الأمس يحمل
قوة اليوم بخلاف اليوم، فإنه يحمل فعلية نفسه، والفعلية لا تجامع القوة. ولذا كان
الجزءان من الزمان لا يجتمعان في فعلية الوجود. فبين أجزاء الزمان تقدم وتأخر
لا يجامع المتقدم منها المتأخر، بخلاف سائر أقسام التقدم والتأخر. وكذا بين
الحوادث التي هي حركات منطبقة على الزمان تقدم وتأخر زماني بتوسط الزمان
الذي هو تعينها، كما أن للجسم الطبيعي الإمتدادات الثلاثة بتوسط الجسم التعليمي
الذي هو تعينه.
وقد تنبهوا بذلك إلى أن في الوجود أقساما أخر من التقدم والتأخر الحقيقيين،
فاستقرؤها (1)، فأنهوها - أعم من الاعتبارية والحقيقية - إلى تسعة أقسام (2):

(1) قال العلامة في كشف المراد ص 58: (وهذا الحصر استقرائي لا برهاني، إذ لم يقم برهان
على انحصار التقدم في هذه الأنواع).
(2) اعلم أن الشيخ الرئيس ذكر للتقدم والتأخر خمسة أقسام، وتبعه غيره من الحكماء. راجع
الفصل الأول من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء، والنجاة ص 222، والتحصيل ص 35 - 36
و ص 467 - 468. وتبعه الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 302 - 303.
ثم المتكلمون زادوا قسما آخر، وسموه (التقدم والتأخر الذاتي). راجع كشف المراد
ص 57 - 58.
ثم السيد الداماد زاد قسما آخر، وسماه (التقدم والتأخر بالدهر). راجع القبسات ص 3 - 18.
ثم صدر المتألهين زاد قسمين آخرين: (أحدهما): التقدم والتأخر بالحقيقة والمجاز.
و (ثانيهما): التقدم والتأخر بالحق. راجع الأسفار ج 3 ص 257، والشواهد الربوبية ص 61.
280

الأول والثاني والثالث: ما بالرتبة من التقدم والتأخر، وما بالشرف، وما
بالزمان، وقد تقدمت (1).
الرابع: التقدم والتأخر بالطبع، وهما تقدم العلة الناقصة على المعلول حيث
يرتفع بارتفاعها المعلول ولا يجب بوجودها، وتأخر معلولها عنها.
الخامس: التقدم والتأخر بالعلية، وهما تقدم العلة التامة التي يجب بوجودها
المعلول على معلولها، وتأخر معلولها عنها.
السادس: التقدم والتأخر بالجوهر، وهما تقدم أجزاء الماهية من الجنس
والفصل عليها، وتأخرها عنها بناء على أصالة الماهية (2). وتسمى هذه الثلاثة
الأخيرة - أعني ما بالطبع وما بالعلية وما بالتجوهر -: (تقدما وتأخرا بالذات).
السابع: التقدم والتأخر بالدهر، وهما تقدم العلة التامة على معلولها، وتأخر
معلولها عنها، لكن لا من حيث إيجابها وجود المعلول وإفاضته - كما في التقدم
والتأخر بالعلية -، بل من حيث انفكاك وجودها وانفصاله عن وجوده وتقرر عدم
المعلول في مرتبة وجودها، كتقدم نشأة التجرد العقلي على نشأة المادة. زاد هذا
القسم السيد المحقق الداماد (3).

(1) تقدمت آنفا.
(2) قال الحكيم السبزواري في تعليقة شرح المنظومة ص 86: (فلو جاز تقرر الماهيات منفكة
عن كافة الوجودات - كما زعمته المعتزلة - لكانت ماهية الجنس وماهية الفصل متقدمتين
على ماهية النوع بالتجوهر، وكذا الماهية على لازمها، ولا وجود فرضا حتى يكون ملاك
التقدم والتأخر). وقال في تعليقته على الأسفار ج 3 ص 249: (والقائل بتقدم الماهية على
الوجود المحقق الدواني والسيد المحقق الداماد وتابعوه).
(3) راجع القبسات ص 3 - 18.
وأورد عليه المحقق اللاهيجي بإرجاعه إلى التقدم بالعلية. راجع شوارق الالهام
ص 104.
وقال الحكيم السبزواري - بعد ما فسر كلام السيد في القبسات -: (إن قدح المحقق
اللاهيجي رحمه الله فيه مقدوح بشرط الرجوع إلى ما ذكرته في بيان الحدوث الدهري). راجع شرح المنظومة ص 87.
والشيخ محمد تقي الآملي قد تصدى لبيان عدم ورود هذا الايراد عليه على ما فسر
الحكيم السبزواري. راجع درر الفوائد ص 280 و 283.
281

الثامن: التقدم والتأخر بالحقيقة والمجاز، وهو أن يشترك أمران في الاتصاف
بوصف، غير أن أحدهما بالذات والآخر بالعرض. فالمتصف به بالذات متقدم بهذا
التقدم على المتصف به بالعرض، وهو متأخر، كتقدم الوجود على الماهية
الموجودة به، بناء على أن الوجود هو الأصل في الموجودية والتحقق، والماهية
موجودة به بالعرض. وهذا القسم زاده صدر المتألهين قدس سره (1).
التاسع: التقدم والتأخر بالحق، وهو تقدم وجود العلة التامة على وجود
معلولها عنه، وهذا غير التقدم والتأخر بالعلية. زاده صدر المتألهين قدس سره (2). قال في
الأسفار: (وبالجملة، وجود كل علة موجبة يتقدم على وجود معلولها الذاتي هذا
النحو من التقدم، إذ الحكماء عرفوا العلة الفاعلة بما يؤثر في شئ مغاير للفاعل،
فتقدم ذات الفاعل على ذات المعلول تقدم بالعلية. وأما تقدم الوجود على الوجود
فهو تقدم آخر غير ما بالعلية، إذ ليس بينهما تأثير وتأثر ولا فاعلية ولا مفعولية، بل
حكمهما حكم شئ واحد له شؤون وأطوار، وله تطور من طور إلى
طور) (3) - انتهى.
الفصل الثاني
في ملاك السبق واللحوق في كل واحد من الأقسام
والمراد به - كما أشير إليه في الفصل السابق (4) - هو الأمر المشترك فيه بين
المتقدم والمتأخر الذي يوجد منه للمتقدم ما لا يوجد للمتأخر، ولا يوجد منه
شئ للمتأخر إلا وهو موجود للمتقدم.

(1 و 2) راجع الأسفار ج 3 ص 257.
(3) راجع الأسفار ج 3 ص 257 - 258.
(4) حيث قال: (كأن يفرض مبدأ مشترك في النسبة إليه أمران).
282

فملاك التقدم والتأخر بالرتبة هو النسبة إلى المبدأ المحدود، كاشتراك الإمام
والمأموم في النسبة إلى المبدأ المفروض من المحراب أو الباب مع تقدم الإمام لو
كان المبدأ المفروض هو المحراب، وتقدم المأموم لو كان هو الباب في الرتبة
الحسية، وكتقدم كل جنس على نوعه في ترتب الأجناس والأنواع إن كان المبدأ
المفروض هو الجنس العالي، وتقدم كل نوع على جنسه إن كان الأمر بالعكس.
وملاك التقدم والتأخر بالشرف اشتراك أمرين في معنى من شأنه أن يتصف
بالفضل والمزية أو بالرذيلة، كاشتراك الشجاع والجبان في الإنسانية التي من
شأنها أن تتصف بفضيلة الشجاعة، فللشجاع ما للجبان، ولا عكس. ومثله تقدم
الأرذل على غيره في الرذالة.
وملاك التقدم والتأخر بالزمان هو اشتراك جزءين مفروضين منه في وجود
متقض متصرم مختلط فيه القوة والفعل بحيث يتوقف فيه فعلية أحدهما على قوته
مع الآخر، فالجزء الذي معه قوة الجزء الآخر هو المتقدم، والجزء الذي بخلافه هو
المتأخر، كاليوم والغد، فإنهما مشتركان في وجود كمي غير قار تتوقف فعلية الغد
على تحقق قوته مع اليوم، بحيث إذا وجد الغد بالفعل فقد بطلت قوته وانصرم اليوم،
فاليوم متقدم والغد متأخر بالزمان. وبملاك التقدم والتأخر الزمانيين يتحقق التقدم
والتأخر بين الحوادث الزمانية بتوسط الزمان، لما أنها حركات ذوات أزمان.
وملاك التقدم والتأخر بالطبع هو الوجود، ويختص المتقدم بأن لوجود
المتأخر توقفا عليه بحيث لو لم يتحقق المتقدم لم يتحقق المتأخر من غير عكس.
وهذا كما في التقدم في العلة الناقصة التي يرتفع بارتفاعها المعلول ولا يلزم من
وجودها وجوده.
وعن شيخ الاشراق: (أن التقدم والتأخر بالزمان من التقدم والتأخر بالطبع،
لأن مرجعه بالحقيقة إلى توقف وجود الجزء المتأخر على وجود المتقدم بحيث
يرتفع بارتفاعه (1).

(1) راجع المطارحات ص 305.
283

ورد (1) بأنهما نوعان متغايران، فمن الجائز فيما بالطبع اجتماع المتقدم
والمتأخر في الوجود، بخلاف ما بالزمان حيث يمتنع اجتماع المتقدم والمتأخر
منه، بل التقدم والتأخر بين أجزاء الزمان بالذات.
والحق (2)، أن ابتناء التقدم والتأخر بالزمان على التوقف الوجودي بين
الجزءين لا سبيل إلى نفيه، غير أن الوجود لما كان غير قار يصاحب كل جزء منه
قوة الجزء التالي امتنع اجتماع الجزءين، لامتناع اجتماع قوة الشئ مع فعليته،
والمسلم من كون التقدم والتأخر ذاتيا في الزمان كونهما لازمين لوجوده المتقضي
غير القار باختلاف القوة والفعل فيه.
فمن أراد إرجاع ما بالزمان إلى ما بالطبع، عليه أن يفسر ما بالطبع بما فيه
التوقف الوجودي، ثم يقسمه إلى ما يجوز فيه الاجتماع بين المتقدم والمتأخر، كما
في تقدم العلة الناقصة على معلولها، وما لا يجوز فيه الاجتماع، كما في تقدم بعض
أجزاء الزمان على بعض.
والملاك في التقدم والتأخر بالعلية اشتراك العلة التامة ومعلولها في وجوب
الوجود، مع كون وجوب العلة - وهي المتقدمة - بالذات ووجوب المعلول - وهو
المتأخر - بالغير.
وملاك التقدم والتأخر بالتجوهر اشتراكهما في تقرر الماهية. وللمتأخر توقف
تقرري على المتقدم، كتوقف الماهية التامة على أجزائها.
وملاك التقدم والتأخر بالدهر اشتراك مرتبة من مراتب الوجود الكلية مع ما
فوقها أو ما دونها في الوقوع في متن الأعيان مع توقفها العيني على ما فوقها أو
توقف ما دونها عليها بحيث لا يجامع أحدهما الآخر، لكون عدم التوقف مأخوذا
في مرتبة المتوقف عليه، كتقدم عالم المفارقات العقلية على عالم المثال، وتقدم

(1) كذا رده صدر المتألهين في الأسفار ج 3 ص 263 - 264.
(2) كذا أجاب المصنف قدس سره عما أورد صدر المتألهين على الشيخ الإشراقي في تعليقاته على
الأسفار ج 3 ص 263.
284

عالم المثال على عالم المادة.
وملاك التقدم والتأخر بالحقيقة اشتراكهما في الثبوت الأعم من الحقيقي
والمجازي، وللمتقدم الحقيقة وللمتأخر المجاز، كتقدم الوجود على الماهية
بأصالته (1).
وملاك التقدم والتأخر بالحق اشتراكهما في الوجود الأعم من المستقل
والرابط، وتقدم وجود العلة بالاستقلال وتأخر وجود المعلول بكونه رابطا.
الفصل الثالث
في المعية
وهي اشتراك أمرين في معنى من غير اختلاف بالكمال والنقص اللذين هما
التقدم والتأخر، لكن ليس كل أمرين ارتفع عنهما نوع من التقدم والتأخر معين في
ذلك النوع. فالجواهر المفارقة ليس بينهما تقدم وتأخر بالزمان ولا معية في
الزمان. فالمعان زمانا يجب أن يكونا زمانيين من شأنهما التقدم والتأخر
الزمانيان، فإذا اشتركا في معنى زماني من غير تقدم وتأخر فيه فهما المعان فيه.
وبذلك يظهر أن تقابل المعية مع التقدم والتأخر تقابل العدم والملكة (2).
فالمعية اشتراك أمرين في معنى من غير اختلاف بالتقدم والتأخر، والحال أن من
شأنهما التقدم والتأخر في ذلك المعنى، والتقدم والتأخر من الملكات والمعية
عدمية.

(1) قال الحكيم السبزواري في ملاك السبق في الأقسام الثمانية:
ملاكه الزمان في الزماني والمبدأ المحدود خذ لثاني
في الشرفي الفضل وفي الطبيعي وجود الوجوب في العلي
في سادس تقرر الشئ مزا في السابع الكون ولو تجوزا
في الثامن الكون بمتن الواقع وفي وعاء الدهر للبدائع
راجع شرح المنظومة ص 88 - 89.
(2) كما في الأسفار ج 3 ص 268. ولمزيد التوضيح راجع ما علق الحكيم السبزواري عليه.
285

فالمعية في الرتبة كمعية المأمومين الواقفين خلف الإمام بالنسبة إلى المبدأ
المفروض في المسجد في الرتبة الحسية، وكمعية نوعين أو جنسين تحت جنس
في الأنواع والأجناس المترتبة بالنسبة إلى النوع أو الجنس.
والمعية في الشرف كشجاعين متساويين في الملكة.
والمعية في الزمان كحركتين واقعتين في زمان واحد بعينه، ولا تتحقق معية
بين أجزاء الزمان نفسه، حيث لا يخلو جزآن منه من التقدم والتأخر.
والمعية بالطبع كالجزئين المتساويين بالنسبة إلى الكل.
والمعية بالعلية كمعلولي علة واحدة تامة، ولا تتحقق معية بين علتين تامتين،
حيث لا تجتمعان على معلول واحد. والحال في المعية بالحقيقة والمجاز وفي
المعية بالحق كالحال في المعية بالعلية.
والمعية بالدهر كما في جزءين من أجزاء مرتبة من مراتب العين لو فرض
فيها كثرة.
الفصل الرابع
في معنى القدم والحدوث وأقسامهما
إذا كان الماضي من زمان وجود شئ أكثر مما مضى من وجود شئ آخر،
كزيد - مثلا - يمضي من عمره خمسون وقد مضى من عمر عمرو أربعون سمي
الأكثر زمانا عند العامة (قديما) والأقل زمانا (حادثا). والمتحصل منه أن القديم
هو الذي كان له وجود في زمان لم يكن الحادث موجودا فيه بعد، أي إن الحادث
مسبوق الوجود بالعدم في زمان كان القديم فيه موجودا بخلاف القديم.
وهذان المعنيان المتحصلان إذا عمما وأخذا حقيقيين كانا من الأعراض
الذاتية للموجود من حيث هو موجود، فانقسم الموجود المطلق إليهما وصار
البحث عنهما بحثا فلسفيا.
فالموجود ينقسم إلى قديم وحادث، والقديم ما ليس بمسبوق الوجود
286

بالعدم، والحادث ما كان مسبوق الوجود بالعدم.
والذي يصح أن يؤخذ في تعريف الحدوث والقدم من معاني السبق وأنواعه
المذكورة أربعة، هي: السبق الزماني، والسبق العلي، والسبق الدهري، والسبق
بالحق. فأقسام القدم والحدوث أربعة: القدم والحدوث الزمانيان، والقدم
والحدوث العليان - وهو المعروف بالذاتيين -، والقدم والحدوث بالحق، والقدم
والحدوث الدهريان، ونبحث عن كل منها تفصيلا.
الفصل الخامس
في القدم والحدوث الزمانيين
الحدوث الزماني كون الشئ مسبوق الوجود بعدم زماني، وهو حصول
الشئ بعد أن لم يكن، بعدية لا تجامع القبلية، ولا يكون العدم زمانيا إلا إذا كان ما
يقابله من الوجود زمانيا، وهو أن يكون وجود الشئ تدريجيا منطبقا على قطعة
من الزمان مسبوقة بقطعة ينطبق عليها عدمه. ويقابل الحدوث بهذا المعنى القدم
الزماني الذي هو عدم كون الشئ مسبوق الوجود بعدم زماني، ولازمه أن يكون
الشئ موجودا في كل قطعة مفروضة قبل قطعة من الزمان منطبقا عليها.
وهذان المعنيان إنما يصدقان في الأمور الزمانية التي هي مظروفة للزمان
منطبقة عليه، وهي الحركات والمتحركات. وأما نفس الزمان فلا يتصف بالحدوث
والقدم الزمانيين، إذ ليس للزمان زمان آخر حتى ينطبق وجوده عليه فيكون
مسبوقا بعدم فيه أو غير مسبوق.
نعم، لما كان الزمان متصفا بالذات بالقبلية والبعدية بالذات غير المجامعتين
كان كل جزء منه مسبوق الوجود بعدمه الذي مصداقه كل جزء سابق عليه، فكل
جزء من الزمان حادث زماني بهذا المعنى، وكذلك الكل، إذ لما كان الزمان مقدارا
غير قار للحركة التي هي خروج الشئ من القوة إلى الفعل تدريجا كانت فعلية
287

وجوده مسبوقة بقوة وجوده وهو الحدوث الزماني.
وأما الحدوث بمعنى كون وجود الزمان مسبوقا بعدم خارج من وجوده سابق
عليه سبقا لا يجامع فيه القبل البعد، ففيه فرض تحقق القبلية الزمانية من غير تحقق
الزمان. وإلى ذلك يشير ما نقل عن المعلم الأول: (أن من قال بحدوث الزمان فقد
قال بقدمه من حيث لا يشعر) (1)
تنبيه:
قد تقدم في مباحث القوة والفعل (2) أن لكل حركة شخصية زمانا شخصيا
يخصها ويقدرها، فمنه الزمان العمومي الذي يعرض الحركة العمومية الجوهرية
التي تتحرك بها مادة العالم المادي في صورها، ومنه الأزمنة المتفرقة التي تعرض
الحركات المتفرقة العرضية وتقدرها. وأن الزمان الذي يقدر بها العامة حوادث
العالم هو زمان الحركة اليومية الذي يراد بتطبيق الحوادث عليه الحصول على
نسب بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والطول والقصر ونحو ذلك.
إذا تذكرت هذا فاعلم أن ما ذكرناه من معنى الحدوث والقدم الزمانيين
يجري في كل زمان كيفما كان، فلا تغفل.
الفصل السادس
في الحدوث والقدم الذاتيين
الحدوث الذاتي كون وجود الشئ مسبوقا بالعدم المتقرر في مرتبة ذاته،
والقدم الذاتي خلافه.
قالوا (3): (إن كل ذي ماهية فإنه حادث ذاتا)، واحتجوا عليه (4) بأن كل ممكن

(1) والناقل صدر المتألهين في الأسفار ج 3 ص 245.
(2) في الفصل الحادي عشر من المرحلة التاسعة.
(3) أي الحكماء.
(4) راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 134، والأسفار ج 3 ص 246.
288

فإنه يستحق العدم لذاته ويستحق الوجود من غيره، وما بالذات أقدم مما بالغير،
فهو مسبوق الوجود بالعدم لذاته.
واعترض عليه (1): بأن الممكن لو اقتضى لذاته العدم كان ممتنعا، بل هو
لإمكانه لا يصدق عليه في ذاته أنه موجود، ولا أنه معدوم. فكما يستحق الوجود
عن علة خارجة كذلك يستحق العدم عن علة خارجة، فليس شئ من الوجود
والعدم أقدم بالنسبة إليه من غيره، فليس وجوده عن غيره مسبوقا بعدمه لذاته.
وأجيب عنه (2): بأن المراد به عدم استحقاق الوجود بذاته سلبا تحصيليا لا
بنحو العدول، وهذا المعنى له في ذاته قبل الوجود الآتي من قبل الغير.
حجة أخرى (3): أن كل ممكن له ماهية مغايرة لوجوده، وإلا كان واجبا لا
ممكنا، وكل ما كانت ماهيته مغايرة لوجوده امتنع أن يكون وجوده من ماهيته،
وإلا كانت الماهية موجودة قبل حصول وجودها، وهو محال، فوجوده مستفاد من
غيره، فكان وجوده مسبوقا بغيره بالذات، وكل ما كان كذلك كان محدثا بالذات.
ويتفرع على ما تقدم أن القديم بالذات واجب الوجود بالذات، وأيضا أن
القديم بالذات لا ماهية له.
الفصل السابع
في الحدوث والقدم بالحق
الحدوث بالحق مسبوقية وجود المعلول بوجود علته التامة باعتبار نسبة
السبق واللحوق بين الوجودين، لا بين الماهية الموجودة للمعلول وبين العلة كما

(1) هذا الاعتراض مما خطر ببال الفخر الرازي، فذكره في المباحث المشرقية ج 1 ص 134.
وتعرض له أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 3 ص 247.
(2) كذا أجاب عنه الفخر الرازي أيضا في المباحث المشرقية ج 1 ص 134. وتعرض له أيضا
صدر المتألهين في الأسفار ج 3 ص 247.
(3) تعرض لها الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 134، وصدر المتألهين في
الأسفار ج 3 ص 249.
289

في الحدوث الذاتي.
وذلك أن حقيقة الثبوت والتحقق في متن الواقع إنما هو للوجود دون الماهية،
وليس للعلة - وخاصة للعلة المطلقة الواجبة التي ينتهي إليها الأمر - إلا الاستقلال
والغنى، وليس لوجود المعلول إلا التعلق الذاتي بوجود العلة والفقر الذاتي إليه
والتقوم به، ومن الضروري أن المستقل الغني المتقوم بذاته قبل المتعلق الفقير
المتقوم بغيره، فوجود المعلول حادث بهذا المعنى مسبوق بوجود علته، ووجود
علته قديم بالنسبة إليه متقدم عليه.
الفصل الثامن
في الحدوث والقدم الدهريين
الحدوث الدهري كون الماهية الموجودة المعلولة مسبوقة بعدمها المتقرر في
مرتبة علتها، بما أنها ينتزع عدمها بحدها عن علتها، وإن كانت علتها واجدة
لكمال وجودها بنحو أعلى وأشرف فعليتها قبلها، قبلية لا تجامع بعدية المعلول،
بما أن عدم الشئ لا يجامع وجوده. والقدم الدهري كون العلة غير مسبوقة
بالمعلول هذا النحو من السبق.
وقد اتضح بما بيناه أن تقرر عدم المعلول في مرتبة العلة لا ينافي ما تقرر في
محله أن العلة تمام وجود معلولها وكماله، لأن المنفي من مرتبة وجود العلة هو
المعلول بحده لا وجوده من حيث إنه وجود مأخود عنها، ولا مناص عن المغايرة
بين المعلول بحده وبين العلة، ولازمها صدق سلب المعلول بحده على العلة، وإلا
اتحدا.
نعم يبقى الكلام في ما ادعي (1) من كون القبلية والبعدية في هذين الحدوث
والقدم غير مجامعتين.

(1) والمدعي السيد المحقق الداماد في القبسات ص 17.
290

المرحلة الحادية عشرة
في العقل والعاقل والمعقول
والمأخوذ في العنوان وإن كان هو العقل الذي يطلق اصطلاحا
على الادراك الكلي دون الجزئي لكن البحث يعم الجميع
وفيها خمسة عشر فصلا
291

الفصل الأول
في تعريف العلم وانقسامه الأولي وبعض خواصه
وجود العلم ضروري عندنا بالوجدان، وكذلك مفهومه بديهي لنا (1)، وإنما
نريد بالبحث في هذا الفصل الحصول على أخص خواصه.
فنقول: قد تقدم في بحث الوجود الذهني (2) أن لنا علما بالأشياء الخارجة عنا
في الجملة، بمعنى أنها تحضر عندنا بماهياتها بعينها لا بوجوداتها الخارجية التي
تترتب عليها آثارها الخارجية، فهذا قسم من العلم، ويسمى: (علما حصوليا).
ومن العلم أيضا علم الواحد منا بذاته التي يشير إليها ويعبر عنها ب‍ (أنا)، فإنه
لا يلهو عن نفسه ولا يغفل عن مشاهدة ذاته، وإن فرضت غفلته عن بدنه وأجزائه
وأعضائه.
وليس علمه هذا بذاته بحضور ماهية ذاته عند ذاته حضورا مفهوميا وعلما
حصوليا، لأن المفهوم الحاضر في الذهن كيفما فرض لا يأبى بالنظر إلى نفسه
الصدق على كثيرين، وإنما يتشخص بالوجود الخارجي، وهذا الذي يشاهده من
نفسه ويعبر عنه ب‍ (أنا) أمر شخصي بذاته غير قابل للشركة بين كثيرين، وقد تحقق

(1) كما في الأسفار ج 3 ص 278 - 279، والمباحث المشرقية ج 1 ص 321 - 322، وشرح
الإشارات ج 2 ص 314.
(2) راجع المرحلة الثالثة من المتن.
293

أن التشخص بالوجود (1)، فعلمنا بذاتنا إنما هو بحضورها لنا بوجودها الخارجي
الذي هو عين وجودنا الشخصي المترتب عليه الآثار.
وأيضا لو كان الحاضر لذواتنا عند علمنا بها هو ماهية ذواتنا دون وجودها
والحال أن لوجودنا ماهية قائمة به، كان لوجود واحد ماهيتان موجودتان به، وهو
اجتماع المثلين، وهو محال. فإذن علمنا بذواتنا بحضورها لنا وعدم غيبتها عنا
بوجودها الخارجي لا بماهيتها فقط. وهذا قسم آخر من العلم، ويسمى: (العلم
الحضوري).
وانقسام العلم إلى القسمين قسمة حاصرة، فحضور المعلوم للعالم إما بماهيته
وهو العلم الحصولي، أو بوجوده وهو العلم الحضوري.
هذا ما يؤدي إليه النظر البدوي من انقسام العلم إلى الحصولي والحضوري،
والذي يهدي إليه النظر العميق أن الحصولي منه أيضا ينتهي إلى علم حضوري.
بيان ذلك: أن الصورة العلمية - كيفما فرضت - مجردة من المادة عارية من
القوة، وذلك (2) لوضوح أنها - بما أنها معلومة - فعلية لا قوة فيها لشئ البتة، فلو
فرض أي تغير فيها كانت الصورة الجديدة مباينة للصورة المعلومة سابقا، ولو
كانت الصورة العلمية مادية لم تأب التغير.
وأيضا لو كانت مادية لم تفقد خواص المادة اللازمة وهي الانقسام والزمان
والمكان. فالعلم - بما أنه علم - لا يقبل النصف والثلث مثلا، ولو كان منطبعا في
مادة جسمانية لا نقسم بانقسامها. ولا يتقيد بزمان ولو كان ماديا، وكل مادي
متحرك لتغير بتغير الزمان. ولا يشار إليه في مكان ولو كان ماديا حل في مكان.

(1) راجع الفصل الثالث من المرحلة الخامسة.
(2) أي تجرد الصورة العلمية من المادة. والمصنف اكتفى لإثباته بذكر الدليلين المذكورين.
وقد عقد الفخر الرازي وصدر المتألهين فصلا لذكر الأدلة المشهورة التي أقاموا على تجرد
النفس، وهي اثنا عشر دليلا، راجع المباحث المشرقية ج 2 ص 345 - 379، والأسفار ج 8
ص 260 - 303.
294

فإن قلت: عدم انقسام الصورة العلمية - بما أنها علم - لا ينافي انطباعها في
جسم كجزء من الدماغ مثلا، وانقسامها بعرض المحل، كما أن الكيفية كاللون
العارض لسطح جسم تأبى الانقسام بما أنها كيفية وتنقسم بعرض المحل، فلم لا
يجوز أن تكون الصورة العلمية مادية منطبعة في محل منقسمة بعرض محلها،
وخاصة بناء على ما هو المعروف من كون العلم كيفية نفسانية؟.
وأيضا انطباق العلم على الزمان وخاصة في العلوم الحسية والخيالية مما لا
ينبغي أن يرتاب فيه، كإحساس الأعمال المادية في زمان وجودها.
وأيضا اختصاص أجزاء من الدماغ بخاصة العلم بحيث يستقيم باستقامتها
ويختل باختلالها على ما هو المسلم في الطب، لا شك فيه، فللصورة العلمية مكان،
كما أن لها زمانا.
قلنا: إن إباء الصورة العلمية وامتناعها عن الانقسام بما أنها علم، لا شك فيه
كما ذكر (1). وأما انقسامها بعرض انقسام المحل كالجزء العصبي مثلا مما لا شك
في بطلانه أيضا، فإنا نحس ونتخيل صورا هي أعظم كثيرا مما فرض محلا لها من
الجزء العصبي، كالسماء بأرجائها والأرض بأقطارها والجبال الشاهقة والبراري
الواسعة والبحور الزاخرة، ومن الممتنع انطباع الكبير في الصغير.
وما قيل: (إن إدراك الكبر والصغر في الصورة العلمية إنما هو بقياس أجزاء
الصورة العلمية بعضها إلى بعض)، لا يفيد شيئا، فإن المشهود هو الكبير بكبره دون
النسبة الكلية المقدارية التي بين الكبيرة والصغيرة وأن النسبة بينهما مثلا نسبة
المائة إلى الواحد.
فالصورة العلمية المحسوسة أو المتخيلة بما لها من المقدار قائمة بنفسها في
عالم النفس من غير انطباع في جزء عصبي أو أمر مادي غيرها، ولا انقسام لها
بعرض انقسامه. والإشارة الذهنية إلى بعض أجزاء المعلوم وفصله عن الأجزاء
الأخر كالإشارة إلى بعض أجزاء زيد المحسوس أو المتخيل ثم إلى بعضها الآخر.

(1) راجع المباحث المشرقية ج 2 ص 346، والأسفار ج 8 ص 261 - 268.
295

وليس من التقسيم في شئ وإنما هو إعراض عن الصورة العلمية الأولية وإيجاد
لصورتين أخريين.
وإذ لا انطباع للصورة العلمية في جزء عصبي ولا انقسام لها بعرض انقسامه،
فارتباط الصورة العلمية بالجزء العصبي وما يعمله من عمل عند الادراك إرتباط
إعدادي، بمعنى أن ما يأتيه الجزء العصبي من عمل تستعد به النفس لأن يحضر
عندها ويظهر في عالمها.
فالصورة العلمية الخاصة بما للمعلوم من الخصوصيات، وكذلك المقارنة التي
تتراءى بين إدراكاتنا وبين الزمان، إنما هي بين العمل المادي الإعدادي التي
تعمله النفس في آلة الادراك وبين الزمان، لا بين الصورة العلمية بما أنه علم وبين
الزمان. ومن الدليل على ذلك أنا كثيرا ما ندرك شيئا من المعلومات ونخزنه
عندنا ثم نذكره بعينه بعد انقضاء سنين متمادية من غير أي تغيير، ولو كان مقيدا
بالزمان لتغير بتغيره.
فقد تحصل بما تقدم أن الصورة العلمية - كيفما كانت - مجردة من المادة خالية
عن القوة. وإذ كانت كذلك فهي أقوى وجودا من المعلوم المادي الذي يقع عليه
الحس، وينتهي إليه التخيل والتعقل، ولها آثار وجودها المجرد. وأما آثار
وجودها الخارجي المادي التي نحسبها متعلقة للإدراك فليست آثارا للمعلوم
بالحقيقة الذي يحضر عند المدرك حتى تترتب عليه أو لا تترتب، وإنما هو الوهم
يوهم للمدرك أن الحاضر عنده حال الادراك هو الصورة المتعلقة بالمادة خارجا،
فيطلب آثارها الخارجية، فلا يجدها معها، فيحكم بأن المعلوم هو الماهية بدون
ترتب الآثار الخارجية.
فالمعلوم عند العلم الحصولي بأمر له نوع تعلق بالمادة هو موجود مجرد هو
مبدأ فاعلي لذلك الأمر واجد لما هو كماله يحضر بوجودها الخارجي للمدرك،
وهو علم حضوري، ويتعقبه انتقال المدرك إلى ما لذلك الأمر من الماهية والآثار
المترتبة عليه في الخارج. وبتعبير آخر: العلم الحصولي اعتبار عقلي يضطر إليه
296

العقل، مأخوذ من معلوم حضوري هو موجود مجرد مثالي أو عقلي، حاضر
بوجوده الخارجي للمدرك وإن كان مدركا من بعيد.
ولنرجع إلى ما كنا بصدده من الكلام في تعريف العلم (1)، فنقول: حصول العلم
ووجوده للعالم مما لا ريب فيه. وليس كل حصول كيف كان، بل حصول أمر هو
بالفعل فعلية محضة لا قوة فيه لشئ أصلا، فإنا نجد بالوجدان أن الصورة العلمية
من حيث هي لا تقوى على صورة أخرى، ولا تقبل التغير عما هو عليه من الفعلية.
فهو حصول المجرد من المادة عار من نواقص القوة، ونسمي ذلك: (حضورا).
فحضور شئ لشئ حصوله له بحيث يكون تام الفعلية غير متعلق بالمادة
بحيث يكون ناقصا من جهة بعض كمالاته التي في القوة.
ومقتضى حضور العلم للعالم أن يكون العالم أيضا تاما ذا فعلية في نفسه غير
ناقص من حيث بعض كمالاته الممكنة له وهو كونه مجردا من المادة خاليا عن
القوة. فالعلم حصول أمر مجرد من المادة لأمر مجرد، وإن شئت قلت: حضور
شئ لشئ.

(1) اعلم أن في تعريف العلم مذاهب مختلفة:
الأول: ما ذهب إليه الشيخ الإشراقي، وهو أن العلم عبارة عن الظهور، راجع حكمة
الاشراق ص 114 - 115.
الثاني: ما ذهب إليه أبو الحسين البصري وأصحابه والفخر الرازي، وهو أن العلم حالة
إضافية بين العالم والمعلوم. راجع شرح مسألة العلم ص 29، والمباحث المشرقية ج 1
ص 331، وشرحي الإشارات ج 1 ص 133 - 134.
الثالث: ما ذهب إليه صاحب الملخص - على ما نقل عنه في الأسفار ج 3 ص 290 -،
وهو أن العلم عبارة عن كيفية ذات إضافة.
الرابع: ما ذهب إليه بعض آخر، وهو أن العلم عبارة عن صورة منطبعة عند العقل.
وتعرض لهذه الأقوال ولنقدها صدر المتألهين في الأسفار ج 3 ص 284 - 296.
والخامس: ما ذهب إليه الأشاعرة، وهو أنه صفة ذات تعلق. راجع شرح المواقف 272.
وعرفوه أيضا بتعاريف أخر، ذكرها المحقق الطوسي في شرح مسألة العلم ص 23 - 26.
297

الفصل الثاني
في اتحاد العالم بالمعلوم، وهو المعنون
عنه باتحاد العاقل بالمعقول (1)
علم الشئ بالشئ هو حصول المعلوم - أي الصورة العلمية - للعالم كما
تقدم (2)، وحصول الشئ وجوده، ووجوده نفسه، فالعلم هو عين المعلوم بالذات،
ولازم حصول المعلوم للعالم وحضوره عنده اتحاد العالم به، سواء كان معلوما
حضوريا أو حصوليا. فإن المعلوم الحصولي إن كان أمرا قائما بنفسه كان وجوده
لنفسه وهو مع ذلك للعالم فقد اتحد العالم مع المعلوم، ضرورة امتناع كون الشئ
موجودا لنفسه ولغيره معا، وإن كان أمرا وجوده لغيره - وهو الموضوع - وهو مع
ذلك للعالم، فقد اتحد العالم بموضوعه والأمر الموجود لغيره متحد بذلك الغير، فهو
متحد بما يتحد به ذلك الغير. ونظير الكلام يجري في المعلوم الحضوري مع العالم به.
فإن قلت: قد تقدم في مباحث الوجود الذهني (3) أن معنى كون العلم من مقولة

(1) والشيخ الرئيس في أكثر كتبه نص على إبطال القول باتحاد العاقل بالمعقول، كما في الفصل
السادس من المقالة الخامسة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء، وشرح الإشارات ج 3
ص 292 - 293. ولكن قد قرر هذا القول وأقام الحجة عليه في كتاب المبدأ والمعاد
ص 6 - 10، والرسالة العرشية ص 8. وقال صدر المتألهين - بعد التعرض لما قال الشيخ
الرئيس في كتاب المبدأ والمعاد -: (ولست أدري هل كان ذلك على سبيل الحكاية لمذهبهم
لأجل غرض من الأغراض أو كان اعتقاديا له لاستبصار وقع له من إضاءة نور الحق من أفق
الملكوت). راجع الأسفار ج 3 ص 335. وأقول: الظاهر أنه أراد أن يفرق بين علم الواجب
بغيره وعلمنا بغيرنا، بأن الاتحاد مختص بعلم الواجب بغيره كما هو الظاهر مما ذكره في
المبدأ والمعاد والرسالة العرشية، وأما في علمنا بغيرنا فلا، كما هو الظاهر من كلامه في سائر
كتبه. وصرح باختصاص الاتحاد بعلم الواجب بغيره في التعليقات ص 159، حيث قال:
(كل ما يعقل ذاته فإنه هو العقل والعاقل والمعقول، وهذا الحكم لا يصح إلا في الأول). وقال
أيضا: (أما ما يقال أنا إذا عقلنا شيئا فإنا نصير ذلك المعقول فهو محال).
(2) في الفصل السابق.
(3) راجع المرحلة الثالثة من المتن.
298

المعلوم كون مفهوم المقولة مأخوذا في العلم - أي صدقت المقولة عليه بالحمل
الأولي دون الحمل الشايع الذي هو الملاك في اندراج الماهية تحت المقولة
وترتب الآثار التي منها كون الوجود لنفسه أو لغيره - فلا الجوهر الذهني من حيث
هو ذهني جوهر بالحمل الشائع موجود لنفسه، ولا العرض الذهني من حيث هو
ذهني عرض بالحمل الشائع موجود لغيره. وبالجملة لا معنى لاتحاد العاقل وهو
موجود خارجي مترتب عليه الآثار بالمعقول الذهني الذي هو مفهوم ذهني لا
تترتب عليه الآثار.
وأما العلم الحضوري فلا يخلو إما أن يكون المعلوم فيه نفس العالم كعلمنا
بنفسنا أم لا. وعلى الثاني إما أن يكون المعلوم علة للعالم أو معلولا للعالم أو هما
معلولان لأمر ثالث. أما علم الشئ بنفسه فالمعلوم فيه عين العالم ولا كثرة هناك
حتى يصدق الاتحاد وهو ظاهر. وأما علم العلة بمعلولها أو علم المعلول بعلته فلا
ريب في وجوب المغايرة بين العلة والمعلول، وإلا لزم تقدم الشئ على نفسه
بالوجود وتأخره عن نفسه بالوجود وهو ضروري الاستحالة. وأما علم أحد
معلولي علة ثالثة بالآخر فوجوب المغايرة بينهما في الشخصية يأبى الاتحاد، على
أن لازم الاتحاد كون جميع المجردات وكل واحد منها عاقلا للجميع ومعقولا
للجميع شخصا واحدا.
قلنا: أما ما استشكل به في العلم الحصولي، فيدفعه ما تقدم (1) أن كل علم
حصولي ينتهي إلى علم حضوري، إذ المعلوم الذي يحضر للعالم حينئذ موجود
مجرد بوجوده الخارجي الذي هو لنفسه أو لغيره.
وأما ما استشكل به في العلم الحضوري، فليتذكر أن للموجود المعلول
اعتبارين: اعتباره في نفسه - أي مع الغض عن علته - فيكون ذا ماهية ممكنة
موجودا في نفسه طاردا للعدم عن ماهيته يحمل عليه وبه، واعتباره بقياس

(1) في الفصل السابق.
299

وجوده إلى وجود علته. وقد تقدم في مباحث العلة والمعلول (1) أن وجود المعلول
بما أنه مفتقر في حد ذاته وجود رابط بالنسبة إلى علته، لا نفسية فيه، وليس له إلا
التقوم بوجود علته من غير أن يحمل عليه بشئ أو يحمل به على شئ.
إذا تمهد هذا، ففيما كان العالم هو العلة والمعلوم هو المعلول كانت النسبة
بينهما نسبة الرابط والمستقل النفسي، وظاهر أن الموجود الرابط يأبى الموجودية
لشئ لأنها فرع الوجود في نفسه وهو موجود في غيره، ومن شرط كون الشئ
معلوما أن يكون موجودا للعالم، لكن المعلول رابط متقوم بوجود العلة بمعنى ما
ليس بخارج وليس بغائب عنها، فكون وجوده للعلة إنما يتم بمقومه الذي هو
وجود العلة، فمعلوم العلة هو نفسها بما تقوم وجود المعلول، فالعلة تعقل ذاتها
والمعلول غير خارج منها لا بمعنى الجزئية والتركب، والحمل بينهما حمل المعلول
متقوما بالعلة على العلة وهو نوع من حمل الحقيقة والرقيقة. ونظير الكلام يجري في
العلم بالرابط، فكل معلوم رابط معلوم بالعلم بالمستقل الذي يتقوم به ذاك الرابط.
وفيما كان العالم هو المعلول والمعلوم هو العلة - لما كان من الواجب وجود
المعلوم للعالم ويستحيل في الوجود الرابط أن يوجد له شئ -، إنما يتم وجود
العلة للمعلول بتقومه بالعلة، فالعلة بنفسها موجودة لنفسها، والحال أن المعلول غير
خارج منها، عالمة بالعلة نفسها، وينسب إلى المعلول بما أنه غير خارج منها، ولا
ينال من العلم بها إلا ما يسعه من وجوده، والحمل بينهما حمل العلة على المعلول
متقوما بالعلة، والحمل أيضا نوع من حمل الحقيقة والرقيقة. فمآل علم المعلول
بعلته إلى علم العلة - وهي مأخوذة مع معلولها - بنفسها وهي مأخوذة وحدها،
ومآل علم العلة بمعلولها إلى علم العلة - وهي مأخوذة في نفسها - بنفسها وهي
مأخوذة مع معلولها.
وفيما كان العالم والمعلوم معلولين لعلة ثالثة فليس المراد من اتحاد العالم
والمعلوم انقلاب الشخصين شخصا واحدا، بل انتزاع ماهيتي العالم والمعلوم من العالم.

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة الثامنة.
300

وأما عد علم الشئ بنفسه من اتحاد العالم والمعلوم فهو باعتبار انتزاع
مفهومي العالم والمعلوم منه وهما مفهومان متغايران، فسمي ذلك (اتحادا) وإن
كان في نفسه واحدا.
وبما تقدم يظهر فساد الاعتراض بلزوم كون جميع المجردات شخصا واحدا
لما ظهر أن شخصية العالم أو المعلوم لا تبطل بسبب الاتحاد المذكور.
الفصل الثالث
في انقسام العلم الحصولي إلى كلي وجزئي
وما يتصل به
ينقسم العلم الحصولي إلى كلي وجزئي. والكلي ما لا يمتنع العقل من فرض
صدقه على كثيرين، كالإنسان المعقول، حيث يجوز العقل صدقه على كثيرين في
الخارج. والجزئي ما يمتنع العقل من تجويز صدقه على كثيرين، كالعلم بهذا
الإنسان الحاصل بنوع من الاتصال بمادته الحاضرة، ويسمى: (علما حسيا
وإحساسيا)، وكالعلم بالإنسان المفرد من غير حضور مادته، ويسمى: (علما
خياليا).
وعد هذين القسمين من العلم جزئيا ممتنع الصدق على كثيرين إنما هو من
جهة اتصال أدوات الحس بمادة المعلوم الخارجي في العلم الحسي وتوقف العلم
الخيالي على سبق العلم الحسي، وإلا فالصورة العلمية سواء كانت حسية أو خيالية
أو غيرهما لا تأبى بالنظر إلى نفسها أن تصدق على كثيرين.
فروع:
الأول: ظهر مما تقدم أن اتصال أدوات الحس بالمادة الخارجية وما في ذلك
من الفعل والانفعال الماديين لحصول الاستعداد للنفس لإدراك صورة المعلوم
جزئية أو كلية.
301

ويظهر منه أن قولهم: (إن التعقل إنما هو بتقشير المعلوم عن المادة وسائر
الأعراض المشخصة المكتنفة بالمعلوم حتى لا يبقى إلا الماهية المعراة من
القشور، بخلاف الاحساس المشروط بحضور المادة واكتناف الأعراض
المشخصة، وبخلاف التخيل المشروط ببقاء الأعراض والهيئات المشخصة دون
حضور المادة) (1)، قول على سبيل التمثيل للتقريب. وحقيقة الأمر أن الصورة
المحسوسة بالذات صورة مجردة علمية، واشتراط حضور المادة واكتناف
الأعراض المشخصة لحصول الاستعداد في النفس للإدراك الحسي، وكذا اشتراط
الإكتناف بالمشخصات للتخيل، وكذا اشتراط التقشير في التعقل للدلالة على
اشتراط إدراك أكثر من فرد واحد لحصول استعداد النفس لتعقل الماهية الكلية
المعبر عنه بانتزاع الكلي من الأفراد.
الثاني: أن أخذ المفهوم وانتزاعه من مصداقه يتوقف على نوع من الاتصال
بالمصداق والارتباط بالخارج، سواء كان بلا واسطة كاتصال أدوات الحس في
العلم الحسي بالخارج، أو مع الواسطة كاتصال الخيال في العلم الخيالي بواسطة
الحس بالخارج، وكاتصال العقل في العلم العقلي من طريق إدراك الجزئيات
بالحس والخيال بالخارج.
فلو لم تستمد القوة المدركة في إدراك مفهوم من المفاهيم من الخارج وكان
الادراك بإنشاء منها من غير ارتباط بالخارج استوت نسبة الصورة المدركة إلى
مصداقها وغيره، فكان من الواجب أن تصدق على كل شئ أو لا تصدق على
شئ أصلا، والحال أنها تصدق على مصداقها دون غيره، وهذا خلف.
فإن قلت: انتهاء أكثر العلوم الحصولية إلى الحس لا ريب فيه، لكن ما كل علم
حصولي حاصلا بواسطة الحس الظاهر، كالحب والبغض والإرادة والكراهة

(1) راجع الأسفار ج 3 ص 360 - 361، والتحصيل ص 745 - 746، وشرح الإشارات ج 2
ص 322 - 324، وشرح المقاصد ج 1 ص 229، والمبدأ والمعاد للشيخ الرئيس ص 102 - 103.
وفي الجميع زادوا نوعا آخر من العلم الحصولي غير الحسي والعقلي والخيالي، وهو الوهمي.
302

وغيرها المدركة بالحواس الباطنة، فصورها الذهنية مدركة لا بالاتصال بالخارج.
وأيضا لا تدرك الحواس إلا الماهيات العرضية، ولا حس ينال الجوهر بما هو
جوهر، فصورته الذهنية مأخوذة لا من طريق الحس واتصاله بالخارج.
قلت: أما الصور الذهنية المأخوذة بالإحساسات الباطنة - كالحب والبغض
وغيرهما - فالنفس تأخذها مما تدركه من الصفات المذكورة بوجودها الخارجي
في النفس، فالإتصال بالخارج محفوظ فيها.
وأما الجوهر، فما ذكر أن لا حس ظاهرا ولا باطنا يعرف الجوهر ويناله، حق
لا ريب فيه، لكن للنفس في بادئ أمرها علم حضوري بنفسها تنال به نفس
وجودها الخارجي وتشاهده، فتأخذ من معلومها الحضوري صورة ذهنية، كما
تأخذ سائر الصور الذهنية من معلومات حضورية على ما تقدم، ثم تحس
بالصفات والأعراض القائمة بالنفس وتشاهد حاجتها بالذات إلى النفس
الموضوعة لها وقيام النفس بذاتها من غير حاجة إلى شئ تقوم به، ثم تجد صفات
عرضية تهجم عليها وتطرؤها من خارج فتنفعل عنها، وهي ترى أنها أمثال
الأعراض المعلولة للنفس القائمة بها وحكم الأمثال واحد، فتحكم بأن لها
موضوعا هي قائمة به، كما أن النفس موضوعة لصفاتها العرضية، فيتحصل بذلك
مفهوم الجوهر، وهو أنه ماهية إذا وجدت وجدت لا في موضوع.
الثالث: أنه تبين بما تقدم أن الوجود ينقسم من حيث التجرد عن المادة
وعدمه إلى ثلاثة عوالم كلية:
أحدها: عالم المادة والقوة.
وثانيها: عالم التجرد عن المادة دون آثارها من الشكل والمقدار والوضع
وغيرها، ففيه الصور الجسمانية وأعراضها وهيئات الكمالية من غير مادة تحمل
القوة، ويسمى: (عالم المثال) و (عالم البرزخ)، لتوسطه بين عالمي المادة والتجرد
العقلي. وقد قسموا عالم المثال إلى المثال الأعظم القائم بنفسه، والمثال الأصغر
القائم بالنفس الذي تتصرف فيه النفس كيف تشاء بحسب الدواعي المختلفة،
303

فتنشئ أحيانا صورا حقة صالحة وأحيانا صورا جزافية تعبث بها.
وثالثها: عالم التجرد عن المادة وآثارها، ويسمى: (عالم العقل).
والعوالم الثلاثة مترتبة طولا، فأعلاها مرتبة وأقواها ظهورا وأقدمها وجودا
وأقربها من المبدأ الأول (تعالى وتقدس) عالم العقول المجردة، لتمام فعليتها
وتنزه وجودها عن شوب المادة والقوة، ويليه عالم المثال المتنزه عن المادة دون
آثارها، ويليه عالم المادة موطن النقص والشر والإمكان، ولا يتعلق بما فيه العلم
إلا من جهة ما يحاذيه من المثال والعقل على ما تقدمت الإشارة إليه (1).
الفصل الرابع
ينقسم العلم الحصولي إلى كلي وجزئي بمعنى آخر
فالكلي هو العلم الذي لا يتغير بتغير المعلوم الخارجي، كصورة البناء التي
يتصورها البناء فيبني عليها، فإنها على حالها قبل البناء ومع البناء وبعد البناء وإن
انعدم، ويسمى: (علم ما قبل الكثرة). والعلم من طريق العلل كلي من هذا القبيل،
كعلم المنجم بأن القمر منخسف يوم كذا ساعة كذا إلى ساعة كذا يرجع فيه الوضع
السماوي بحيث يوجب حيلولة الأرض بين القمر والشمس، فعلمه بذلك على
حاله قبل الخسوف ومعه وبعده. والوجه فيه أن العلة التامة في عليتها لا تتغير عما
هي عليه، ولما كان العلم بها مطابقا للمعلوم فصورتها العلمية غير متغيرة، وكذلك
العلم بمعلولها لا يتغير، فهو كلي ثابت. ومن هنا يظهر أن العلم الحسي لا يكون
كليا، لكون المحسوسات متغيرة.
والجزئي هو العلم الذي يتغير بتغير المعلوم الخارجي، كعلمنا من طريق
الرؤية بحركة زيد ما دام يتحرك، فإذا وقف عن الحركة تغير العلم، ويسمى: (علم
ما بعد الكثرة).

(1) في السطور السابقة آنفا.
304

فإن قيل: تغير العلم - كما اعترفتم به في القسم الثاني - دليل كونه ماديا، فإن
التغير - وهو الانتقال من حال إلى حال - لازمه القوة، ولازمها المادة، وقد قلتم: (إن
العلم بجميع أقسامه مجرد).
قلنا (1): العلم بالتغير غير تغير العلم، والتغير ثابت في تغيره لا متغير، وتعلق
العلم بالمتغير - أي حضوره عند العالم - أنما هو من حيث ثباته، لا تغيره، وإلا لم
يكن حاضرا فلم يكن حضور شئ لشئ، وهذا خلف.
تنبيه:
يمكن أن يعمم التقسيم بحيث يشمل العلم الحضوري، فالعلم الكلي كعلم العلة
بمعلولها من ذاتها الواجدة في ذاتها كمال المعلول بنحو أعلى وأشرف، فإنه لا
يتغير بزوال المعلول لو جاز عليه الزوال، والعلم الجزئي كعلم العلة بمعلولها الداثر
الذي هو عين المعلول، فإنه يزول بزوال المعلول.
الفصل الخامس
في أنواع التعقل
ذكروا أن العقل على ثلاثة أنواع (2):
أحدها: أن يكون عقلا بالقوة، أي لا يكون شيئا من المعقولات بالفعل ولا له
شئ من المعقولات بالفعل، لخلوه عن عامة المعقولات.
الثاني: أن يعقل معقولا واحدا أو معقولات كثيرة بالفعل، مميزا بعضها من
بعض، مرتبا لها، وهو العقل التفصيلي.
الثالث: أن يعقل معقولات كثيرة عقلا بالفعل من غير أن يتميز بعضها من

(1) ولمزيد التوضيح راجع تعليقة المصنف رحمه الله على الأسفار ج 3 ص 408.
(2) راجع الفصل السادس من المقالة الخامسة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء،
والتحصيل ص 812 - 814. وتعرض لها أيضا الفخر الرازي ثم ناقش في القسم الأخير،
راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 335 - 337.
305

بعض، وإنما هو عقل بسيط إجمالي فيه كل التفاصيل. ومثلوا له بما إذا سألك سائل
عن عدة من المسائل التي لك بها علم فحضرك الجواب في الوقت وأنت في أول
لحظة تأخذ في الجواب تعلم بها جميعا علما يقينيا بالفعل، لكن لا تميز لبعضها من
بعض ولا تفصيل. وإنما يحصل التميز والتفصيل بالجواب، كأن ما عندك من بسيط
العلم منبع تنبع وتجري منه التفاصيل، ويسمى: (عقلا إجماليا).
والذي ذكروه من التقسيم إنما أوردوه تقسيما للعلم الحصولي. وإذ قد عرفت
فيما تقدم (1) أن كل علم حصولي ينتهي إلى علم حضوري كان من الواجب أن
تتلقى البحث بحيث ينطبق على العلم الحضوري، فلا تغفل. وكذا فيما يتلو هذا
البحث من مباحث العلم الحصولي.
الفصل السادس
في مراتب العقل
ذكروا أن مراتب العقل أربع (2):
إحداها: العقل الهيولاني، وهي مرتبة كون النفس خالية عن جميع المعقولات.
وتسمى: (العقل الهيولاني)، لشباهتها الهيولي الأولى في خلوها عن جميع
الفعليات.
وثانيتها: العقل بالملكة، وهي مرتبة تعقلها للبديهيات من تصور أو تصديق،
فإن العلوم البديهية أقدم العلوم، لتوقف العلوم النظرية عليها.
وثالثتها: العقل بالفعل، وهي مرتبة تعقلها للنظريات باستنتاجها من البديهيات.
ورابعتها: تعقلها لجميع ما حصلته من المعقولات البديهية أو النضرية المطابقة

(1) راجع الفصل الأول من هذه المرحلة.
(2) راجع النجاة ص 165 - 166، والأسفار ج 3 ص 418 - 423، والفصل الخامس من
المقالة الأولى من إلهيات الشفاء، والتحصيل ص 815 - 817، وشرح الإشارات ج 2
ص 353 - 357.
306

لحقايق العالم العلوي والسفلي، باستحضارها الجميع وتوجهها إليها من غير شاغل
مادي، فتكون عالما علميا مضاهيا للعالم العيني، وتسمى: (العقل المستفاد).
الفصل السابع
في مفيض هذه الصور العلمية
مفيض الصور العقلية الكلية جوهر عقلي مفارق للمادة، عنده جميع الصور
العقلية الكلية (1). وذلك لما تقدم (2) أن هذه الصور العلمية مجردة من المادة مفاضة
للنفس، فلها مفيض، ومفيضها إما هو النفس تفعلها وتقبلها معا، وإما أمر خارج
مادي أو مجرد، أما كون النفس هي المفيضة لها الفاعلة لها فمحال، لاستلزامه كون
الشئ الواحد فاعلا وقابلا معا، وقد تقدم بطلانه (3)، وأما كون المفيض أمرا ماديا
فيبطله أن المادي أضعف وجودا من المجرد فيمتنع أن يكون فاعلا لها، والفاعل
أقوى وجودا من الفعل، على أن فعل العلل المادية مشروط بالوضع، ولا وضع
لمجرد، فتعين أن المفيض لهذه الصور العقلية جوهر مجرد عقلي هو أقرب العقول
المجردة من الجوهر المستفيض فيه جميع الصور العقلية المعقولة عقلا إجماليا
تتحد معه النفس المستعدة للتعقل على قدر استعدادها، فتستفيض منه ما تستعد له
من الصور العقلية.
فإن قلت: هب أن الصور العلمية الكلية بإفاضة الجوهر المفارق - لما تقدم من
البرهان - لكن ما هو السبب لنسبة الجميع إلى عقل واحد شخصي؟ هلا أسندوها
إلى عقول كثيرة مختلفة الماهيات بنسبة كل واحد من الصور إلى جوهر مفارق غير
ما ينسب إليه، أو بنسبة كل فريق من الصور إلى عقل غير ما ينسب إليه فريق آخر؟

(1) فهذا الجوهر العقلي المفارق أول ما يصدر من الله تعالى. والمناهج المذكورة لإثباته كثيرة
تعرض لها صدر المتألهين في الأسفار ج 7 ص 262 - 281.
(2) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
(3) راجع الفصل العاشر من المرحلة الثامنة.
307

قلت: الوجه في ذلك ما تقدم في الأبحاث السابقة (1) أن كل نوع مجرد
منحصر في فرد، ولازم ذلك أن سلسلة العقول التي يثبتها البرهان ويثبت استناد
وجود الماديات والآثار المادية إليها، كل واحد من حلقاتها نوع منحصر في فرد،
وأن كثرتها كثرة طولية مترتبة منتظمة من علل فاعلة آخذة من أول ما صدر منها
من المبدأ الأول إلى أن ينتهي إلى أقرب العقول من الماديات والآثار المادية،
فتعين استناد الماديات والآثار المادية إلى ما هو أقرب العقول إليها، وهو الذي
يسميه المشاؤون ب‍ (العقل الفعال) (2).
نعم، الإشراقيون منهم (3) أثبتوا وراء العقول الطولية ودونها عقولا عرضية هي
أرباب الأنواع المادية، لكنهم يرون وجود كل نوع بأفرادها المادية وكمالاتها
مستندا إلى رب ذلك النوع ومثاله (4).
ونظير البيان السابق الجاري في الصور العلمية الكلية يجري في الصور
العلمية الجزئية، ويتبين به أن مفيض الصور العلمية الجزئية جوهر مفارق مثالي،
فيه (5) جميع الصور الجزئية على نحو العلم الاجمالي، تتحد به النفس على قدر ما
لها من الاستعداد، فيفيض عليها الصور المناسبة.
الفصل الثامن
ينقسم العلم الحصولي إلى تصور وتصديق
فإنه إما صورة ذهنية حاصلة من معلوم واحد من غير إيجاب أو سلب كالعلم

(1) راجع الفصل السابع من المرحلة الخامسة.
(2) راجع الفصل الخامس من المقالة الخامسة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء، والفصل
الرابع والفصل الخامس من المقالة التاسعة من إلهيات الشفاء، والمباحث المشرقية ج 2
ص 501 - 515، والتعليقات للشيخ الرئيس ص 100 - 101، والنجاة ص 273 - 278،
والأسفار ج 7 ص 258 - 281.
(3) أي الإشراقيون من الفلاسفة.
(4) راجع المطارحات ص 455 - 459، وحكمة الاشراق ص 143 - 144، وشرح حكمة
الاشراق ص 251 - 254.
(5) أي في هذا الجوهر المفارق المثالي.
308

بالإنسان ومقدم الشرطية، ويسمى: (تصورا)، وإما صورة ذهنية من علوم معها
إيجاب أو سلب كالقضايا الحملية والشرطية، ويسمى: (تصديقا).
ثم إن القضية بما أنها تشتمل على إيجاب أو سلب مركبة من أجزاء فوق
الواحد.
والمشهور أن القضية الحملية الموجبة مؤلفة من الموضوع والمحمول والنسبة
الحكمية التي هي نسبة المحمول إلى الموضوع والحكم باتحاد الموضوع مع
المحمول. هذا في الهليات المركبة التي محمولاتها غير وجود الموضوع، كقولنا:
(الإنسان ضاحك). وأما الهليات البسيطة التي المحمول فيها هو وجود الموضوع،
كقولنا: (الإنسان موجود)، فهي مركبة من أجزاء ثلاثة: الموضوع والمحمول
والحكم، إذ لا معنى لتخلل النسبة، وهي وجود رابط بين الشئ ووجوده الذي هو
نفسه.
وأن القضية الحملية السالبة مؤلفة من الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية
السلبية، ولا حكم فيها (1)، لا أن فيها حكما عدميا، لأن الحكم جعل شئ شيئا
وسلب الحكم عدم جعله، لا جعل عدمه.
والحق أن الحاجة في القضية إلى تصور النسبة الحكمية إنما هي من جهة
الحكم بما هو فعل النفس، لا بما هو جزء للقضية. فالنسبة الحكمية على تقدير
تحققها خارجة عن القضية. وبتعبير آخر: إن القضية هي الموضوع والمحمول
والحكم، لكن النفس تتوصل إلى الحكم - الذي هو جعل الموضوع هو المحمول
أولا بتصور المحمول منتسبا إلى الموضوع - ليتأتى منها الحكم. ويدل على ذلك
خلو الهليات البسيطة عن النسبة الحكمية، وهي قضايا، كما تقدم (2). فالقضية بما

(1) وفيه: أن القضية لا تتحقق إلا بالحكم، ولو قلنا بنفي الحكم في القضايا السالبة، وقلنا أيضا
بأن النسبة الحكمية خارجة عن القضية - كما قلتم به - فيلزم أن تكون القضية السالبة مركبة
من جزئين المحمول والموضوع، ولم يقل به أحد، بل هذا حكم بنفي كون القضية السالبة
قضية.
(2) في السطور السابقة.
309

هي قضية لا تحتاج في تحققها إلى النسبة الحكمية، هذا.
وأما كون الحكم فعلا نفسانيا في ظرف الادراك الذهني فحقيقته في قولنا:
(زيد قائم)، مثلا، أن النفس تنال من طريق الحس أمرا واحدا هو زيد القائم، ثم
تنال عمرا قائما وتنال زيدا غير قائم، فتستعد بذلك لتجزئة زيد القائم إلى
مفهومي: (زيد) و (القائم)، فتجزئ وتخزنهما عندها. ثم إذا أرادت حكاية ما
وجدته في الخارج أخذت زيدا والقائم المخزونين عندها وهما اثنان، ثم
جعلتهما واحدا. وهذا هو الحكم الذي ذكرنا أنه فعل، أي جعل وإيجاد منها،
تحكي به الخارج.
فالحكم فعل من النفس، وهو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما وراءها.
ولو كان تصورا مأخوذا من الخارج لم تكن القضية مفيدة لصحة السكوت، كما في
أحد جزئي الشرطية. ولو كان تصورا أنشأته النفس من عندها من غير استعانة
واستمداد من الخارج لم يحك الخارج. وسيوافيك بعض ما يتعلق بالمقام (1).
وقد تبين بما مر أن كل تصديق يتوقف على تصورات أكثر من واحد، فلا
تصديق إلا عن تصور.
الفصل التاسع
ينقسم العلم الحصولي إلى بديهي ونظري
البديهي - ويسمى ضروريا أيضا - ما لا يحتاج في حصوله إلى اكتساب
ونظر، كتصور مفهوم الوجود والشئ والوحدة، والتصديق بأن الكل أعظم من
جزئه، وأن الأربعة زوج. والنظري ما يحتاج - في تصوره إن كان علما تصوريا، أو
في التصديق به إن كان علما تصديقيا - إلى اكتساب ونظر، كتصور ماهية الإنسان
والفرس، والتصديق بأن الزوايا الثلاث من المثلث مساوية لقائمتين، وأن الإنسان
ذو نفس مجردة

(1) راجع الفصل العاشر من هذه المرحلة.
310

وقد أنهوا البديهيات إلى ستة أقسام، هي المحسوسات والمتواترات
والتجربيات والفطريات والوجدانيات والأوليات على ما بينوه في المنطق (1).
وأولى البديهيات بالقبول الأوليات، وهي القضايا التي يكفي في التصديق بها
مجرد تصور الموضوع والمحمول، كقولنا: (الكل أعظم من جزئه)، و (الشئ
ثابت لنفسه). أو المقدم والتالي، كقولنا: (العدد إما زوج وإما فرد).
وأولى الأوليات بالقبول قضية (امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما) التي
يفصح عنه قولنا: (إما أن يصدق الايجاب ويكذب السلب أو يصدق السلب
ويكذب الايجاب). وهي منفصلة حقيقية لا تستغني عنها في إفادة العلم قضية
نظرية ولا بديهية حتى الأوليات، فإن قولنا: (الكل أعظم من جزئه) مثلا، إنما يفيد
العلم إذا منع النقيض وكان نقيضه كاذبا.
فهي أول قضية يتعلق بها التصديق وإليها تنتهي جميع العلوم النظرية والبديهية
في قياس استثنائي يتم به العلم. فلو فرض فيها شك سرى ذلك في جميع القضايا
وبطل العلم من أصله.
ويتفرع على ذلك:
أولا: أن لنا في كل قضية مفروضة قضية حقة، إما هي نفسها أو نقيضها.
وثانيا: أن نقيض الواحد واحد، وأن لا واسطة بين النقيضين.
وثالثا: أن التناقض بين التصورين مرجعه إلى التناقض بين التصديقين،
كالتناقض بين الإنسان واللا إنسان الراجعين إلى وجود الإنسان وعدمه الراجعين
إلى قولنا: (الإنسان موجود، وليس الإنسان بموجود).

(1) راجع شرح المنظومة (قسم المنطق) ص 88 - 91، وشرح حكمة الاشراق ص 118 - 123،
وشرح الإشارات ج 1 ص 213 - 214، وشرح المطالع ص 333 - 334، وأساس الاقتباس
ص 345، والتحصيل ص 193، والفصل الرابع من المقالة الأولى والفصل الخامس من
المقالة الثالثة من الفن الخامس من منطق الشفاء.
311

تنبيه:
السوفسطي - وهو المنكر لوجود العلم مطلقا - لا يسلم قضية أولى الأوائل (1)،
إذ لو سلمها كان ذلك اعترافا منه بأن كل قضيتين متناقضتين فإن إحداهما حقة
صادقة، وفيه اعتراف بوجود علم ما.
ثم إن السوفسطي بما يظهر من الشك في كل عقد، إما أن يعترف بأنه يعلم
أنه شاك، وإما أن لا يعترف. فإن اعترف بعلمه بشكه فقد اعترف بعلم ما، فيضاف
إليه تسليمه لقضية أولى الأوائل، ويتبعه العلم بأن كل قضيتين متناقضتين فإن
إحداهما حقة صادقة، وتعقب ذلك علوم أخرى. وإن لم يعترف بعلمه بشكه، بل
أظهر أنه شاك في كل شئ وشاك في شكه ليس يجزم بشئ، لغت محاجته ولم
ينجح فيه برهان، وهذا الإنسان إما مصاب بآفة اختل بها إدراكه فليراجع الطبيب،
وإما معاند للحق يظهر ما يظهر ليدحض به الحق فيتخلص من لوازمه، فليضرب
وليعذب وليمنع مما يحبه وليجبر على ما يبغضه، إذ كل شئ ونقيضه عنده سواء.
نعم، بعض هؤلاء المظهرين للشك ممن راجع العلوم العقلية وهو غير مسلح
بالأصول المنطقية ولا متدرب في صناعة البرهان، فشاهد اختلاف الباحثين في
المسائل بالإثبات والنفي ورأى الحجج التي أقاموها على طرفي النقيض ولم
يقدر لقلة بضاعته على تمييز الحق من الباطل فتسلم طريق النقيض في المسألة
ببعد المسألة، فأساء الظن بالمنطق، وزعم أن لا طريق إلى إصابة الواقع يؤمن معه
الخطأ في الفكر ولا سبيل إلى العلم بشئ على ما هو عليه، وهذا - كما ترى - قضاء
بتي منه بأمور كثيرة، كتباين أفكار الباحثين وحججهم من غير أن يترجح بعضها
على بعض، واستلزام ذلك قصور الحجة مطلقا عن إصابة الواقع، فعسى أن يرجع
بالتنبيه عن مزعمته، فليعالج بإيضاح القوانين المنطقية وإرائة قضايا بديهية لا تقبل

(1) وللسوفسطيين شبهات تعرض لها وللإجابة عليها الشيخ الرئيس في الفصل الثامن من
المقالة الأولى من إلهيات الشفاء. وتبعه على ذلك غيره من المتأخرين. وأشار إليها وإلى
دفعها المصنف رحمه الله هاهنا.
312

الشك في حال من الأحوال كضرورة ثبوت الشئ لنفسه وامتناع سلبه عن نفسه،
وليبالغ في تفهيم معاني أجزاء القضايا، وليؤمر أن يتعلم العلوم الرياضية.
وهناك طائفتان من الشكاكين دون من تقدم ذكرهم. فطائفة يسلمون الإنسان
وإدراكاته ويظهرون الشك في ما وراء ذلك، وطائفة أخرى تفطنوا بما في قولهم:
(نحن وإدراكاتنا) من الاعتراف بأن للواحد منهم علما بوجود غيره من الأناسي
وإدراكاتهم، ولا فرق بين هذا العلم وبين غيره من الإدراكات في خاصة الكشف
عما في الخارج فبدلوا الكلام من قولهم: (أنا وإدراكاتي).
ويدفعه: أن الإنسان ربما يخطأ في إدراكاته، كخطأ الباصرة واللامسة وغيرها
من أغلاط الفكر، ولولا أن هناك حقائق خارجية يطابقها الادراك أو لا يطابقها لم
يستقم ذلك، على أن كون إدراك النفس وإدراك إدراكاتها إدراكا علميا، وكون ما
وراء ذلك من الإدراكات شكوكا مجازفة بينة.
ومن السفسطة قول القائل: (إن الذي يفيده البحث التجربي أن المحسوسات
بما لها من الوجود الخارجي ليست تطابق صورها التي في الحس، وإذ كانت
العلوم تنتهي إلى الحس فلا شئ من المعلوم يطابق الخارج بحيث يكشف عن حقيقة).
ويدفعه: أنه إذا كان الحس لا يكشف عن حقيقة المحسوس على ما هو عليه
في الخارج وسائر العلوم منتهية إلى الحس، حكمها حكمه، فمن أين ظهر أن
الحقائق الخارجية على خلاف ما يناله الحس؟ والمفروض أن كل إدراك حسي أو
منته إلى الحس، ولا سبيل للحس إلى الخارج. فمآل القول إلى السفسطة، كما أن
مآل القول بأن الصور الذهنية أشباح للأمور الخارجية إلى السفسطة.
ومن السفسطة أيضا قول القائل: (إن ما نعده علوما ظنون ليست من العلم
المانع من النقيض في شئ).
ويدفعه: أن هذا القول: (إن ما نعده علوما ظنون)، بعينه قضية علمية، ولو كان
ظنيا لم يفد أن العلوم ظنون، بل أفاد الظن بأنها ظنون، فتأمله واعتبر.
وكذا قول القائل: (إن علومنا نسبية مختلفة باختلاف شرائط الوجود، فهناك
313

بالنسبة إلى كل شرط علم، وليس هناك علم مطلق، ولا هناك علم دائم، ولا كلي
ولا ضروري).
وهذه أقوال ناقضة لنفسها. فقولهم: (العلوم نسبية) إن كان نفسه قولا نسبيا،
أثبت أن هناك قولا مطلقا فنقض نفسه، ولو كان قولا مطلقا ثبت به قول مطلق
فنقض نفسه. وكذا قولهم: (لا علم مطلقا)، وقولهم: (لا علم كليا)، إن كان نفسه
كليا نقض نفسه، وإن لم يكن كليا ثبت به قول كلي فنقض نفسه. وكذا قوله: (لا علم
دائما)، وقوله: (لا علم ضروريا) ينقضان أنفسهما كيفما فرضا.
نعم، في العلوم العملية شوب من النسبية، ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله
تعالى (1).
الفصل العاشر
ينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري
والحقيقي هو المفهوم الذي يوجد تارة في الخارج فتترتب عليه آثاره، وتارة
في الذهن فلا تترتب عليه آثاره الخارجية كمفهوم الإنسان. ولازم ذلك أن
تتساوى نسبته إلى الوجود والعدم. وهذا هو الماهية المقولة على الشئ في
جواب ما هو.
والاعتباري خلاف الحقيقي، وهو إما من المفاهيم التي حيثية مصداقها حيثية
أنه في الخارج مترتبا عليه آثاره، فلا يدخل الذهن الذي حيثيته حيثية عدم
ترتب الآثار الخارجية، لاستلزام ذلك انقلابه عما هو عليه، كالوجود وصفاته
الحقيقية كالوحدة والوجوب ونحوها، أو حيثية أنه ليس في الخارج، كالعدم، فلا
يدخل الذهن، وإلا لانقلب إلى ما يقبل الوجود الخارجي فلا وجود ذهنيا لما لا
وجود خارجيا له. وإما من المفاهيم التي حيثية مصداقها حيثية أنه في الذهن،

(1) في الفصل الآتي.
314

كمفهوم الكلي والجنس والفصل، فلا يوجد في الخارج، وإلا لانقلب. فهذه مفاهيم
ذهنية معلومة، لكنها مصداقا إما خارجية محضة لا تدخل الذهن كالوجود وما
يلحق به، أو بطلان محض كالعدم، وإما ذهنية محضة لا سبيل لها إلى الخارج،
فليست بمنتزعة من الخارج، فليست بماهيات موجودة تارة بوجود خارجي
وأخرى ذهني، لكنها منتزعة من مصاديق، بشهادة كونها علوما حصولية لا تترتب
عليها الآثار فتنتزع من مصاديق في الذهن. أما المعاني التي حيثية مصاديقها
حيثية أنها في الذهن، فإنه كان لأذهاننا أن تأخذ بعض ما تنتزعه من الخارج
- وهو مفهوم - مصداقا، تنظر إليه، فيضطر العقل إلى أن يعتبر له خواص تناسبه، كما
أن تنتزع مفهوم الإنسان من عدة من أفراد كزيد وعمرو وبكر وغيرهم فتأخذه
وتنصبه مصداقا وهو مفهوم، تنظر فيما تحفه من الخواص فتجده تمام ماهية
المصاديق وهو النوع، أو جزء ماهيتها وهو الجنس أو الفصل، أو خارجا مساويا،
أو أعم وهو الخاصة أو العرض العام، وتجده تقبل الصدق على كثيرين وهو
الكلية، وعلى هذا المنهج.
وأما المفاهيم التي حيثية مصاديقها حيثية أنها في الخارج أو ليست فيه،
فيشبه أن تكون منتزعة من الحكم الذي في القضايا الموجبة وعدمه في السالبة.
بيان ذلك: أن النفس عند أول ما تنال من طريق الحس بعض الماهيات
المحسوسة أخذت ما نالته فاختزنته في الخيال، وإذا نالته ثانيا أو في الآن الثاني
وأخذته للإختزان وجدته عين ما نالته أولا ومنطبقا عليه. وهذا هو الحمل الذي
هو اتحاد المفهومين وجودا (1). ثم إذا أعادت النفس المفهوم مكررا بالإعادة بعد
الإعادة، ثم جعلتها واحدا كان ذلك حكما منها وفعلا لها، وهو مع ذلك محاك
للخارج، وفعله هذا نسبة وجودية ووجود رابط قائم بالطرفين اعتبارا.
ثم للنفس أن تتصور الحكم الذي هو فعلها، وتنظر إليه نظرا إستقلاليا مضافا
إلى موصوفه بعد ما كان رابطا، فتتصور وجود المفهوم ثم تجرده فتتصور الوجود

(1) أي الحمل الشائع.
315

مفردا من غير إضافة. فبهذا يتحصل انتزاع مفهوم الوجود من الحكم ويقع على
مصداقه الخارجي وإن كانت حيثيته حيثية أنه في الخارج، فهي مصاديق له
وليست بأفراد مأخوذة فيها مفهومه أخذ الماهية في أفرادها، ثم تنتزع من
مصاديقه صفاته الخاصة به، كالوجوب والوحدة والكثرة والقوة والفعل وغيرها.
ثم إذا نالت النفس شيئا من الماهيات المحسوسة فاختزنته ثم نالت ماهية
أخرى مباينة لها، لم تجد الثانية عين الأولى، منطبقة عليها، كما كانت تجد ذلك في
الصورة السابقة، فإذا أحضرتهما بعد الإختزان لم تفعل فيهما ما كانت تفعله في
الصورة السابقة في الماهية المكررة من الحكم، لكنها اعتبرت ذلك فعلا لها وهو
سلب الحمل المقابل للحمل، ثم نظرت إليه مستقلا مضافا فتصورته سلب المحمول
عن الموضوع، ثم مطلقا فتصورته سلبا وعدما، ثم اعتبرت له خواص اضطرارا،
كعدم الميز بين الأعدام وتميزها بالإضافة إلى الموجودات.
وقد تبين مما تقدم:
أولا: أن ما كان من المفاهيم محمولا على الواجب والممكن معا - كالعلم
والحياة - فهو اعتباري، وإلا كان الواجب ذا ماهية تعالى عن ذلك.
وثانيا: أن ما كان منها محمولا على أزيد من مقولة واحدة - كالحركة - فهو
اعتباري، وإلا كان مجنسا بأزيد من جنس واحد، وهو محال.
وثالثا: أن المفاهيم الاعتبارية لا حد لها ولا تؤخذ في حد ماهية جنسا لها،
وكذلك سائر الصفات الخاصة بالماهيات كالكلية إلا بنوع من التوسع.
تنبيه
وللإعتباري فيما اصطلحوا عليه معان أخر غير ما تقدم خارجة من بحثنا:
أحدها: ما يقابل الأصالة - بمعنى منشئية الآثار بالذات - المبحوث عنه في
مبحث أصالة الوجود والماهية.
الثاني: الاعتباري - بمعنى ما ليس له وجود منحاز عن غيره - قبال الحقيقي
الذي له وجود منحاز، كاعتبارية مقولة الإضافة الموجودة بوجود طرفيها على
316

خلاف الجوهر الموجود في نفسه.
الثالث: المعنى التصوري أو التصديقي الذي لا تحقق له فيما وراء ظرف
العمل. ومآل الاعتبار بهذا المعنى إلى استعارة المفاهيم النفس الأمرية الحقيقية
بحدودها لأنواع الأعمال، التي هي حركات مختلفة ومتعلقاتها للحصول على
غايات حيوية مطلوبة، كاعتبار الرئاسة لرئيس القوم ليكون من الجماعة بمنزلة
الرأس من البدن في تدبير أموره وهداية أعضائه إلى واجب العمل، واعتبار
المالكية لزيد مثلا بالنسبة إلى ما حازه من المال ليكون له الإختصاص بالتصرف
فيه كيف شاء، كما هو شأن المالك الحقيقي في ملكه، كالنفس الإنسانية المالكة
لقواها، واعتبار الزوجية بين الرجل والمرأة ليشترك الزوجان في ما يترتب على
المجموع، كما هو الشأن في الزوج العددي، وعلى هذا القياس.
ومن هنا يظهر أن هذه المعاني الاعتبارية لا حد لها ولا برهان عليها.
أما أنها لا حد لها، فلأنها لا ماهية لها داخلة في شئ من المقولات، فلا
جنس لها، فلا فصل لها، فلا حد لها. نعم لها حدود مستعارة من الحقائق التي
يستعار لها مفاهيمها (1).
وأما أنها لا برهان عليها، فلأن من الواجب في البرهان أن تكون مقدماتها
ضرورية دائمة كلية. وهذه المعاني لا تتحقق إلا في قضايا حقة تطابق نفس الأمر،
وأنى للمقدمات الاعتبارية ذلك وهي لا تتعدى حد الدعوى؟! ويظهر أيضا أن القياس الجاري فيها جدل مؤلف من المشهورات
والمسلمات، والمقبول منها ما له أثر صالح بحسب الغايات، والمردود منها اللغو
الذي لا أثر له.

(1) كما أن الوجوب المستعمل في هذا الباب مستعار من الوجوب بالغير الذي هو من
المعقولات الفلسفية. كذا قال المصنف رحمه الله في مبحث الاعتباريات من كتابه الموسوم ب‍:
(أصول فلسفة وروش رئاليسم) ج 2 ص 315 - 316 و 361.
317

الفصل الحادي عشر
في العلم الحضوري وأنه لا يختص بعلم الشئ بنفسه
قد تقدم (1) أن كل جوهر مجرد فهو لتمام ذاته حاضر لنفسه بنفسه وهويته
الخارجية، فهو عالم بنفسه علما حضوريا.
وهل يختص العلم الحضوري بعلم الشئ بنفسه أو يعمه وعلم العلة بمعلولها
وعلم المعلول بعلته؟ ذهب المشاؤون إلى الأول (2)، والإشراقيون إلى الثاني (3)
وهو الحق. وذلك لأن وجود المعلول وجود رابط بالنسبة إلى وجود علته قائم به
غير مستقل عنه بوجه. فهو - أعني المعلول - حاضر بتمام وجوده لعلته غير
محجوب عنها، فهو بنفس وجوده معلوم لها علما حضوريا إن كانا مجردين.
وكذلك العلة حاضرة بوجودها لمعلولها الرابط لها القائم بها المستقل باستقلالها،
فهي معلومة لمعلولها علما حضوريا إذا كانا مجردين، وهو المطلوب.
وقد تقدم (4) أن كل علم حصولي ينتهي إلى علم حضوري. ومن العلم
الحصولي ما ليس بين العالم والمعلوم علية ولا معلولية، بل هما معلولا علة ثالثة.
الفصل الثاني عشر
كل مجرد فإنه عقل وعاقل ومعقول
أما أنه عقل، فلأنه لتمام ذاته وكونه فعلية محضة لا قوة معها يمكن أن

(1) في الفصل الأول من هذه المرحلة.
(2) راجع التحصيل ص 574 - 575، وشرح الإشارات ج 3 ص 304. ونسبه إليهم صدر
المتألهين في الأسفار ج 6 ص 180، والشواهد الربوبية ص 39. ونسبه إليهم أيضا الحكيم
السبزواري في تعليقاته على الأسفار ج 6 ص 164، وانحصر نفسه العلم الحضوري في موردين:
علم الشئ بنفسه وعلم الشئ بمعلوله، راجع تعليقاته على الأسفار ج 6 ص 160 و ص 230.
وأما انتساب هذا القول إلى أفلاطون أمر خلاف الواقع، كما في الشواهد الربوبية ص 55 - 56.
(3) راجع المطارحات ص 488، والتلويحات ص 70 - 74، وشرح حكمة الاشراق
ص 358 - 366.
(4) راجع الفصل الأول من هذه المرحلة.
318

يوجد ويحضر لشئ بالإمكان، وكل ما كان للمجرد بالإمكان فهو له بالفعل فهو
معقول بالفعل. وإذ كان العقل متحدا مع المعقول فهو عقل، وإذ كانت ذاته موجودة
لذاته فهو عاقل لذاته، فكل مجرد عقل وعاقل ومعقول. وإن شئت فقل: (إن العقل
والعاقل والمعقول مفاهيم ثلاثة منتزعة من وجود واحد).
والبرهان المذكور آنفا كما يجري في كون كل مجرد عقلا وعاقلا ومعقولا
لنفسه يجري في كونه عقلا ومعقولا لغيره.
فإن قيل (1): لازم ذلك أن تكون النفس الإنسانية لتجردها عاقلة لنفسها ولكل
مجرد مفروض، وهو خلاف الضرورة.
قلنا (2): هو كذلك لو كانت النفس المجردة مجردة تجردا تاما ذاتا
وفعلا، لكنها مجردة ذاتا ومادية فعلا، فهي لتجردها ذاتا تعقل ذاتها بالفعل.
وأما تعقلها لغيرها فيتوقف على خروجها من القوة إلى الفعل تدريجا بحسب
الاستعدادات المختلفة التي تكتسبها. فلو تجردت تجردا تاما ولم يشغلها تدبير
البدن حصلت له جميع التعقلات حصولا بالفعل بالعقل الاجمالي وصارت عقلا
مستفادا.
وليتنبه أن هذا البيان إنما يجري في الذوات المجردة التي وجودها في نفسها
لنفسها. وأما الأعراض التي وجودها في نفسها لغيرها فالعاقل لها الذي يحصل له
المعقول موضوعها لا أنفسها. وكذلك الحكم في النسب والروابط التي وجوداتها
في غيرها.

(1) هذا الإشكال أورده بعض من عاصر الشيخ الرئيس عليه كما نقل في المباحث المشرقية
ج 1 ص 373 والأسفار ج 3 ص 458.
(2) كما أجاب عنه الشيخ الرئيس على ما في المباحث المشرقية ج 1 ص 373، والأسفار ج 3
ص 458 - 459. وناقش فيه صدر المتألهين ثم أجاب عنه بوجه آخر، راجع الأسفار ج 3
ص 459 - 460.
319

الفصل الثالث عشر
في أن العلم بذي السبب لا يحصل إلا من طريق العلم
بسببه وما يتصل بذلك السبب
ونعني به العلة الموجبة للمعلول بخصوصية عليته، سواء كانت علة بماهيتها
كالأربعة التي هي علة للزوجية أو كانت علة بوجودها الخارجي، وهي الأمر الذي
يستند إليه وجود المعلول ممتنعا استناده إلى غيره وإلا لكان لمعلول واحد علتان
مستقلتان. ولما كان العلم مطابقا للمعلوم بعينه كانت النسبة بين العلم بالمعلول
والعلم بالعلة هي النسبة بين نفس المعلول ونفس العلة. ولازم ذلك توقف العلم
بالمعلول وترتبه على العلم بعلته، ولو ترتب على شئ آخر غير علته كان لشئ
واحد أكثر من علة واحدة، وهو محال.
وظاهر من هذا البيان أن هذا حكم العلم بذات المسبب مع العلم بذات السبب
دون العلم بوصفي العلية والمعلولية المتضائفين (1)، فإن ذلك مضافا إلى أنه لا
جدوى فيه لجريانه في كل متضائفين مفروضين من غير اختصاص بالعلم، إنما
يفيد المعية دون توقف العلم بالمعلول على العلم بالعلة، لأن المتضائفين معان قوة
وفعلا وذهنا وخارجا.
فإن قلت: نحن كثيرا ما ندرك أمورا من طريق الحس، نقضي بتحققها
الخارجي ونصدق بوجودها مع الجهل بعلتها، فهناك علم حاصل بالمعلول مع
الجهل بالعلة، نعم يكشف ذلك إجمالا أن علتها موجودة.
قلنا: الذي يناله الحس هو صور الأعراض الخارجية من غير تصديق بثبوتها
أو ثبوت آثارها، وإنما التصديق للعقل. فالعقل يرى أن الذي يناله الإنسان بالحس
وله آثار خارجة منه لا صنع له فيه، وكل ما كان كذلك كان موجودا في خارج
النفس الإنسانية. وهذا سلوك علمي من أحد المتلازمين إلى آخر.

(1) إن بين العلية والمعلولية مقابلة التضائف، لأن كلا منهما إنما هو بالقياس إلى الآخر، ولا
يجتمعان في شئ واحد من جهة واحدة وقد يجتمعان في الشئ الواحد بالنسبة إلى أمرين.
320

والذي تقدم هو توقف العلم بذي السبب على سببه، وأما ما لا سبب له فإنما
يعلم ثبوته من طريق الملازمات العامة كما حقق في صناعة البرهان (1).
فكون الشئ مستقلا عن شئ آخر ولا صنع له فيه وكونه مغايرا لذلك
وخارجا عنه، صفتان عامتان متلازمتان لا سبب لهما، بل الملازمة ذاتية كسائر
موضوعات الحكمة الإلهية، ووجود المحسوس في الخارج من النفس من
مصاديق هاتين المتلازمتين ينتقل العقل من أحدهما إلى الآخر. وهذا كما أن
الملازمة بين الشئ وبين ثبوته لنفسه ذاتية، وثبوت هذا الشئ لنفسه من
مصاديقه، والعلم به لا يتوقف على سبب.
فقد ظهر مما تقدم أن البحث عن المطلوب إنما يفيد العلم به بالسلوك إليه عن
طريق سببه إن كان ذا سبب أو من طريق الملازمات العامة إن كان مما لا سبب له.
وأما السلوك إلى العلة من طريق المعلول فلا يفيد علما البتة.
الفصل الرابع عشر
في أن العلوم ليست بذاتية للنفس
قيل (2): (إن ما تناله النفس من العلوم ذاتية لها موجودة فيها بالفعل في بدء
كينونتها).
ولما أورد عليهم: أن ذلك ينافي الجهل المشهود من الإنسان ببعض العلوم
والحاجة في فعليتها إلى الاكتساب. أجابوا (3) بأنها ذاتية فطرية لها، لكن اشتغال
النفس بتدبير البدن أغفلها علومها وشغلها عن التوجه إليها.

(1) راجع الفصل الثامن من المقالة الأولى من الفن الخامس من منطق الشفاء.
(2) والقائل بعض القائلين بقدم النفوس البشرية على ما نقل في المباحث المشرقية ج 1
ص 357، والأسفار ج 3 ص 487.
(3) وتعرض له الفخر الرازي ونقده في المباحث المشرقية ج 1 ص 375. وتبعه على ذلك
صدر المتألهين في الأسفار ج 3 ص 489 - 490.
321

وفيه: أن نحو وجود النفس بما أنها نفس أنها صورة مدبرة للبدن، فتدبير
البدن ذاتي لها حيثما فرضت نفسا. فلا يؤول الجمع بين ذاتية العلوم لها وبين
شاغلية تدبير البدن لها عن علومها إلا إلى المناقضة.
نعم، يتجه هذا القول بناء على ما نسب إلى أفلاطون (1) أن النفوس قديمة
زمانا والعلوم ذاتية لها وقد سنح لها التعلق التدبيري بالأبدان فأنساها التدبير
علومها المرتكزة في ذواتها.
لكنه فاسد بما تحقق في علم النفس من حدوث النفوس بحدوث الأبدان على
ما هو المشهور أو بحركة جواهر الأبدان بعد حدوثها (2).
وربما وجه القول بقدمها بأن المراد به قدم نشأتها العقلية المتقدمة على نشأتها
النفسانية. لكن لا يثبت بذلك أيضا أن حصول العلم بالذكر لا بالانتقال الفكري من
الأسباب إلى المسببات أو من بعض اللوازم العامة إلى بعض آخر، كما تقدم (3).
الفصل الخامس عشر
في انقسامات أخر للعلم
قال في الأسفار ما ملخصه: (إن العلم عندنا نفس الوجود غير المادي،
والوجود ليس في نفسه طبيعة كلية جنسية أو نوعية حتى ينقسم بالفصول إلى
الأنواع، أو بالمشخصات إلى الأشخاص، أو بالقيود العرضية إلى الأصناف، بل كل
علم هوية شخصية بسيطة غير مندرجة تحت معنى كلي ذاتي.
فتقسيم العلم باعتبار عين تقسيم المعلوم لاتحاده مع المعلوم اتحاد الوجود
مع الماهية، فعلى هذا نقول: إن من العلم ما هو واجب الوجود بذاته وهو علم
الأول (تعالى) بذاته الذي هو عين ذاته بلا ماهية، ومنه ما هو ممكن الوجود بذاته
وهو علم جميع ما عداه. وينقسم إلى ما هو جوهر، كعلوم الجواهر العقلية بذواتها،

(1) راجع الأسفار ج 8 ص 331.
(2) راجع الأسفار ج 8 ص 330 - 380.
(3) في الفصل السابق.
322

وإلى ما هو عرض، وهو في المشهور جميع العلوم الحصولية المكتسبة لقيامها
بالذهن عندهم، وعندنا العلم العرضي هو صفات المعلومات التي تحضر صورها
عند النفس، وقد بينا أن العلم عقليا كان أو خياليا ليس بحلول المعلومات في العقل
أو النفس، بل على نحو المثول بين يدي العالم واتحاد النفس بها.
قسمة أخرى، قالوا: من العلم ما هو فعلي، ومنه ما هو انفعالي، ومنه ما ليس
بفعلي ولا انفعالي. أما العلم الفعلي، فكعلم البارئ (تعالى) بما عدا ذاته وعلم سائر
العلل بمعلولاتها. وأما العلم الانفعالي، فكعلم ما عدا البارئ (تعالى) بما ليس
بمعلول له مما لا يحصل إلا بانفعال ما وتغير ما للعالم، وبالجملة بارتسام صور
تحدث في ذات النفس أو آلاتها. والعلم الذي ليس بفعلي ولا انفعالي، فكعلم
الذوات العاقلة بأنفسها وبالأمور التي لا تغيب عنها. وقد يكون علم واحد فعليا
من وجه وانفعاليا من وجه، كالعلوم الحادثة التي لها آثار خارجية، كتأثير الأوهام
في المواد الخارجية) (1).
وقال أيضا: (إن العلم يقع على مصاديقه بالتشكيك كالوجود، فيختلف بالشدة
والضعف، والأولية والأولوية وخلافهما، والأقدمية وغيرها. فإن العلم بذات الأول
(تعالى) - وهو علمه (تعالى) بذاته الذي هو عين ذاته - أولى في كونه علما من
العلم بغيره، وهو أقدم العلوم لكونه سبب سائر العلوم وهو أشدها جلاء وأقوى
ظهورا في ذاته. وأما خفاؤه علينا فلما علمت من أنه لغاية ظهوره وضعف
بصائرنا عن إدراكه، فجهة خفائه هي بعينها جهة وضوحه وجلائه. وهكذا كل علم
بحقيقة علة بالقياس إلى العلم بحقيقة معلولها. وكذا العلم بحقيقة كل جوهر هو أشد
من العلم بحقيقة كل عرض، وهو أولى وأقدم من العلم بحقيقة العرض القائم بذلك
الجوهر، لكونه علة لها، لا بحقيقة سائر الأعراض غير القائمة به.
وأما إطلاق العلم على الفعل والانفعال والإضافة كالتعليم والتعلم والعالمية
فعلى سبيل الاشتراك أو التجوز) (2) - انتهى.

(1) راجع الأسفار ج 3 ص 382 - 383.
(2) راجع الأسفار ج 3 ص 383 - 384.
323

المرحلة الثانية عشرة
في ما يتعلق بالواجب الوجود
عز اسمه من المباحث
وهي في الحقيقة مسائل متعلقة بمرحلة الوجوب والإمكان،
أفردوا للكلام فيها مرحلة مستقلة اهتماما بها واعتناء
بشرافة موضوعها
وفيها أربعة وعشرون فصلا
325

الفصل الأول
في إثبات الوجود الواجبي
البراهين الدالة على وجوده (تعالى) كثيرة متكاثرة (1). وأوثقها وأمتنها هو
البرهان المتضمن للسلوك إليه من ناحية الوجود (2)، وقد سموه (برهان
الصديقين) (3)، لما أنهم يعرفونه (تعالى) به لا بغيره. وهو كما ستقف عليه برهان

(1) وإن شئت تفصيلها فراجع الأسفار ج 6 ص 12 - 47، وشرح الهداية الأثيرية لصدر
المتألهين ص 279 - 283، والتعليقات للشيخ الرئيس ص 70، وشرح الإشارات ج 3
ص 20 - 30 و 66 - 67، والمبدأ والمعاد للشيخ الرئيس ص 22، وكشف المراد ص 280،
وشرح المقاصد ج 2 ص 57 - 60، وشرح المواقف ص 465 - 470، ورسالة إثبات الواجب
للمحقق الدواني، وغيرها من المطولات.
(2) هذا مذهب الحكماء الإلهيين، كما نسبه إليهم الشيخ الرئيس في رسالة الفصول، حيث قال:
- بعد التعرض لمسلك الطبيعيين -: (والإلهيون سلكوا غير هذا المسلك وتوصلوا إلى إثباته
من وجوب الوجود) انتهى كلامه في رسالة الفصول على ما نقل في شوارق الالهام ص 495.
ومن هنا يظهر ضعف كلام من زعم أن الشيخ أول من سلك هذا المنهج، فإن كلامه في
رسالة الفصول صريح في أنه تبع غيره من الإلهيين. نعم أنه أول من وسم الحكماء الإلهيين
بالصديقين.
(3) وأول من سماه ب‍ (برهان الصديقين) هو الشيخ الرئيس، حيث قال: (أقول: إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه). راجع شرح الإشارات ج 3 ص 66.
وقال المحقق الطوسي: (ولما كان طريقة قومه أصدق الوجهين وسمهم بالصديقين، فإن
الصديق هو ملازم الصدق) راجع شرح الإشارات ج 3 ص 67.
327

إني يسلك فيه من لازم من لوازم الوجود إلى لازم آخر.
وقد قرر بغير واحد من التقرير (1):
وأوجز ما قيل أن حقيقة الوجود إما واجبة وإما تستلزمها، فإذن الواجب
بالذات موجود، وهو المطلوب.
وفي معناه ما قرر (2) - بالبناء على أصالة الوجود - أن حقيقة الوجود التي هي
عين الأعيان وحاق الواقع حقيقة مرسلة يمتنع عليها العدم، إذ كل مقابل غير قابل
لمقابله، والحقيقة المرسلة التي يمتنع عليها العدم واجبة الوجود بالذات، فحقيقة
الوجود الكذائية واجبة بالذات، وهو المطلوب.
فإن قلت: امتناع العدم على الوجود لا يوجب كونه واجبا بالذات وإلا كان
وجود كل ممكن واجبا بالذات لمناقضته عدمه، فكان الممكن واجبا وهو ممكن،
وهذا خلف.
قلت: هذا في الوجودات الممكنة، وهي محدودة بحدود ماهوية لا تتعداها،
فينتزع عدمها مما وراء حدودها. وهو المراد بقولهم: (كل ممكن فهو زوج
تركيبي) (3) وأما حقيقة الوجود المرسلة التي هي الأصيلة لا أصيل غيرها، فلا حد
يحدها ولا قيد يقيدها، فهي بسيطة صرفة تمانع العدم وتناقضه بالذات، وهو
الوجوب بالذات.

(1) راجع شرح المنظومة ص 145 - 146، والأسفار ج 6 ص 14 - 16، والمبدأ والمعاد للشيخ
الرئيس ص 22، وكشف المراد ص 280، وشوارق الالهام ص 494 - 498، وتهافت
التهافت 460.
(2) والمقرر هو الحكيم السبزواري في حاشية الأسفار ج 6 ص 16 - 17، وحاشية شرح
المنظومة ص 146.
(3) راجع الفصل السابع من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء.
328

وقرر صدر المتألهين قدس سره البرهان على وجه آخر، حيث قال: (وتقريره أن
الوجود - كما مر - حقيقة عينية واحدة بسيطة، لا اختلاف بين أفرادها لذاتها إلا
بالكمال والنقص والشدة والضعف أو بأمور زائدة، كما في أفراد ماهية نوعية.
وغاية كمالها ما لا أتم منه، وهو الذي لا يكون متعلقا بغيره، ولا يتصور ما هو أتم
منه، إذ كل ناقص متعلق بغيره مفتقر إلى تمامه. وقد تبين فيما سبق أن التمام قبل
النقص، والفعل قبل القوة، والوجود قبل العدم، وبين أيضا أن تمام الشئ هو
الشئ وما يفضل عليه.
فإذن الوجود إما مستغن عن غيره وإما مفتقر بالذات إلى غيره. والأول هو
واجب الوجود، وهو صرف الوجود الذي لا أتم منه، ولا يشوبه عدم ولا نقص.
والثاني هو ما سواه من أفعاله وآثاره، ولا قوام لما سواه إلا به، لما مر أن حقيقة
الوجود لا نقص لها وإنما يلحقه النقص لأجل المعلولية، وذلك لأن المعلول لا
يمكن أن يكون في فضيلة الوجود مساويا لعلته. فلو لم يكن الوجود مجعولا ذا
قاهر يوجده ويحصله كما يقتضيه لا يتصور أن يكون له نحو من القصور، لأن
حقيقة الوجود - كما علمت - بسيطة لا حد لها ولا تعين إلا محض الفعلية
والحصول، وإلا لكان فيه تركيب أو له ماهية غير الوجودية (1). وقد مر أيضا أن
الوجود إذا كان معلولا كان مجعولا بنفسه جعلا بسيطا وكان ذاته بذاته مفتقرا إلى
جاعل وهو متعلق الجوهر والذات بجاعله.
فإذن قد ثبت واتضح أن الوجود إما تام الحقيقة واجب الهوية وإما مفتقر
الذات إليه متعلق الجوهرية. وعلى أي القسمين يثبت ويتبين أن وجود واجب
الوجود غني الهوية عما سواه، وهذا هو ما أردناه) (2) - انتهى.

(1) وفي المطبوع: (غير الموجودية).
(2) راجع الأسفار ج 6 ص 14 - 16.
329

الفصل الثاني
في بعض آخر مما أقيم على وجود
الواجب (تعالى) من البراهين
من البراهين عليه (1) أنه لا ريب أن هناك موجودا ما، فإن كان هو أو شئ
منه واجبا بالذات فهو المطلوب، وإن لم يكن واجبا بالذات وهو موجود فهو
ممكن بالذات بالضرورة، فرجح وجوده على عدمه بأمر خارج من ذاته وهو
العلة، وإلا كان مرجحا بنفسه فكان واجبا بالذات وقد فرض ممكنا، وهذا خلف.
وعلته إما ممكنة مثله أو واجبة بالذات، وعلى الثاني يثبت المطلوب، وعلى الأول
ينقل الكلام إلى علته، وهلم جرا، فإما أن يدور أو يتسلسل، وهما محالان، أو
ينتهي إلى علة غير معلولة هي الواجب بالذات، وهو المطلوب.
واعترض عليه (2): بأنه ليس بيانا برهانيا مفيدا لليقين، فإن البرهان إنما يفيد
اليقين إذا كان السلوك فيه من العلة إلى المعلول، وهو البرهان اللمي. وأما البرهان
الإني المسلوك فيه من المعلول إلى العلة فلا يفيد يقينا كما بين في المنطق. ولما
كان الواجب (تعالى) علة لكل ما سواه غير معلول لشئ بوجه، كان السلوك إلى
إثبات وجوده - من أي شئ كان - سلوكا من المعلول إلى العلة غير مفيد لليقين،
وقد سلك في هذا البيان من الموجود الممكن الذي هو معلوله إلى إثبات وجوده.
والجواب عنه (3): أن برهان الإن لا ينحصر فيما يسلك فيه من المعلول إلى

(1) وهذا هو البرهان المنسوب إلى الإلهيين. وهذا نفس البرهان الصديقين الذي ذكره الشيخ
الرئيس في الإشارات، وتمسك به المحقق الطوسي وتبعه العلامة الحلي، راجع كشف المراد
ص 280، وشوارق الالهام ص 494 - 500، وشرح القوشجي ص 210، والنافع يوم الحشر
ص 8 - 9، ومفتاح الباب 83 - 97.
(2) هذا الاعتراض تعرض له صدر المتألهين في الأسفار ج 6 ص 27.
(3) كذا أجاب عنه المصنف رحمه الله في تعليقته على الأسفار ج 6 ص 67. وقال المحقق اللاهيجي في شوارق الالهام ص 498: (وأيضا قالوا: من القياسات الإنية ما هو أقرب إلى اللم، بل كاد
أن يكون في مرتبته في الوثوق، وهو ما يكون من اللوازم المنتزعة من حاق الملزوم
وحقيقته من غير اعتبار أمر آخر على ما صرح به الشيخ في الحكمة المشرقية) انتهى.
330

العلة، وهو لا يفيد اليقين، بل ربما يسلك فيه من بعض اللوازم العامة التي
للموجودات المطلقة إلى بعض آخر وهو يفيد اليقين، كما بينه الشيخ في كتاب
البرهان من منطق الشفاء (1).
وقد سلك في البرهان السابق من حال لازمة لمفهوم وموجود ما - وهو
مساوق للموجود من حيث هو موجود - إلى حال لازمة أخرى له، وهو أن من
مصاديقه وجود علة غير معلولة يجب وجودها لذاتها.
فقد تبين بذلك أن البيان المذكور برهان إني مفيد لليقين كسائر البراهين
الموضوعة في الفلسفة لبيان خواص الموجود من حيث هو موجود المساوية
للموجود العام.
تنبيه
محصل البيان السابق أن تحقق موجود ما ملازم لترجح وجوده إما لذاته
فيكون واجبا بالذات، أو لغيره وينتهي إلى ما ترجح بذاته، وإلا دار أو تسلسل
وهما مستحيلان.
ويمكن تبديل ترجح الوجود من وجوب الوجود فيكون سلوكا إنيا من
مسلك آخر. تقريره: أنه لا ريب أن هناك موجودا ما، وكل موجود فإنه واجب،
لأن الشئ ما لم يجب لم يوجد، فإن كان هو أو شئ منه واجبا لذاته فهو
المطلوب، وإن كان واجبا لغيره وهو علته الموجودة الواجبة، فعليته إما واجبة
لذاتها فهو، وإما واجبة لغيرها، فننقل الكلام إلى علة علته، وهلم جرا، فإما أن
يدور أو يتسلسل أو ينتهي إلى واجب لذاته، والشقان الأولان مستحيلان، والثالث
هو المطلوب.

(1) راجع الفصل الثامن من المقالة الأولى من الفن الخامس من منطق الشفاء.
331

برهان آخر، أقامه الطبيعيون (1) من طريق الحركة والتغير. تقريره: أنه قد ثبت
فيما تقدم - في مباحث القوة والفعل (2) - أن المحرك غير المتحرك، فلكل متحرك
محرك غيره، ولو كان المحرك متحركا فله محرك أيضا غيره، ولا محالة تنتهي
سلسلة المحركات إلى محرك غير متحرك دفعا للدور والتسلسل. وهو لبراءته من
المادة والقوة، وتنزهه عن التغير والتبدل، وثباته في وجوده، واجب الوجود
بالذات أو ينتهي إليه في سلسلة علله.
برهان آخر، أقامه الطبيعيون أيضا من طريق النفس الإنسانية (3). تقريره: أن
النفس الإنسانية مجردة عن المادة ذاتا، حادثة بما هي نفس بحدوث البدن،
لامتناع التمايز بدون الأبدان واستحالة التناسخ - كما بين في محله (4) - فهي ممكنة
مفتقرة إلى علة غير جسم ولا جسمانية، أما عدم كونها جسما، فلأنها لو كانت
جسما كان كل جسم ذا نفس، وليس كذلك، وأما عدم كونها جسمانية، فلأنها لو
كانت جسمانية، سواء كانت نفسا أخرى أو صورة جسمية أو عرضا جسمانيا، كان
تأثيرها بتوسط الوضع، ولا وضع للنفس مع كونها مجردة، على أن النفس لتجردها
أقوى تجوهرا وأشرف وجودا من كل جسم وجسماني، ولا معنى لعلية الأضعف
الأخس للأقوى الأشرف.
فالسبب الموجد للنفس أمر وراء عالم الطبيعة وهو الواجب (تعالى) بلا
واسطة أو بواسطة علل مترتبة تنتهي إليه.
برهان آخر، للمتكلمين من طريق الحدوث (5). تقريره: أن الأجسام لا تخلو
عن الحركة والسكون وهما حادثان، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث،

(1) نسب إليهم في المباحث المشرقية ج 2 ص 451، وشوارق الالهام ص 459، وشرح
الإشارات ج 3 ص 66، والأسفار ج 6 ص 42.
(2) راجع الفصل العاشر من المرحلة التاسعة.
(3) راجع الأسفار ج 6 ص 44، والمطارحات ص 402 - 403.
(4) راجع تعليقات صدر المتألهين على شرح حكمة الاشراق ص 476.
(5) راجع شرح المواقف ص 466، وشرح المقاصد ج 2 ص 57.
332

فالأجسام كلها حادثة، وكل حادث مفتقر إلى محدث، فمحدثها أمر غير جسم ولا
جسماني، وهو الواجب (تعالى)، دفعا للدور والتسلسل.
والحجة غير تامة، فإن المقدمة القائلة: (إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو
حادث) لا بينة ولا مبينة، وتغير أعراض الجوهر عندهم غير ملازم لتغير الجوهر
الذي هو موضوعها، نعم لو بني على الحركة الجوهرية تمت المقدمة ونجحت
الحجة. وهذه الحجة كما ترى - كالحجج الثلاث السابقة - مبنية على تناهي العلل
وانتهائها إلى علة غير معلولة هو الواجب (تعالى).
الفصل الثالث
في أن الواجب لذاته لا ماهية له
وقد تقدمت المسألة في مرحلة الوجوب والإمكان (1)، وتبين هناك أن كل
ما له ماهية فهو ممكن، وينعكس إلى أن ما ليس بممكن فلا ماهية له، فالواجب
بالذات لا ماهية له، وكذا الممتنع بالذات.
وأوردنا هناك أيضا الحجة المشهورة التي أقاموها لنفي الماهية عن الواجب
(تعالى وتقدس)، وهي: أنه لو كانت للواجب (تعالى) ماهية وراء وجوده كانت
في ذاتها لا موجودة ولا معدومة، فتحتاج في تلبسها بالوجود إلى سبب، والسبب
إما ذاتها أو أمر خارج منها، وكلا الشقين محال، أما كون ذاتها سببا لوجودها،
فلأن السبب متقدم على مسببه وجودا بالضرورة، فيلزم تقدمها بوجودها على
وجودها، وهو محال، وأما كون غيرها سببا لوجودها، فلأنه يستلزم معلولية
الواجب بالذات لذلك الغير فيكون ممكنا، وقد فرض واجبا بالذات، وهذا خلف،
فكون الواجب بالذات ذا ماهية وراء وجوده محال، وهو المطلوب.
وهذه حجة برهانية تامة لا غبار عليها. ونقضها بالماهية الموجودة التي

(1) راجع الفصل الثالث من المرحلة الرابعة.
333

للممكنات (1) - بتقريب أن فرض كون الماهية المفروضة للواجب علة فاعلية
لوجودها، لو اقتضى تقدم الماهية على وجودها المعلول لها لزم نظيره في
الماهيات الموجودة للممكنات، فإن ماهية الممكن قابلة لوجوده والقابل كالفاعل
في وجوب تقدمه على ما يستند إليه -، غير مستقيم (2)، لأن وجوب تقدم القابل
على مقبوله بالوجود إنما هو في القابل الذي هو علة مادية، فهي المتقدمة على
معلولها الذي هو المجموع من الصورة والمادة، وماهية الممكن ليست علة مادية
بالنسبة إلى وجوده ولا بالنسبة إلى الماهية الموجودة، وإنما قابليتها إعتبار عقلي
منشؤه تحليل العقل الممكن إلى الماهية ووجود واتخاذه الماهية موضوعه
والوجود محمولا لها. وبالجملة ليست الماهية علة قابلية للوجود، لكن لو فرضت
علة فاعلية لوجودها كانت علة حقيقية واجبة التقدم حقيقة، فإن الحاجة إلى علة
الوجود حاجة حقيقية تستبع علة حقيقية، بخلاف الحاجة إلى قابل ماهوي يقبل
الوجود، فإنها إعتبار عقلي والماهية في الحقيقة عارضة للوجود لا معروضة لها.
حجة أخرى (3)، وهي: أن الوجود إذا كان زائدا على الماهية تقع الماهية لا
محالة تحت إحدى المقولات، وهي لا محالة مقولة الجوهر دون مقولات
الأعراض، سواء انحصرت المقولات في عدد معين مشهور أو غير مشهور أو زادت
عليه، لأن الأعراض - أيا ما كانت - قائمة بغيرها، فإذا كانت الماهية المفروضة
تحت مقولة الجوهر، فلا بد أن يتخصص بفصل بعد اشتراكها مع غيرها من الأنواع
الجوهرية، فتحتاج إلى المخصص. وأيضا لا شبهة في حاجة بعض الأنواع
الجوهرية إلى المخصص والمرجح، وإذا صح الإمكان على بعض ما تحت الجنس
من الأنواع صح على الجنس، فالجائز على بعض الأنواع التي تحت الجنس جائز

(1) هذا النقض أورده الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 37، وقرره على ذلك
صدر المتألهين في الأسفار ج 6 ص 48.
(2) راجع تعليقة المصنف رحمه الله على الأسفار ج 6 ص 48 الرقم (1).
(3) هذه الحجة أقامها الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 391 - 392، والتلويحات ص 39.
334

على الجنس، والممتنع أو الواجب على الجنس ممتنع أو واجب على كل نوع
تحته، فلو دخل واجب الوجود (تعالى) تحت المقولة لزم فيه جهة إمكانية باعتبار
الجنس، فلم يكن واجبا بل ممكنا، وهذا خلف، وإذا استحال دخول الماهية
المفروضة تحت مقولة الجوهر استحال كون الواجب ذا ماهية، وهو المطلوب.
وقد تبين مما تقدم أن ضرورة الوجود ووجوبه في الواجب (تعالى) أزلية هي
منتزعة من حاق الذات التي هي وجود لا ماهية له.
الفصل الرابع
في أن الواجب (تعالى) بسيط غير مركب
من أجزاء خارجية ولا ذهنية
وقد تقدم أن الواجب (تعالى) لا ماهية له (1)، فليس له حد، وإذ لا حد له فلا
أجزاء حدية له من الجنس والفصل، وإذ لا جنس ولا فصل له فلا أجزاء خارجية
له من المادة والصورة الخارجيتين، لأن المادة هي الجنس بشرط لا والصورة هي
الفصل بشرط لا، وكذا لا أجزاء ذهنية له من المادة والصورة العقليتين، وهما
الجنس والفصل المأخوذان بشرط لا في البسائط الخارجية كالأعراض. وبالجملة
لا أجزاء حدية له من الجنس والفصل، ولا خارجية من المادة والصورة
الخارجيتين، ولا ذهنية عقلية من المادة والصورة العقليتين.
برهان آخر (2): لو كان له جزء لكان متقدما عليه في الوجود وتوقف الواجب
عليه في الوجود، ضرورة تقدم الجزء على الكل في الوجود وتوقف الكل فيه
عليه، ومسبوقية الواجب وتوقفه على غيره وهو واجب الوجود محال.
برهان آخر (3): لو تركبت ذات الواجب (تعالى) من أجزاء، لم يخل إما أن

(1) راجع الفصل الثالث من المرحلة الرابعة، والفصل السابق من هذه المرحلة.
(2) راجع الأسفار ج 6 ص 100.
(3) راجع الأسفار ج 6 ص 102 - 103.
335

يكون جميع الأجزاء واجبات بذواتها، وإما أن يكون بعضها واجبا بالذات وبعضها
ممكنا، وإما أن يكون جميعها ممكنات، والأول محال، إذ لو كانت الأجزاء
واجبات بذواتها كان بينها إمكان بالقياس كما تقدم (1)، وهو ينافي كونها أجزاء
حقيقية لمركب حقيقي ذي وحدة حقيقية، إذ من الواجب في التركيب أن يحصل
بين الأجزاء تعلق ذاتي يحصل به أمر جديد وراء المجموع، له أثر وراء آثار كل
واحد من الأجزاء، والثاني محال للزوم افتقار الواجب بالذات إلى الممكن، على
أن لازمه دخول الماهية في حقيقة الواجب، لما تقدم في مرحلة الوجوب
والإمكان أن كل ممكن فله ماهية (2)، والثالث أيضا محال بمثل ما تقدم.
وهذه البراهين غير كافية في نفي الأجزاء المقدارية - كما قالوا (3) -، لأنها
أجزاء بالقوة لا بالفعل - كما تقدم في بحث الكم من مرحلة الجواهر
والأعراض (4) -.
وقد قيل (5) في نفيها (6): (إنه لو كان للواجب جزء مقداري فهو إما ممكن
فيلزم أن يخالف الجزء المقداري كله في الحقيقة وهو محال، وإما واجب فيلزم أن
يكون الواجب بالذات غير موجود بالفعل بل بالقوة وهو محال).
ثم إن من التركب ما يتصف به الشئ بهويته الوجودية من السلوب، وهو
منفي عن الواجب بالذات (تعالى وتقدس).
بيان ذلك: أن كل هوية صح أن يسلب عنها شئ بالنظر إلى حد وجودها، فهي
متحصلة من إيجاب وسلب، كالإنسان مثلا هو إنسان، وليس بفرس في حاق
وجوده، وكل ما كان كذلك فهو مركب من إيجاب هو ثبوت نفسه له وسلب هو نفي

(1) في الفصل الثاني من المرحلة الرابعة.
(2) راجع الفصل الأول من المرحلة الرابعة.
(3) أي بثبوت الأجزاء المقدارية للواجب. والقائل هو المشبهة كما في الأسفار ج 6 ص 101.
(4) راجع الفصل التاسع من المرحلة السادسة.
(5) والقائل صدر المتألهين في الأسفار ج 6 ص 101 - 102.
(6) أي نفي الأجزاء المقدارية عن الواجب.
336

غيره عنه، ضرورة مغايرة الحيثيتين. فكل هوية يسلب عنها شئ فهي مركبة.
(ومعنى دخول النفي في هوية وجودية - والوجود مناقض للعدم - نقص وجودي
في وجود مقيس إلى وجود آخر، ويتحقق بذلك مراتب التشكيك في حقيقة
الوجود وخصوصياتها)، وتنعكس النتيجة بعكس النقيض إلى أن كل ذات بسيطة
الحقيقة فإنها لا يسلب عنها كمال وجودي.
والواجب بالذات وجود بحت لا سبيل للعدم إلى ذاته ولا يسلب عنه كمال
وجودي، لأن كل كمال وجودي ممكن، فإنه معلول مفاض من علة، والعلل منتهية
إلى الواجب بالذات، ومعطي الشئ لا يكون فاقدا له، فله (تعالى) كل كمال
وجودي من غير أن يداخله عدم، فالحقيقة الواجبية بسيطة بحتة، فلا يسلب عنها
شئ، وهو المطلوب.
فإن قيل (1): إن له (تعالى) صفات سلبية بالبرهان، ككونه ليس بجسم ولا
جسماني ولا بجوهر ولا بعرض.
قلنا: الصفات السلبية راجعة إلى سلب النقائص والأعدام، وسلب السلب
وجود، وسلب النقص كمال وجود - كما قيل (2) -.
فإن قيل: لازم ما تقدم من البيان صحة الحمل بينه (تعالى) وبين كل موجود
وكمال وجودي، ولازمه عينية الواجب والممكن (تعالى الله عن ذلك)، وهو
خلاف الضرورة.
قلنا: كلا، ولو حمل الوجودات الممكنة عليه (تعالى) حملا شائعا صدقت
عليه (تعالى) بكلتا جهتي إيجابها وسلبها وحيثيتي كمالها ونقصها اللتين تركبت
ذواتها منها، فكانت ذات الواجب مركبة وقد فرضت بسيطة الحقيقة، وهذا خلف.
بل وجدانه (تعالى) بحقيقته البسيطة كمال كل موجود وجدانه له بنحو أعلى

(1) هذا الإشكال تعرض له في الأسفار ج 6 ص 114.
(2) والقائل صدر المتألهين في الأسفار ج 6 ص 114.
337

وأشرف، من قبيل وجدان العلة كمال المعلول، مع ما بينهما من المباينة الموجبة،
لامتناع الحمل.
وهذا هو المراد بقولهم: (بسيط الحقيقة كل الأشياء) (1)، والحمل حمل الحقيقة
والرقيقة دون الحمل الشائع (2).
وقد تبين بما تقدم أن الواجب لذاته تمام كل شئ.
الفصل الخامس
في توحيد الواجب لذاته
وأنه لا شريك له في وجوب الوجود
قد تبين في الفصول السابقة (3)، أن ذات الواجب لذاته عين الوجود الذي لا
ماهية له ولا جزء عدمي فيه، فهو صرف الوجود، وصرف الشئ واحد بالوحدة
الحقة التي لا تتثنى ولا تتكرر، إذ لا تتحقق كثرة إلا بتميز آحادها، باختصاص كل
منها بمعنى لا يوجد في غيره، وهو ينافي الصرافة، فكل ما فرضت له ثانيا عاد
أولا، فالواجب لذاته واحد لذاته، كما أنه موجود بذاته واجب لذاته، وهو
المطلوب. ولعل هذا هو مراد الشيخ بقوله في التعليقات: (وجود الواجب عين
هويته، فكونه موجودا عين كونه هو، فلا يوجد وجود الواجب لذاته لغيره) (4) -
انتهى.
برهان آخر (5): لو تعدد الواجب بالذات، كأن يفرض واجبان بالذات وكان

(1) راجع الأسفار ج 6 ص 110 - 114.
(2) ولمزيد التوضيح راجع تعليقة المصنف رحمه الله على الأسفار ج 6 ص 110.
(3) راجع الفصل الثالث من هذه المرحلة، والفصل الثالث من المرحلة الرابعة.
(4) راجع التعليقات للشيخ الرئيس ص 183 - 184.
(5) هذا البرهان استدل به المشهور، كما في الأسفار ج 6 ص 57، وشرح المقاصد ج 2
ص 61، والمباحث المشرقية ج 2 ص 451 - 454.
338

وجوب الوجود مشتركا بينهما وكان تميزهما بأمر وراء المعنى المشترك بينهما،
فإن كان داخلا في الذات لزم التركب، وهو ينافي وجوب الوجود، وإن كان
خارجا منها كان عرضيا معللا، فإن كان معلولا للذات كانت الذات متقدمة على
تميزها بالوجود، ولا ذات قبل التميز فهو محال، وإن كان معلولا لغيره كانت
الذات مفتقرة في تميزها إلى غيرها وهو محال، فتعدد واجب الوجود على جميع
تقاديره محال.
وأورد عليه الشبهة المنسوبة إلى ابن كمونة (1) - وفي الأسفار (2) أن أول من
ذكرها الشيخ الإشراقي في المطارحات (3)، ثم ذكرها ابن كمونة، وهو من شراح
كلامه في بعض مصنفاته (4) واشتهرت باسمه - بأنه لم لا يجوز أن تكون هناك
ماهيتان بسيطتان مجهولتا الكنه متباينتان بتمام الذات ويكون قول الوجود عليهما
قولا عرضيا؟!
وهذه الشبهة كما تجري على القول بأصالة الماهية المنسوب إلى الإشراقيين
تجري على القول بأصالة الوجود وكون الوجودات حقائق بسيطة متباينة بتمام
الذات المنسوب إلى المشائين. والحجة مبنية على أصالة الوجود وكونه حقيقة

(1) قال: (الشبهة المنسوبة إلى ابن كمونة) ولم يقل: (شبهة ابن كمونة). والوجه في ذلك أن ابن
كمونة ليس أول من اعتراه هذه الشبهة، بل هو مقررها بأتم وجه فاشتهرت باسمه.
قال السيد الداماد: (وهذا الإعضال معزى على ألسن هؤلاء المحدثة إلى رجل من
المتفلسفين المحدثين يعرف بابن كمونة. وليس أول من اعتراه هذا الشك، كيف؟ والأقدمون
كالعاقبين قد وكدوا الفصية عنه وبذلوا جهودهم في سبيل ذلك قرونا ودهورا). انتهى كلامه
في التقديسات على ما نقله عنه بعض المحشين في شوارق الالهام ص 125 ط الفارابي.
وقال صدر المتألهين: (ما ينسب إلى ابن كمونة وقد سماه بعضهم بافتخار الشياطين لاشتهاره
بإبداء هذه الشبهة العويصة والعقدة العسيرة الحل، فإني قد وجدت هذه الشبهة في كلام غيره
ممن تقدمه زمانا) راجع الأسفار ج 1 ص 132 وشرح الهداية الأثيرية ص 291. والمراد من
قوله: (ممن تقدمه زمانا) هو الشيخ الإشراقي كما صرح به في الأسفار ج 6 ص 63.
(2) راجع الأسفار ج 6 ص 63.
(3) راجع المطارحات ص 395.
(4) وهو كتاب التلويحات، فراجعه ص 37.
339

واحدة مشككة ذات مراتب مختلفة.
وأجيب (1) عن الشبهة بأنها مبنية على انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة
متباينة بما هي كثيرة متباينة وهو محال.
برهان آخر (2): لو تعدد الواجب بالذات وكان هناك واجبان بالذات - مثلا -
كان بينهما الإمكان بالقياس من غير أن يكون بينهما علاقة ذاتية لزومية، لأنها لا
تتحقق بين الشيئين إلا مع كون أحدهما علة والآخر معلولا أو كونهما معلولين لعلة
ثالثة، والمعلولية تنافي وجوب الوجود بالذات.
فإذن لكل واحد منهما حظ من الوجود ومرتبة من الكمال ليس للآخر. فذات
كل منهما بذاته واجد لشئ من الوجود وفاقد لشئ منه، وقد تقدم (3) أنه تركب
مستحيل على الواجب بالذات.
برهان آخر: ذكره الفارابي في الفصوص: (وجوب الوجود لا ينقسم بالحمل
على كثيرين مختلفين بالعدد، وإلا لكان معلولا) (4).
ولعل المراد أنه لو تعدد الواجب بالذات لم تكن الكثرة مقتضى ذاته،
لاستلزامه أن لا يوجد له مصداق، إذ كل ما فرض مصداقا له كان كثيرا والكثير لا
يتحقق إلا بآحاد، وإذ لا واحد مصداقا له فلا كثير، وإذ لا كثير فلا مصداق له،
والمفروض أنه واجب بالذات. فبقي أن تكون الكثرة مقتضى غيره، وهو محال،
لاستلزامه الافتقار إلى الغير الذي لا يجامع الوجوب الذاتي.
الفصل السادس
في توحيد الواجب لذاته في ربوبيته وأنه لا رب سواه
الفحص البالغ والتدبر الدقيق العلمي يعطي أن أجزاء عالمنا المشهود - وهو
عالم الطبيعة - مرتبطة بعضها ببعض من أجزائها العلوية والسفلية وأفعالها

(1) كذا أجاب عنها صدر المتألهين في الأسفار ج 6 ص 58 - 62، و ج 1 ص 133.
(2) هذا البرهان ذكره صدر المتألهين في الأسفار ج 1 ص 136.
(3) راجع الفصل السابق.
(4) راجع الفصوص للفارابي ص 4.
340

وانفعالاتها والحوادث المترتبة على ذلك، فلا تجد خلالها موجودا لا يرتبط بغيره
في كينونته وتأثيره وتأثره، وقد تقدم في مباحث الحركة الجوهرية ما يتأيد به
ذلك (1).
فلكل حادث من كينونة أو فعل أو انفعال استناد إلى مجموع العالم. ويستنتج
من ذلك أن بين أجزاء العالم نوعا من الوحدة، والنظام الوسيع الجاري فيه واحد،
فهذا أصل.
ثم إن المتحصل مما تقدم من المباحث وما سيأتي أن هذا العالم المادي
معلول لعالم نوري مجرد عن المادة متقدس عن القوة، وأن بين العلة والمعلول
سنخية وجودية بها يحكى المعلول بما له من الكمال الوجودي بحسب مرتبته
الكمال الوجودي المتحقق في العلة بنحو أعلى وأشرف، والحكم جار إن كان
هناك علل عقلية مجردة بعضها فوق بعض حتى تنتهي إلى الواجب لذاته جل ذكره.
ويستنتج من ذلك أن فوق هذا النظام الجاري في العالم المشهود نظاما عقليا
نوريا مسانخا له هو مبدأ هذا النظام وينتهي إلى نظام رباني في علمه (تعالى) هو
مبدأ الكل، وهذا أيضا أصل.
ومن الضروري أيضا أن علة علة الشئ علة لذلك الشئ، وأن معلول معلول
الشئ معلول لذلك الشئ. وإذ كانت العلل تنتهي إلى الواجب (تعالى)، فكل
موجود كيفما فرض فهو أثره، وليس في العين إلا وجود جواهر وآثارها والنسب
والروابط التي بينها، ولا مستقل في وجوده إلا الواجب بالذات، ولا مفيض
للوجود إلا هو.
فقد تبين بما تقدم أن الواجب (تعالى) هو المجري لهذا النظام الجاري في
نشأتنا المشهودة والمدبر بهذا التدبير العام المظل على أجزاء العالم، وكذا
النظامات العقلية النورية التي فوق هذا النظام وبحذائه على ما يليق بحال كل منها

(1) راجع الفصل الثامن من هذه المرحلة.
341

حسب ما له من مرتبة الوجود، فالواجب لذاته رب للعالم مدبر لأمره بالإيجاد بعد
الايجاد، وليس للعلل المتوسطة إلا أنها مسخرة للتوسط من غير استقلال، وهو
المطلوب، فمن المحال أن يكون في العالم رب غيره، لا واحد ولا كثير.
على أنه لو فرض كثرة الأرباب المدبرين لأمر العالم - كما يقول به
الوثنية (1) - أدى ذلك إلى المحال من جهة أخرى وهي فساد النظام. بيان ذلك: أن
الكثرة لا تتحقق إلا بالآحاد ولا آحاد إلا مع تميز البعض من البعض، ولا يتم تميز
إلا باشتمال كل واحد من آحاد الكثرة على جهة ذاتية يفقدها الواحد الآخر،
فيغاير بذلك الآخر ويتمايزان، كل ذلك بالضرورة، والسنخية بين الفاعل وفعله
تقضي بظهور المغايرة بين الفعلين حسب ما بين الفاعلين، فلو كان هناك أرباب
متفرقون، سواء اجتمعوا على فعل واحد أو كان لكل جهة من جهات النظام
العالمي العام رب مستقل في ربوبيته كرب السماء والأرض ورب الإنسان وغير
ذلك، أدى ذلك إلى فساد النظام والتدافع بين أجزائه، ووحدة النظام والتلازم

(1) أقول: إن البحث عن انتفاء الشريك يقع في جهات ثلاث:
الجهة الأولى: انتفاء الشريك عن الله في الوجوب الذاتي. وهي ما مر في الفصل السابق.
الجهة الثانية: انتفاء الشريك عنه في استحقاق العبادة. والوثنية خالفنا في هذه الجهة.
وهي خارجة عما يبحث عنه في هذا الفصل.
الجهة الثالثة: انتفاء الشريك عنه في الربوبية والمدبرية والخالقية. وهي ما يبحث عنه في
هذا الفصل. ولم تكن الوثنية مخالفا لنا في هذه الجهة، بل المخالف في هذه الجهة هو الثنوية
لا الوثنية. قال في شرح المواقف: (واعلم أنه لا مخالف في هذه المسألة إلا الثنوية دون
الوثنية، فإنهم لا يقولون بوجود إلهين واجبي الوجود، ولا يصفون الأوثان بصفات الإلهية،
وإن أطلقوا عليها اسم الآلهة، بل اتخذوها على أنها تماثيل الأنبياء أو الزهاد أو الملائكة أو
الكواكب واشتغلوا بتعظيمها على وجه العبادة توصلا بها إلى ما هو إله حقيقة. وأما الثنوية
فإنهم قالوا نجد في العالم خيرا كثيرا وشرا كثيرا وأن الواحد لا يكون خيرا شريرا
بالضرورة، فلكل منهما فاعل على حدة، فالمانوية والديصانية من الثنوية قالوا: فاعل الخير
هو النور وفاعل الشر هو الظلمة... والمجوس منهم ذهبوا إلى أن فاعل الخير هو يزدان
وفاعل الشر هو اهرمن، ويعنون به الشيطان) راجع شرح المواقف ص 479.
ومن هنا يظهر خطأ المصنف رحمه الله هاهنا حيث نسب القول بكثرة الأرباب إلى الوثنية.
342

المستمر بين أجزائه تدفعه.
فإن قيل: إحكام النظام وإتقانه العجيب الحاكم بين أجزائه يشهد أن التدبير
الجاري تدبير عن علم والأصول الحكمية القاضية باستناد العالم المشهود إلى علل
مجردة عالمة يؤيد ذلك، فهب أن الأرباب المفروضين متكثرة الذوات ومتغايرتها
ويؤدي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال وتدافعها، لكن من الجائز أن يتواطؤا
على التسالم وهم عقلاء ويتوافقوا على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد
وتحفظا على بقائه.
قلت: لا ريب أن العلوم التي يبني عليها العقلاء أعمالهم صور علمية وقوانين
كلية مأخوذة من النظام الخارجي الجاري في العالم، فللنظام الخارجي نوع تقدم
على تلك الصور العلمية والقوانين الكلية وهي تابعة له. ثم هذا النظام الخارجي
بوجوده الخارجي فعل أولئك الأرباب المفروضين، ومن المستحيل أن يتأثر
الفاعل في فعله عن الصور العلمية المنتزعة عن فعله المتأخرة عن الفعل.
فإن قيل: هب أن الأرباب المفروضين الفاعلين للنظام الخارجي لا يتبعون
في فعلهم الصور العلمية المنتزعة عن الفعل وهي علوم ذهنية حصولية تابعة
للمعلوم، لكن الأرباب المفروضين فواعل علمية لهم علم بفعلهم في مرتبة ذواتهم
قبل الفعل. فلم لا يجوز تواطؤهم على التسالم وتوافقهم على التلاؤم في العلم قبل
الفعل؟
قلت: علم الفاعل العلمي بفعله قبل الايجاد - كما سيجئ (1) وقد تقدمت
الإشارة إليه (2) - علم حضوري، ملاكه وجدان العلة كمال المعلول بنحو أعلى
وأشرف، والسنخية بين العلة ومعلولها. وفرض تواطؤ الأرباب وتوافقهم في مرتبة
هذا المعنى من العلم إلغاء منهم لما في وجوداتهم من التكثر والتغاير، وقد فرض

(1) راجع الفصل الحادي عشر من هذه المرحلة، حيث قال: (وأن علمه حضوري كيفما صور).
(2) راجع الفصل الأول من المرحلة الحادية عشر، حيث قال: (الذي إليه النظر العميق أن
الحصولي منه أيضا ينتهي إلى علم حضوري).
343

أن وجوداتهم متكثرة متغايرة، وهذا خلف.
الفصل السابع
في أن الواجب بالذات لا مشارك له في
شئ من المفاهيم من حيث المصداق
المشاركة بين شيئين وأزيد إنما تتم فيما إذا كانا متغايرين متمايزين، وكان
هناك مفهوم واحد يتصفان به، كزيد وعمرو المتحدين في الإنسانية، والإنسان
والفرس المتحدين في الحيوانية، فهي وحدة في كثرة. ولا تتحقق الكثرة إلا بآحاد
متغايرة متمايزة كل منها مشتمل على ما يسلب به عنه غيره من الآحاد. فكل من
المتشاركين مركب من النفي والإثبات بحسب الوجود. وإذ كان وجود الواجب
بالذات حقيقة الوجود الصرف البسيط، لا سبيل للتركيب إليه ولا مجال للنفي فيه،
فلا يشاركه شئ في معنى من المعاني.
وأيضا المفهوم المشترك فيه إما شئ من الماهيات أو ما يرجع إليها. فلا سبيل
للماهيات الباطلة الذوات إلى حقيقة الواجب بالذات التي هي حقة محضة، فلا
مجانس للواجب بالذات إذ لا جنس له، ولا مماثل له إذ لا نوع له، ولا مشابه له إذ
لا كيف له، ولا مساوي له إذ لا كم له، ولا مطابق له إذ لا وضع له، ولا محاذي له إذ
لا أين له، ولا مناسب له إذ لا إضافة لذاته (1).
والصفات الإضافية الزائدة على الذات - كالخلق والرزق والإحياء والإماتة
وغيرها - منتزعة من مقام الفعل كما سيأتي إن شاء الله تعالى (2)، على أن الصفات
الإضافية ترجع جميعا إلى القيومية، وإذ لا موجد ولا مؤثر سواه فلا مشارك له في
القيومية (3).

(1) هذا الدليل ذكره صدر المتألهين في الأسفار ج 6 ص 107.
(2) في الفصل الآتي والفصل العاشر من هذه المرحلة.
(3) راجع الأسفار ج 6 ص 107 - 108.
344

وأما شئ من المفاهيم المنتزعة من الوجود، فالذي للواجب بالذات منها
أعلى المراتب غير المتناهي شدة الذي لا يخالطه نقص ولا عدم، والذي لغيره
بعض مراتب الحقيقة المشككة غير الخالي من نقص وتركيب، فلا مشاركة.
وأما حمل بعض المفاهيم على الواجب بالذات وغيره - كالوجود المحمول
باشتراكه المعنوي عليه وعلى غيره، مع الغض عن خصوصية المصداق، وكذا سائر
صفات الواجب بمفاهيمها فحسب، كالعلم والحياة والرحمة، مع الغض عن
الخصوصيات الإمكانية - فليس من الاشتراك المبحوث عنه في شئ.
الفصل الثامن
في صفات الواجب بالذات على وجه كلي وانقسامها (1)
قد تقدم (2) أن الوجود الواجبي لا يسلب عنه كمال وجودي قط، فما في
الوجود من كمال - كالعلم والقدرة - فالوجود الواجبي واجد له بنحو أعلى وأشرف،
وهو محمول عليه على ما يليق بساحة عزته وكبريائه، وهذا هو المراد بالاتصاف.
ثم إن الصفة تنقسم انقساما أوليا إلى ثبوتية تفيد معنى إيجابيا كالعلم والقدرة،
وسلبية تفيد معنى سلبيا، ولا يكون إلا سلب سلب الكمال، فيرجع إلى إيجاب
الكمال، لأن نفي النفي إثبات، كقولنا: (من ليس بجاهل) و (من ليس بعاجز)
الراجعين إلى العالم والقادر. وأما سلب الكمال فقد اتضح في المباحث السابقة (3)
أن لا سبيل لسلب شئ من الكمال إليه (تعالى). فالصفات السلبية راجعة بالحقيقة
إلى الصفات الثبوتية.
والصفات الثبوتية تنقسم إلى حقيقية كالحي، وإضافية كالعالمية والقادرية.
والحقيقية تنقسم إلى حقيقية محضة كالحي، وحقيقية ذات إضافة كالخالق والرازق.

(1) وإن شئت تفصيل أقسام صفات الواجب بالذات فراجع الأسفار ج 6 ص 118 - 125،
وشرح المنظومة ص 157.
(2) راجع الفصل الرابع من هذه المرحلة.
(3) راجع الفصل الرابع من هذه المرحلة.
345

ومن وجه آخر، تنقسم الصفات إلى صفات الذات وهي التي يكفي في
انتزاعها فرض الذات فحسب، وصفات الفعل وهي التي يتوقف انتزاعها على
فرض الغير، وإذ لا موجود غيره (تعالى) إلا فعله فالصفات الفعلية هي المنتزعة
من مقام الفعل.
الفصل التاسع
في الصفات الذاتية وأنها عين الذات المتعالية
اختلفت كلمات الباحثين في الصفات الذاتية المنتزعة عن الذات الواجبة
المقطوعة النظر عما عداها على أقوال:
الأول: أنها عين الذات المتعالية وكل واحدة منها عين الأخرى، وهو
منسوب إلى الحكماء (1).
الثاني: أنها معان زائدة على الذات لازمة لها، فهي قديمة بقدمها، وهو
منسوب إلى الأشاعرة (2).
الثالث: أنها زائدة على الذات حادثة، على ما نسب إلى الكرامية (3).
الرابع: أن معنى اتصاف الذات بها كون الفعل الصادر منها فعل من تلبس
بالصفة. فمعنى كون الذات المتعالية عالمة أن الفعل الصادر منها متقن محكم ذو
غاية عقلائية، كما يفعل العالم. ومعنى كونها قادرة أن الفعل الصادر منها كفعل
القادر، فالذات نائبة مناب الصفات (4).

(1) نسب إليهم في شرح المواقف ص 479، وشرح المقاصد ج 2 ص 72. وذهب إليه صدر المتألهين
في الأسفار ج 6 ص 133، والحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 158 - 159.
(2) ومنهم العلامة التفتازاني في شرح المقاصد ج 2 ص 72، والعلامة الإيجي والمحقق الشريف
في شرح المواقف ص 479 - 480. وهذا القول نسب إليهم في الملل والنحل ج 2 ص 95.
(3) راجع الملل والنحل ج 1 ص 109 - 110، وشرح المقاصد ج 2 ص 95، وشرح المواقف ص 476.
(4) هذا القول منسوب إلى المعتزلة راجع الفرق بين الفرق ص 78.
346

وربما يظهر من بعضهم (1) الميل إلى قول آخر، وهو: أن معنى إثبات الصفات
نفي ما يقابلها، فمعنى إثبات الحياة والعلم والقدرة مثلا نفي الموت والجهل
والعجز.
ويظهر من بعضهم (2) أن الصفات الذاتية عين الذات، لكنها جميعا بمعنى واحد
والألفاظ مترادفة.
والحق هو القول الأول (3)، وذلك لما تحقق (4) أن الواجب بالذات علة تامة
ينتهي إليه كل موجود ممكن بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط، بمعنى أن الحقيقة
الواجبية هي العلة بعينها، وتحقق أيضا (5) أن كل كمال وجودي في المعلول فعلته
في مقام عليته واجدة له بنحو أعلى وأشرف، فللواجب بالذات كل كمال وجودي
مفروض على أنه وجود صرف لا يخالطه عدم، وتحقق (6) أن وجوده صرف بسيط
واحد بالوحدة الحقة، فليس في ذاته تعدد جهة ولا تغاير حيثية، فكل كمال وجودي
مفروض فيه عين ذاته وعين الكمال الآخر المفروض له، فالصفات الذاتية التي
للواجب بالذات كثيرة مختلفة مفهوما واحدة عينا ومصداقا، وهو المطلوب.
وقول بعضهم (7): (إن علة الايجاد هي إرادة الواجب بالذات دون ذاته
المتعالية)، كلام لا محصل له، فإن الإرادة المذكورة عند هذا القائل إن كانت صفة
ذاتية هي عين الذات كان إسناد الايجاد إليها عين إسناده إلى الذات المتعالية،
فإسناده إليها ونفيه عن الذات تناقض ظاهر، وإن كانت صفة فعلية منتزعة من مقام
الفعل كان الفعل متقدما عليها، فكان إسناد إيجاد الفعل إليها قولا بتقدم المعلول

(1) وهو ضرار بن عمرو. راجع مقالات الإسلاميين ج 1 ص 226، و ج 2 ص 159، والملل
والنحل ج 1 ص 90.
(2) نسبه صدر المتألهين إلى كثير من العقلاء المدققين، راجع الأسفار ج 6 ص 145.
(3) أي قول الحكماء.
(4) راجع الفصل الخامس من المرحلة الثامنة.
(5) راجع آخر الفصل السادس من هذه المرحلة.
(6) راجع الفصل الرابع من المرحلة الرابعة، والفصل الثالث والفصل الرابع من هذه المرحلة.
(7) كما هو ظاهر كلام الأشاعرة.
347

على العلة، وهو محال، على أن نسبة العلية إلى إرادة الواجب بالذات ونفيها عن
الذات تقضي بالمغايرة بين الواجب وإرادته. فهذه الإرادة إما مستغنية عن العلة
فلازمه أن تكون واجبة الوجود ولازمه تعدد الواجب، وهو محال، وإما مفتقرة إلى
العلة، فإن كانت علتها الواجب كانت الإرادة علة للعالم، والواجب علة لها، وعلة
العلة علة، فالواجب علة العالم، وإن كانت علتها غير الواجب ولم ينته إليه استلزم
واجبا آخر ينتهي إليه، وهو محال.
وأما القول الثاني المنسوب إلى الأشاعرة، وهو أن هذه الصفات - وهي على
ما عدوها سبع (1): الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام - زائدة
على الذات لازمة لها قديمة بقدمها.
ففيه: أن هذه الصفات إن كانت في وجودها مستغنية عن العلة قائمة بنفسها
كان هناك واجبات ثمان هي الذات والصفات السبع، وبراهين وحدانية الواجب
تبطله وتحيله. وإن كانت في وجودها مفتقرة إلى علة، فإن كانت علتها هي الذات
كانت الذات علة متقدمة عليها فياضة لها وهي فاقدة لها، وهو محال. وإن كانت
علتها غير الذات كانت واجبة بالغير وينتهي وجوبها بالغير إلى واجب آخر غير
الواجب المتصف بها، وبراهين وحدانية الواجب بالذات تبطله أيضا، وأيضا كان
لازم ذلك حاجة الواجب بالذات في اتصافه بصفات الكمال إلى غيره، والحاجة
كيفما كانت تنافي وجوب الوجود بالذات، وأيضا لازمه فقدان الواجب في ذاته
صفات الكمال، وقد تقدم (2) أنه صرف الوجود الذي لا يفقد شيئا من الكمال الوجودي.
وأما القول الثالث المنسوب إلى الكرامية، وهو كون هذه الصفات زائدة حادثة.
ففيه: أن لازمه إمكانها واحتياجها إلى العلة، وعلتها إما هي الذات ولازمه أن
نقيض الذات لنفسها ما هي فاقدة له وقد تحقق استحالته، وإما غير الذات ولازمه

(1) قال الشهرستاني: (قال أبو الحسن: الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، مريد
بإرادة، متكلم بكلام، سميع يسمع، بصير يبصر). راجع الملل والنحل ج 1 ص 95.
(2) راجع الفصل الرابع من هذه المرحلة.
348

تحقق جهة إمكانية فيها وانسلاب كمالات وجودية عنها، وقد تحقق استحالته.
وأما القول الرابع المنسوب إلى المعتزلة، وهو نيابة الذات عن الصفات.
ففيه: أن لازمه فقدان الذات للكمال وهي فياضة لكل كمال، وهو محال.
وبهذا يبطل أيضا ما قيل (1): (إن معنى الصفات الذاتية الثبوتية سلب
مقابلاتها، فمعنى الحياة والعلم والقدرة نفي الموت ونفي الجهل ونفي العجز).
وأما ما قيل (2) - من كون هذه الصفات عين الذات وهي مترادفة بمعنى واحد -
فكأنه من اشتباه المفهوم بالمصداق (3)، فالذي يثبته البرهان أن مصداقها واحد،
وأما المفاهيم فمتغايرة لا تتحد أصلا، على أن اللغة والعرف يكذبان الترادف.
الفصل العاشر
في الصفات الفعلية وأنها زائدة على الذات
لا ريب أن للواجب بالذات صفات فعلية مضافة إلى غيره، كالخالق والرازق
والمعطي والجواد والغفور والرحيم إلى غير ذلك، وهي كثيرة جدا تجمعها صفة
القيوم (4).
ولما كانت مضافة إلى غيره (تعالى) كانت متوقفة في تحققها إلى تحقق الغير
المضاف إليه، وحيث كان كل غير مفروض معلولا للذات المتعالية متأخرا عنها
كانت الصفة المتوقفة عليه متأخرة عن الذات زائدة عليها، فهي منتزعة من مقام
الفعل منسوبة إلى الذات المتعالية.

(1) والقائل ضرار بن عمرو، كما في مقالات الإسلاميين ج 2 ص 159، والملل والنحل ج 1 ص 90.
(2) والقائل كثير من العقلاء المدققين، كما في الأسفار ج 6 ص 145.
(3) كذا قال الحكيم السبزواري فيما علق على الأسفار ج 6 ص 144 الرقم (2).
(4) قال الحكيم السبزواري:
إن الحقيقي من المضاف زيد على الذات بلا خلاف لكن مباديها القيومية ترجع ذي نسبة إشراقية
راجع شرح المنظومة ص 157 - 158.
349

فالموجود الامكاني - مثلا - له وجود لا بنفسه بل بغيره، فإذا اعتبر بالنظر إلى
نفسه كان وجودا، وإذا اعتبر بالنظر إلى غيره كان إيجادا منه وصدق عليه أنه
موجد له. ثم إن وجوده باعتبارات مختلفة إبداع وخلق وصنع ونعمة ورحمة،
فيصدق على موجده أنه مبدع خالق صانع منعم رحيم.
ثم إن الشئ الذي هو موجده إذا كان مما لوجوده بقاء ما - فإن بين يديه ما
يديم به بقاءه ويرفع به جهات نقصه وحاجته - إذا اعتبر في نفسه، انتزع منه أنه
رزق يرتزق به، وإذا اعتبر من حيث إنه لا بنفسه بل بغيره الذي هو علته الفياضة
له، صدق على ذلك الغير أنه رازق له، ثم صدق على الرزق أنه عطية ونعمة
وموهبة وجود وكرم بعنايات أخر مختلفة، وصدق على الرازق أنه معط منعم
وهاب جواد كريم إلى غير ذلك، وعلى هذا القياس سائر الصفات الفعلية المتكثرة
بتكثر جهات الكمال في الوجود.
وهذه الصفات الفعلية صادقة عليه (تعالى) صدقا حقيقيا، لكن لا من حيث
خصوصيات حدوثها وتأخرها عن الذات المتعالية حتى يلزم التغير فيه (تعالى
وتقدس)، وتركب ذاته من حيثيات متغايرة كثيرة، بل من حيث إن لها أصلا في
الذات ينبعث عنه كل كمال وخير، فهو (تعالى) بحيث يقوم به كل كمال ممكن في
موطنه الخاص به، فهو (تعالى) بحيث إذا أمكن شئ كان مرادا له، وإذا أراد شيئا
أوجده، وإذا أوجده رباه، وإذا رباه أكمله، وهكذا، فللواجب (تعالى) وجوبه
وقدمه، وللأشياء إمكانها وحدوثها.
الفصل الحادي عشر
في علمه (تعالى)
قد تحقق فيما تقدم (1) أن لكل مجرد علما بذاته، لحضور ذاته المجردة عن

(1) راجع الفصل الأول والفصل الحادي عشر من المرحلة الحادية عشرة.
350

المادة لذاته، وليس العلم إلا حضور شئ لشئ، والواجب (تعالى) منزه عن
المادة والقوة، فذاته معلومة لذاته.
وقد تقدم أيضا (1) أن ذاته المتعالية حقيقة الوجود الصرف البسيط الواحد
بالوحدة الحقة الذي لا يداخله نقص ولا عدم، فلا كمال وجوديا في تفاصيل
الخلقة بنظامها الوجودي إلا وهي واجدة له بنحو أعلى وأشرف، غير متميز بعضها
من بعض لمكان الصرافة والبساطة، فما سواه من شئ فهو معلوم له (تعالى) في
مرتبة ذاته المتعالية علما تفصيليا في عين الاجمال وإجماليا في عين التفصيل.
وقد تقدم أيضا (2) أن ما سواه من الموجودات معاليل له، منتهية إليه بلا واسطة
أو بواسطة أو وسائط قائمة الذوات به قيام الرابط بالمستقل، حاضرة عنده
بوجوداتها، غير محجوبة عنه، فهي معلومة له في مرتبة وجوداتها علما حضوريا،
أما المجردة منها فبأنفسها، وأما المادية فبصورها المجردة.
فتبين بما مر أن للواجب (تعالى) علما بذاته في مرتبة ذاته وهو عين ذاته،
وأن له (تعالى) علما بما سوى ذاته من الموجودات في مرتبة ذاته، وهو المسمى
ب‍ (العلم قبل الايجاد)، وأنه علم إجمالي في عين الكشف التفصيلي، وأن له
(تعالى) علما تفصيليا بما سوى ذاته من الموجودات في مرتبة ذواتها خارجا من
الذات المتعالية، وهو (العلم بعد الايجاد)، وأن علمه حضوري كيفما صور. فهذه
خمس مسائل.
ويتفرع على ذلك أن كل علم متقرر في مراتب الممكنات من العلل المجردة
العقلية والمثالية فإنه علم له (تعالى).
ويتفرع أيضا أنه سميع بصير كما أنه عليم خبير، لما أن حقيقة السمع والبصر
هي العلم بالمسموعات والعلم بالمبصرات من مطلق العلم وله (تعالى) كل علم.

(1) راجع الفصل الرابع من المرحلة الرابعة، والفصل التاسع من هذه المرحلة.
(2) راجع الفصل الخامس من المرحلة الثامنة، والفصل التاسع من هذه المرحلة.
351

وللباحثين في علمه (تعالى) اختلاف كثير حتى أنكره بعضهم (1) من أصله،
وهو محجوج بما قام على ذلك من البرهان.
وللمثبتين مذاهب شتى:
أحدها: أن له (تعالى) علما بذاته دون معلولاتها، لأن الذات المتعالية أزلية
وكل معلول حادث (2).
وفيه: أن العلم بالمعلول في الأزل لا يستوجب كونه موجودا في الأزل
بوجوده الخاص به، على أنه مبني على انحصار العلم الحضوري في علم الشئ
بنفسه وأن ما دون ذلك حصولي تابع للمعلوم، وهو ممنوع بما تقدم (3) إثباته من أن
للعلة المجردة علما حضوريا بمعلولها المجرد وقد قام البرهان على أن له (تعالى)
علما حضوريا بمعلولاته قبل الايجاد في مرتبة الذات وعلما حضوريا بها بعد
الايجاد في مرتبة المعلولات.
الثاني: ما ينسب إلى أفلاطون (4)، أن علمه (تعالى) التفصيلي هو العقول
المجردة والمثل الإلهية التي تجتمع فيها كمالات الأنواع تفصيلا.
وفيه: أن ذلك من العلم بعد الايجاد، وهو في مرتبة وجوداتها الممكنة، وانحصار
علمه (تعالى) التفصيلي بالأشياء فيها يستلزم خلو الذات المتعالية في ذاتها عن
الكمال العلمي، وهو وجود صرف لا يشذ عنه كمال من الكمالات الوجودية.

(1) وهو بعض الأقدمين من الفلاسفة على ما في الأسفار ج 6 ص 180، وشرح المنظومة
ص 164، والمباحث المشرقية ج 2 ص 469 - 475. وهم طائفتان: (الأولى) من نفى علمه
تعالى. و (الثانية) من نفى علمه بغيره. قال المحقق الطوسي في شرح رسالة
مسألة العلم ص 27: (وهذان المذهبان مذكوران في كتب المذاهب والآراء منقولان عنهم
- أي القدماء -).
(2) هذا القول منسوب إلى بعض الأقدمين من الفلاسفة كما مر، فراجع الأسفار ج 6 ص 179 - 180،
وشرح المنظومة ص 164.
(3) راجع الفصل الأول والفصل الحادي عشر من المرحلة الحادية عشرة.
(4) نسب إليه في الملل والنحل ج 2 ص 82 - 89، والأسفار ج 6 ص 181، وشرح المنظومة
ص 165، والجمع بين رأيي الحكيمين ص 105.
352

الثالث: ما ينسب إلى فرفوريوس (1)، أن علمه (تعالى) بالاتحاد مع المعلوم.
وفيه: أن ذلك إنما يكفي لبيان تحقق العلم، وأن ذلك باتحاد العاقل مع المعقول
لا بالعروض ونحوه، ولا يكفي لبيان ثبوت العلم بالأشياء قبل الايجاد أو بعده.
الرابع: ما ينسب إلى شيخ الاشراق (2) وتبعه جمع ممن بعده من المحققين (3)،
أن الأشياء أعم من المجردات والماديات حاضرة بوجودها العيني له (تعالى) غير
غائبة ولا محجوبة عنه، وهو علمه التفصيلي بالأشياء بعد الايجاد، فله (تعالى)
علم إجمالي بها بتبع علمه بذاته.
وفيه: أولا: أن قوله: (بحضور الماديات له (تعالى) ممنوع، فالمادية لا
تجامع الحضور، على ما بين في مباحث العاقل والمعقول (4). وثانيا: أن قصر العلم
التفصيلي بالأشياء في مرتبة وجوداتها يوجب خلو الذات المتعالية الفياضة لكل
كمال تفصيلي في الأشياء عن تفصيلها، وهي وجود صرف جامع لكل كمال
وجودي بنحو أعلى وأشرف.
الخامس: ما ينسب إلى الملطي (5) أنه (تعالى) يعلم العقل الأول - وهو

(1) نسب إليه في شوارق الالهام ص 516، والأسفار ج 6 ص 186، وشرح المنظومة ص 167.
(2) واستفاده بزعمه في خلوته الذوقية عن روحانية أرسطاطاليس، كما في التلويحات
ص 70 - 74. وراجع حكمة الاشراق ص 150 - 153، والمطارحات ص 488.
(3) كالمحقق الطوسي في شرح مسألة العلم ص 28 - 29، والعلامة الشيرازي في شرح حكمة
الاشراق ص 358 - 365، وابن كمونة ومحمد الشهرزوري - شارحي التلويحات - على ما
نقل في الأسفار ج 6 ص 181.
(4) راجع الفصل الأول من المرحلة الحادية عشرة.
(5) أي تاليس الملطي، فإنه قال: (إن علمه بالعقل بحضور ذاته وعلمه بالأشياء زائدة عليها
مطابقة لها قائمة بذات المعلول الأول لا بذاته). راجع الملل والنحل ج 2 ص 62. ونسب إليه
في شرح المنظومة ص 166، وشوارق الالهام ص 515.
وأما أنكسيمانس الملطي فقال: (إن علمه تعالى بالأشياء إنما هو بصور زائدة على
الأشياء مطابقة لها قائمة بذاته تعالى). كذا نقل عنه في شوارق الالهام ص 515، وشرح
المنظومة ص 166.
353

الصادر الأول - بحضوره عنده، ويعلم سائر الأشياء مما دون العقل الأول بارتسام
صورها في العقل الأول.
وفيه: أنه يرد عليه ما يرد على القول السابق - من لزوم خلو الذات المتعالية
عن الكمال وهي واجدة لكل كمال -، على أنه قد تقدم في مباحث العاقل
والمعقول (1) أن العقول المجردة لا علم ارتساميا حصوليا لها.
السادس: قول بعضهم (2): (إن ذاته المتعالية علم تفصيلي بالمعلول الأول
وإجمالي بما دونه، وذات المعلول الأول علم تفصيلي بالمعلول الثاني وإجمالي
بما دونه، وعلى هذا القياس).
وفيه: محذور خلو الذات المتعالية عن كمال العلم بما دون المعلول الأول
وهي وجود صرف لا يسلب عنه كمال.
السابع: ما ينسب إلى أكثر المتأخرين (3)، أن له (تعالى) علما تفصيليا بذاته
وهو علم إجمالي بالأشياء قبل الايجاد، وأما علمه التفصيلي بالأشياء فهو بعد
وجودها، لأن العلم تابع للمعلوم ولا معلوم قبل الوجود العيني.
وفيه: محذور خلو الذات المتعالية عن الكمال العلمي - كما في الوجوه
السابقة -، على أن فيه إثبات العلم الإرتسامي الحصولي في الوجود المجرد المحض.
الثامن: ما ينسب إلى المشائين (4)، أن له (تعالى) علما حضوريا بذاته
المتعالية، وعلما تفصيليا حصوليا بالأشياء قبل إيجادها بحضور ماهياتها على
النظام الموجود في الخارج لذاته (تعالى)، لا على وجه الدخول بعينية أو جزئية،

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة الحادية عشرة.
(2) أي بعض الحكماء. وتبعهم الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 168.
(3) نسبه إليهم الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ص 166.
(4) كانكسيمانس الملطي من القدماء، وأبي نصر الفارابي وأبي علي بن سينا وبهمنيار وغيرهم
من المتأخرين. راجع الأسفار ج 6 ص 180، وشرح المنظومة ص 166، وشوارق الالهام
ص 515، والتعليقات للفارابي ص 24، والجمع بين رأيي الحكيمين ص 106، والتعليقات
للشيخ الرئيس ص 26 - 32، 66، 81 - 82، 116، 119 - 120، 149، 153، 156.
354

بل على نحو قيامها بها بالثبوت الذهني على وجه الكلية، بمعنى عدم تغير العلم
بتغير المعلوم - على ما اصطلح عليه في مباحث العلم -، فهو علم عنائي يستتبع فيه
حصول المعلوم علما حصوله عينا.
وفيه: أولا: ما في سابقه من محذور خلو الذات عن الكمال. وثانيا: ما في
سابقه أيضا من محذور ثبوت العلم الحصولي فيما هو مجرد ذاتا وفعلا. وثالثا: أن
لازمه ثبوت وجود ذهني من غير عيني يقاس إليه، ولازمه أن يعود وجودا آخر
عينيا للماهية قبل وجودها الخاص بها، وهو منفصل الوجود عنه (تعالى)، ويرجع
بالدقة إلى القول الثاني المنسوب إلى أفلاطون.
واعلم أن أكثر المتكلمين على هذا القول، وإن طعنوا فيه من حيث عدهم العلم
قبل الايجاد كليا، زعما منهم أن المراد بالكلي ما اصطلح عليه في مبحث الكلي
والجزئي من المنطق (1). وذلك أنهم اختاروا أن العلم التفصيلي قبل الايجاد
حصولي، وأنه على حاله قبل وجود الأشياء وبعد وجودها من غير تغيير.
التاسع: قول المعتزلة (2) أن للماهيات ثبوتا عينيا في العدم، وهو الذي تعلق به
علمه (تعالى) قبل الايجاد.
وفيه: أنه قد تقدم (3) بطلان القول بثبوت المعدومات.
العاشر: ما نسب إلى الصوفية (4)، أن للماهيات ثبوتا علميا بتبع الأسماء
والصفات، هو الذي تعلق به علمه (تعالى) قبل الايجاد.
وفيه: أن أصالة الوجود واعتبارية الماهية تنفي أي ثبوت مفروض للماهيات

(1) راجع شرح المنظومة (قسم المنطق) ص 16، وشرح المطالع ص 48، وشرح الإشارات
ج 1 ص 38، والتحصيل ص 15 - 17، وشرح الشمسية ص 32 - 33.
(2) نسب إليهم في الأسفار ج 6 ص 181 - 182، وشرح المنظومة ص 165.
(3) راجع الفصل الثاني من المرحلة الأولى.
(4) كالشيخ العارف محيي الدين العربي في الفتوحات المكية ج 1 ص 202، وفصوص الحكم
ص 48 - 58، والشيخ صدر الدين القونوي في مفتاح غيب الجمع والوجود، فراجع كلام
الماتن في مصباح الأنس ص 82 - 83.
355

قبل ثبوتها العيني الخاص بها.
الفصل الثاني عشر
في العناية والقضاء والقدر
ذكروا (1) أن من مراتب علمه (تعالى) العناية والقضاء والقدر، لصدق كل منها
بمفهومه الخاص على خصوصية من خصوصيات علمه (تعالى).
أما العناية (2): وهي كون الصورة العلمية علة موجبة للمعلوم الذي هو الفعل،
فإن علمه التفصيلي بالأشياء وهو عين ذاته علة لوجودها بما له من الخصوصيات
المعلومة، فله (تعالى) عناية بخلقه.
وأما القضاء: فهو بمفهومه المعروف جعل النسبة التي بين موضوع ومحموله
ضرورية موجبة، فقول القاضي مثلا في قضائه - فيما إذا تخاصم زيد وعمرو في
مال أو حق ورفعا إليه الخصومة والنزاع وألقيا إليه حجتهما -: (المال لزيد والحق
لعمرو)، إثبات المالكية لزيد وإثبات الحق لعمرو إثباتا ضروريا يرتفع به التزلزل
والتردد الذي أوجده التخاصم والنزاع قبل القضاء وفصل الخصومة، وبالجملة
قضاء القاضي إيجابه الأمر إيجابا علميا يتبعه إيجابه الخارجي اعتبارا.

(1) راجع شرح الإشارات ج 3 ص 316 - 318، والأسفار ج 6 ص 290 - 296، وشرح
المنظومة ص 175 - 177.
(2) قال في الأسفار: (وأما العناية فقد أنكرها أتباع الإشراقيين، وأثبتها أتباع المشائين كالشيخ
الرئيس ومن يحذو حذوه) انتهى كلامه في الأسفار ج 6 ص 291.
أقول: أنكرها الشيخ الإشراقي في حكمة الاشراق ص 153 حيث قال: (وأما العناية فلا
حاصل لها). وتبعه العلامة الشيرازي في شرح حكمة الاشراق ص 365. وأثبتها الشيخ
الرئيس في الإشارات، حيث قال: (فالعناية هي إحاطة علم الأول بالكل) راجع شرح
الإشارات ج 3 ص 318، وكذا في سائر كتبه، فراجع المبدأ والمعاد ص 84، والنجاة
ص 284، والتعليقات ص 19. وأثبتها أيضا العرفاء كما قال صدر الدين القونوي: (وعنايته
في الحقيقة إفاضة نوره الوجودي على من انطبع في مرآة عينه التي هي نسبة معلوميته
واستعد لقبول حكم إيجاده ومظهريته) راجع كلام الماتن في مصباح الأنس ص 87.
356

وإذا أخذ هذا المعنى حقيقيا بالتحليل غير اعتباري، انطبق على الوجوب
الذي يتلبس به الموجودات الممكنة من حيث نسبتها إلى عللها التامة، فإن الشئ
ما لم يجب لم يوجد، وهذا الوجوب الغيري من حيث نسبته إلى العلة التامة
إيجاب، ولا شئ في سلسلة الوجود الامكاني إلا وهو واجب موجب بالغير،
والعلل تنتهي إلى الواجب بالذات، فهو العلة الموجبة لها ولمعلولاتها.
وإذ كانت الموجودات الممكنة بما لها من النظام الأحسن في مرتبة وجوداتها
العينية علما فعليا للواجب (تعالى)، فما فيها من الايجاب قضاء منه (تعالى).
وفوقه العلم الذاتي منه المنكشف له به كل شئ على ما هو عليه في الأعيان على
التفصيل بنحو أعلى وأشرف.
فالقضاء قضاءان: قضاء ذاتي خارج من العالم، وقضاء فعلي داخل فيه.
ومن هنا يظهر ضعف ما نسب إلى المشهور (1) أن القضاء هو ما عند المفارقات
العقلية من العلم بالموجودات الممكنة بما لها من النظام.
وكذا ما ذهب إليه صدر المتألهين رحمه الله، أن القضاء هو العلم الذاتي المتعلق
بتفاصيل الخلقة، قال في الأسفار: (وأما القضاء فهو عندهم عبارة عن وجود
الصور العقلية لجميع الموجودات فائضة عنه (تعالى) على سبيل الابداع دفعة بلا
زمان، لكونها عندهم من جملة العالم ومن أفعال الله المباينة ذواتها لذاته، وعندنا
صور علمية لازمة لذاته بلا جعل ولا تأثير وتأثر، وليست من أجزاء العالم، إذ
ليست لها حيثية عدمية ولا إمكانات واقعية. فالقضاء الرباني وهو صورة علم الله
قديم بالذات باق ببقاء الله) (2) - انتهى.
وينبغي أن يحمل قوله: (صور علمية لازمة لذاته) على العلم الذاتي الذي لا
ينفك عن الذات، وإلا فلو كانت لازمة خارجة كانت من العالم ولم تكن قديمة
بالذات - كما صرح بذلك - على أنها لو كانت حضورية انطبقت على قول

(1) نسب إليهم في الأسفار ج 6 ص 291 - 292.
(2) راجع الأسفار ج 6 ص 291 - 292.
357

أفلاطون في العلم، وهو رحمه الله لا يرتضيه، ولو كانت حصولية انطبقت على قول
المشائين، وهو رحمه الله لا يرتضيه أيضا.
ووجه الضعف في القولين (1) أن صدق القضاء بمفهومه على إحدى المرتبتين
من العلم - أعني العلم الذاتي والعلم الفعلي - لا ينفي صدقه على الأخرى، فالحق
أن القضاء قضاءان: ذاتي وفعلي - كما تقدم بيانه -.
وأما القدر: فهو ما يلحق الشئ من كمية أو حد في صفاته وآثاره. والتقدير
تعيين ما يلحقه من الصفات والآثار تعيينا علميا يتبعه العمل على حسب ما تسعه
الأسباب والأدوات الموجودة، كما أن الخياط يقدر ما يخيطه من اللباس على
الثوب الذي بين يديه ثم يخيط على ما قدر، والبناء يقدر ما يريده من البناء على
القاعة من الأرض على حسب ما تسعه وتعين عليه الأسباب والأدوات
الموجودة عنده، ثم يبني البناء على طبق ما قدر لأسباب متجددة توجب عليه
ذلك، فالتقدير بالنسبة إلى الشئ المقدر كالقالب الذي يقلب به الشئ فيحد به
الشئ بحد أو حدود لا يتعداها.
وإذا أخذ هذا المعنى بالتحليل حقيقيا انطبق على الحدود التي تلحق
الموجودات المادية من ناحية عللها الناقصة بما لها من الصور العلمية في النشأة
التي فوقها، فإن لكل واحدة من العلل الناقصة بما فيها من الحيثيات المختلفة أثرا
في المعلول يخصص إطلاقه في صفته وأثره. فإذا تم التخصيص بتمام العلة التامة
حصل له التعين والتشخص بالوجود الذي تقتضيه العلة التامة. فللانسان - مثلا -
خاصة الرؤية، لكن لا بكل وجوده، بل من طريق بدنه، ولا ببدنه كله، بل بعضو منه
مستقر في وجهه، فلا يرى إلا ما يواجهه، ولا كل ما يواجهه، بل الجسم، ولا كل
جسم، بل الكثيف من الأجسام ذا اللون، ولا نفس الجسم، بل سطحه، ولا كل
سطوحه، بل السطح المحاذي، ولا في كل وضع ولا في كل حال ولا في كل مكان
ولا في كل زمان، فلئن أحصيت الشرائط الحافة حول رؤية واحدة شخصية ألفيت

(1) أي قول المشهور وقول صدر المتألهين.
358

جما غفيرا لا يحيط به الاحصاء، وما هي إلا حدود ألحقها بها العلل الناقصة التي
تحد الرؤية المذكورة بما تضع فيها من أثر ومنها ما يمنعه الموانع من التأثير.
وهذه الحدود جهات وجودية تلازمها سلوب كما تبين أنفا، ولها صور علمية
في نشأة المثال التي فوق نشأة المادة تتقدر بها صفات الأشياء وآثارها، فلا سبيل
لشئ منها إلا إلى صفة أو أثر، هداه إليه التقدير.
فإن قلت: لازم هذا البيان كون الإنسان مجبرا غير مختار في أفعاله.
قلت: كلا، فإن الاختيار أحد الشرائط التي يحد بها فعل الإنسان. وقد فصلنا
القول في دفع هذه الشبهة في مباحث الوجود (1) وفي مباحث العلة والمعلول (2).
فإن قلت: هلا عممتم القول في القدر، وهو ضرب الحدود للشئ من حيث
صفاته وآثاره في علم سابق يتبعه العين حتى يعمم الماهيات الإمكانية، فإن
الماهيات أيضا حدود لموضوعاتها تتميز من غيرها وتلازمها سلوب لا تتعداها.
وقد تقدم (3) أن كل ذي ماهية فهو ممكن، وأن الممكن مركب الذات من الايجاب
والسلب، فيعم القدر كل ممكن، سواء كان عقلا مجردا أو مثالا معلقا أو طبيعة
مادية، ويكون العلم السابق الذي يتقدر به الشئ علما ذاتيا.
وبالجملة يكون القدر بحسب العين هو التعين المنتزع من الوجود العيني
والتقدير هو التعيين العلمي الذي يتبعه العين، كما أن المقتضي هو الوجوب المنتزع
من الوجود العيني، والقضاء هو الايجاب العلمي الذي يستتبعه، سواء كان من
حيث الماهية والذات أو من حيث الصفات والآثار.
قلت: كون الماهية حدا ذاتيا للممكن لا ريب فيه، لكنهم راعوا في بحث القدر
ظاهر مفهومه، وهو الحد الذي يلحق الشئ فيما هو موضوع له من الصفات
والآثار دون أصل الذات، فلا يعم ما وراء الطبائع التي لها تعلق ما بالمادة.
وغرضهم من عقد هذا البحث بيان أن الممكن ليس مرخى العنان فيما يلحق

(1) راجع الفصل الخامس من المرحلة الرابعة.
(2) راجع الفصل الثالث من المرحلة الثامنة.
(3) راجع الفصل الأول من المرحلة الرابعة.
359

به من الصفات والآثار مستقلا عن الواجب (تعالى) فيما يتصف به أو يفعل، بل
الأمر في ذلك إليه (تعالى)، فلا يقع إلا ما قدره. وهذا قريب المعنى من قولهم:
(علة علة الشئ علة لذلك الشئ).
كما أن غرضهم من بحث القضاء بيان أن الممكن لا يقع إلا بوجوب غيري ينتهي
إليه (تعالى) في علم سابق، وهو قريب المعنى من قولهم: (الشئ ما لم يجب لم
يوجد).
الفصل الثالث عشر
في قدرته (تعالى)
إن من المعاني التي نعدها من الكمالات الوجودية القدرة، ولا تكون إلا في الفعل
دون الانفعال، فلا نعد انفعال الشئ عن غيره - شديدا كان أو ضعيفا - قدرة، ولا
في كل فعل، بل في الفعل الذي لفاعله علم به، فلا نسمي مبدئية الفواعل
الطبيعية العادمة للشهور قدرة لها، ولا في كل فعل لفاعله علم به، بل في الفعل العلمي
الذي يبعث العلم به فاعله على الفعل، فليست مبدئية الإنسان - مثلا - لأفعاله
الطبيعية البدنية قدرة، وإن كان له علم بها، بل الفعل الذي يعلم الفاعل أنه خير له
من حيث إنه هذا الفاعل بأن يتصوره ويصدق أنه خير له من حيث إنه هذا الفاعل.
ولازم العلم بكون الفعل خيرا للفاعل أن يكون كمالا له يقتضيه بنفسه، فإن خير كل
نوع هو الكمال المترتب عليه، والطبيعة النوعية هي المبدأ المقتضي له، وإذا فرض
أنه عالم بكونه خيرا له وكمالا يقتضيه انبعث الفاعل إليه بذاته لا بإيجاب مقتض
غيره وتحميله عليه، فلا قدرة مع الاجبار، والقادر مختار - بمعنى أن الفعل إنما
يتعين له بتعيين منه لا بتعيين من غيره -.
ثم إذا تم العلم بكون الفعل خيرا أعقب ذلك شوقا من الفاعل إلى الفعل، فالخير
محبوب مطلقا مشتاق إليه إذا فقد، وهذا الشوق كيفية نفسانية غير العلم السابق
قطعا، وأعقب ذلك الإرادة، وهي كيفية نفسانية غير العلم السابق وغير الشوق
360

قطعا، وبتحققها يتحقق الفعل الذي هو تحريك العضلات بواسطة القوة العاملة
المنبثة فيها.
هذا ما يكشف البحث عن القدرة التي عندنا من القيود التي فيها، وهي
المبدئية للفعل والعلم بأنه خير للفاعل، علما يلازم كونه مختارا في فعله والشوق
إلى الفعل والإرادة له، وقد تحقق (1) أن كل كمال وجودي في الوجود فإنه موجود
للواجب (تعالى) في حد ذاته، فهو (تعالى) عين القدرة الواجبية، لكن لا سبيل
لتطرق الشوق عليه، لكونه كيفية نفسانية تلازم الفقد، والفقد يلازم النقص، وهو
(تعالى) منزه عن كل نقص وعدم.
وكذلك الإرادة التي هي كيفية نفسانية غير العلم والشوق، فإنها ماهية ممكنة،
والواجب (تعالى) منزه عن الماهية والإمكان، على أن الإرادة بهذا المعنى هي مع
المراد إذا كان من الأمور الكائنة الفاسدة لا توجد قبله ولا تبقى بعده، فاتصاف
الواجب (تعالى) بها مستلزم لتغير الموصوف، وهو محال.
فتحصل أن القدرة المجردة عن النواقص والأعدام هي كون الشئ مبدأ
فاعليا للفعل عن علم بكونه خيرا واختيار في ترجيحه، والواجب (تعالى) مبدأ
فاعلي لكل موجود بذاته، له علم بالنظام الأصلح في الأشياء بذاته، وهو مختار
في فعله بذاته، إذ لا مؤثر غيره يؤثر فيه، فهو (تعالى) قادر بذاته. وما أوردناه من
البيان يجري في العقول المجردة أيضا.
فإن قلت: ما سلكتموه من الطريق لإثبات القدرة للواجب (تعالى) خلو عن
إثبات الإرادة بما هي إرادة له، والذي ذكروه في تعريف القدرة ب‍ (أنها كون
الشئ بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل) (2) يتضمن إثبات الإرادة صفة
ذاتية للواجب مقومة للقدرة، غير أنهم (3) فسروا الإرادة الواجبية ب‍ (أنها علم

(1) راجع الفصل السادس من هذه المرحلة.
(2) راجع الأسفار ج 6 ص 307 و ج 4 ص 112، وشرح المنظومة ص 177.
(3) أي الحكماء.
361

بالنظام الأصلح) (1).
قلت: ما ذكروه في معنى القدرة يرجع إلى ما أوردناه في معناها المتضمن
للقيود الثلاثة: المبدئية والعلم والاختيار، فما ذكروه في معنى قدرته (تعالى) حق.
وإنما الشأن كل الشأن في أخذهم (2) علمه (تعالى) مصداقا للإرادة، ولا سبيل إلى
إثبات ذلك، فهو أشبه بالتسمية.
فإن قلت: من الجائز أن يكون لوجود واحد ما بحسب نشأته المختلفة
ماهيات مختلفة ومراتب متفاوتة، كالعلم الذي إذا تعلق بالخارج منا هو كيف
نفساني وإذا تعلق بنفوسنا جوهر نفساني، وعلم العقل بذاته جوهر عقلي وعلم
الواجب بذاته واجب بالذات وعلم الممكن بذاته ممكن بالذات، فكون الإرادة
التي فينا كيفا نفسانيا لا يدفع كون إرادة الواجب لفعله هو علمه الذاتي.
ثم إن من المسلم أن الفاعل المختار لا يفعل ما يفعل إلا بإرادة ومشية،
والواجب (تعالى) فاعل مختار فله إرادة لفعله، لكن الإرادة التي فينا وهي الكيف
النفساني غير متحققة هناك، وليس هناك إلا العلم وما يلزمه من الاختيار، فعلمه
(تعالى) هو إرادته، فهو (تعالى) مريد بما أنه عالم بعلمه الذي هو عين ذاته.
قلت: الذي نتسلمه أن الفاعل المختار من الحيوان لا يفعل ما يفعل إلا عن
علم بمصلحة الفعل وإرادة بمعنى الكيف النفساني، وأن الواجب (تعالى) لا يفعل ما
يفعل إلا عن علم بمصلحة الفعل وأما أن هذا العلم الذي هناك وجوده وجود
الإرادة والمشية وإن لم تكن ماهيته هي الكيف النفساني فغير مسلم، نعم لنا أن
ننتزع الإرادة من مقام الفعل كسائر الصفات الفعلية، كما تقدمت الإشارة إليه في
البحث عن صفات الفعل (3) وسيجئ (4).
وبالجملة لا دليل على صدق مفهوم الإرادة على علم الواجب (تعالى) بالنظام

(1) راجع الأسفار ج 4 ص 114، والتعليقات للشيخ ص 16 - 17.
(2) أي الحكماء.
(3) راجع آخر الفصل العاشر من هذا المرحلة.
(4) راجع آخر هذا الفصل.
362

الأصلح، فإن المراد بمفهومها إما هو الذي عندنا فهو كيفية نفسانية مغايرة للعلم،
وإما مفهوم آخر يقبل الصدق على العلم بأن الفعل خير، فلا نعرف للإرادة مفهوما
كذلك، ولذا قدمنا (1) أن القول بأن علم الواجب (تعالى) بالنظام الأحسن إرادة
منه (2)، أشبه بالتسمية.
ولا ينبغي أن يقاس الإرادة بالعلم الذي يقال إنه كيفية نفسانية ثم يجرد عن
الماهية ويجعل حيثية وجودية عامة موجودة للواجب (تعالى) وصفا ذاتيا هو
عين الذات. وذلك لأنا ولو سلمنا أن بعض مصاديق العلم وهو العلم الحصولي
كيف نفساني، فبعض آخر من مصاديقه وهو العلم الحضوري جوهر أو غير ذلك،
وقد تحقق أن المفهوم الصادق على أكثر من مقولة واحدة وصف وجودي غير
مندرج تحت مقولة منتزع عن الوجود بما هو وجود، فللعلم معنى جامع يهدي إليه
التحليل وهو حضور شئ لشئ.
فإن قلت: لو كانت الإرادة لا يعرف لها معنى إلا الكيفية النفسانية التي في
الحيوان، فما بالها تنتزع من مقام الفعل ولا كيفية نفسانية هناك؟ فهو الشاهد على
أن لها معنى أوسع من الكيفية النفسانية وأنها صفة وجودية كالعلم.
قلت: اللفظ كما يطلق ويراد به معناه الحقيقي كذلك يطلق ويراد به لوازم
المعنى الحقيقي وآثاره المتفرعة عليه توسعا. والصفات المنتزعة من مقام الفعل لما
كانت قائمة بالفعل حادثة بحدوث الفعل متأخرة بالذات عن الذات القديمة
بالذات، استحال أن يتصف به الذات الواجبة بالذات، سواء كان الاتصاف بنحو
العينية أو بنحو العروض - كما تبين في ما تقدم (3) -، إلا أن يراد به لوازم المعنى
الحقيقي وآثاره المتفرعة عليه توسعا، فالرحمة - مثلا - فيما عندنا تأثر وانفعال

(1) حيث قال: (وإنما الشأن كل الشأن في أخذهم...).
(2) هذا القول ذهب إليه الحكماء، كما ذهب إليه الشيخ الرئيس في التعليقات ص 103،
والنجاة ص 250، والفصل السابع من المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء.
(3) راجع الفصل العاشر من هذه المرحلة.
363

نفساني من مشاهدة مسكين محتاج إلى كمال، كالعافية والصحة والبقاء، ويترتب
عليه أن يرفع الراحم حاجته وفاقته، فهي صفة محمودة كمالية، ويستحيل عليه
(تعالى) التأثر والانفعال، فلا يتصف بحقيقة معناها، لكن تنتزع من ارتفاع الحاجة
والتلبس بالغنى - مثلا - أنها رحمة، لأنه من لوازمها. وإذ كان رحمة، لها نسبة إليه
(تعالى) اشتق منه صفة الرحيم صفة فعل له (تعالى)، والأمر على هذا القياس.
والإرادة المنسوبة إليه (تعالى) منتزعة من مقام الفعل، إما من نفس الفعل
الذي يوجد في الخارج، فهو إرادة ثم إيجاب ثم وجوب ثم وجود، وإما
من حضور العلة التامة للفعل كما يقال عند مشاهدة جمع الفاعل أسباب الفعل
ليفعل: (أنه يريد كذا فعلا).
الفصل الرابع عشر
في أن الواجب (تعالى) مبدأ لكل ممكن موجود وهو
المبحث المعنون عنه بشمول إرادته للأفعال
الذي حققته الأصول الماضية هو أن الأصيل من كل شئ وجوده (1)، وأن
الموجود ينقسم إلى واجب بالذات وغيره (2)، وأن ما سوى الواجب بالذات
- سواء كان جوهرا أو عرضا، وبعبارة أخرى سواء كان ذاتا أو صفة أو فعلا - له
ماهية ممكنة بالذات متساوية النسبة إلى الوجود والعدم (3)، وأن ما شأنه ذلك
يحتاج في تلبسه بأحد الطرفين من الوجود والعدم إلى مرجح يعين ذلك ويوجبه
وهو العلة الموجبة (4)، فما من موجود ممكن إلا وهو محتاج في وجوده حدوثا
وبقاء إلى علة توجب وجوده وتوجده واجبة بالذات أو منتهية إلى الواجب

(1) راجع الفصل الثاني من المرحلة الأولى.
(2) راجع الفصلين الأول والثاني من المرحلة الرابعة.
(3) راجع الفصل الأول من المرحلة الرابعة. (4) راجع الفصل الخامس من المرحلة الرابعة.
364

بالذات، وعلة علة الشئ علة لذلك الشئ (1)، فما من شئ ممكن موجود سوى
الواجب بالذات حتى الأفعال الاختيارية إلا وهو فعل الواجب بالذات معلول له
بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط (2).
ومن طريق آخر (3): قد تبين في مباحث العلة والمعلول (4) أن وجود المعلول
بالنسبة إلى العلة وجود رابط غير مستقل متقوم بوجود العلة، فالوجودات
الإمكانية كائنة ما كانت روابط بالنسبة إلى وجود الواجب بالذات غير مستقلة منه
محاطة له بمعنى ما ليس بخارج، فما في الوجود إلا ذات واحدة مستقلة به تتقوم
هذه الروابط وتستقل، فالذوات وما لها من الصفات والأفعال أفعال له. فهو
(تعالى) فاعل قريب لكل فعل ولفاعله، وأما الاستقلال المترائى من كل علة
إمكانية بالنسبة إلى معلولها فهو الاستقلال الواجبي الذي لا استقلال دونه بالحقيقة.
ولا منافاة بين كونه (تعالى) فاعلا قريبا كما يفيده هذا البرهان وبين كونه
فاعلا بعيدا كما يفيده البرهان السابق المبني على ترتب العلل وكون علة علة الشئ
علة لذلك الشئ، فإن لزوم البعد مقتضى إعتبار النفسية لوجود ماهيات العلل
والمعلولات على ما يفيده النظر البدوي، والقرب هو الذي يفيده النظر الدقيق (5).
ومن الواضح أن لا تدافع بين استناد الفعل إلى الفاعل الواجب بالذات
والفاعل الذي هو موضوعه كالإنسان - مثلا - فإن الفاعلية طولية لا عرضية.
وذهب جمع من المتكلمين - وهم المعتزلة ومن تبعهم (6) - إلى أن الأفعال

(1) راجع الفصل السادس من المرحلة الرابعة.
(2) هذه طريقة طائفة من الحكماء وخواص أصحابنا الإمامية كالمحقق الطوسي في شرح
رسالة مسألة العلم، على ما في الأسفار ج 6 ص 371 وتعليقات الحكيم السبزواري عليه.
(3) وهذا الطريق منسوب إلى الراسخين في العلم. راجع الأسفار ج 6 ص 372.
(4) راجع الفصل الأول من المرحلة الثامنة.
(5) ولمزيد التوضيح راجع ما علق المصنف رحمه الله على الأسفار ج 6 ص 372.
(6) راجع المقالات والفرق ص 138، والفرق بين الفرق ص 79، والفصل في الملل والنحل ج 1 ص 55 - 56، ومقالات الإسلاميين ج 1 ص 273 وشرح المواقف ص 515 - 520،
وشرح المقاصد ج 2 ص 126، وكشف المراد ص 308 - 314، والشيعة بين الأشاعرة
والمعتزلة ص 131.
365

الاختيارية مخلوقة للإنسان ليس للواجب (تعالى) فيها شأن، بل الذي له أن يقدر
الإنسان على الفعل بأن يخلق له الأسباب التي يقدر بها على الفعل، كالقوى
والجوارح التي يتوصل بها إلى الفعل باختياره الذي يصحح له الفعل والترك، فله أن يترك الفعل ولو أراده الواجب، وأن يأتي بالفعل ولو كرهه الواجب، ولا صنع
للواجب في فعله (1). على أن الفعل لو كان مخلوقا للواجب (تعالى) كان هو الفاعل
له دون الإنسان، فلم يكن معنى لتكليفه بالأمر والنهي ولا للوعد والوعيد، ولا
لاستحقاق الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية، ولا فعل ولا ترك للإنسان،
على أن كونه (تعالى) فاعلا للأفعال الاختيارية وفيها أنواع القبائح والشرور
كالكفر والجحود وأقسام المعاصي والذنوب، ينافي تنزه ساحة العظمة والكبرياء
عما لا يليق بها.
ويدفعه: أن الأفعال الاختيارية أمور ممكنة، وضرورة العقل قاضية أن
ماهية الممكنة متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، لا تخرج من حاق الوسط إلى
أحد الطرفين إلا بمرجح يوجب لها ذلك، وهو العلة الموجبة، والفاعل من العلل.
ولا معنى لتساوي نسبة الفاعل التام الفاعلية التي معه بقية أجزاء العلة التامة إلى
الفعل والترك، بل هو موجب للفعل وهذا الوجوب الغيري منته إلى الواجب
بالذات، فهو العلة الأولى للفعل، والعلة الأولى علة للمعلول الأخير، لأن علة علة
الشئ علة لذلك الشئ. فهذه أصول ثابتة مبينة في الأبحاث السابقة. والمستفاد
منها أن للفعل نسبة إلى الواجب (تعالى) بالإيجاد، وإلى الإنسان مثلا بأنه فاعل
مسخر هو في عين عليته معلول، وفاعلية الواجب (تعالى) في طول فاعلية

(1) والمعتزلة يلقبون ب‍ (المفوضة) لأنهم ذهبوا إلى أن الله فوض الأفعال إلى المخلوقين
راجع عقائد الإمامية ص 65.
366

الإنسان لا في عرضه حتى تتدافعا ولا تجتمعا.
وأما تعلق الإرادة الواجبية بالفعل مع كون الإنسان مختارا فيه فإنما تعلقت
الإرادة الواجبية بأن يفعل الإنسان فعلا كذا وكذا، لا بالفعل من غير تقيد
بالاختيار، فلا يلغو الاختيار ولا يبطل أثر الإرادة الإنسانية، على أن خروج
الأفعال الاختيارية عن سعة القدرة الواجبية حتى يريد فلا يكون ويكره فيكون،
تقييد في القدرة المطلقة التي هي عين ذات الواجب، والبرهان يدفعه، على أن
البرهان قائم على أن الايجاد وجعل الوجود خاصة للواجب (تعالى) لا شريك له
فيه. ونعم ما قال صدر المتألهين قدس سره في مثل المقام: (ولا شبهة في أن مذهب من
جعل أفراد الناس كلهم خالقين لأفعالهم مستقلين في إيجادها أشنع من مذهب من
جعل الأصنام أو الكواكب شفعاء عند الله (1) انتهى.
وأما قولهم (2): (إن كون الأفعال الاختياري مخلوقا للواجب (تعالى) لا يجامع توجيه التكليف إلى الإنسان بالأمر والنهي، ولا الوعد والوعيد على الفعل والترك،
ولا استحقاق الثواب والعقاب، وليس له فعل ولا هو فاعل).
فيدفعه: أنه إنما يتم لو كان انتساب الفعل إلى الواجب (تعالى) لا يجامع
انتسابه إلى الإنسان، وقد عرفت (3) أن الفاعلية طولية وللفعل انتساب إلى الواجب
بالفعل بمعنى الايجاد، وإلى الإنسان المختار بمعنى قيام العرض بموضوعه.
وأما قولهم (4): (إن كون أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة للواجب (تعالى)
وفيها أنواع الشرور والمعاصي والقبائح ينافي طهارة ساحته (تعالى) عن كل
نقص وشين).
فيدفعه: أن الشرور الموجودة في العالم على ما سيتضح ليست إلا أمورا فيها
خير كثير وشر قليل، ودخول شرها القليل في الوجود بتبع خيرها الكثير، فالشر

(1) راجع الأسفار ج 6 ص 370.
(2) أي قول المعتزلة كما مر.
(3) في ما مر آنفا حيث قال: (وفاعلية الواجب تعالى في طول فاعلية الإنسان).
(4) أي قول المعتزلة كما مر.
367

مقصود بالقصد الثاني ولم يتعلق القصد الأول إلا بالخير، على أنه سيتضح أيضا (1)
أن الوجود - من حيث إنه وجود - خير لا غير، وإنما الشرور ملحقة ببعض الوجودات،
فالذي يفيضه الواجب من الفعل وجوده الخير بذاته الطاهرة في نفسه، وما يلازمه
من النقص والعدم لوازم تميزه في وجوده، والتميزات الوجودية لولاها لفسد نظام
الوجود، فكان في ترك الشر القليل بطلان الخير الكثير الذي في أجزاء النظام.
وذهب جمع آخر من المتكلمين - وهم الأشاعرة ومن تبعهم (2) - إلى أن كل
ما هو موجود غير الواجب بالذات من ذات أو صفة أو فعل فهو بإرادة الواجب
بالذات من غير واسطة
فالكل أفعاله، وهو الفاعل، لا غير.
ولازم ذلك: أولا: ارتفاع العلية والمعلولية من بين الأشياء وكون استتباع
الأسباب للمسببات لمجرد العادة، أي إن عادة الله جرت على الإتيان بالمسببات
عقيب الأسباب من غير تأثير من الأسباب في المسببات ولا توقف من المسببات
على الأسباب. وثانيا: كون الأفعال التي تعد أفعالا اختيارية أفعالا جبرية لا تأثير
لإرادة فواعلها ولا لاختيارهم فيها.
ويدفعه: أن انتساب الفعل إلى الواجب (تعالى) بالإيجاد لا ينافي انتسابه إلى
غيره من الوسائط، والانتساب طولي لا عرضي - كما تقدم توضيحه (3) -. وحقيقة
وساطة الوسائط ترجع إلى تقيد وجود المسبب بقيود مخصصة لوجوده، فإن
ارتباط الموجودات بعضها ببعض عرضا وطولا يجعل الجميع واحدا يتقيد بعض

(1) راجع الفصل الثامن عشر من هذه المرحلة.
(2) راجع الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 155، ومذاهب الإسلاميين ج 1 ص 555،
والفرق بين الفرق ص 275، والملل والنحل ص 96، واللمع ص 69 - 91. واستدلوا عليه
بوجوه ذكرها المحقق الشريف تبعا للعلامة الإيجي في شرح المواقف ص 515 - 520،
والعلامة التفتازاني في شرح المقاصد ج 2 ص 125 - 143. وتبعهم هشام بن الحكم من
الرافضة، راجع مقالات الإسلاميين ج 1 ص 110، والحسين بن محمد النجار كما في الفرق
بين الفرق ص 155، ومقالات الإسلاميين ج 1 ص 315.
(3) حيث قال: (وفاعلية الواجب (تعالى) في طول فاعلية الإنسان).
368

أجزائه ببعض في وجوده. فإفاضة واحد منها إنما يتم بإفاضة الكل، فليست
الإفاضة إلا واحدة ينال كل منها ما في وسعه أن يناله.
وأما إنكار العلية والمعلولية بين الأشياء، فيكفي في دفعه ما تقدم في مرحلة
العلة والمعلول من البرهان على ذلك (1). على أنه لو لم يكن بين الأشياء شئ من
رابطة التأثير والتأثر وكان ما نجده منها بين الأشياء باطلا لا حقيقة له، لم يكن لنا
سبيل إلى إثبات فاعل لها وراءها وهو الواجب الفاعل للكل.
وأما القول بالجبر وإنكار الاختيار في الأفعال، بتقريب أن فاعلية الواجب
بالذات وتعلق إرادته بالفعل المسمى اختياريا يجعل الفعل واجب التحقق
ضروري الوقوع، ولا معنى لكون الفعل الضروري الوجود اختياريا للإنسان له أن
يفعل ويترك، ولا لكون إرادته مؤثرة في الفعل.
يدفعه: أن فاعليته (تعالى) طولية، لا تنافي فاعلية غيره أيضا إذا كانت طولية،
وإرادته إنما تعلقت بالفعل بوصف أنه اختياري، فأراد أن يفعل الإنسان باختياره
وإرادته فعلا كذا وكذا، فالفعل الاختياري واجب التحقق بوصف أنه اختياري.
واستدل بعضهم (2) على الجبر في الأفعال بأن فعل المعصية معلوم للواجب
(تعالى) فهو واجب التحقق ضروري الوقوع، إذ لو لم يقع كان علمه جهلا، وهو
محال، فالفعل ضروري، ولا يجامع ضرورة الوقوع اختيارية الفعل.
ويعارضه أن فعل المعصية معلوم للواجب (تعالى) بخصوصية وقوعه، وهو
أنه صادر عن الإنسان باختياره، فهو بخصوصية كونه اختياريا واجب التحقق
ضروري الوقوع، إذ لو لم يقع كان علمه (تعالى) جهلا، وهو محال، فالفعل بما أنه
اختياري ضروري التحقق.

(1) راجع الفصل الأول من المرحلة الثامنة.
(2) أي بعض الأشاعرة، راجع اللمع ص 81 - 82.
369

تنبيه:
إستدلالهم على الجبر في الأفعال بتعلق علم الواجب (تعالى) بها وتعين
وقوعها بذلك، استناد منهم في الحقيقة إلى القضاء العلمي الذي يحتم ما يتعلق به
من الأمور، وأما الإرادة التي هي صفة ثبوتية زائدة على الذات عندهم، فإنهم
لا يرونها مبدأ للفعل موجبا له، زعما منهم أن وجوب الفعل يجعل الفاعل
موجبا (بفتح الجيم) والواجب (تعالى) فاعل مختار، بل شأن الإرادة أن يرجح
الفعل بالأولوية من غير وجوب، فللإرادة أن يخصص أي طرف من طرفي الفعل
تعلقت به.
وهذه آراء سخيفة تبين بطلانها بما تقدم بيانه من الأصول الماضية (1).
فالوجوب الذي يلحق المعلول وجوب غيري منتزع من وجوده الذي أفاضته
علته وهو أثرها، فلو عاد هذا الوجوب وأثر في العلة بجعلها موجبة في فاعليته
لزم كون المتأخر وجودا من حيث هو متأخر متقدما على المتقدم وجودا من
حيث هو متقدم، وهو محال، على أن الفاعل المختار لو عاد موجبا (بالفتح) بسبب
وجوب الفعل لم يكن في ذلك فرق بين أن يستند وجوب المعلول إلى علم سابق
وقضاء متقدم أو إلى إيجاب الفاعل للفعل الذي هو مفاد قولنا: (الشئ ما لم يجب
لم يوجد).
وأيضا قد ظهر مما تقدم أن الترجيح بالأولوية مرجعه إلى عدم حاجة الممكن
في تعين أحد طرفي الوجود والعدم إلى المرجح، لبقاء الطرف المرجوح على حد
الجواز مع وجود الأولوية في الطرف الراجح وعدم انقطاع السؤال ب‍ (لم) بعد.
وأيضا الترجيح بالإرادة مع فرض استواء نسبتها إلى طرفي الفعل والترك
مرجعه إلى عدم الحاجة إلى المرجح.

(1) راجع أول هذا الفصل.
370

الفصل الخامس عشر
في حياته (تعالى)
الحياة فيما عندنا - من أقسام الحيوان - كون الشئ بحيث يدرك ويفعل (1).
والإدراك العام في الحيوان كله هو الادراك الحسي الزائد عن الذات، والفعل فعل
محدود عن علم به وإدراك، فالعلم والقدرة من لوازم الحياة وليسا بها، لأنا نجوز
مفارقة العلم الحياة، وكذا مفارقة القدرة الحياة في بعض الأحيان.
فالحياة التي في الحيوان مبدأ وجودي يترتب عليه العلم والقدرة.
وإذ كان الشئ الذي له علم وقدرة زائدان على ذاته حيا وحياته كمالا
وجوديا له، فمن كان علمه وقدرته عين ذاته وله كل كمال وكل الكمال، فهو أحق
بأن يسمى حيا، وهو الواجب بالذات (تعالى)، فهو (تعالى) حي بذاته، وحياته
كونه بحيث يعلم ويقدر، وعلمه بكل شئ من ذاته، وقدرته مبدئيته لكل شئ
سواه بذاته.
الفصل السادس عشر
في الإرادة والكلام
عدوهما في المشهور من الصفات الذاتية للواجب (تعالى) (2).
أما الإرادة فقد تقدم القول فيها في البحث عن القدرة (3).
وأما الكلام، فقد قيل (4): (إن الكلام في عرفنا لفظ دال بالدلالة الوضعية على

(1) قال المحقق القوشجي: (واختلفوا في معنى الحياة. فقال جمهور المتكلمين إنها صفة
توجب صحة العلم والقدرة. وقال الحكماء وأبو الحسين البصري من المعتزلة إنها كونه
بحيث يصح أن يعلم ويقدر). راجع شرح التجريد للقوشجي ص 314.
(2) قال في الأسفار ج 6 ص 340 - 341: (الإرادة والمحبة معنى واحد كالعلم، وهي في
الواجب تعالى عين ذاته).
(3) راجع الفصل الخامس عشر من المرحلة السادسة، والفصل الثالث عشر من هذه المرحلة.
(4) والقائل الحكيم السبزواري حيث قال: اللفظ موضوعا لدى الأنام مما هو المعروف بالكلام
فهو وجود معه وجود ذهنا له بجعلنا شهود
فحيث في تأدية ذا أيسر من غيره لاسم الكلام أثروا
ولو فرضت غيره بديله إذ ذاك حاله يكون حاله
فالكل بالذات له دلالة حاكية جماله جلاله
راجع شرح المنظومة ص 182.
371

ما في الضمير، فهو موجود اعتباري يدل عند العارف بالوضع بدلالة وضعية
اعتبارية على ما في ذهن المتكلم، ولذلك يعد وجودا لفظيا للمعنى الذهني
اعتبارا، كما يعد المعنى الذهني وجودا ذهنيا ومصداقه الخارجي وجودا خارجيا
للشئ.
فلو كان هناك موجود حقيقي دال على شئ دلالة حقيقية غير اعتبارية
كالأثر الدال على المؤثر والمعلول الدال بما فيه من الكمال الوجودي على ما في
علته من الكمال بنحو أعلى وأشرف، كان أحق بأن يسمى (كلاما)، لأصالة
وجوده وقوة دلالته.
ولو كان هناك موجود بسيط الذات من كل وجه له كل كمال في الوجود بنحو
أعلى وأشرف، يكشف بتفاصيل صفاته التي هي عين ذاته المقدسة عن إجمال
ذاته، كالواجب (تعالى)، فهو كلام يدل بذاته على ذاته والاجمال فيه عين
التفصيل).
أقول: فيه تحليل الكلام وإرجاع حقيقة معناه إلى نحو من معنى القدرة، فلا
ضرورة تدعو إلى إفراده من القدرة، على أن جميع المعاني الوجودية وإن كانت
متوغلة في المادية محفوفة بالأعدام والنقائص يمكن أن تعود بالتحليل وحذف
النقائص والأعدام إلى صفة من صفاته الذاتية.
فإن قلت: هذا جار في السمع والبصر، فهما وجهان من وجوه العلم مع أنهما
أفردا من القدرة وعدا صفتين من الصفات الذاتية.
372

قلت: ذلك لورودهما في الكتاب (1) والسنة (2)، وأما الكلام فلم يرد منه في
الكتاب الكريم إلا ما كان صفة للفعل (3).
الفصل السابع عشر
في العناية الإلهية بخلقه وأن النظام الكوني في غاية
ما يمكن من الحسن والإتقان
الفاعل العلمي الذي لعلمه دخل في تمام عليته الموجبة إذا كان ناقصا في
نفسه مستكملا بفعله فهو بحيث كلما قويت الحاجة إلى الكمال الذي يتوخاه بفعله
زاد اهتمامه بالفعل وأمعن في إتيان الفعل بحيث يتضمن جميع الخصوصيات
الممكنة اللحاظ في إتقان صنعه واستقصاء منافعه، بخلاف ما لو كان الكمال
المطلوب بالفعل حقيرا غير ضروري عند الفاعل جائز الاهمال في منافعه، وهذا
المعنى هو المسمى ب‍ (العناية) (4).
والواجب (تعالى) غني الذات، له كل كمال في الوجود، فلا يستكمل بشئ
من فعله، وكل موجود فعله، ولا غاية له في أفعاله خارجة من ذاته، لكن لما كان له
علم ذاتي بكل شئ ممكن يستقر فيه، وعلمه الذي هو عين ذاته علة لما سواه
فيقع فعله على ما علم من غير إهمال في شئ مما علم من خصوصياته، والكل
معلوم، فله (تعالى) عناية بخلقه.

(1) كقوله تعالى: * (والله سميع عليم) * البقرة: 224. وقوله تعالى: * (فإن الله سميع عليم) *
البقرة: 227. وقوله تعالى: * (واعلموا أن الله سميع عليم) * البقرة: 224. وقوله تعالى: * (والله
بصير بما يعملون) * البقرة: 96.
(2) عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم،
والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر...) راجع أصول الكافي ج 1 ص 143.
(3) كقوله تعالى: * (وكلم الله موسى تكليما) * النساء: 164. وقوله تعالى: * (ولما جاء موسى
لميقاتنا وكلمه ربه) * الأعراف: 143.
(4) ولمزيد التوضيح راجع الأسفار وتعليقة المصنف رحمة الله عليه ج 7 ص 55 - 57.
373

والمشهود من النظام العام الجاري في الخلق والنظام الخاص الجاري في كل
نوع والنظم والترتيب الذي هو مستقر في أشخاص الأنواع يصدق ذلك، فإذا
تأملنا في شئ من ذلك وجدنا مصالح ومنافع في خلقه نقضي منها عجبا وكلما
أمعنا وتعمقنا فيه بدت لنا منافع جديدة وروابط عجيبة تدهش اللب وتكشف عن
دقة الأمر وإتقان الصنع.
وما تقدم من البيان جار في العلل العالية والعقول المجردة التي ذواتها تامة
ووجوداتها كاملة منزهة عن القوة والاستعداد، فليس صدور أفعالها منها لغرض
وغاية تعود إليها من أفعالها، ولم تكن حاصلة لها قبل الفعل لفرض تمام ذواتها،
فغايتها في فعلها ذواتها التي هي أظلال لذات الواجب (تعالى)، وبالحقيقة غايتها
في فعلها الواجب (عز اسمه).
ويظهر مما تقدم أن النظام الجاري في الخلقة أتقن نظام وأحكمه، لأنه رقيقة
العلم الذي لا سبيل للضعف والفتور إليه بوجه من الوجوه.
توضيحه: أن عوالم الوجود الكلية - على ما سبقت إليها الإشارة (1) - ثلاثة
عوالم، لا رابع لها عقلا، فإنها إما وجود فيه وصمة القوة والاستعداد لا اجتماع
لكمالاته الأولية والثانوية الممكنة في أول كينونته، وإما وجود تجتمع كمالاته
الأولية والثانوية الممكنة في أول كينونته، فلا يتصور فيه طرو شئ من الكمال بعد
ما لم يكن، والأول (عالم المادة والقوة)، والثاني إما أن يكون مجردا من المادة
دون آثارها من كيف وكم وسائر الأعراض الطارية للأجسام المادية، وإما أن
يكون عاريا من المادة وآثار المادة جميعا، والأول (عالم المثال)، والثاني (عالم
العقل).
فالعوالم الكلية ثلاثة، وهي مترتبة من حيث شدة الوجود وضعفه، وهو ترتب
طولي بالعلية والمعلولية. فمرتبة الوجود العقلي معلولة للواجب (تعالى) بلا

(1) راجع الفرع الثالث من الفروع المذكورة في الفصل الثالث من المرحلة الحادية عشرة.
374

واسطة. وعلة متوسطة لما دونها من المثال، ومرتبة المثال معلولة للعقل وعلة
لمرتبة المادة والماديات، وقد تقدمت إلى ذلك إشارة (1) وسيجئ توضيحه (2).
فمرتبة الوجود العقلي أعلى مراتب الوجود الامكاني وأقربها من الواجب
(تعالى) والنوع العقلي منحصر في فرد، فالوجود العقلي بما له من النظام ظل
للنظام الرباني الذي في العالم الربوبي الذي فيه كل جمال وكمال.
فالنظام العقلي أحسن نظام ممكن وأتقنه، ثم النظام المثالي الذي هو ظل
للنظام العقلي، ثم النظام المادي الذي هو ظل للمثال. فالنظام العالمي العام أحسن
نظام ممكن (3) وأتقنه (4).
الفصل الثامن عشر
في الخير والشر ودخول الشر في القضاء الإلهي
الخير ما يطلبه ويقصده ويحبه كل شئ ويتوجه إليه كل شئ بطبعه، وإذا
تردد الأمر بين أشياء فالمختار خيرها، فلا يكون إلا كمالا وجوديا يتوقف عليه
وجود الشئ كالعلة بالنسبة إلى معلولها، أو كمالا أولا هو وجود الشئ بنفسه، أو
كمالا ثانيا يستكمل الشئ به ويزول به عنه نقص. والشر يقابله، فهو عدم ذات أو
عدم كمال ذات.
والدليل على أن الشر عدم ذات أو عدم كمال ذات أن الشر لو كان أمرا
وجوديا لكان إما شرا لنفسه أو شرا لغيره، والأول محال، إذ لو اقتضى الشئ عدم
نفسه لم يوجد من رأس، والشئ لا يقتضي عدم نفسه ولا عدم شئ من كمالاته
الثانية، لما بينه وبينها من الرابطة الوجودية، والعناية الإلهية أيضا توجب إيصال
كل شئ إلى كماله، والثاني أيضا محال، لأن كون الشر - والمفروض أنه

(1) راجع نفس المصدر السابق.
(2) في الفصل التاسع عشر من هذه المرحلة.
(3) إشارة إلى قوله تعالى: * (الذي أحسن كل شئ خلقه) * السجدة: 7.
(4) إشارة إلى قوله تعالى: * (صنع الله الذي أتقن كل شئ) * النمل: 88.
375

وجودي - شرا لغيره، إما بكونه معدما لذات ذلك الغير، أو معدما لشئ من
كمالاته، أو بعدم إعدامه لا لذاته ولا لشئ من كمالاته، والأول والثاني غير
جائزين، فإن الشر حينئذ يكون هو عدم ذلك الشئ أو عدم شئ من كمالاته
دون الشئ المعدم المفروض، وهذا خلف، والثالث أيضا غير جائز، فإنه إذا لم
يعدم شيئا لا ذاتا ولا كمال ذات فليس يجوز عده شرا، فالعلم الضروري حاصل
بأن ما لا يوجب عدم شئ ولا عدم كماله فإنه لا يكون شرا له لعدم استضراره به،
فالشر كيفما فرض ليس بوجودي، وهو المطلوب (1).
ويصدق ذلك التأمل الوافي في موارد الشر من الحوادث، فإن الامعان في
أطرافها يهدي إلى أن الشر الواقع عدم ذات أو عدم كمال ذات، كما إذا قتل رجل
رجلا بالسيف صبرا، فالضرب المؤثر الذي تصداه القاتل كمال له وليس بشر،
وحدة السيف وكونه قطاعا كمال له وليس بشر، وانفعال عنق المقتول ولينته كمال
لبدنه وليس بشر، وهكذا، فليس الشر إلا زهاق الروح وبطلان الحياة وهو عدمي.
وتبين بما مر أن ما يعد من الوجودات شرا بسبب الاستضرار به هو شر
بالعرض كالقاتل والسيف في المثال المذكور.
فإن قلت (2): إن الألم من الادراك غير تفرق الاتصال الحاصل بالقطع مثلا،
وهو أمر وجودي بالوجدان. وينتقض به قولهم: (إن الشر بالذات عدمي) اللهم إلا
أن يراد به أن منشأ الشرية عدمي وإن كان بعض الشر وجوديا.
قلت: أجاب عنه صدر المتألهين (3) قدس سره بأن الألم إدراك المنافي العدمي،

(1) هذا الدليل أقامه قطب الدين الشيرازي في شرح حكمة الاشراق ص 520. وتعرض له
أيضا صدر المتألهين في الأسفار ج 7 ص 59.
(2) هذا الإشكال هو الذي ذكره المحقق الدواني في حاشية شرح التجريد القوشجي ص 14.
وتعرض له صدر المتألهين في الأسفار ج 4 ص 126، و ج 7 ص 62 - 63.
(3) راجع الأسفار ج 7 ص 63 - 68. ثم إن المحقق السبزواري ناقش في ما ذكره صدر
المتألهين في دفع الإشكال، وبعد ذلك ذكر وجها آخر لدفعه، فراجع تعليقاته على الأسفار
ج 7 ص 63 - 65.
376

كتفرق الاتصال ونحوه بالعلم الحضوري الذي يحضر فيه المعلوم بوجوده
الخارجي عند العالم، لا بالعلم الحصولي الذي يحضر فيه المعلوم عند العالم
بصورة مأخوذة منه لا بوجوده الخارجي، فليس عند الألم أمران: تفرق الاتصال
- مثلا - والصورة الحاصلة منه. بل حضور ذلك الأمر المنافي هو الألم بعينه، فهو
وإن كان نحوا من الادراك لكنه من أفراد العدم، وهو وإن كان نحوا من العدم لكن
له ثبوت على حد ثبوت أعدام الملكات، كالعمى والنقص وغير ذلك.
والحاصل أن النفس لكونها صورة الإنسان الأخيرة التي بحذاء الفصل الأخير
جامعة لجميع كمالات النوع واجدة لعامة القوى البدنية وغيرها، فتفرق الاتصال
الذي هو آفة واردة على الحاسة تدرك النفس عنده فقدها كمال تلك القوة التي
وردت عليها الآفة في مرتبة النفس الجامعة لا في مرتبة البدن المادية.
ثم إن الشر لما كان هو عدم ذات أو عدم كمال ذات كان من الواجب أن تكون
الذات التي يصيبه العدم قابلة له، كالجواهر المادية التي تقبل العدم بزوال صورتها
التي هي تمام فعليتها النوعية، وأن تكون الذات التي ينعدم كمالها بإصابة الشر
قابلة لفقد الكمال، أي أن يكون العدم عدما طاريا لها لا لازما لذاتها، كالأعدام
والنقائص اللازمة للماهيات الإمكانية، فإن هذا النوع من الأعدام منتزع من مرتبة
الوجود وحده.
وبهذا تبين أن عالم التجرد التام لا شر فيه، إذ لا سبيل للعدم إلى ذواتها الثابتة
بإثبات مبدئها، ولا سبيل لعروض الأعدام المنافية لكمالاتها التي تقتضيها وهي
موجودة لها في بدء وجودها.
فمجال الشر ومداره هو عالم المادة التي تتنازع فيه الأضداد وتتمانع فيه
مختلف الأسباب وتجري فيه الحركات الجوهرية والعرضية التي يلازمها التغير
من ذات إلى ذات ومن كمال إلى كمال.
والشرور من لوازم وجود المادة القابلة للصور المختلفة والكمالات المتنوعة
المتخالفة، غير أنها كيفما كانت مغلوبة للخيرات، حقيرة في جنبها إذا قيست إليها.
377

وذلك أن الأشياء - كما نقل عن المعلم الأول (1) - من حيث الخيرات والشرور
المنتسبة إليها على خمسة أقسام: إما خير محض، وإما شر محض، وإما خيرها
غالب، وإما شرها غالب، وإما متساوية الخير والشر. والموجود من الأقسام
الخمسة قسمان، هما: الأول الذي هو خير محض، وهو الواجب (تعالى) الذي
يجب وجوده وله كل كمال وجودي وهو كل الكمال، ويلحق به المجردات التامة،
والثالث الذي خيره غالب، فإن العناية الإلهية توجب وجوده، لأن في ترك الخير
الكثير شرا كثيرا.
وأما الأقسام الثلاثة الباقية، فالشر المحض هو العدم المحض الذي هو بطلان
صرف لا سبيل إلى وجوده، وما شره غالب وما خيره وشره متساويان تأباهما
العناية الإلهية التي نظمت نظام الوجود على أحسن ما يمكن وأتقنه.
وأنت إذا تأملت أي جزء من أجزاء الكون وجدته أنه لو لم يقع على ما وقع
عليه بطل بذلك النظام الكوني المرتبط بعض أطرافه ببعض من أصله وكفى بذلك
شرا غالبا في تركه خير غالب.
وإذ تبين أن الشرور القليلة التي تلحق الأشياء من لوازم الخيرات الكثيرة
التي لها، فالقصد والإرادة تتعلق بالخيرات بالأصالة وبالشرور اللازمة لها بالتبع
وبالقصد الثاني.
ومن هنا يظهر أن الشرور داخلة في القضاء الإلهي بالقصد الثاني. وإن شئت
قلت: (بالعرض)، نظرا إلى أن الشرور أعدام، لا يتعلق بها قصد بالذات (2).
الفصل التاسع عشر
في ترتيب أفعاله وهو نظام الخلقة
قد اتضح بالأبحاث السابقة أن للوجود الامكاني - وهو فعله (تعالى) -

(1) نقله عنه صدر المتألهين في تعليقاته على شرح حكمة الاشراق ص 521.
(2) راجع ش